الخطبة الأولى:
الحمد لله رب العالمين، إله الأولين والآخرين، وديَّان يوم الدين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
أيها المسلمون: قال الله - تعالى -: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ}1، وقالت العرب قديماً: "مصائبُ قوم عند قوم فوائدُ".
إنه لمن الغفلة الساحقة، والجهل المطبق؛ أن تمر بنا الأحداث - قريبة كانت أو بعيدة - دون أن تكون لنا منها دروساً للزمان وعبراً، فالأحداث معلم وأي معلم! وفي المثل: "الحياة مدرسة فلاتكن طالباً مهملاً فيها"!
أيها المسلمون وقفت الحرب بعض الشيء مع يهود فما الذي جناه المسلمون منها؟
لقد رأينا جميعاً ما جرى في أرض غزة: قتل وتشريد ودمار، بربرية يهودية حاقدة ظالمة آثمة {لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ}2، لكن ولله الحمد لقد صدق الله وعده حين صَدَقَ المجاهدون، ودَعا ودَعَمَ المؤمنون، فكان حال جمع اليهود أمام ذلك كما صوره القرآن: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ}3، فلله الحمد من قبل ومن بعد، رأينا ما جرى فاستفدنا ما يلي:
استفدنا أن هذه هي يهود، وهذه طبيعتهم، وهذه نفسيتهم التي طالما خدّرونا بسلام وتعايش سلمي معهم، فهذه حقيقتهم كما صورها القرآن الكريم، إن هؤلاء القوم لا تستطيع حتى الحيوانات أن تعيش معهم في سلام، إنهم قوم بهت لا يؤمنون بعهود، ولا يعترفون بمواثيق.
لكن ماذا ننتظر من قوم قست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة؟
ماذا ننتظر من قوم تلطخت أيديهم بدماء الرسل والأنبياء، فكيف بالعزَّل والأبرياء؟
ألم يقل الله - تعالى - عنهم: { أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ}4 ألم يقل الله - سبحانه - أيضاً عنهم: {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}5، وماذا ننتظر من قوم فقدوا الأدب مع العلي الكبير، فقالوا لموسى - عليه السلام -: {أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً}6، وقالوا: {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ}7، وقالوا: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}8.
إنهم أمة مرذولة ملعونة مغضوب عليها، أمة تتعطش للدماء والحروب {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}9 هؤلاء تُربِّي فيهم عقيدتُهم؛ الأنانية واحتقار البشر، فهم في نظرهم شعب الله المختار، وهم أبناء الله وأحباؤه - وكذبوا -.
ثم لا تسل عن أي نوع من البشر تصنعه تلك النفسية المتغطرسة والمجرمة، هل تظن بعد ذلك أن يكون عندهم احترام لمخلوق، أو تقدير لإنسان: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا}10.
هل درت عدن أن مسجدها الأقصى مكان من أهله مهجور
طُوي المصحف الكريم وراحت تتشاكى آياته والسطور
تُهدم المدن و القرى هاتفات: أين أين الرّشيد والمنصور!
هل درى جعفر؟ فرفّت جناحاه إلى المسجد الحزين يطير!
عذرًا غزة؛ فما في الأمة معتصم، ولا نور الدين، أو صلاح.
إننا يجب أن نستيقن عباد الله أن يهود الأمس هم يهود اليوم، وهم يهود الغد، اختلفت قوالبهم، واتحدت قلوبهم، فجرائم يهود الآن التي نراها هي ذاتها الجرائم التي قامت بها عصابات يهود عند تأسيس دولة إسرائيل - المزعومة -، ومجازرهم البشعة اليوم هي امتداد لمجزرة دير ياسين والمجازر بعدها، وقادتهم المجرمين اليوم ليسوا إلا أبناء لآبائهم المحتلين المغتصبين بالأمس، بل لقد اعترفوا من أنفسهم بجرائمهم: فلقد كشفت صحيفة بريطانية شهادات لمجموعة من الجنود الإسرائيليين ممن رفضوا المشاركة في الحرب على قطاع غزة، ووصف جنودٌ منهم ما يحدث بغزة بأنه وحشي, بينما اعتبر آخرون أن قتل المدنيين الفلسطينيين لا يمكن تبريره.
