مقدمة
هذا الكتاب هو جهد سنوات طوال من البحث وقد كتبته أصلاً باللغة الإنجليزية لكي أنشره على المتخصصين من المشتغلين بالعلم كما جرت عادتي خلال تاريخي الطويل في ميدان البحث اعلمي وعندما أوشكت على الإنتهاء من إعداد الكتاب للنشر قررت أن أشذ عن هذه العادة وأن أغير أسلوب الكتاب الذي كان مكتظاً بالمصطلحات العلمية إلى لغة يسهل فهمهاه على القارئ العادي غير المتخصص فقد أردت أن أصل إلى عدد أكبر من القراء لكي يشاركوني في بعض نتائج الأبحاث العلمية التي شغلتني لسنوات طوال بدلاً من كتابتها لعدد قليل من المتخصصينوفي هذا البحث بالذات كانت النتائج التي توصلت إليها مثير ومشوقة حقاً. وليس من قبيل المبالغة أن أقول إن القوت الذي قضيته في إعداد هذا الكتاب كان من أسعد أوقات حياتي.
وعندما إنتهيت من كتابة الكتاب خطر لي أن أقم بترجمته إلى اللغة العربية وبالفعل بدات = وفي تردد – ترجمة أجزاء منه كنت أقرؤها على بعض الأصدقاء فوجدت منهم إستجابة شجعتني على المضي في الترجمة إلا أن أكبر التشجيع جاءني من الصديق الحميم مطفى نبيل رئيس تحرير الهلال الذي يعود إليه الفضل في ظهور الكتاب باللغة العربية فقد حثني على الإنتهاء من الترجمة بإلحاح المحب لي وللنهر كما انه قضى وقتاً طويلاً في إعداد الكتاب للطبع وفي إنهاء رسومه على وجه مرض. وقد أزال آخر تردد لي حماس الصديق مكرم محمد أحمد رئيس مجلس إدارة دار الهلال لنشر الكتاب باللغة العربية على الرغم من معرفته بقلة العائد من مثل هذه الكتب الباهظة التكلفة في الإعداد والمحدودة الإنتشار بطبيعتها. فقد أحسست أنه يشعر بأن للدار رسالة تفوق النفع المادي السريع. ولا يسعني إلا أن أشكره لقبوله الدخول في ميدان النشر العلمي بالعربية فالكتاب الذي بين يدي القارئ وهو مرجع علمي ليست له نظاتئر كثيرة بالمكتبة العربية.
ولنهر النيل جاذبية خاصة فحول ضفافه الدنيا نشأت واحدة من أقدم وأعرق الحضارات التي تركت أثرها على تاريخ الإنسان كما أن للنهر من المظاهر الطبيعية الفريدة ما يجعله نهراً بلا نظير, فهو النهر الوحيد الذي إستطاع أن يحمل جزءاً من مياه أفريقيا الإستوائية إلى البحر الأبيض المتوسط عبر الصحاري والقفار علىالرغم من قلة المياه التي يحملها بالنسبة لمساحة حوضه الكبيرة وطوله الهائل, كما أنه ينفرد من بين أنهار العالم الكبرى بإنتظامه الرتيب وإيقاعه المنتظم الذي جعل العيش في ظله آمناً والتنبؤ بأحواله سهلاً وبناء تقويم يبدأ عندما يفيض تحدد فيه الفصول والشهور والسنوات ممكناً.
وقد فتنني نهر النيل منذ شبابي وتقت لمعرفة أسراره وكانت رحلتي إلى منابعه هي أول رحلة أخرج فيها من مصر. أردت أن أعرف كيف نشأ هذا النهر ومتى كانت بداياته وكيف وصل إلى حاله الذي نراه عليه اليوم, وماذا كان شكل الوادي والدلتا قبل أن يصلهما الإنسان ويسويهما حقولاً منبسطة تخترقها الترع التي تنقل الماء إلى كل مكان وتتناثر فيهما القرى كالجزر, هل كان هذا السهل مليئاً بالأحراش والمستنقعات التي إحتاجت من الإنسان القديم أن يصرف مياهها على أمد آجال طوال قبل أن يستقر فيها؟ أم أن الوادي والدلتا كانا ممهدين وأرضهما خصبة تتناثر فيها الأشجار والنهيرات والبرك كجنة عدن الأولى التي حلم بها الإنسان منذ القدم؟ ومن هم هؤلاء الناس الذين إستقروا في وادي النيل؟ ومن أين أتوا؟ هذه وأسئلة أخرى كثيرة ظلت معي لسنوات طوال أحاول الرد عليها بالقيام بدراسات حقلية لمعرفة تاريخ النهر وقد إمتدت هذه الأبحاث بين سنة 1962 وسنة 1977 وكان مما ساعدني في معرفة بعض أسرار هذا التاريخ إنضمام فريد وندروف زميل الدراسة فس جامعة هارفارد وأحد رواد علم ما قبل التاريخ في العالم القديم إلى هذه الدراسة الحقلية: كان هو يقتفي آثار الإنسان القديم في الوقت الذي كانت إقتفى فيه التغيرات التي طرأت على بيئة النهر عبر تاريخه الطويل – وفي عام 1978 أتاح لي عملي الإستشاري معرفة أسرار دلتا النيل التي كانت قد دقت فيها أبار عميقة وراء البحث عن البترول وصلت لأول مرة إلى أعمق رواسبه مما فتح أمامي باباً كان مغلقاً عن تاريخ النهر وبدء نشأته التي حدثت قبل وصول الإنسان إلى وادي النيل بعدة ملايين من السنين.
وكان لابد لمذكراتي وملاحظاتي عن النهر والدلتا التي شغلتني طوال هذه الأعوام أن تنتظر حتى يحين الوقت الذي أستطيع فيه أن أجمعها في إطار كتاب واحد ومتسق. وقد تأخر هذا الوقت فقد شغلتني أمور معائشي بعد أن إضطررت لنقل نشاطي إلى الولايات المتحدة الأمريكية في أعقاب ذلك القرار التعس اذلي اصدره رئيس مصر السابق بالتحفظ علي في سبتمبر سنة 1981. وقد جاء هذا الوقت عندما تسلمت دعوة من معهد الدراسات المتقدمة ببرلين لقضاء العام 1989-1990 كزميل بالمعهد وهي دعوة توجه إلى أربعين أستاذاً من المشتغلين بالعلوم كل عام لكي يقوموا بأي عمل علمي يغبون فيه دون أن يكون عليهم أي إلتزام أو واجب يؤدونهز وبالإضافة غلى موقع المعهد الخلاب ومكاتبه الأنيقة ومساكنه المريحة ومطعمه الفاخر فإنه يعطي للباحث خدمات ممتازة في المكتبة والإتصالات والسكرتارية. وقد قررت أن أقبل العرض وأن أكرس كل وقتي في هذا العام لكتابة الكتاب عن نهر النيل, إلا أن الوقت اذلي أحتاج إليه لإعداد الكتاب كان أطول مما تصورت فلم أنته من الكتاب إلا بعد ذلك بسنتين كاملتين.
لقد شغل نهر النيل الناس منذ أقدم الأزمنة وكتب المؤلفون عنه الكثير حتى ليمكن القول بأن مجموع الكتب والمقالاتا التي كتبت عنه تربو على العشرين ألفاً, ومعظم هذه الكتب هي من كتب الرحلات لعل أشهرها هو ما كتبه الكاتب الألماني المشهور إميل لودفج بعد عودته من رحلته عبر النيل في سنة 1927 وما كتبه آلان مورهيد عن "لنيل الأبيض" و "النيل الأزرق" وهما كتابان يحكيان قصة إكتشاف ومن الكتب ما إنشغل بمياه النيل كمؤلفات مشاهير المصريين علي مبارك في كتابه "الخطط التوفيقية" الذي يقع في عشرين مجلداً والذي صدر في سنة 1899 وأمين سامي "نقويم النيل" الذي يقع في ستة مجلدات والذي صدر بين سنة 1915 وسنة 1930 وعمر طوسون في كتابيه اللذين صدرا بالفرنسية في سنتي 1922 و 1925 "تاريخ النيل" و "فروع النيل القديمة" وفي هذه الكتب ثبت بقياسات النيل التي جاءت من مقياس الروضة منذ إنشائه في أوائل الحمك العربي. ومن الكتب ما إنشغل بجغرافية النهر مثل كتاب محمد عوض محمد في كتاب جمال حمدان "شخصية مصر" ومنها من كتب عن تنظيم مياهه مثل رجال الري. وليم ولكوكس وكريج في كتابهما الشهير "الري المصري" الذي أصدر في ستة 1887 وأعيد إصداره في سنة 1913 وموسوعة نهر النيل التي بدأها هرست وشاركه فيها فيليبس وبلاك وسميكة والتي تصدرها وزارة الأشغال المصرية منذ أوائل القرن العشرين وقد أخرجت هذه المدرسة أساتذة كباراً في فنون الري في مصر. ومن الكتب ما تتناول قبائل أفريقيا أو حيواناتها أو رياضة الصيد فيها.
ولاموضوع الأساسي الذي يدور حوله الكتاب هو مياه النيل وهو أربعة أجزاء يتناول الجزء الأول موضوع نشأة النهر وتطوره حتى إتخاذه شكله الحالي وهذا الجزء شديد التخصص حاولت أن أكتبه بلغة سهلة على قدر ما إستطعت ومع ذلك فقد أعددت لأولئك, الذين سيجدون صعوبة في متابعة هذا الفصل, موجزاً لخصت فيه نتائج هذا الجزء يستطيع القارئ بعد قراءته أن يقفز مباشرة إلى الجزء الثانيإن رغب. ونتائج الجزء الأول مثيرة حقاً فهي تظهر أن النيل بدأ في مصر خانقاً عظيماً منذ ستة ملايين سنة ولم يتم إتصاله بأفريقيا الإستوائية إلا منذ 800 ألف سنة فقط وأن النيل الذي نراه اليوم هو نهر حديث ولد مع أمطار الفترة المطيرة التي أعقبت تراجع ثلوج العصر الجليدي الأخير منذ حوالي عشرة آلاف سنة, وقد قلت المياه التي يحملها النهر منذ أن إنكمشت جبهة أمطار هذه الفترة منذ خمسة ىلاف سنة حتى ليمكن القول إنه لولا عبقرية المهندس المصري القديم والحديث وجهد فلاح مصر ما أمكن لمصر أن تكون لها هذه الكعبة من المياه التي تصلها بل وربما ما وصل إليها النهر أصلاً!
ويتعلق الجزء الثاني من الكتاب بهيدرولوجية النهر وكمية المياه التي يحملها اليوم وتقلباتها وأسباب هذه التقلبات, وأعقبته بفصل رجعت فيه إلى غابر الزمان في محاولة لمعرفة تقلبات كمية المياه التي حملها النهر الحديث منذ نشأته منذ عشرة ىلاف سنة مستخدماً في ذلك بيانات مقاييس النيل القديم وما كتبه الأقدمون عن أحوال مصر التي كانت شديدية الحساسية لأحوال النيل وعن الهجرات الجماعية لسكان الصحارية وغير ذلك من الأدلة وغير المباشرة التي يمكن أن تساعد في معرفة كمية المياه التي حملها النيل في الماضيز
ويتناول الجزء الثالث موضوع إستخدمات مياه النيل منذ أن نزل الإنسان على ضفاف النهر منذ مئات الآلاف من السنين وكيف إستطاع أن يستغل بيئة النهر التي تغيرت عبر هذه السنوات الطوال لتطوير معائشه متنقلاً من الصيد وجمع النبات البري والدرنات وصيد الأسماك إلى الزراعة البدائية فالزارعة بإستغلال ظاهرة الفيضان ثم بترويض النهر حى تمام ضبطه بالكامل ببناء السد العالي. وقد حاولت في آخر هذا الجزء أن أقيم الآثار الجانبية للسد العالي بعد مرور أكثر من عشرين سنة على إتمام بنائه.
ويعالج الجزء الرابع مستقبل إستخدامات مياه النيل وموقف الإتفاقيات القائمة بين دول الحوض ومصادر المياه والأرض القابلة للزراعة المتاحة لهذه الدول وطريقة إستخدامها في الوقت الحاضر وخطط إستخدامها في المستقبل لكل دولة من دول الحوض.
