موقع المستشار - عبد الرحمن هاشم.
 
الاستبداد بالرأي في الحياة الخاصة يورد الإنسان موارد التهلكة ويعرضه للعثرات والمهالك.
 
ولقد عرف المفكر العربي عبد الرحمن الكواكبي الاستبداد لغوياً بأنه "اقتصار المرء على رأي نفسه فيما ينبغي الاستشارة فيه"، وعرفه بمعناه السياسي فقال: إنه "إدارة الشؤون المشتركة بمقتضى الهوى" أي بمقتضى أهواء الحاكم الفرد ورغائبه دون الاستعانة بعقول الأمة ومشورة أهل الحل والعقد.
 
ولا شك في أن الإنسان يمارس نوعاً مماثلاً من الاستبداد بحياته وأهله ومحبيه حين لا يدير شؤونه الخاصة إلا بمقتضى الهوى وحده وحين يقتصر على رأي نفسه فيما ينبغي له الاستشارة فيه.
ومن القصص التي تعد نموذجاً لأخطاء الاستبداد بالرأي وإغلاق العقل دون مشورة الأهل، والاندفاع الأهوج، والعناد الأحمق، والانقياد الأعمى لأهواء النفس ورغائبها دون تبصر، تلك القصة ـ القديمة الجديدة ـ التي أرسلت بها سيدة شابة في السادسة والعشرين من عمرها لجريدة الأهرام تقول فيها: أنا الإبنة الكبرى لأسرة من أصل طيب، وكان أبي ضابطاً، وأمي ربة بيت ولي أخوة في التعليم الثانوي والجامعي، وتعتمد أسرتي في حياتها على معاش أبي ومعاش جدتي لأمي. وأنا بيضاء طويلة وشعري فاتح اللون وعيوني واسعة وعسلية اللون وممشوقة القوام، وعلى قدر من الجمال لافت للنظر.
 
بعد تخرجي عثرت على وظيفة في شركة استثمارية بمرتب مغر نظراً لإجادتي للغتين ولمظهري كذلك، وفي العمل تعرفت على مديري وهو رجل يكبرني بعشرين سنة ومتزوج وله أربعة أطفال.
 
وكنت حديثة التخرج وشديدة الحيوية والمرح وأثق بالجميع وأصدق كل ما يقال لي، ولأنني كنت أريد أن أثبت كفاءتي في العمل وأسعى جاهدة للحصول على مميزاته والمحافظة عليه فقد كنت أستمع إلى نصائح هذا المدير واتخذته صديقاً لي أروي له ما يجري حولي في البيت والعمل.. وكان العمل ينتهي في التاسعة مساءً، وليس لدي سيارة وهو يقيم في الحي الذي أقيم فيه فكان يعرض علي توصيلي إلى منزلي في طريقه إلى بيته.. وشيئاً فشيئاً بدأ الحوار بيننا يتطور ويتعمق إلى أن جاء يوم وصارحني فيه بأنه يحبني ويريد أن يتزوجني وانبهرت أنا بمظهره وأناقته ووسامته ومركزه فوقعت أسيرة لكلامه وشعرت بأنني لا أستطيع الاستغناء عنه، فقد كنا نقضي معاً في العمل 12 ساعة يومياً ونتبادل الحديث في التليفون ليلاً حتى الفجر!
 
ولم يجد اعتراض أبي على سهري مع التليفون شيئاً مع أنه لم يكن يعلم بعلاقتي بمديري، وحاولت أمي الكثير لإثنائي عن الاستمرار في هذه العلاقة باللين أحياناً وبالحزم أحياناً أخرى فلم تفلح أية محاولات لإثنائي عما أنا بصدده.
أذناي لم تكن تنصت لغير كلام مديري المعسول وبأحلامي معه.. حتى تهديد أمي لي بأن تأتي إليً في العمل وتواجه مديري وتفضح أمره معي بين الزملاء، لم يثمر شيئاً، وكيف كان له أن يثمر أي شيء وقد أصبحت لا أرى في الوجود كله سواه ولا أسمع لغيره بل وسعدت بالفخر لأنه فضلني على كل زميلاتي اللاتي كن يخطبن وده.
 
وبعد ذلك بأسابيع جاء ليطلب يدي من أبي فرفضه لأنه متزوج ولديه أبناء ويكبرني بعشرين عاماً، وبعد المقابلة هاج أبي وسبني وكاد يضربني واتهم أمي بالتستر على أمري.. وشهدت أسرتنا سلسلة من الشجار الدائم، أما أنا فقد قابلت ثورة أبي وأمي بالاحتجاج والتبجح والعناد الشديد وأنا للأسف معروفة بها، وخاصمتهما وأصبحت وحيدة في البيت لا أكلم أحدا ولا يكلمني أحد.. ومديري يشد من أزري ويقويني ويحثني على التمسك به وعدم التراجع عن موقفي وزاد من إصراري عليه أنه قال لي إنه واجه زوجته بحبه لي ورغبته في الزواج مني، فثارت وطلبت الطلاق وجمع هو ملابسه وانتقل للإقامة في بيت شقيقته، وراح هو يرسم لي صورة الحياة الوردية التي سأحياها معه.. من شقة كبيرة وسيارة فارهة وناد شهير وملابس فاخرة ومجوهرات ثمينة وهدايا سخية، وقد بهرني ذلك بالفعل في بداية تعرفي به لكني بعد ذلك أحببته أكثر من أي شيء.. حتى لقد أحببته أكثر من أبي وأمي وأخوتي أنفسهم!
 