يقول أحد الجنود الصهاينة لصحيفة غارديان: إنه التحق بالجيش الإسرائيلي لاعتقاده أنه سيحارب "المنظمات الإرهابية"، لكنه وجد نفسه مشاركاً بقمع الطامحين الفلسطينيين للحرية، وإخماد احتجاجات المزارعين على "نهب أراضيهم"، كما قال أنه شاهد بنفسه تجاوزات الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين كاستخدام المدنيين دروعاً بشرية.
بغزة في العراء تصيح ثكلى فتُرجم بالقذائف والرعود
وأشلاءٌ مبعثرة لقــــوم يزين جباههم أثر السجود
وأطفال الحصار قضوا سراعـاً ضحايا كل كاذبةِ الوعود
مجـازر ضجَّت الفلوات منها وشاب لهن ناصيةُ الوليد
بل لقد قال مراسل "التايمز"11: شاهدتُ في غزة ما يشبه يوم القيامة!!
إن هذا كله ليؤكد لنا أن ما تفعله دولة يهود وبحبل من النصارى إنما هو حلقة من سلسلة العداء التي كانت ولا زالت على دين محمد - صلى الله وسلم -، وأتباعه في أرض الإسراء، وسيبقى عداؤهم لنا متجددًا وماثلًا ما دام فينا وفيهم عرق ينبض، أو قلب يخفق.
عباد الله: ويبقى السؤال الأهم: لماذا أمطرت يهود بصواريخها، وأنزلت عناقيد غضبها؛ على غزه الأبية؟
لماذا كان قدَر غزة الحصار والتجويع، والحرب والترويع؟ حتى إن رئيس حزب "إسرائيل بيتنا"12 قد دعا إلى إلقاء قنبلة ذرية للقضاء على غزة!! فلماذا يا تُرى؟
لقد تعلمنا أكثر وأكثر في هذه الحرب إجابة هذا السؤال: لأن غزة أولاً حكومة إسلامية، لأن غزة الآن هي التي تحتضن بين جنبيها أبطال فلسطين الذين أعلنوا مبدأ المقاومة والجهاد أمام الإملاءات اليهودية.
لأن أبطال غزة هم الذين قالوا: "لا وألف لا لإسرائيل .. ومرحبًا بالمنايا في سبيل كرامة الأمة، وعزتها، وحفظ مقدساتها".
لأن رجال غزة رفضوا منطق الاستسلام باسم السلام، أمام من لا يؤمن بعهد ولا ميثاق، ورفضوا حياة الذل والترقيع والهوان، ولسان حالهم:
لا تسقني ماء الحياة بذلة بل فأسقى بالعز كأس الحنظل
وهاهم أبطال غزة قد أثبت العالم بعون من الله انتصارهم وفوزهم {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}13، فتحيةَ إجلال إلى أولئك الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلاً.
هو الشهيد سيبقى الفخر ما فخروا هـو الشهيد وفي أعماقنا الخبر
ابن الشهيد ورمز المجد في وطـن في القدس نور وفي أرواحنا أثر
هو المناضل ما دامت لنا مهـج هــو المجاهد ما يحدو بنا غِيَر
والله إن التاريخ سيشهد أن الصابرين الصامدين هناك وقفوا أمام غطرسة يهود بسلاح الإيمان.
وسيشهد التاريخ أن رجال غزة قدّموا أطفالهم قرباناً لقضية إسلامية فلسطين.
وسيشهد التاريخ أن أبناء ياسين، وأحفاد عز الدين القسام؛ ما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا، والله يحب الصابرين.
يا أبطال غزة:
علمونا بعض ما عندكم فقد نسينا، علمونا بأن نكون رجالاً فلدينا الرجال صاروا عجيناً!!
يا رجال غزة لا تبالوا بإعلامنا ولا تسمعونا، فلقد صغرنا أمامكم ألف قرن!! وكبرتم خلال شهر قروناً.