ويمس هذا الكتاب بهذا التنوع في الموضوعات علوماً كثيرة كان علي أن أبدأ في معرفة مبادئها فضلاً عن تفهم نتائج آخر أبحاثها وقد ساعدني في هذا الكثيرون أخص منهم كلاوس فريدريش أستاذ الأرصاد الجوية بجامعة برلين الحرة الذي حضرت له أحد مناهجه في علم الأرصاد الجوية واذلي قرأ الفصل الخاص "بالمناخ وتطور النهر" وأجازه كما فعل نفس الشئ ولدونج وكلارا كروبر الأستاذان بمتحف برلين للمصريات فقد زوداني بالأبحاث المناسبة وقرآ الجزء الخاص بتقلبات نهر النيل في مصر القديمة ورأيا أن الإطار الزمني الذي إستخدمته كان صحيحاً أما في ميدان الري فقد إستفدت أكبر إستفادة من مناقشاتي الكقثيرة مع شقيقي نجيب فهمي الذي قضى عمره في خدمة الري في مصر والذي زودني بالكثير من المراجع وقرأ ما كتبته عن منشآت الري في مصر كما إستفدت بما زودني به محمد عبد الهادي راضي رئيس مجلس إدارة هيئة بحوث توزيع المياه وطرق الري بوزارة الأشغال المصرية من معلومات ومن أبحاثه القيمة عن مستقبل إستخدمات مياه النيل ومن مجلة علوم المياه التي يرأس تحريرها والتي تحتوي على بعض نتائج أعمال هيئات وزارة الأشغال المصرية البحثية أما في مجال علوم البيئة ونوعية مياه النهر فقد كانت لي مع الصديق محمد عبد الفتاح القصاص جولات من المناقشات المثيرة والمفيدة. وقد زودني عبد العظيم الجزار الملحق الزراعي بالسفارة المصرية بواشنطن ببعض البيانات لاتي طلبتها منه عن الإنتاج الزراعي في مصر. وبطبيعة الحال فإن أحداً من هؤلاء لايمكن أن يتحمل أي خطأ يمكن أن يكون قد حدث في نقل هذه المعلومات أو تفسيرها فإني مسئول مسئولية كاملة عما ورد في هذا الكتاب.
وأريد في نهاية هذه المقدمة أن أشكر من صميم قلبي شوقي عابدين رئيس شركة بترول خليج السويس وكذلكك شركة أموكو للبترول للمنحة المالية التي قدمتها لإتمام رسوم هذا الكتاب. "د. رشدي سعيد" "واشنطن – الولايات المتحدة يونيه 1992"
تمهيد
يشكل نهر النيل ظاهرة جغرافية فريدة في شمال أفريقيا, فهو النهر الوحيد الذي إستطاع أن يشق طريقه قيها وأن يحمل جزءاً من مياه أفريقيا الإستوائية إلى البحر الأبيض المتوسط عبر قفار الصحراء الكبرى. والنيل هو النهر الوحيد الذي يصب في جنوب البحر الأبيض المتوسط, وذلك بعد أن يقطع رحلة طويلة عبر الصحراء الكبرى ينساب فيها لمسافة 2700 كيلومتر, فيما بين العطبرة والبحر دون أن يتلقى رافداً واحداً أو أية كمية تذكر من المياه – وتعتبر مثل هذه الرحلة فريدة في بابهاو وظاهرة نادرة من الظواهر الجغرافية, إذ لا يكاد يكون هناك نهر آخر تمكن من الجريان لهذه المسافة عبر قفار دون أن تتبدد ميتهه وتتساقط الرواسب التي يحملها في دلتا داخلية قبل أن يصل إلى البحرو ومن أمثلة الأنهار التي لم تستطع أن تقطع أية مسافة تذكر بعد أن إنقطعت عنها منابع مياهها نهرا القاش والبركة اللذان ينبعان من المرتفعات الأثيوبية ثم يجريان إلى مسافة قصيرة عبر سهول أريتيريا والسودان القاحلة قبل أن تتبدد مياههما وتتوزع الرواسب التي يحملانها في دلتاوات داخلية, وسنرى فيما بعد أن نهري العطبرة والنيل الأزرق سلكا, في بعض الأوقات السالفة التي ساد فيها الجفاف, المسلك نفسه وتبددت في الصحراء قبل أن يصلا إلى النيل.
وقد أمكن للنيل أن يقطع رحلته عبر الصحراء الكبرى نتيجة أحداث جيولوجية فريدة, أهمها تلك التي سمحت له أن يكونله مصدران للمياه: واحد من هضبة البحيرات الإستوائية, حيث تتساقط الأمطار على مدار السنة وحيث الأنهار غيرالموسمية لا تتغير فيها كمية المياه التي تحملها من موسم إلى موسم لكثر من الضعفين, والثاني من المرتفعات الأثيوبية ذات الأمطار الصيفية, وحيث الأنهار موسمية تحمل من المياه في موسم الأمطار ما يزيد على أربعين ضعف ما تحمله في المواسم الأخرى. وقد تشكلت تضاريس هاتين المنطقتين نتيجة أحداث جيولوجية حديثة العهد نسبياًِ تسببت في توجيه تصريف المياه التي تسقط عليهما ناحية حوض نهر النيل, وإنه لمن اللافت للنظر حقاً أن معظم تصريف المياه التي تسقط على المرتفعات الأثيوبية يذهب إلى الغرب ناحية النيل ولا يذهب إلا أقله ناحية البحر الأحمر, الذي ينفرد من بين جميع بحار العالم بعدم وجود أي نهر يصب فيه. كما ادت هذه الأحداث الجيولوجية إلى شق وتشكيل ذلك الجزء من التهر الذي يخترق هضبة النوبة, تلك الهضبة التي تشكل معبراً تصل عن طريقه مياه النيل إلىالبحر الأبيض المتوسط, وسنتناول هذه الأحداث بشئ من التفصيل فيما يعد.
ويحمل نهر النيل كمية قليلة من المياه بالمقارنة إلى طوله أو مساحة حوضه. ومقارنة بأنهار العالم الأخرى على الرغم من طوله الكبير وحوضه المتسع الذي يغطي أكثر من عشر مساحة القارة الأفريقية. كما أن تصريف النيل يكاد يقترب من تصريف نهر صغير مثل "الراين" لا تزيد مساحة حوضه على 13:1 من مساحة حوض النيل. وتعود قلة تصريف النيل إلى الكمية الصغيرة من المياه التي تصل وحدة مساحة الحوض, ذلك لأن جزءاً كبيراً من الحوض يقع في مناطق قاحلة لا تطولها أمطار.
وينسبط النيل في بعض أجزائه التي يجري فيها سهول قليلة الإنحدار, وينحدر إنحداراً شديداً في أجزاء أخرى. ويمكن تمييز خمس بسطات قليلة الأنحدار هي من الجنوب إلى الشمالك بسطات بحيرة فيكتوريا, وبحيرة كيوجا, والإمتدار من بحيرة ألبرت إلى نيمولي, ومن جوبا إلى الخرطوم, ومن وادي حلفا إلى البحر الأبيض المتوسط. أما إمتدادات النهر التي تربط بين هذه البسطات فهي شديدة الإنحدار, يعترضها الكثير من الجنادل والشلالات, وتبدو من حيث الشكل والتكزين حديثة العهد. ويظهر أن بسطات النهر المختلفة كانت تشكل قبل نشأة هذه الإمتدادات الشديدة الإنحدار والحديثة التكوين أحواضاً مستقلة ومنفصلة بعضها عن بعض. وتختلف كل بسطة من البسطات الخمس عن الأخريات من حيث المساحة وشكل المقطع وكمية المياه التي تحملها, وكذلك في أصلها ونشأتها.
أما البسطات الأربع الجنوبية فيبدو أنها شكلت أحواضاً ذات تصريف داخلي لمدة طويلة من الزمان. فقد جاء إنفتاحها ووصول مياهها إلىالبحر حديثاً وفي فترات متقطعة – كما كان إتصال بعضها بالبعض متقطعاً, يحدث في الفترات التي تزداد فيها الأمطار حين يرتفع منسوب المياه في البحيرات فتفيض على جنباتها وتصل إلى الأحواض المجاورة. أما في الفترات التي كانت فيها الأمطار قليلة فقد تقلصت مساحة هذه البحيرات حتى جفت في كثير من الأحيان وإنقطعت صلتها بما جاورها من أحواض.
وتقع البسطات الثلاث الجنوبية في هضبة البحيرات افستوائية ذات الأمطار الغزيرة نسبياً (بمتوسط 1200 ملليمتر في السنة). أما البسطة الرابعة والتي تمتد من جوبا حتى الخرطوم فتكون حوضاً داخلياً هائلاً يغطي الجزء الأكبر من السودان تهطل عليه أمطار أقل غزارة. ويتصل هذا الحوض الأخير في الوقت الحاضر بنيل مصر فالبحر الأبيض المتوسط عبر هضبة النوبة سريع الجريان كثير الجنادل والشلالات.
لقد كان إتصال هذه الأحواض ببعضها وإدماجها في نهر واحد كالذي نراه اليوم حدذا حديثاً نسبياً. فنهر النيل الحديث ليس إلا مجموعة من الأحواض والأنهار التي إتصل بعضها بالبعض في عصر متأخر جداً لتشكل النهر الذي نعرفه الآن. ويبدو من الأدلة المتاحة أن نشأة النهر الحديث تعود فقط إلى حوالي عشرة آلاف سنة مضت. وتقع البسطات التي يخترقها نهر النيل الحديث في أحواض هي جزء من منظومة الأحواض الداخلية التي تمتلئ بها القارة الأفريقية. وقد نشأت هذه الأحواض نتيجة عملية التحات التي تعرضت لها القارة عبر تاريخها الطويل. وعلى الرغم من أن المياه التي تصل بعض هذه الأحواض قد إستطاعت أن تشق طريقها إلى البحر عبر المرتفعات التي تحيط بها, إلا أن المياه في الكثير منها بقيت دون أي إتصال بالبحر, ومن الأمثلة البارزة لهذه الأحواض الداخلية الأخرى التي لم تصل إلى البحر حوض بحيرة تشاد الذي يغذيها, والمستنقعات قليلة الغور المحيطة بها, نهر "شاري" الذي ينبع من المرتفعات الجنوبية للحوض, ومن أمثلة الأحواض الداخلية الأخرى حوض الجوف الذي يقع إلى الشمال من مدينة "تمبكو" التي تقع في أقحل مناطق الصحراء الكبرى, والتي كان الوصول إليها حتى منتصف هذا القرن صعباً وفي جنوب خط الإستواء يقع حوض "كالاههاري" الي تذهب مياهه في بحيرة "نجامي" والمستنقعات نصف المالحة التي تحدها.
ومن الناحية الأخرى هناك تلك الأحواض التي تقع في المناطق المطيرة من القارة والتي تصلها كميات كبيرة من المياه إستطاعت أن تشق طريقها عبر المرتفعات المحيطة بها وأن تصل إلى البحر. ومن هذه الأحواض حوض "الكونجو" الذي أمكن لمياهه أن تصل إلى المحيط الأطلنطي عبر حافته الغربية عن طريق عدد من الشلالات, وكذلك حوضا "الكوبانجو" و"الكارو" اللذان تنصرف مياههما عب نهري "الزمبيزي" و "الأورانج" إلى المحيط الهندي. وأنهار هذه الأحواض الثلاثة تتجه من الشرق إلى الغرب وكل منها يصرف مياه حوض واحد. أما نهر النيل فله تاريخ معقد, وإتجاهه من الجنوب إلى الشمال ويصرف مياه أكثر من حوض. ويمتد نهر النيل لمسافة تشغل 35 درجة من درجات العرض ويصرف مياه مساحة تقترب من ثلاثين ملايين كيلومتر مربع, ويصل بين مناطق يختلف بعضها عن بعض من حيث التضاريس والمناخ والتركيب الجيولوجي, ومنابع النيل الأساسية الآن هي في هضبة البحيرات الأستوائية التي تمثل الحافة الجنوبية لحوض السودان والمرتفعات الأثيوبية التي تشكل جزءاً من جبال شرق أفريقيا المتلاصقة, والتي يشقها اليوم الأخدود الأفريقي العظيم.