وظلت أحوالي في البيت تتراوح بين الخصام والشجار، وبين اللين والمهادنة حتى توفي أبي يرحمه الله. وبعد فترة من رحيله تقدم مديري مرة أخرى إلى أمي ليتزوجني فرفضته من جديد لأنه متزوج فأخرج لها ورقة طلاقه لزوجته وكان قد أقدم عليه قبل شهور.. وبعد شجار وجدال طويلين بيني وبينها أرغمت أمي على الموافقة عليه بعد أن هددتها علناً بأن أتزوجه سراً على غير إرادتها.. ورضخت أمي في النهاية وسلمت لي برغبتي وهي تقول: "حسبي الله ونعم الوكيل"، وأعلنت لي أنها ستقف معي في زواجي أمام الناس فقط، وبمجرد إتمامه لن يكون لها أي شأن بي ولا بحياتي بعده، وتركت العمل بمجرد خطبتي لمديري وبسبب تلهفي على الزواج قبلت بالزواج في شقة مفروشة إلى أن يتسلم شقته في إحدى المدن الجديدة بعد ستة أشهر،
 
ووقع لأمي على قائمة للمنقولات بخمسين ألف جنيه، واشترى لي شبكة بعشرة آلاف جنيه وتزوجنا في فندق 5 نجوم وقضينا شهر العسل في مرسى مطروح، ومرت أيامه سريعة ثم انتقلنا إلى الشقة المفروشة وبعد شهرين فقط بدأت أشعر بفتور زوجي في ذات الوقت الذي بدأت فيه ثمرة الزواج تتكون في أحشائي، فقد أصبح يتركني بالأسبوع بدعوى ذهابه لرؤية أبنائه وإشعارهم بوجوده في حياتهم.. ثم أصبحت فترة غيابه عني تزيد إلى أسبوعين، ثم علمت من إحدى الصديقات أنه قد أعاد زوجته إلى عصمته وواجهته بذلك، فقال لي إنه لم يعرف طريقاً أخر للاعتناء بأولاده وتوفير الحياة الطبيعية لهم بين أب وأم سوى ذلك..
 
أصبح زوجي يقضي مع زوجته وأولاده أسبوعاً كل شهر، ثم بدأت المشاكل تلاحقني من جانب زوجته وبدأت إهاناتها لي في التليفون، وشكوت لزوجي من ذلك. ثم طلبت منه أن نذهب معاً للسؤال عن موعد تسلم شقتنا لكي نستعد لتسلمها وشراء الأثاث فاعتذر لعدم توافر المال معه في ذلك الوقت، وذهبت وحدي للسؤال عن الشقة فاكتشفت أنه متعثر في السداد وعليه أقساط متأخرة كثيرة وأننا سوف نفقد الشقة إذا لم يدفعها وطالبته بالتصرف فاعتذر بضيق ذات اليد. واقترح عليً أن أبيع شبكتي وأسحب من مدخراتي القليلة لدفع الأقساط على أن يرد لي ذلك في المستقبل.. رفضت ذلك وتشاجرنا وبدأت المشاكل بيننا وفي كل يوم يطالبني بالشبكة وأرفض إعطاءها له لأنني لا أملك من حطام الدنيا غيرها، وفقدت عملي ولا أستطيع العمل وأنا حامل، فأصبح يتركني وحيدة في البيت ولا يسأل عني حتى بالتليفون ويستهزىء بي وبمشاعري كلما عاتبته، ووجدتني بعد شهور قليلة من الزواج الذي ظننت أنه أجمل أحلامي، وحيدة ومريضة في شهور حملي الأخيرة وخائفة من شماتة الأهل والأم والأخوة الذين رفضوا هذه الزيجة وعاندتهم ووقفت أمامهم.
 
وقد طلبت الطلاق وأنا أشعر بالهزيمة وبأن كل ما يجري لي يرجع إلى أنني لم أستجب لرأي أبي وأمي وأهلي، ورفض هو طلاقي بدعوى أنه لن يطلقني لكي أتزوج وآتي لابنه المنتظر بزوج أم غير أبيه!
 
تقول صاحبة الرسالة: لقد أسأت إدارة حياتي بأسوأ ما يمكن لإنسان أن يفعل بحياته، فصممت أذني عن نصح الأبوين والأهل.. وانقدت لهوى النفس ورغائبها بغير بصيرة، وأقمت بنياناً هشاً فوق دعائم خائرة.. فلم يلبث أن انهار مع أول هبة ريح.
 
جمعني بزوجي الانبهار الخاطيء بالشكل قبل المضمون وبمغريات صورة الحياة الوردية التي توهمت أنه سيحققها لي إلى جانب اندفاعي العاطفي الأهوج والعناد الأعمى وتحدي إرادة الأهل والرغبة في تحقيق الأهداف بالطريق السهل..
 
في حين أن ما جمعه بي ـ في أغلب الظن ـ ليس سوى الاشتهاء الجسدي وكل ذلك سواء من جانبي أو جانبه لا يصلح لأن يقيم زواجاً متين البنيان!
 
وإذا كانت قصتي هذه تتكرر كثيراً فأرجو من أبطالها الجدد في قابل الأيام أن يتداركوا أمرهم قبل أن يصلوا إلى نهايتها المؤلمة وحينئذ لا ينفع الندم ولا يجدي العتاب.

المراجع

موسوعه المستشار

التصانيف

الحياة