هذه هي غزة الأبية، وهذا خبرها، فما خبر أمتنا؟
ما خبر ألف مليون، وقد دعتهم الجراح، ونادتهم المأساة؟!
يا أهل غزة:
لا عذر فنعتذر، وما لنا عن سهام العار مستتر.
عذرًا آل غزة؛ فقد أقعدنا الهوان، وأعجزتنا الحيلة عن نصرتكم وإغاثتكم.
عذراً غزة الشريفة؛ فقد طفئت غيرتنا، وبردت نخوتنا، فتخلينا عن قضيتك لتستفرد بك أيادي الإجرام والإرهاب.
عذرًا.. عذراً؛ فغاية شجاعتنا ونجدتنا أن نطالب بفتح المعابر لنكون لكم هلالاً أحمراً.
عذراً، عذراً؛ فقد لجمت أفواه رجالاتنا أن تطلقها صيحة للجهاد والوقوف معكم، وأضحى الحديث عن المقاومة في زمن التعايش السلمي الأعور جريمة لا تغتفر.
عذراً موطن غزة؛ ففينا من الحزن والغم لجرحكم ما لا نبثه ونشكوه إلا إلى الله.
فصبراً يا أهل الرباط، صبراً يا من قطعتم أطماع اليهود عن جسد أمتنا، ورفعتم لنا راية النصر خفاقة في السماء.
تعلمنا من هذه الحرب: أن صراع يهود صراع مع كل من يحمل هوية الإسلام، ولن يرضوا عنا حتى نتخلى عن مبادئنا وعقيدتنا {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}14
علمنا أن هذه حقيقةَ اليهود كما صوَّرها القرآن الكريم، تلك الحقيقة التي طالما حاول اليهود بإعلامهم وعملائهم تغييرها وتزويرها، وما نراه اليوم؛ صورةٌ من إفساد يهود الذين قال عنهم ربهم الذي خلقهم: {وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا}15، وقال سبحانه أيضاً: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ}.
رأينا كذب يهود وبهتانهم حين زعم ساستهم أنهم لا يقتلون الأبرياء وإنما هدفهم الإرهابيين كما يزعمون!! ولقد رأى العالم كله: أن ضحية صواريخهم هم المدنيين من نساء وشيوخ وأطفال، وهذا الكذب والتضليل قد نبَّأنا الله به عنهم فقال - جلَّ جلاله -: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ}16، فهم كَذَبَة، ويحبُّون سماعَ الكذب؛ حتى نُقل عن رئيسهم الهالك (رابين) قوله: "من الواجب الكذب من أجل مصالح إسرائيل".
ورأينا أيضاً: جبن اليهود، وخورهم وهلعهم، حين يهاجر مئات من أسرهم بعيداً عن صواريخ المقاومة المتواضعة، رأيناهم كيف يفزعون ويختبئون حرصاً على الحياة وصدق الله: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ}17، وصدق الله: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى}18، أما نقضهم للعهود والمواثيق والاتفاقيات؛ فهذه خَصلة يهودية، يبدأ الحديث عنها ولا ينتهي، وحسبنا قول ربنا: {وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ}19، {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ}20، {الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ}21، فها هي آيات ربِّنا نراها اليوم شاهداً ملموساً محسوساً في صراعنا مع يهود.
وإنَّ هذا كلَّه لَيزِيدُنا إيماناً واطمئناناً بكلام ربِّنا، وصدق مَوْعُودِه الذي منه: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا }22، {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}23.
بارك الله لي ولكم في القرآن، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على عبده المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن اجتبى، أما بعد:
إخوة الإيمان:
ومما علمتنا هذه الحرب أنَّ الراية المرفوعة حالياً هي راية إسلامية، ليست راية قومية، ولا بَعْثِيَّة، ولا باطِنِيَّة، لا شرقية، ولا غربية، وهي تلك الراية التي طالما أفزعت وأقلقت الصهاينة التي قال عنها أحدُ مؤسِّسي دولة إسرائيل24: "نحن لا نخشى الاشتراكيَّات، ولا القوميَّات، ولا الملكيَّات في العالم، وإنما نخشى الإسلام، هذا المارد الذي نام طويلاً، وبدأ يَتَمَلْمَل في المنطقة، إنني أخشى أن يظهر محمدٌ من جديد في المنطقة"!!، ويقول آخرون منهم - ممن شارك في حرب غزة هذه -: "إن حماس عقيدة .. هذه ليست عصابة".