هضبة البحيرات الإستوائية
تقع أحواض بحيرات "فكتوريا" و "كيوجا" و"ألبرت" – المكونة للأحواض الجنوبية لوادي النيل – في هضبة البحيرات الإستوائية, التي إتخذت شكلها الحالي نتيجة الرحكات الأرضية التي كونت أخدود أفريقيا العظيم. ويعتبر هذا الأخدود واحداً من أبرز الظواهر الجغرافية على سطح الأرض. فهو يشكل غوراً يصل طوله إلى قرابة ثلاثة آلاف كيلومتر, إنخسفت فيه الأرض إلى أعماق كبيرة وكأنه شق طويل في قشرة الأرض, وعلى الرغم من أن عمق هذا الأخدود يختلف من مكان إلى مكان, بحيث يبدو وكأنه مكون من أحواض منفصلة, إلا أن هذه الأحواض تشكل في الواقع سلسلة متصلة تمتد على طول محور واحد وتعود إلى أصل واحد. ويمتد الأخدود الأفريقي إلى البحر الأحمر وإمتدادته في بلاد الشام. ويكاد يكون من المؤكد أن هذه الإمتدادات ذات صلة وثيقة بنشاة الأخدود الأفريقي الحقيقي.
ويكون الأخدود الأفريقي من قطاع جنوبي تحتله بحيرة "مالاوي" (نياسا) وقطاع شمالي يتكون من فرعين الفرع الشرقي منهما يبدأ عند بحيرة "رواها", والغربي عند بحيرة "ركوا" ويتميز الفرعان بوجود سلسلة من البحيرات تحتل الأجزاء الواطئة منهما. ويشق الفرع الغربي الهضبة التي تشكل الحد الغبربي لحوض النيل وتقع فيه بحيرات "تنجانيقا" و "كيفو" و "إدوارد" و"ألبرت", وبين البحيرتين الأخيرتين يقع جبل "روينزوري" العظيم. أما الفرع الشرقي نم الأخدود فإنه يشق الهضبة التي تشكل الحد الشرقي لحوض النيل وفيه تقع سلسلة البحيرات التي تبدأ من بحيرة "رواها" في الجنوب وتمتد حتى بحيرة "زوا" في الشمال بداخل أخدود أثيوبيا.
أما هضبة البحيرات نفسها فإنها تبدأ شمال نهر "الزمبيزي" حيث تقع بحيرة "مالاوي" ثم تمتد شمالاً لكي تغطي هضاب تنجانيقا وكينياوأوغندة. وقد تعرضت هذه الشاسعة لعملية تحات ونحر هائلة سوتها وتركتها سطحاً منبسطاً منذ حوالي 10 ملايين إلى 15 ملايين سنة. وقد تعرضت هذا السطح منذ ذلك التاريخ لحركات أرضية هائلة ومتقطعة رفعته إلى منسوبه الحالي الذي يصل إلى حوالي 2000 متر فوق سطح البحر. كما شقته بأخاديد عميقة تكون الآن جزءاً من الفرعين الغربي والشرقي لأخدود أفريقيا العظيم. وبين هذين الفرعين نشات نمطقة منخفضة هي التي تحتلها الآن بحيرة "فكتوريا" وتختلف هذه البحيرة لذلك عن بحيرات الأخدود في ان لها شواطئ متدرجة وغوراً صغيراً, وعلى الرغم من إتساعها الكبير فلا يزيد اكبر أعماقها على مائة متر.
ومن أبرز خواص ذلك الجزء من هضبة البحيرات الذي يقع فيما بين الأخدودين هو إرتفاع سطحه ناحية الأخدودين الشرقي واغربي. وتشكل هاتان الحافتان المرتفعتان اللتان تحدان هذا الجزء من الهضبة خط تقسيم المياه بين حوض النيل وأحواض الأنهار المجاورة في الوقت الحاضر. وفي الماضي, قبل أن ترتفع الحافة الشرقية للأخدود الغربي, كانت أنهار هضبة البحيرات تتجه إلى حوض "الكونجو" فالمحيط الأطلنطي, فلما إرتفعت الحافة في العصر الحديث نسبياً إنعكس مسار الكثير من هذه النهار إلى حوض النيل ومن الأمثلة البارزة لهذه الانهار التي إنعكس مسارها "كاتونجا" (الي يحمل مياه الجزء الشمالي الغربي للهضبة إلى بحيرة "فكتوريا") و "كافو" (الذي يصب في بحيرة "كيوجا") و "الكاجيرا". وكل هذه الأنهار كانت وحتى وقت حديث, تتجه إلى حوض الكونجو. وليس هناك من شك في أن الجزء الأكبر من مياه بحيرة فكتوريا, إن لم يكن وجود البحيرة ذاته, يعود إلى هذا الحادث المهم الذي رفع حافة الهضبة وعكس مسارها ناحية البحيرة فزادت من مياهها. ولا يعرف على وجه التحديد تاريخ هذا الحدث. ولكن الكثير من الباحثين يظنون أنه حدث ف يمنتصف عصر البليستوسين (أي منذ حوالي نصف مليون سنة).
وقد ظلت بحيرة "فكتوريا" بحيرة داخلية دون أي إتصال بأي جزء من نهر النيل لمدة طويلة بعد نشأتها. ولم يتم إتصالها بنهر النيل إلا منذ 12500 سنة قبل الآن. وقد أثبتت دراسة إحدى الجسات التي دقت في قاع البحيرة أن منسوب البحيرة كان أوطأ مما هو عليه الآن بمقدار 26 متراً منذ 14 ألف سنة. فقد تأكد من دراسة حبوب اللقاح التي فصلت من الطبقات التي ترسبت في هذا الوقت والتي لابد أنها تطايرت من نباتات المنطقة المحيطة أن هذه النباتات هي من حشائش "السافانا" مما يشير إلى أن المناخ في ذلك الوقت لابد أنه كان أكثر جفافاً وأقل مطراً مما هو عليه الآن, وأن كمية المياه التي كانت تصل إلى البحيرة كان تقليلة, وبعد ذلك بحوالي 1500 سنة إرتفع منسوب البحيرة نتيجة تزايد الأمطار ووصل إلى منسوبه الحالي تقريباً, فأتيح للمياه الإندفاع خارج البحيرة عبر نيل فكتوريا إلى مجرى النيل. وفي الوقت نفسه زادت الأمطار زيادة كبيرة فإختفت الحشائش وعادت الغابات مرة أخرى إلى للظهور. وقد ظلت الأحوال المناخية مطيرة حتى حوالي 6500 سنة قبل الآن, حين بدأت الأمطار تقل مما سبب زيادة الأشجار النفضية على حساب الأشجار دائمة الخضرة. ولا يوجد أي ديليل على أن بحيرة فكتوريا قد أسهمت بأي كمية من المياه لنهر النيل قبل 12500 سنة من الآن. ويؤكد هذا الإستنتاج وجود رواسب ملحية في النيل الأبيض ترسبت في الفترة بين 140 ألفاً و125 أف سنة قبل الآن, مما يدل على أن هذا النهر لم تكن تصله من هضبة البحيرات الإستوائية مياه عذبة كثيرة. وقد أكدت الدراسات الحديثة التي قامت بها جامعة "ديوك" بالولايات المتحدة على بحيرة فكتوريا هذه النتائج.
وتتصل بحيرة فكتوريا ببسطة بحيرة "كيوجا" بواسطة نهر سريع الجريان هو نيل فكتوريا, الذي يترك بحيرة فكتوريا عند شلالات "ريبون" ويدخل بحيرة "كيوجا" بعد 64 كيلومتراً. ويسقط هذا النهر من إرتفاع 1135 متراً عند طوله. أما بسطة بحيرة "كيوجا" التي تمتد حوالي 236 كيلومتراً فهي قليلة الإنحدار وتسقط من إرتفاع 1072 متراً إلى 1060 متراً عند مخرجها, أي يمتوسط إنحدار يعادل متراً واحداً لكل 20 كيلومتراً من طولها. وتتصل بحيرة "كيوجا" ببحيرة "ألبرت" بنهر شديد الإنحدار يصل طوله إلى 68 كيلومتراً وإنحداره 505 متر لكل كيلومتر واحد من الطول, ويعوق النهر عدد من الشلالات أهمها هو شلال "كاباريجا" (مرشيزون).
وتمتد بسطة بحيرة "ألبرت" إلى ما بعد مخرج البحيرة لمسافة 255 كيلومتراً حتى بلدة "نيمولي" على الحدود الأوغندية – السودانية, وإنحدار هذا الإمتداد الذي يبدو إنه إمتداد للبحيرة ذاتها صغير جداً, لا يزيد على 2سم في الكيلومتر الواحد, فهو يهبط من إرتفاع 619 متراً عند مخرج البحيرة إلى إرتفاع 614 متراً عند "نيمولي". ويتعرج المجرى الذي يبلغ إتساعه بين 100 و 300 متر في هذا الإمتداد وتسير المياه فيه ببطء وتحيط به المستنقعات التي تغطي مساحة تزيد على 380 كيلومتراً مربعاً.
وفي القوت الحاضر تتصل بحيرة "ألبرت" ببحيرة "إدوارد" عبر نهر "السمليكي" إلا أن هذا الإتصال حديث, ففي ماضي الزمان كانت البحيرتان مغلقتين ليس لأي منهما إتصال بأي رقعة مياه أخرى, مثلهما في ذلك مثل بحيرتي (كيفو) و (تنجانيقا) الآن. وقد إتصلت بحيرتا "ألبرت" و "إدوارد" ببعضهما ثم بوادي النيل في الفترات التي إزدادت فيها الأمطار. وهناك من الأدلة ما يثبت أن بحيرة "ألبرت" إتصلت بحوض النيل فيما بين 28 ألفاً و 25 ألف سنة قبل الآن ومن 18 ألفاً إلى 14 ألف سنة قبل الآن ومنذ 12500 سنة قبل الآن. أما في فترات الجفاف فقد هبط سطح البحيرة في قمة عصر الجليد منذ خمسة عشر ألف سنة قبل الآن إلى أقل من 23 متراً.
ومن الظواهر الجغرافية البارزة جبال "رويزوري" الشاهقة (التي عرفها العرب بإسم جبال القمر) والتي دفعتها إلى علوها الشاهق, اذلي يصل إلى حوالي 5122 متراً فوق سطح البحر أو حوالي أربعة كيلومترات فوق هضبة البحيرات, حركات أرضية حديثة نسبياً بين بحيرتي ألبرت وإدوارد. وتعتبر جبال روبنزوري أعلى جبال أفريقيا غير البركانية وتغطي الثلوج قممها. وفي الوقت الحاضر يوجد بها مالا يقل عن أربعين ثلاجة. وفي العصر الجليدي الأخير, الذي بلغ ذروته قبل 15 ألف سنة كانت هناك ثلاجات أكثر. وقد صاحب تراجع الجليد في هذه المنطقة إرتفاع في درجة الحرارة بلغ حوالي 4.2 درجة مئوية.
ويتم إتصال بسطة ألبرت – نيمولي بمجرى نهر النيل الرئيسي عند "جوبا" بواسطة نهر سريع الجريان شديد الإنحدار يبلغ معدل إنحداره متراً واحداً لكل كيلومتر من مجراه. وبهذا النهر الكثير من الشلالات – ويبلغ طول هذا الجزء من مجر النيل 155 كيلومتراً. وعند مبدئه في "نيمولي" ينعطف النهر بطريقة مفاجئة من الإتجاه الشرقي السائد إلى إتجاه شمالي غربي لمسافة 70 كيلومتراً يتبع النهر فيها الكسر الأرضي الكبير الذي يعرف بإسم فالق "أسوا" (والذي يسير فيه نهر يعرف بهذا الإسم ويصب في نهر النيل), وإنعطاف النهر بهذه الطريقة المفاجئة هو أوضح مثال لتأثير التركيب الجيولوجي في تحديد مجرى النهر.
