كتب: د.علي بن عمر بادحدح
21 يوليو, 2009 - 29 رجب 1430هـ
 
 
من مزايا المرآة أنها تبرز صورة الأشياء بوضوح ، دون زيادة أو نقص ، وكل من يستحقها يحرص على نظافتها ، حتى تكون صقيلة ناصعة ، ولا ذنب للمرآة إذا رأى الناظر فيها عيوبه من اتساخ الثياب أو اختلال الهندام ؛ لأنها مجرد شاهد صادق ينطق بالواقع ، وقد يغضب الناظر لما يرى من صور النقص لكنه لا يملك - إن كان عاقلاً - إلا أن يصلح من الحقيقة لتصلح صورته ، لكن بعض الحمقى قد يقذف بهذه المرآة ويهشمها بيده ، ثم يدوسها بقدمه ، ونقول لهذا الأحمق : لم تغير الحقيقة وفقدت - مع ذلك - الوسيلة التي تعرف بها الخلل والقصور .

والحج مرآة الأمة تبدو من خلاله صورتها بما فيها من حسن وجمال ، أو قبح واختلال ، ذلك أن الحج هو مؤتمر الأمة الأكثر عدداً ، والأعظم تنوعاً ؛ لوجود فئات من الأمراء والعلماء ، والمثقفين والأدباء ، والوجهاء والدهماء ، والعامة والبسطاء ، والرجال والنساء ، ولا شك أن مرآة الحج تبرز في إطار عام كثيراً من المحاسن من التعبد والمساواة والوحدة ، ولكنها – لصدقها – تبرز أيضاً صوراً من الخلل ونماذج القصور الذي لا يتفق مع تلك المحاسن ، بل ربما نجد ما يناقض تلك المحاسن ويضادها .

إن العين لا تخطئ رؤية كثير من السلبيات ، فأنت ترى في صفوف الجموع الغفيرة صوراً من اختلال العقائد وشيوع الابتداع ، كما تلحظ ذهولاً عن العبادة ، وبعداً عن الخشوع ، ولا تخفى عليك نماذج الجهل بالدين ، والتخبط في المناسك ، إضافة إلى صور التخلف الحضاري المتجسدة في إهمال النظافة ، وتجاهل أبسط مستلزماتها ، والتجاوز للتعليمات الصحية وعدم مراعاتها ، والإخلال بالنظام مع الإخلاد للفوضى ، هذا مع صور متفرقة من الحدة في التعامل ، والشدة عند التزاحم والانفعال عند التجاوز ، والتعصب لجنس أو البلد أو على الأقل عدم الارتياح والانفتاح على الآخرين .

كل ذلك لا يعني أن هناك إيجابيات كثيرة ، ولكن في الوقت نفسه ينبغي أن لا نفعل هذه المظاهر ، ويجب أن لا نكسر المرآة ، بل ينبغي أن نشكرها إذ وقفنا من خلالها على الداء وبقي الدواء .

 وأختم هذه السطور بأن ما ذكرته يبين حجم الجهود التي تبذل لتحويل الأمة من الفرقة إلى الوحدة ، ومن الذلة إلى العزة ، ومن الضعف إلى القوة ، ومن التخلف إلى التقدم ، ولا شك أن الدور الأكبر في عنق الحكومات الإسلامية ، وأجهزتها الإعلامية ، ومناهجها التعليمية . وهناك أيضاً العلماء وجهودهم في الدعوة ، والحفاظ على عقيدة الأمة ، والصدع بالحق، والصد عن المنكر، والمحاربة للجهل ، والمواجهة للغزو ، وهناك جهود وواجبات منوطة بأرباب المال ومؤسسات الاقتصاد ، وأخرى بأرباب الفكر والأدب ، وثالثة بخطباء المنابر وحملة الأقلام ، ولا أظن مسلماً يخلو من المسؤولية تجاه أوضاع الأمة ، فما أحرانا أن نوجه النداء لكل فرد في الأمة عموماً ، ولكل حاج خصوصاً أن يتحمل مسؤولياتهم ، وأن يغيروا مواقعهم ، وأن يقوموا بواجبهم ليتحقق لهم وعد الله { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ...} والله المستعان .

المراجع

موسوعة اسلاميات

التصانيف

عقيدة