ألا يحقُّ لنا أن نفرح بهذه الراية التي صَيَّرت اليهود في رعبٍ إلى رعبهم؟
ألا يحقُّ لنا أن نُفاخِر بهذه الكتيبة التي عرَّت أسطورة الجيش الذي لا يُقهَر؟
فهنيئاً لأمَّة محمد بهؤلاء الأبطال الذين ما ضرَّهم مَنْ خالَفهم، ولا مَنْ خَذَلَهم.
هنيئاً لهؤلاء الرِّجال الذين علوا وشمخوا، ورفعوا هاماتهم، وشدوا بأسَنا يوم أن كاد يغلبنا يأسُنا، إنهم فتيةٌ آمنوا بربِّهم، وضحُّوا بأرواحهم وأطفالهم؛ في سبيل حفظ حقوقهم ومقدَّساتهم، ما وهنوا لما أصابهم، وما ضعفوا، وما استكانوا.
لقد أحيت هذه المقاومة الباسلة في الأمة معاني كانت منسية، فأحيت في ضمير الأمة حبَّ الشهادة، والتطلُّعَ لها، حتى أضحت الشهادة وأخبارها حديث الناس هناك، وأصبحت البيوت تتلقى التهاني بها لا التعازي عليها.
هذه الخاتمة - يا عباد الله - التي هي مطلبٌ عزيز، وهاجسٌ ثمين لكل مؤمن بالله واليوم الآخر؛ أن يودِّع دنياه ويستقبل أُخراه بوسام الشهادة في سبيل الله.
"فزتُ وربُّ الكعبة" صيحةٌ أطلقها الصحابي حَرَام بنُ مِلْحان يوم أن أصابه رمح في ظهره حتى خرج سنانُه من صدره!!، وبهذه المعاني تحيا الأمة، ويرخص في ضميرها حب الدنيا، وكراهية الموت، وهو الوهَن الذي نبَّأنا به رسولنا - صلى الله عليه وسلم -.
وهؤلاء المجاهدين وهذه المقاومة أيضاً عزَّزَت في الأمة روح الكرامة، وقيم العزَّة، وهي مؤشِّرٌ على حياة الشعوب؛ فلا يرضى الذُّلَّ والاستذلال إلا مَنْ سفه نفسه، وفقد إنسانيته.
علمتنا هذه الحرب: أن الآلام والجراح قَدَر الله في هذه الأمة، ومشيئة نافذةٌ في أمَّتنا المكلومة المرحومة، أن يصيبها البلاء؛ ليكفِّر الله عن أهلها السيئات، ويتَّخذ منها شهداء، وليميز الله الذين آمنوا من الذين نافقوا: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ}25، {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا}26، {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ}27.
لقد مَسَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابتَه البأساءُ والضراءُ في مكة حتى شكوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أَلاَ تَدْعُ اللهَ لنا، ألا تَسْتَنْصِرْ لنا؟"، ولقد مَسَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وصحابتَه - رضي الله عنهم - اللأواء يوم أحد، فكُسرت رباعيَّته، وشُجَّ وجهه، وغارت حلقة المِغْفَر28 في وجهه، حتى أعياه القيام - صلى الله عليه وسلم -، وقُتل في مشهد أُحُد سبعونَ من خيار وأبطال المهاجرين والأنصار.