وخلاصة القول إن شبكة التصريف التي تحتل هضبة البحيرات هي شبكة حديثة التكوين, وقد نتجت عن إتصال عدد من البحيرات والبسطات بواسطة أنهار سريعة لتكون شبكة متكاملة.
الجزء الأول: نشأة وتطور نهر النيل
موجز الجزء الأول
تلخص السطور التالية الجزء الأول من كتاب نهر النيل, وهو الجزء الذي يبحث موضوع نشأة النهر وتطوره منذ أن بدأ تاريخه قبل نحو 6 ملاييت سنة, وقد كتبت هذا الجزء بلغة يسهل فهمها على غير المتخصصين وفيه أعرض لتاريخ النهر دون الدخول في التفاصيل أو نوع الأدلة التي إستنتج منها هذا التاريخ, ويمكن لأولئك الذين يرغبون في الإستزادة أن يسكملوا قراءة هذا الجزء وأن يعودوا إلى المراجع الكثيرة المذكورة في هوامشه.
ولابد أن نتذكر بداية أن الأحداث الجيولوجية التي تشكل ظواهر الأرض مثل تلك التي ترفع الجبال أو تكون الأخاديد أو تسبب إرتفاع سطح البحر أو تقدم خط الجليد, لا تحدث فجأة وفي دفعة واحدة بل إنها بطيئة إلى حد أنها تستغرق الآلاف إن لم يكن الملايين لكي تكتمل أو لكي يظهر تأثيرها كما لابد أن نتذكر كل تواريخ الأحداث المذكورة في هذا الموجز تقريبية ونسبية فيما عدا تلك التي تقل عن الأربعين ألف سنة الأخيرة من عمر الأرض, فالتواريخ السابقة عن الأربعين ألف سنة ليست مطلقة, الكثير منها منسوب إلى أحداث معروفة التاريخ.
وعلى الرغم من أن هذا الكتاب يعالج نهر النيل في مجموعه إلا أنه يركز على الجزء الذي يمر بمصر بصفة خاصة وبالتفصيل. ولهذه الإستفاضة أسبابها: أولها أن الجزء المصري من النهر هو الذي يدرس أكثر من غيره. فقد كان موضوع بحوث عميقة لعدد من البعثات المشتركة ذات الخبرات المتعددة في الثلاثين عاماً الأخيرة. وثانيها أن ىباراً كثيرة قد حفرت فيه وصل بعضها إلى أعماق كبيرة مست أقدم رواسبه, وأعطت لنا سجلاً يكاد يكون كاملاً لرواسب النهر عبر تاريخه الطويل, هذا بالإضافة إلى أن الجزء المصري من نهر النيل يقع في أدنى النهر مما يجعله حساساً للتغيرات التي تحدث في أعلاه, وتصبح دراسته لذلك مفتاحاً لما يمكن قد حدث في منابعه.
وشكل نهر النيل الذي نعرفه اليوم بمنابعه في هضبة البحيرات والمرتفعات الأثيوبية هو شكل حديث التكوين إتخذه النهر بعد سلسلة طويلة من التغيرات التي مر بها, قبل أن يتخذ شكله الحالي, ويعتبر نهر النيل الحديث نهراً مركباً تكون نتيجة إتصال عدد من الأحواض المستقلة بعضها عن البعض بأنهار نشأت خلال العصر المطير الذي تلا تراجع ثلوج العصر الجليدي الأخير منذ ما يقرب من عشرة آلاف عام قبل الآن, فنهر النيل هو وليد هذه الفترة المطيرة في تاريخ الأرض, وكان النيل قبل تلك الفترة يتكون من عدد من الأحواض التي شكلت بحيرات داخلية غير متصلة بعضها بالبعض, وكانت هذه الأحواض تفيض فوق جوانبها وتتصل بما يجاورها من أحواض في العصور المطيرة, وتتقلص في مساحتها حتى تجف كلية أو تنكمش إلى مستنقعات متفرقة عندما يسود الجفاف الأرض, وووقد ربطت هذه اليسكات بأنهار ذات إنحدار كبير, ففي الجنوب تقع بسطات فكتوريا وكيوجا وألبرت وهي بسطات ذات إنحدار بسيط نحو الشمال يصل إلى حوالي المتر لكل 20 إلى 50 كيلومتراً, ففي الوقت الذي يصل فيه معدل إنحدار الأنهار التي تصلها ببعضها البعض حوالي متر واحد لكل كيلومتر واحد من المجرى, وإلى الشمال من هذه البسطات يقع إقليم السد الهائل الذي يمتد حوالي 1800كيلومتر بين منجلا والخرطوم, وهو بسطة هائلة مفلطحة ذات إنحدار يصل إلى المتر الواحد لكل 15 كيلومتراً من المجرى في الجنوب ولكل 100 كيلو من المجرى في الشمال. والنهر الذي يوصل هذه البسطة إلى إقليم مصر ذو الإنحدار الذي يصل إلى متر واحد لكل 12 كيلو متراً من المجرى هو النيل النوبي السريع, والملئ بالجنادل والذي لا يزيد متوسط إنحداره على متر واحد لكل ستة كيلومترات من مجراه.
وقد تميزت الملايين الستة من السنين, والتي تشكل فيها نهر النيل, بتطورات مناخية كبيرة أثرت على العالم كله ففي هذه الفترة إمتدت ثم عادت فإنكمشت مثالج القطبين والجبال وغطت الثلوج أجزاء كبيرة من سطح الأرض لعدة مرات, وصاحب هذا الإمتداد والأنكماش تغيرات كبيرة في درجة الحرارة وتدرجية الضغط الجوي وكمية الأمطار وتوزيعها وكذلك منسوب سطح البحر. وتركت كل هذه التغيرات أثرها على تاريخ النيل وبالإضافة إلى ذلك فقد شهدت هذه الملايين الستة من السنين حركات أرضية هائلة ونشاطاً بركاينياً كبيراً أثر بشكل اساسي على منطقة منابع النيل, فأعيد خلال هذه الفترة تشكيل الأخدود الأفريقي الكبير ورفعت الجبال من حوله, فتغيرت مجاري الأنهار التي كانت تنبع من الهضبة الإستوائية والمرتفعلا الأثيوبية, لكي تصل إلى وادي النيل, وكانت هذه الأنهار قبل هذه الحركات الأرضية, تتجه ناحية حوض الكونجو فالمحيط الأطلنطي أو الفترة تشكيل الأخدود الأفريقي الكبير ورفعت الجبال من حوله, فتغيرت مجاري الأنهار التي كانت تنبع من الهضبة الإستوائية والمرتفعلا الأثيوبية, لكي تصل إلى وادي النيل, وكانت هذه الأنهار قبل هذه الحركات الأرضية, تتجه ناحية حوض الكونجو فالمحيط الأطلنطي أو إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي على التوالي, كما كان للنشاط البركاني أثره على مجاري التصريف فوق هذه الجبال, فكثيراً ما حولت الطفوح البركانية التي كانت تخرج إلى السطح مجاري الأنهار, وفي الحقيقة فإن مجرى أنهار المرتفعات الأثيوبية قد حددته هذه الطفوح البركانية التي تعطي هذه المرتفعات في سمك كبير.
كان البحر الأحمر مجرد أخدود ضيق وكانت الهضبة الإستوائية عالية ودون بحيرات وكان تصريف المياه فيها يتجه شرقاً إلى المحيط الهندي وغرباً إلى حوض الكونجو, كما كانت هناك جبال عالية بأثيوبيا, كان معظم تصريف مياها يتجه إلى المحيط الهندي وأقله إلى حوض النيل الذي كانت تملأ معظمه بحيرة هائلة. كما كان إقليم مصر معزولاً عن أفريقيا بهضبة النوبة العالية فلم يكن لأنهارها أي إتصال بالجنوب, وقد حدث تصريف المياه عقب تكون الأخدود الأفريقي الكبير وإتخاذه شكلاً يقارب شكله الحديث الذي إنشقت على أثره أرض أفريقيا لتكون أخاديد عميقة إمتلأ الأخدود الغربي منها بسلسلة من البحيرات (تنجانيقا – كيفو – ألبرت) وإمتلأ الشرقي منها الذي إمتد حتى أثيوبيا فالبحر الأحمر بسلسلة البحيرات التي إمتدت من توركانا حتى بحيرات أثيوبيا. كما ظهرت ولأول مرة بين الأخدودين بحيرة فيكتورا. وفي هذا الوقت تحول جزء كبير من تصريف المياه ناحية حوض النيل.
وقد مر مر زمن طويل بعد أن تحول تصريف المياه إلى حوض نهر النيل لكي تصل هذه المياه إلى مصر فالبحر الأبيض المتوسط, فقد كان على هذه المياه أن تخترق هضبة النوبة . . وكانت تلك الهضبة عندما تحولت المياه إلى حوض النيل أكثر إرتفاعاً مما هي الآن وكانت هضبة النوبة حاجزاً هائلاً للمياه التي تكونت في أحواض الجنوب ولا يسع الناظر إلى نيل النوبة الحديث إلا أن يرى أن هذا النهر لا يزال يصارع الأرض التي يمر عليها فلا يزال مجراه الذي يجربي في تأرجحات كبيرة كبيرة مليئاً بالشلالات والمضايق والعقبات.
كان حفر مجرى النيل بمصر نتيجة ظروف فريدة وغير عادية تسببت في تجفيف حوض البحر الأبيض المتوسط وتحويله إلى صحراء جرداء منذ حوالي ستة ملايين ستة, وقد جف البحر بسبب إرتفاع مضيق جبل طارق المكان الوحيد الذي تصل منه مياه المحيط العالي إليه, فلما إمتنع وصول المياه إلى البحر الأبيض المتوسط إنقلب إلى بحيرة أخذت مياهها في التبخر حتى جفت, وقد تراوح عمق هذا الحوض الجاف بين ثلاثة وأربعة كيلومترات, مما أرغم الأنهار القليلة التي كانت تصب في هذا البحر على تعميق مجراها إلى هذا العمق. وفي حالة النيل فقد تعمق مجرى النهر مجرى النهر إلى حوالي أربعة كيلومترات في الشمال وقد شكل هذا النهر (الذي سنسميه بنهر فجر النيل أو الأيونيل Eonil) خانقاً عظيماً كان لايقل في روعته وعمقه عن خانق نهر كولورادو الشهير في ولاية أريزونا بالولايات المتحدة, وقد غرق هذا الخانق بماء البحر الأبيض المتوسط بعد ذلك عندما وإمتلأ البحر بالماء منذ حوالي خمسة ملاييت وأربعمائة ألف عام. وأصبح الخانق خليجاً بحرياً لأكثر من مليونين من السنوات تلقى بعدها نهراً هائلاً هو ما سميناه النيل القديم (البالونيل Paleonile) وفي هذه الأثناء إمتلأ الخانق بالرواسب. ويبدو أن كلا النهرين الأيونيل والبالونيل كانا ينبعان محلياً من هضاب مصر والنوبة, ولم يكن لهما إتصال بأفريقيا, وقد إنتهت هذه الفترة من تاريخ النيل منذ حوالي مليونين من السنوات.
ولقد مرت فترة طويلة قبل أتن يقيم النهر المصري إتصالاً بافريقيا الإستوائية فمنذ حوالي 800 ألف سنة وقع الحدث الكبير وجاء النهر الذي وصل من أفريقيا, والذي سنسميه نهر ما قبل النيل (بريانيل Prenile) من منطقة منابع النيل الحديثة التي كانت قد تغيرت تضاريسها لكي تقارب شكلها الحديث فتحول تصريف أنهارها إلى حوض النيل وفي تلك الأثناء ولدت بحيرتا تانا بأثيوبيا وفكتوريا بالهضبة الإستوائية.
كان لة من الرمل والحصى التي ترسبها في سهله الفيضي ودلتاه اللذين كانا أكبر مساحة من سهل النيل الحديث ودلتاه, وتظهر الرواسب التي حملها هذا النهر في كل مكان على جانبي نيل مصر ودلتاه وتشكل عنصراً هاماً في المظهر الطبيعي لمصر الحديثة كملا نشكل واجهتها محاجر الرمال التي تزود مصر كلها برمال البناء.
وبعد أن توقف نهر ما قبل النيل من حوالي أربعمائة ألف سنة, وصل إلى مصر نهر أقل قدرة, وهو الذي أسميناه النيل الحديث أو نهر (النيونيل Neonile) وكان إتصال هذا النهر بافريقيا ضعيفاً, فكثيراً ما إنقطع إتصاله بها كل مرة عاد فيها هذا الإتصال كان النهر أقل تصرفاً وأقل عمراً من نهر عمراً ما قبل النيل. ولنهر النيونيل الذي يمتد حتى وقتنا الحاضر أهمية خاصة فقد شهد كل تاريخ الإنسان على أرض مصر إذ ظهر الإنسان في مصر مع بدء هذا النهر.
ويمكن تمييز ثلاث حقب في تطور نهر النيونيل: 1- في الحقبة الأقدم والتي إمتدت بين 400 ألف و200 ألف سنة قل الآن عاصر النهر حقبة مطيرة إنقطع فيها وصول النيل من أفريقا وإمتلأ واديه في مصر بأنهار محلية كانت تحصل على مياهها من جبال البحر الأحمر وهضاب النوبة, وقد تخللت هذه الفترة المطيرة فترة جفاف في مصر وصل فيها أو أنهار النيونيل من أفريقيا (المسمى ألفانيونيل أو النيونيل أ) والذي كان يختلف في رجيمه ونوع رواسبه عن نهر ما قبل النيل ويشبه إلى حد كبير جميع الأنهار ذات الصلة الأفريقية والتي جاءت بعده حتى نهر النيل الحديث, وقد شاهدت فترة الحقبة الأولى المطيرة ظهور إنسان العصر الحجري القديم في مصر.
2- وتميزت الحقبة الثانية والتي إمتدت بين 200 ألف سنة قبل الآن بنهر متقلب له صلة بأفريقيا كان يرتفع وينخفض في سرعة, كما كانت تصله مياه الوديان المحلية, فقد عاصر فترة مطيرة ثانية في مصر شاهدت ظهور إنسان العصر الحجري المتوسط في مصر.
3- أما الحقبة الثالثة والممتدة بين 70 ألف سنة إلى العصر الحديث فقد تزامنت مع العصر الجليدي الأخير ,lu tjvm ومع فترة تراجع ثلوجه منذ حوالي 10 آلاف سنة قبل الآن, وخلال فترة العصر الجليدي قلت أمطار الهضبة الإستوائية واختفت الغابات منها, وجفت منطقة السدو وسد مجرى النيل الأبيض بكثبان رملية سفتها الريح إليه, كما كانت مصر خلال هذا العصر قاحلة تماماً وإختفى الإنسان من صحراوتها بعد أن كان يسكن أمكنة كثيرة فيها. وخلال العصر الجيليدي الأخير وصل إلى مصر نهران وهما النيونيل ب (70 ألفاً إلى 25 ألف سنة قبل الآن) والنيونيل ج (20 ألفاً إلى 12 ألف سنة قل الآن) من المرتفعات الأثيوبية. وكان هذان النهران صغيران وموسمين يجفان خلال فصل الشتاءو وقد جاء النهران محملين برواسب كثيرة رسباها على إرتفاع كبير على جانبي النهر في النوبة وجنوب مصر وليس هناك تفسير مقبول لوجود هذه الرواسب على هذا الإرتفاع الكبير في جنوب مصر غير أن النيل في هذه المنطقة كانت تعترضه شلالات وجنادل تجبر المياه على الإرتفاع خلفها. لقد كان منسوب سطح البحر خلال عصر الجليد الأخير, عندما كانت هذه الأنهار جارية, منخفضاً بنحو مائة متر عن منسوبه الحالي, مما كان يحتم على النهر أن يعمق مجراه لا أن يبنيه على هذه الإرتفاعات التي تشير إليها رواسب هذه الأنهار بجنوب مصر.
وعندما تراجعت ثلوج العصر الجليدي الأخير زادت الأمطار على منابع النيل, وخاصة في الهضبة الإستوائية, فاختفت الحشائش التي سادت الغطاء النباتي لهذه الهضبة خلال عصر الجليد, وعادت الغابات والأشجار إلى الظهور كما زادت المياه في بحيرتي فكتوريا وألبرت حتى فاضت منهما وإتصلت لأول مرة بنهر النيل. وقد كان إندفاع المياه من هذه الهضبة عبر منطقة السدود الجافة شديداً إلى حد أن النيل فاض في مصر فيضاناً شديداً لم يحدث في أي وقت من تاريخه الطويل. وقد إمتدت فترة الفيضانات العالية لحوالي 500 سنة فيما بين سنة 12500 إلى سنة 1200 قبل الآن. ومنذ حوالي 10 آلاف سنة قبل الآن زادت أمطار الهضبة الأثيوبية, بل ومنطقة الساحل الأفريقي كلها كما إمتدت جبهة المطر شمالاً فغطت شمال السودان وجنوب مصر وظلت هذه المناطق ممطرة لمدة 4500 سنبعد ذلك. وبوصول المياه وبغزارة من مصدرين, وهما المرتفعات الأثيوبية وهضبة البحيرات جاء مولد النيل الحديث الذي أصبح مستديماً بعد أن كان موسمياً وقد زادت أمطار شمال السودان وجنوب مصر من مياه هذا النهر في فترته الولى والتي كان منسوب البحر فيها منخفضاً, فساعدت في إزالة الجنادل والعقبات التي كانت تعترض النهر قبل ذلك. وعندما تراجع الجليد وإرتفع منسوب النهر بدأ النهر في ترسيب الرواسب التي كان يحملها في واديه ودلتاه منذ ما بين ثمانية آلاف وسبعة آلاف سنة فتكونت بذلك أرض مصر الخصبة وقد دفعت عملية الترسيب هذه هيرودوت لأن يصف مصر بأنها هبة النيل.
حوض السد والسودان الأوسط
يشكل حوض السد والسودان بسطة هائلة قليلة الإنحدار تمتد لمسافة 1767 كيلومتراً بين جوبا والسودان, ويسمى الجزء الجنوبي من هذا الحوض والذي يمتد من جوبا وحتى المكال لمسافة 809 كيلومترات بإقليم السد. وينحدر هذا الجزء من الحوض بنسبة متر واحد لكل 15 كيلومتراً بالطول. وتصل إلى إقليم السد مياه كثيرة تأتيه من إقليم البحيرات الإستوائية ومما يتساقط عليه من أمطارغزيرة , ويفيض جزء كبير من هذا المياه حول جانبي النهر في هذا الإمتداد مكوناً مستنقعات كبيرة ذات غطاء نباتي كثيف. وقبل عام 1961 وهو العام الذي زادت فيه أمطار الهضبة الإستوائية فجأة كانت مساحة إقليم السد تتراواح بين 6500 و 8000 كيلو متر مربع إرتفعت فجأة بعد تزايد الأمطار إلى أكثر من ثلاثة أمثال مساحتها قبل هذا العام.
ويقع الجزء الشمالي من الحوض في منطقة السودان الأوسط ويمتد من الملكال إلى الخرطومم وهو يشكل سهلاً منبسطاً ذي إنحدار بسيط لايزيد عن المتر الواحد لكل مائة متر من المجرى - ويشكل هذا الجزء من النهر من ذلك الجزء الممتد حول بحر العرب إلى الغرب السهل الذي نشأ عند إمتلأ الأحواض العميقة التي شغلت هذه المنطقة منذ نشأتها في مبدأ العصر الجواري (130 مليون نسمة) بالرواسب التي جاءتها من المرتفعات المحيطة التي كانت النباتات تغطيها في معظم الأزمنة - وكانت هذه المنطقة قبل تسويتها بالرواسب التي جاءتها من المرتفعات المحيطة التي كانت بالأحواض العميقة التي شكلت بحيرات داخلية بلا تصريف خارجي كانت تصلها الرواسب من المرتفعات المحيطة بها فترسب في القاع الذي كان يهبط تحت وطأة ثقلها بمعدلات تراوحت بين أقل من المتر إلى المكائة متر لكل مليون سنة من تاريخها الطويل حتى وصل سمك عمود الرواسب الذي تراكم فوق قاعها إلى أكثر من ثلاثة عشر كيلومتراً ويثبت عمود الرواسب في هذه الأحواض القديمة والذي ‘خترقه عديد الآبار التي دقت وراء البحث عن البترول فيها أنها كاتنت تشكل بحيرات داخلية ترواح عمقها من بضعة أمتار إلى عدة مئات الأمتار ولم تنصرف مياهها إلى البحر وأن الرواسب التي ملأتها بحيرية خالصة أو رواسب المياه الآسنة والمستنقعات.
وكانت ذهه البحيرات تملأ أحواضاً نشأت في الأخاديد التي تكونت في هذه المنطقة وشكلت جزءاً من أخاديد الحزام الممتد عبر أفريقيا من نيجيريا في الغرب وحتى الصومال وكينيا في الشرق والتي نشأت عند إنفصال القارة الأفريقية من أمريكا الجنوبية وبدء ظهور المحيط الأطلنطي الجنوبي بين أول العصر الجواري والكديتاوي - وبالسودان أربعة أخاديد أمكن التعرف علهيا هي اخاديد النيل الأزرق وميلوت (والذي يحتل الجزء اكبر من إقليم النيل الأبيض) والمجلد (والذي يحتل الجزء الأكبر من بحر العرب) والبجارة والأخاديد الثلاثة الأول ذات إتجاه شمال غربي أما الأخير فيتجه إلى الجنوب الغربي,وتشكل هذه الأخاديد أحواضاً ذات إمكانيات كبيرة لتواجد البترول والذي إكتشف بالفعل في أخدود المجلد (حقلي بترول الوحدة وهجليج) وأخدود ميلوت (حقل بترول خور أدار).
وتصعب معرفة التفاصيل الكاملة للتاريخ الأخير لهذه الأخاديد بعد أن سوت أرضاً منخفضة ومنبسطة بعد أن إمتلأت بالرواسب وتحديد زمن إنفتاحها على البحر كجزء من نهر النيل الحديث . . ويمكنالقول أن إنفتاح أخدود النيل الأزرق إلى البحر الأبيض المتوسط كان سابقاً لإنفتاح الأخاديد الأخرى والتي يبدو أنها شكلت بحيرة واحدة متصلة خلال عصري البليوسين والبايستوسين - وكان الكثيرون منالباحثين الأوائل قد ضمنوا وجود هذه البحيرة بسبب إنبساط إقليم السودان الأوسط إنبساطاً دفعهم إلى الإعتقاد بان هذه الأقليم لابد وأنه شكل بحيرة مقفلة ومن هؤلاء ولكوكس مهندس الري المشهور ولوسون وجون بول. وقد رسم الأخير حد هذه البحيرة عند خط كونتور 400 وهو الإرتفاع الذي يتوقف عنده نمو حشائش إقليم السد في الوقت الحاضر - وإذا أخذنا أبعاد البحيرة كما إقترحها جون بول فإننا أمام بحيرة هائلة طولها حوالي 1050 كيلومتراً وعرضها حوالي 530 كيلومتراً - وهناك منالدلائل ما يؤيد أن هذه المنطقة لابد وأنها كانت بالفعل وحتى وقت قريب بحيرة واحدة أو عدد من البحيرات الداخلية - ويبدو من نتائج دراسة بقايا حفريات الرواسب القديمة لوادي النيل بمصر أن أحوال هذه البحيرة بعد هذا الإتصال الذي صفى معظم مياهها حسب تقلبات المناخ - ففي خلال عصر الجليد الأخير واذلي بغلت ذروته منذ حوالي 15.000 سنة مضت تقلصت هذه البحيرة وتحولت لى برك صغيرة متفرقة نتيجة الجفاف اذلي حل بالمنطقة وتناثر فوقها الكثير من الكثبان الرملية وربما حدث الشئ نفسه في العصر الجليدي السابق للأخير والذي إمتد للفترة بين 120, 180 ألف سنة مضت - ويبدو أن الأملاح التي تكونت في قاع البحيرة خلال هذين العصرين عندما حل الجفاف قد تركت أثرها على خزنات المياه الأرضية التي أملحت وخاصة في منطقة السودان الأوسط.