أَمَا فُجِعَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتل سبعين من قُرَّاء القرآن ومَهَرَتِه في بئر معونة؟
أما مَسَّ هذه الأمَّة البأساءُ يوم الغزو الصليبي البربري في القرن الخامس الهجري، وقُتل في القدس سبعون ألفاً في يومٍ واحدٍ فقط، وحُوِّل المسجد الأقصى إلى كنيسة رُفع الصليب عليها دهراً من الزمن؟
أما فُجِعَت أمَّتنا بمليون شهيد في بغداد فقط إبَّان الغزو التَّتَري الهمجي عليها؟
أما قدَّمت هذه الأمة مليون شهيد من أجل تحرير الجزائر من الاحتلال الفرنسي، حتى لُقِّبَت الجزائر بـ(بلد المليون شهيد)؟
علمتنا حرب غزة أن هذه هي ضريبة المدافعة، واسترجاع الحقوق: طريقٌ شائكٌ ومريرٌ، لكن ثَمَنُهُ العزَّة، نصرٌ أو شَهادةٌ، ومَنْ يريد مقاومةً بلا مصائب ومواجع؛ فهو كمَنْ يتطلب في الماء جذوة نار.
ومكلف الأيام ضد طباعها متطلب في الماء جذوة نار
عباد الله: علمتنا حرب غزة، وعلمت العالم؛ زيف الشعارات البراقة التي تنادي بها دول النصرانية الطاغية الباغية، رأينا هذه الديمقراطية، وحق الشعوب في تقرير المصير، رأيناها رأي العين في فلسطين، رأينا رحمة الغرب المتحضّر بالإنسان؛ حينما يبرِّر لعصابات يهود أن تحرق وتدمِّر تحت ذريعة الدفاع عن النفس!
رأينا عين اليقين: مَنْ هو الإنسان الذي تُحفظ كرامته، ومَنْ هو الإنسان الذي لا يُعبأ به في أي أرضٍ هلك!!
فأين هي تلك القوانين التي عرفت حقَّ الحيوان، ولم تتحرَّك حتى الآن لدماء المسلمين؟!
أين هي تلك القوانين والأنظمة والوساطات التي أقامت الدنيا ولم تقعدها عندما أراد المجاهدون أن يهدموا صنمين عبدا من دون الله في أرض أفغانستان؟ صنمان لا يسمعان ولا يبصران!! وهذه أمة من البشر تسحق، وكثير من أنظمة العالم راضية بذلك، صرحت أو كتمت.
سَلوا التاريخَ: هل عرفت البشرية واقعةً أشد جرماً ومواتاً للقيم الإنسانية من خنق شعب ومحاصرته؛ ليموت جوعاً وألماً وقتلاً، والنِّعم والخيرات تحيط بالبلدان من حوله؟!
لكن حتى تتعلم الأمة درساً مهماً في حياتها وهو أنه لن ينفعها عند المصائب غير خالقها القوي العزيز الذي يقول للشيء "كن" فيكون.
عباد الله: علمتنا هذه الحرب أن الشعوب الإسلامية ما زالت حية مستيقظة، فهتافات الملايين الآن تدعو إلى الرباط مع مشروع الجهاد والمقاومة؛ إذ لا يمكن أن يتعايشوا مع شعب يهودي هذه أخلاقه، وهذا طَبْعُه وطبيعته، ولقد فهمت الشعوب الإسلامية رسائلَ اليهود عبر صواريخهم بأنهم أمةٌ لا تعيش إلا على الحروب، فهمنا ذلك جيداً، فعرفنا أن أمة المكر والمماطلة والخيانة لن تتنازل عن أرض القدس، ولن ترضى بحقِّ عودة اللاجئين، ولا عن جزءٍ من أراضي الضفة الغربية؛ فهي أراضٍ انتزعوها بالدم والدمع كما يرددّون، وقالوها صراحةً: "لقد أعدنا توحيد المدينة المقدسة، وعدنا إلى أكثر أماكننا قداسةً، ولن نغادرها أبداً".
إخوة الإيمان: علمتنا هذه الحرب أنه لا سبيل لعزَّة الأمة إلا بعودتها لدينها، والتفافها على نفسها، وإحياء روح الولاء بينها، والبراءة من عدوها، كما وصفها ربُّها بقوله: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}29، وإذا كانت يهود اختارت طريق الدماء والأشلاء فلها ذلك، ولكن ليعلموا أننا أمة لا ننسى مآسينا، نحن أمة نزداد صلابة كلما ازدادت شراسة أعادينا، نحن أمة يجري الفداء في عروقنا، والبطولة سجية فينا.