ويبدو أن البحرة قد إتسعت خلال الفترة المطيرة التي تلت تراجع ثلوج العصر الجليدي الأخير, وأن اٌصى إتساع لها كان منذ 12500 سنة. ومن الملاحظ أن كل بحيرات أفريقيا الإستوائية في ذلك الوقت كانت في أقصى إتساعها ففي ذلك الوقت إرتفع منسوبها وفاضت مياهها فوق ضفافها ووصلت مياه الكثير منها إلى إقليم السد الذي وصل إلى أقصى إتساع له حينئذ. ويبدو أن هذا الوقت قد تميز أيضاً بإنفتاح بحيرة السد والسودان الأوسط ووصل كميات هائلة من مياهها إلى مصر فالبحر الأبيض المتوسط عبر منطقة النوبة. ويجدر أن نذكر هنا أن مياه بحيرة السد - السودان الأوسط كانت قد وجدت طريقها إلى البحر عبر النوبة في أوقات متقطعة سابقة وسنأتي على وصف بعض هذه الأوقات في الفصول التالية.
وكان مجئ مياه بحيرة السد - السودان الأوسط إلى مصر عبر منطقة الشلبوكة التي تقع على عبد 85 كيلومتراً إلى الشمال من الخرطوم والتي تعرف بإسم الشلال السادس ولو إنها في الحقيقة ليست شلالاًعلى الإطلاق, بل هي ضيقة في مجرى النهر تعترضا نتوءات صخرية في القاع مما يجعلها عائقاً ملاحياً وخاصة في غير أوقات الفيضان عندما يكون النهر واطئاً, وعندما يكون يدخل النهر منطقة الشلبوكة فإنه يمر في منطقة مفتوحة ثم في منطقة جبلية إلى الشمال من جزيرة رويان حيث يمر في خور ضيق تحده الجبال على الجانبين ويبدو أم مجرى الشلبوكة الذي جرت المياه فيه لعدة مرات خلال تاريخ النيل قد أخذ شكلح الحالي منذ 12500 سنة في وقت الفيضانات العالية الت يميزت نهر النيل آنئذ.
أنهار الأساسية التي تنبع من المرتفعات الأثيوبية هي الأزرق والعطبرة والسوباط وهي أنهار موسمية في الأساس, تبلغ كمية المياه التي تحملها وقت موسم الفيضان أربعين مثل تلك التي تحملها عندما يكون النهرواطئاً - كما تبلغ كمية الرواسب التي تحملها إلى مصباتها حوالي 4000 ملليجرام في كل لتر في شهر أغسطس في حين لا تزيد هذه الكمية على 100 ملليجرام في كل لتر في شهر يونية. وتعكس موسمية الأنهار طبيعة الأمطار فوق المرتفعات الأثيوبية والتي تسقط فيما بين شهري يونية وأكتوبر من كل عام وتصبح في ذروتها في شهري يولية وأغسطس ويبلغ متوسط سقوط الأمطار فوق المرتفعات الأثيوبية بين 1000, 1400 ملليمتر في العام وهي أغزرفي الجنوب الغربي لأثيوبيا حيث ينبع نهر بارو روافد السوباط الأساسي حيث يصل متوسطها إلى 2200 ملليمتر في العام.
وتنبع الروافد الثلاثة من المناطق العالية من المرتفعات الأثيوبية بين خطي كونتور 2000 و 3000 متر فوق سطح البحر ويقع أكثر من نصف مساحة المرتفعات على إرتفاع يزيد على الألفي متر وأعلى نقطة فيها هي إحدى قمم جبال سيمين والتي يصلها إرتفاعها إلى 4620 متراً فوق سطح البحر أي أقل قليلاً من إرتفاع جبل "مونت بلان" الشهير بجبال الألب بأوروبا, وهناك قمم أخرى في سلسلة جبال سيمين وكذلك في جبال شوكاي يزيد إرتفاعها على 4000 متر فوق سطح البحر وكل هذه القمم تتغطى بالثلوج عندما تتساقط عليها والثلوج فوق هذه القمم غير دائمة ولا تكتب كثيراً في مياه النيل, وتقطع الوديان العميقة والخوانق المرتفعات الأثيوبية ويتعبر خانق النيل الأزرق من أعمقها الذي يصل عمقه إلى أكثر من 1300 متر عن منسوب الهضبة المحيطة به, ومعظم الأنهار التي تشق الهضبة دائمة الجريان على مدار السنة وإن كان منها ما يتوقف عن الجريان خلال موسم الجفاف, وبإستثناء روافد النيل الثلاثة الت يتصب في النيل فإن كافة الأنهار الأنهار الأخرى التي تنبع من المرتفعات الأثيوبية وتتجه ناحية الغرب لا تصل إلى البحر ومن أشهر هذه الأنهار خور القاش الذي يتوقف عند كسلا وخور بركة الذي ينتهي عند طوكر والأواش الذي يصب في بحيرة آبي وهذه الأنهار وغيرها التي تنبع من الهضبة الإرتيرية تختفي في رمال السهول التي تحد سفح المرتفعات من الغرب وفي الوقت الحاضر فإن الجزء الإريتري المرتفعات أقل أمطاراً من الهضبة الأثيوبية,ومن المؤكد أن هذه الأنهار كانت تتصل بالنيل عن طريق العطبرة في غابر الزمان عندما كان الجو أكثر رطوبة ومطراً.
وتنبع روافد النيل الثلاثة من منطقة طفوح بركانية تكونت نتيجة نشاط بركاني فيما بين عصري الميوسين والبليستوسين (أي منذ ما بين 27 مليوناً و2 مليون سنة مضت) وتقطع الروافد مجاريها وسط هذه الطفوح البركانية مما يعني أنها لابد قد نشأت وتشكلت في وقت لاحق لظهور هذه الطفوح البركانية التي غيرت تضاريس المنطقة ةساعدت في توجيه تصريف مياهها ناحية حوض النيل, وكان تصريف المياه فيما قبل ظهور هذه الطفوح يتجه ناحية البحر الأخمر, ولا يعرف عن وجود نظام قديم لتصريف المياه ناحية حوض النيل قبل النظام القائم الآن, وقد تزامن ظهور الطفوح البركانية التي غيرت تضاريس المنطقة مع نشأة الأخدود الأثيوبي, ذلك الجزء في أخدود أفريقيا العظيم الذي يشكل في الوقت الحاضر خط تقسيم المياه بين تلك الحواض التي تتجه في تصريفها ناحية البحر الأحمر وهي أحواض الشبيلي وجوبا وسواحل البحر الأحمر وتلك التي تتجه ناحية حوض النيل وهي البركة والقاش والعطبرة والنيل الأزرق والسوباط. أما الأخدود الأثيوبي ذاته فإن مياهه تنصرف في أحواض داخلية ولا تصل إلى البحر وهذه الأحواض الداخلية هي أحواض أنهار الأسالي الذي ينتهي في منخفض الدناقيل والأواش الذي ينتهي في بحيرة آبي وأنهار الأخدود الأعلى التي تنتهي في البحيرات التي تمتد من ستيفاني حتى زواي واومو الذي ينتهي في بحيرة توركانا - وقد نشأت أحواض التصريف الداخلي للأخدود مع ظهوره. كما تسبب ظهور الأخدود إلى تحويل تصريف المرتفعات الأثيوبية الواقعة إلى غربه ناحية النيل ولم يحدث أبداً أن أتجه تصريف مياه المرتفعات الأثيوبية ناحية النيل قبل ظهور الأخدود الذي يعرف بالضبط تاريخ نشأته وإن كانت الدلائل تشير إلى أنه حديث التكوين بدليل أن الأنهار المتجه منه إلى النيل حديثة الشكل لم تحمل من الرواسب إلا كميات صغيرة كما يتبين من صغر سمك الرواسب التي حملتها هذه الروافد منذ نشأتها ورسبتها في سهول السودان بعد أن كانت تترك مجاريها الشديدة الإنحدار. ومما يؤكد حداثة هذه الروافد مسار النيل الأزرق ذاته فهو ينحني في شبه دائرة قبل أن يأخذ طلايق المنحدر العام ناحية الشمال الغربي, وفي هذا المجال تختلف روافد النيل عن أنهار المرتفعات الأثيوبية التي تصب في المحيط الهندي كنهري الجوبا والشبيلي وغيرهما فكلها تجري مباشرة ناحية البحر في إتجاه جنوبي شرقي.
أنهار المرتفعات الإثيوبية
العطبرة
العطبرة نهر موسمي تقع منابعه إلى الشرق والغرب من بحيرة تانا بالقرب من منابع الأزرق فيما بين خطي عرض 12, 15 درجة شمالاً وخطي طول 36, 40 درجة شرقاً. ويختلف العطبرة عن النيل الأزرق في أنه لا ينبع من بحيرة تساعد في تنظيم خروج المياه إليه بل أنه يعتمد على عشرات الروافد التي تمتلئ بالمياه خلال موسم الأمطار بين يولية وأكتوبر ثم تندفع في أخور عميقة إلى فرعي النهر الأساسيين: الجانج الذي يمثل إمتداد النهر والستيت-تكازي- وفي خلال موسم الجفاف تقل المياه في الكثير من الروافد فيما بين شهري نوفمبر ويناير وتجف تماماً فيما بين شهري مارس ومايو من كل عام. وفي الحقيقة فإنه لم لولا وجود عدد كبير من الروافد التي تزود نهر العطبرة بالماء لما إستطاع النهر أن يندفع حتى يصل إلى النيل ولأصبح مثل نهر القاش الذي يختفي في الصحراء قبل أن يصل إلى نهر العطبرة, ويلاحظ أن نهر القاش يصل في سنوات المطر الغزير إلى العطبرة حيث يتصل به.
ولا يعرف إلا القليل عن التاريخ الجيولوجي لنهر العطبرة وهناك ما يشير إلى أن النهر حمل وقت عصر البلستوسين الأوسط (منذ 500000 سنة) كميات كبيرة من المياه وأنه كان يجري على إرتفاع يزيد 25 متراً على إرتفاعه الحالي.
النيل الأزرق
يغطي حوض النيل الأزرق معظم أثيوبيا إلى الغرب من خط طول 40 درجة شرقاً بين خطي عرض 12.9 درجة شمالاً. وبالإضافة إلى النبع الذي يقع إلى الجنوب نم بحيرة تانا والي يخرج منه الآباي الصغير الذي يتجه إلى بحيرة تانا فإن للنيل الأزرق منابع أخرى كثيرة. وفيما يلي بعض أهم الروافد التي تجلب المياه للنهر ومساحة أحواضها بالكيلومترات المربعة.
ويتجه نهر آلاباي ناحية الشمال حتى يصل إلى بحيرة تانا التي تقع على إرتفاع 1829 متراً فوق سطح البحر. وبحيرة تانا بحيرة ضحلة الغور يبلغ متوسط عمقها أقل من تسعة أمتار ومخرج البحيرة حديث فقد ظلت البحيرة لمدة طويلة بعد نشأتها مسدودة عند مخرجها بطفوح بركانية لا تفيض منها المياه ولم تقطع هذه الطفوح إلا في عصر البليستوسين الأوسط (منذ 500000 سنة تقريباً) فكونت مخرجاً ضيقاً يقع جزيرة دبري مريام وشيمابو البركانيتين الواقعتين عند مخرج البحيرة حيث يبدأ النيل الأزرق أو الآباي الكبير رحلته الكبيرة - ويبدأ النهر مسيرته لثلاثين كيلومتراً في الإتجاه الجنوبي الشرقي حتى شلالات تسيسات حيث يسقط حوالي خمسين متراً يدخل بعدها في خانق يزداد عمقه تدريجياً حتى يصل إلى أكثر من 1500 متر عند قنطرة دبري مرقص. ولا يزيد إتساع النهر في هذا الإمتداد على 30 كيلومتاً - وخلا مسيرته بعد ذلك يلتف النهر في إتجاه جنوبي شرقي ثم جنوبي غري ثم غربي مع شمال ليتفادى جبال شوكاي البركانية العالية والتي يبلغ إرتفاع أعلى قممها 4413 متراً. وتصب في النهر في هذا الإمتداد روافد بشيلي وجاما والموجر والجودر والفنشا وكلها تنبع من حافة الأخدود الأثيوبي ويبدو أن هذه الروافد كلها أنهار عكست إتجاها ناحية النيل بعد أن تغيرت التضاريس بظهور الأخدود. وبين بحيرة تانا والحدود الأثيوبية - السودانية مسافة 850 كيلومتراً ينحدر النهر فيها إنحداراً شديداً يسقط فيها حوالي 1300 متر أي بمعدل إنحدار متر ونصف المتر لكل كيلومتر من المجرى. وفيما بين الحدود السودانية الأثيوبية وبلدة الرصيرص بالسودان يقل إنحدار النهر الذي لا يزال يجري في هذا الإمتداد بين الصخور في خانق أقل عمقاً من الخانق الذي كان يجري فيه إذ لا يزيد عمقه على 40 متراً أما بعد الرصيرص فإن النهر ينبسط ويقطع مجراه وسط رواسبه. وفيما بين الرصيرص وسنار (التي تقع على بعد 280 كيلومتراً إلى الشمال) يسقط النهر 60 متراً منمنسوب متراً إلى 420 متراً فوق سطح البحر, ومن سنار وحتى الخرطوم (التي تقع على بعد 350 كيلومتراً) يسقط النهر 65 متراً أخرى ويبلغ طول النيل الأزرق في السودان حوالي 900 كيلومتر يسقط فيها بمعدل متر واحد لكل سبعة كيلومترات.
وقد تسبب إنبساط مجرى النيل الأزرق في اسفله إلى تقليل قدرة النهر على حمل الرواسب العالقة بمياهه فترسب منه لتكون السهل الذي يقع بين النيل الأزرق والنيل الأبيض والمسمى بإقليم الجزيرة, وهو من أخصب مناطق السودان وقد تكون هذا السهل من الرواسب التي سقطت من النيلالأزرق وترسبت طبقة فوق طبقة على مر السنين - وقد كانت رواسب الجزيرة موضوع دراسات مستفيضة في العقد الأخير. وتبين هذه الدراسات أن سمك هذه الرواسب يختلف من مكان إلى مكان ولكنه يبلغ في متوسطه حوالي 60 متراً. وإذا حسبنا الكمية الهائلة من الرواسب التي يحملها النهر كل عام فإن هذا السمك يعتبر صغيراً جداً ودليلاً على حداثة النهر ذاته الذي لابد أنه إتخذ مجراه. كما بينا في السابق, بعد أن طفحت البراكين التي صاحبت تكوين الأخدود الأثيوبي فأمالت حوافه ووجهت بذلك مياه المرتفعات الأثيوبية إلى الغرب بعد أن كانت تتجه إلى الشرق ناحية البحر الأحمر, وتظهر دراسة الآبار التي دقت في سهل الجزيرة وجود عدد كبير كبير من فروع النيل الأزرق المدفونة تحت السطح والتي يبدو أنها لم تكن تصل إلى النيل الأبيض وهي مروحية الشكل كانت الرواسب تنتهي عندها وكما سنرى فيما بعد فإن رواسب النيل الأزرق لم تصل إلى مصر إلا في وقت متأخر (حوالي 800000 سنة قبل الآن). أما قبل ذلك فيبدو أن النهر كان يلقي برواسبه في سهل الجزيرة أو أنه كان يصل إلى بحيرة داخلية كبيرة بالسودان كما كان وصول مياه النيل الأزرق إلى مصر منذ ذلك الوقت متقطعاً كما سنبين فيما بعد.
السوباط
تبلغ مساحة السوباط حوالي 224000كم2 ويحصل الرافدان الأساسيان لهذا النهر البارو والبيبور على معظم مياهها من المرتفعات الأثيوبية وبعد أن يتركا هذه المرتفعات ويلتقيان ينبسط مجرى النهر مكوناً مستنقعات ماشار التي تبلغ مساحتها 6500كم2 وإلى الشرق من منابع السوباط يوجد حوض نهر أومو الأخدود الأثيوبي الأعلى الذي يحتوي على عد من البحيرات التي تمتد من بحيرة شامو في الجنوب جزءاً من حوض نهر أومو وذلك قبل ظهور الخدود وقبل أن يتشكل خط تقسيم المياه الحديث الذي يمتد في إتجاه شمالي - جنوبي على طول خط طول 36 درجة شرقاً وخط تقسيم المياه هذا كثيراً ما تغير مكانه وخاصة في الفترات المطيرة التي كان يرتفع فيها منسوب بحيرة توركانا وينحدر فيها نهر أومو ناحية النيل, ويبدو أن ذلك قد تكرر لعدة مرات وكانت آخرها فيما بين سنة 7500 وسنة 2000 قبل الآن عندما إرتفع منسوب بحيرة توركانا إلى أكثر من 80 كتراً فوق منسوبها الحالي وإتجهت مياهها ونهر أومو ناحية النيل. ومن الأدلة على إرتفاع منسوب البحيرة في هذه الفترة وجود شواطئ بحيرية قديمة على هذا الإرتفاع كما أن أنواه الأصداف التي تعيش اليوم في كل من البحيرة وحوض النيل متشابهة مما يدل على أن الحوضين كانا متصلين في ماضي الزمان. ومرة أخرى وكما وجدنا في أنهار المرتفعات الأثيوبية الأخرى فإننا نجد أن هناك من الأدلة ما يدل على حداثة نهر السوباط.
النيل النوبي - المعبر من قلب أفريقيا إلى البحر المتوسط
تمتد الهضبة اليت تفصل حوضي السودان ومصر من الشلبوكة (85 كم إلى الشمال من الخرطوم) إلى أسوان وهي تشكل القنطرة التي تمر منها المياه التي تتجمع في احواض قلب أفريقيا إلى مصر فالبحر الأبيض المتوسط, وتتكون هذه الهضبة من صخور عارية دون كساء نباتي شاب تعوق مجراه في الكثير من المواقع شلالات وجنادل. وقد أصبح النهر في هذا ومنذ بدء هذا الجزء ومنذ بدء هذا القرن مخزناً للماء ولم يعد على حاله الطبيعي عندما كان نهراً سريعاً يمر في طور تعديل إنحدار مجراه وحت العوائق فيه. وكانت الهضبة النوبية تشكل حاجزاً بين أحواض أفريقيا والبحر المتوسط لمدة طويلة قبل أن يخترقها النيل النوبي.
وحتى بعد هذا الإختراق وإتصال أفريقيا بالبحر المتوسط عبر هذا النيل فإن الهضبة كثيراً ما عادت لكي تكون حاجزاً بين أحواض أفريقيا والبحر ذك لأن النيل النوبي كان ينقطع بين الوقت والآخر فيمتنع الإتصال.
وقد أصبح النيل الآن وبعد تحويله إلى مخزن كبير للماء بعد بناء سد أسوان (1902) ثم السد العالي (1970) على شكل بحيرة كبيرة صالحة للملاحة. وقبل ذلك لم تكن الملاحة ممكنة في المجرى الطبيعي إلا في وقت الفيضانفقد كانت العوائق التي تعترضه تشكل عقبات ملاحية كبيرة. وتحتوي الكثير من الكتب التي تصف الحملات العسكرية للسودان في القرن التاسع عشر على وصف المخاطر المهلكة التي تعرضت لها هذه الحملات وهي تبحر في النيل في هذه المنطقة.
ويعتبر جزء النهر من وادي حلفا حتى عمارا والذي يمتد حوالي 120 كيلومتراً واحداً من أكثر أجزاء النهر وحشة, إذ يحد النهر من ناحية الشرق جرف من صخور نارية داكنة أعطت لهذا الجزء من إسم بطن الحجر. ويعترض هذا الجزء عدد من الجنادل التي تشكل في مجموعها الشلال الثاني ومن أهم الثاني هذه الجنادل جندلاً سمنة ودال. وعلى إمتداد هذا الجزء قلاع ومعابد بناها المصريون القدماء والرومان لتحصين مدخل الجنوبي ويهمنا من هذه القلاع قلعتا سمنة وكوما اللتان ترتفعان فوق النيل بحوالي 123 متراً فقد نقشت على جانبي النهر مناسيب النيل في عصره القديم (أنظر الجزء الثاني من الكتاب).
وفيما بين الخرطوم التي يبلغ إرتفاعها 378 متراً فوق سطح البحر إلى أسوان اليت يبلغ إرتفاعها 91 متراً فوق سطح البحر مسافة 1847 كم ينحدر فيها النيل بمتوسط متر واحد لكل 6.5 كم من المجرى. على أن هذا الإنحدار ليس منتظماً على طول المجرى ولكنه يصبح كبيراً عند الشلالات الستة التي تعترض النيل النوبي. وأكبر إنحدار هو عند الشلال الرابع الذي يمتد لمسافة 110 كم من نقطة تبدأ عند حوالي 97 كم من الغرب من أبو حمد وحتى بلدة كريمة. وفي هذا الإمتداد يسقط النيل من إرتفاع 297 متراً إلى إرتفاع 248 متراً فوق سطح البحر أي بمعدل متر واحد لكل 2.25 كم من المجرى - ويلي هذا الشلال في درجة الإنحدار الشلال الخامس الذي يمتد من بربر حتى أبو حمد لمسافة 160 كم وفيه يسقط النهر من منسوب 361 متراً إلى منسوب 306 فوق سطح البحر بمعدل متر واحد لكل 3 كم من المجرى. أما الشلال الثاني الذي يمتد لمسافة 200 كم إلى الجنوب من وادي حلفا فله معدل إنحدار يقارب معدل الشلال الخامس فهو يسقط في هذه المسافة من إرتفاع 194 متراً في أقصى جنوبه إلى إرتفاع 128 متراً عند وادي حلفا. وفيما بين الشلالين الرابع والخامس يقع السهل الفيضي الذي يمتد فيما بين دنقلة وكريمة حيث توجد الزراعة وحيث ينبسط النهر فيسقط بمعدل متر واحد لكل 12.5 كم من المجرى. ويلاحظ أن المنطقة التي تفصل شلال أسوان من وادي حلفا والتي تمتد لمسافة 345 كم لها نفس معدل هذا الإنبساط وإن كانت هذه المنطقة صخرية تحدها من الجانبين صخور رملية لم تكن تعرف فيها الزراعة إلا في جيوب صغيرة.
وهضبة النوبة قاحلة في الوقت الحاضر وبها شبكة تصريف تتكون من عدد كبير من الوديان الجافة. وفي القوت الحاضر فإن هذه الوديان لا تحمل للنيل إلا كمية ضئيلة من المياه ولكن هناك من الأدلة ما يقطع بأن هذه الوديان حملت للنيل في الماضي البعيد كميات كبيرة من الماء. وقد أثبتت الأبحاث الحديثة اليت قامت بها البعثات العلمية أن أحد هذه الوديان الجافة في القوت الحاضر وهو وادي هور كان نشطاً وحاملاً لكميات كبيرة من الماء فيما بين سنة 9400 وسنة 4800 قبل الآن, وأنه كثيراً ما تكونت به وفي أماكن كثيرة منه بعد موسم أمطار الصيف برك كانت تعيش فيها الأسماك والتماسيح وأفراس البحر والسلاحف. وسنبين في الجزء الثاني من هذا الكتاب أن كميات المياه التي كانت تأتي من هذه الوديان في تلك الزمان السحيقة قد رفعت منسوب النيل وتسببت في فيضانات ضخمة في مصر نتيجة إتساع الحوض الذي كانت منه مياه النهر بالإضافة إلى أن مياه هذه الوديان لم تكن عرضة لأن تفقد في مستنقعات أو أن تفيض فوق ضفاف الأنهار كما كان الحال بالنسبة للمياه التي كانت تأتي من الهضبة الإستوائية أو المرتفعات الأثيوبية.