وليعلموا أيضاً: أن أمة محمد تمرض لكنها لا تموت، وأن الضعف الذي نعيشه ما هو إلا مرحلة استثنائية، وما هي إلا مرحلة ولادة النصر القريب.
فلقد دنا العهد الذي قال النبي سيحصل
هذا يقين صـــادق إني لأقسم مقبل
وسيأتي منَّا أو من أجيالنا مَنْ يتعامل مع يهود اليوم كما تعامل نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - مع يهود بني قريظة {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ}30.
علمتنا هذه الحرب من هو صديقنا من عدونا، فجلَّت لنا معادن الناس ومشاعرهم تجاه قضايا أمتهم، فعرفنا من الذي ينصر قضايانا، ممن يرقص على جراحاتنا، ويخذل صفَّنا، ويَشمت بمقاومتنا، ويَغضُّ الطَّرْفَ عن جرائم عدونا، من هم أقلام الضرار، وقنوات التغريب، فثبت بوضوح كيف ثبت رجال القرآن وهم في أرض المعركة، وتخاذل هؤلاء - ممن يدعون الإسلام - وبينهم وبين المعركة أميال ومسافات، فـ
جزى الله الشدائد كل خير وإن كـانت تغصصني بريقي
وما حبي لهــا إلا لأني عرفت بها عدوي من صديقي
إخوة الإيمان: وأخيراً أليس من العار أن تطبخ المرأة الفلسطينية في (غزة) على الحطب المنتزع من أطراف أبواب الغرف، بينما تطبخ المرأة الصهيونية على الغاز العربي!!
أيها الناس: ستة آلاف بيت هدمت في غزة، وأربعة آلاف بيت شبه مهدمة؛ جراء السيول الإسرائيلية الجارفة، الظالمة الطاغية، فمن أين سيعيدون إعمارها؟
أليس من العار أن نرى تلك الطفلة الصغيرة في ذلك البيت المهدم تبحث عن أبيها وأمها وإخوتها؟
من يؤويها، من يكفكف دموعها، من يهدئ من روعها.
فكونوا أنصار الله أيها المؤمنون، واستمروا استمروا في دعائكم وبذلكم وجودكم.
اللهم انصر المسلمين في كل مكان، اللهم اجمع بين إخواننا في أرض غزة على الخير والهدى، ووحد صفهم، وآلف بين قلوبهم.
والحمد لله رب العالمين.
1 سورة الحشر (2).
2 سورة التوبة (10).
3 سورة القمر (45).
4 سورة البقرة (87-88).
5 سورة البقرة (91).
6 سورة النساء (153).
7 سورة آل عمران (181).
8 سورة المائدة (64).
9 سورة المائدة (64).
10 سورة المائدة (82).
11 صحيفة بريطانية.
12 أفيغدور ليبرمان.
13 سورة الروم (5).
14 سورة آل عمران (186).
15 سورة المائدة (33).
16 المائدة (42).
17 سورة البقرة (96).
18 سورة الحشر (14).
19 سورة المائدة (13).
20 سورة البقرة (100).
21 سورة الأنفال (56).
22 سورة الحج (38).
23 سورة غافر (51).
24 (ديفيد ابن غوريون) أول رئيس وزراء إسرائيلي ( 1948م - 1953م)، وواحد من المؤسسين الأوائل للدولة الإسرائيلية، حيث قاد انتصارات اليهود على العرب في حرب 1948م التي انتهت بقيام إسرائيل، وكان عنصراً فاعلاً في حربي 1956م و1967م http://www.aljazeera.net/NR/exeres/7A336D89-2DC3-4AFD-8665-EC96CA774956.htm
25 سورة آل عمران (179).
26 سورة آل عمران (166).
27 آل عمران (140-141).
28 المِغْفَرُ: هو ما يَلْبَسُه الدَّارِعُ على رأسه من الزَّرَدِ ونَحوه. النهاية في غريب الأثر لابن الأثير (ج3 ص703).
29 سورة التوبة (71).
30 سورة المنافقون (8).
المراجع
موسوعة امام المسجد
التصانيف
المعرفة