وتشكل هضبة النوبه المعبر الذي يوصل إلى مياه النيل إلى البحر وقد تعرض هذا المعبر لحركات أرضية كثيرة وقد أثرت هذه الحركات في شكل النيل وكمية المياه التي حملها عبر تاريخه. ويقع شلال شلبوكة الذي تبدأ منه رحلة النيل عبر النوبة على فالق عظيم يمتد من الشرق إلى الغرب, كما تقطع النيل النوبي على إمتداد فوالق أخرى كثيراً ما سببت كسوراً وميولاً أعاقت المجرى أو غيرته أو تسببت في إيقاف إيصال المياه إلى مصر. ومن أهم هذه الفوالق فالق كلابشة بنيل النوبة بمصر والذي يعرف بنشاطه الزلازالي المستمر عبر التاريخ وقد أثبتت الأبحاث أنه كان نشطاً وقت الرومان وفي العصر الحديث.
النيل في مصر
يجري النيل بين أسوان والبحر الأبيض المتوسط بإنحداريتراوح بين متر واحد لكل 15 كيلومترا من المجرى عند منطقة قنا إلى متر واحد لكل 11.4 كيلومتر عند منطقة بني سويف ويقطع النهر مجراه خلال هذه الرحلة في رواسبه التي بناها بنفسه وتكونت عاماً وراء آخر في واديه وهي الرواسب التي إنقطع وصولها بعد بناء السد العالي ويتفرع النهر إلى الشمال من القاهرة إلى فرعي دمياط ورشيد اللذين يشقان دلتا النهر في الوقت الحاضر أما في الماضي فقد كا للدلتا عدد أكبر من الفروع كان أقصاها شرقاً الفرع البيلوزي الذي كان يصب إلى الشرق من بورسعيد في سيناء كما كان أقصاها غرباً الفرع الكانوبي الذي كان يصب إلى الغرب من الإسكندرية.
وكما سبق القول فإن نيل مصر - النوبة ينفرد من بين جميع الأنهار بأنه إستطاع أن يشق طريقه عبر الصحراء الكبرى لقرابة 2700 كم في أرض قاحلة دون أن تصله أية مياه. وسنحاول في هذا الفصل أن نشرح سبب هذه الرحلة الفريدة التي أمكن فيها للنيل أن يصل إلى البحر بدلاً من أن يلقي بمياهه ورواسبه في دلتا داخلية كما هو الحال في الأنهار التي تجاببها ظروف مماثلة.
إن تاريخ نيل مصر معقد وصعب البناء فهو ينبسط أساساً من معاينة مجارية القديمة وما تركته من مصاطب وسطوح ففي إرتفاعها عن النهر الحديث وفي طبيعة رواسبها وما تحتويه من حفريات أو أدوات صنعها الإنسان فهم لمسار النهر القديم وأحواله والظروف التي تكونت فيها هذه الرواسب والمنابع التي جاءت منها. ولما كان الجزء الأكبر من هذه الرواسب والسطوح التي تركها النهر تجرف بعد تكونها وتزال بالأمطار وعوامل التعرية الأخرى. فإن التاريخ الجيولوجي للنهر الذي يمكن أن يستنبط مما بقى من رواسب وسطوح هو بطبيعته ناقص يحتاج إستكماله إلى إعمال الخيال. فإذا أضفنا إلى ذلك أن جزءاً كبيراً من رواسب النهر الباقية توجد مدفونة تحت السطح بعيدة عن الفحص والمشاهدة فإننا يمكن أن نرى مقدار الصعوبة اليت يقابلها من يتصدى لمحاولة بناء تاريخ النهر . . وفي حالة نيل مصر فإن جزءاً كبيراً من رواسب النهر القديمة والمدفونة تح السطح قد أصبحت متاحة للدراسة بعد أن إخترقتها آلات الحفر التي إستخرجت الكثير من العينات من الآربار التي دقت بغرض البحث عن البترول أو بغرض إستخراج المياه الجوفية في الدلتا ووادي النيل.
ومن أكبر الصعوبات التي تقابلنا في محاولتنا حل أسرار تاريخ النيل هي عدم إستطاعتنا تأريخ رواسب النهر تأريخاً مطلقاً. فباستثناء الرواسب الحديثة جداً فإن كل الرواسب القديمة الأخرى لا تحمل أية مواد قابلة للتأريخ بالطرق الراديومترية . . كما أنه لا توجد بها طفوح بركانية أو صخور حاملة لمواد إشعاعية قابلة للتأريخ المطلق يمكن عن طريقها إيجاد سطوح معروفة التاريخ تصلح للرجوع إليها عند بناء تاريخ النهر. وتختلف رواسب النيل في ذلك عن رواسب أفريقيا الشرقية وبلاد الشام التي تتخلل رواسب عصورها الحديثة فترات من النشاط البركاني الذي تحمل طفوحه مواد قابلة للتأريخ المطلق.
وبإستثناء الرواسب الحديثة التي إستخدمت فيها طريقة الكربون المشع لتأريخها فإن كل التواريخ المعطاة لأطوار النهر القديمة هي تواريخ نسبية ومقدرة.
ولنعد قليلاً لكي ننظر في التاريخ الجيولوجي لمصر حتى تتكون لنا صورة واضحة عن شكلها قبل أن يصلها نهر النيل, كانت أرض مصر في ذلك الوقت مغطاة ببحر كان قد جاءها من الشمال وأخذ يزحف عليها حتى بلغ أقصى حد له في الجنوب منذ حوالي 60 مليون سنة عندما غطى مصر كلها وإمتد لكي يغطي جزءاً كبيراً من شمال السودان, وبعد ذلك التاريخ بدأ البحر يتراجع بإنتظام حتى أصبح شاطئه على خط يمتد فيما بين الفيوم وسيوة منذ حوالي 30 مليون سنة وبعد ذلك بعشرين مليون سنة أصبح شاطئ البحر قريباً من وضعه الحالي, وفي هذه الأثناء تكونت شبكة لتصريف مياه الأرض التي إنحسر عنها البحر نتيجة هذا التارجع وقد إنتهت أنهار كثيرة من أنهار هذه الشبكة في دلتاوات بقيت آثارها حتى الآن وهي مليئة ببقايا النباتات والحيوانات التي عاشت عليها أو جرفت إليها - من هذه الدلتاوات دلتا الفيوم القيدمة التي جذبت الإهتمام لأحتوائها على بقايا حيوانات فريدة من بينها أقدم القردة الإنسانية. وكذلك دلتا واحة المغرة بشرق منخفض القطارة. ولم يكشف أحد حتى الآن عن أي أثر لمجاري الأنهار التي كونت هذه الدلتاوات إذ يبدو أنها كانت ضحلة العمق كثيرة المنعطفات زال كل أثر لها بعوامل التعرية التي كسحتها بكاملها.
على النقيض من هذه الأنهار الضحلة التي زال آثارها نجد نهر النيل الذي نشأ في منخفض طولي بسطح مصر وحفر لنفسه فيه مجرى عميقاً ملأه بعد ذلك برواسبه التي حملتها مياهه فكونت فيه عموداً سميكاً من الرواسب التي مازالت محفوظة حتى الآن. وقد أصبحت هذه الرواسب التي تركها النيل وراءه وعلى طول تاريخه متاحة للدراسة بعد أن إخترقها آبار كثرة وعميقة خاصة في منطقة الدلتا.
ويستطيع المرء أن يتصور شكل القاع الذي ترسبت عليه أول رواسب الأنهار التي تتالت على مجرى النه رالحالي بدراسة الآبار الهميقة التي دقت في دلتا النيل وراء البحث عن البترول وإستخدامها لبناء مقاطع طولية وأخرى عرضية في الدلتا. والناظر إلى هذه المقاطع يرى أن قاع الدلتا لم يكن مستوياً عندما جاءها النيل وبدأ ترسيب أول الرواسب عليه فقد كان القاع الذي يمثل الجزء الشمالي من الدلتا وحتى مدينة طنطا واطئاً ومغموراً بمياه البحر حتى بدء ترسيب أول الرواسب النهرية للنيل بينما كان الجزء الجنوبي من الدلتا في ذلك الوقت مرتفعاً عن سطح البحر. كان الجزء الشمالي من الدلتا خليجاً تصله الرواسب البحرية وقت بدء نشأة النيل في القوت الذي كان فيه الجزء الجنوبي هضبة عالية من الحجر الجيري المغطاة بطفوح بركانية سميكة من البازلت التي كانت قد بثتها براكين كثيرة قبل تاريخ بدء النيل بحوالي عشرة ملايين سنة. وكانت الحافة الشمالية لهضبة الدلتا الجنوبية شديدة الإنحدار تشكل جرفاً عالياً كان يطل على الخليج الشمالي من على إرتفاع لا يقل عن ألف متر.
وعندما بدأ النهر تاريخه فإنه كان يقطع مجراه ويعمقه في الكتلة الجنوبية العالية ويرسب ما كان يحمله من رواسب في الخليج الشمالي. ولذلك وكما هو فإن أسمك وأكمل عمود للرواسب النيلية يوجد بالخليج الشمالي. ففي الوقت الذي كان فيه هذا الخليج يتلقى رواسب النهر كان مجرى النيل في الهضبة الجنوبية للدلتا وكذلك على طول إمتداده بمصر يتعمق ولم يكن يتلقى أي رواسب وقد إستمر الحال كذلك في أطوار نشأة النهر ولم يبدأ الوادي والكتلة الجنوبية للدلتا في تلقي روسب النهر إلا بعد أن إمتلأ الخليج الشمالي بالرواسب وإرتفع حتى أصبح بسواء كتلة الدلتا الجنوبية وشكل جزءاً من نهر سهل الإنحدار على طول مساره في الدلتا.
إن عمود رواسب النهر الذي يصل سمكه في الخليج الشمالي للدلتا إلى أكثر من أربعة كيلومترات مكون من وحدات تختلف عن بعضها البعض في نسيجها وتركيبها. وقد ترسبت كل وحدة من هذه تحت ظروف خاصة بها تعكس التغيرات التي لابد أن النهر مر بها. وينقسم عمود الرواسب الموجودة بمجرى النيل ودلتاه إلى خمس وحدات مثلت كل وحدة منها رواسب نهر متميز من حيث هيدرولوجيته ومنابعه. لقد مر النيل منذ نشأته بخمسة أطوار على الأقل, تغير في كل منها شكله وكمية المياه التي يحملها ومنابعه التي جاءته بالمياه, أما الأطوار الثلاثة القديمة فقد كانت منابع النهر فيها محلية تقع بمصر وبلاد النوبة وفي طور واحد منها ربما إمتدت منابع النهر إلى داخل أفريقيا وإن كان الدليل هنا ليس قاطعاً تماماً. أما الطوران الأخيران فقد إتصل نيل مصر فيهما بأفريقيا. وكان النهر عند بدء إتصاله بالمنابع الأفريقية صاخباً وحاملاً لكميات هائلة من المياه كما كانت منابعه في أفريقيا دائمة ولم تنقطع طيلة عمره, ولكن سرعان ما راح هذا النهر الذي أسميناه نهر ما قبل النيل ليحل محله نهر آخر هو النيل الحديث الذي لم يكن إتصاله بمنابعه الأفريقية دائماً ومستمراً كالنهر الذي سبقه كما كانت كمية المياه التي يحملها أقل بكثير.
وسنتناول في الفصول التالية مختلف هذه الأنهار التي شغلت مجرى النيل وكونت دلتاه تحت العناوين الآتية: 6-1: الأنيال الأولى بمصر: من خانق إلى نهر متدرج ومتوازن. 6-2: نهر ما قبل النيل (البرينيل): تأسيس إتصال بأفريقيا. 6-3: النيل الحديث (النيونيل): الإتصال بأفريقيا يصبح ضعيفاً ومتقطعاً. ويصف الفصل 6-1 الظروف التي أدت إلى حفر مجرى النيل الخانق عميق, وكذلك الأطوار التي مر بها هذا الخانق حتى إمتلأ برواسب الأنهار التي جرت فيه. وهناك من الأدلة ما يرجح أن هذه الأنهار كانت ذات منابع محلية وأنها لن تنشئ إتصالاً مع أفريقيا الإستوائية. وقد إستمرت هذه الفترة حوالي خمسة ملايين سنة وكانت نهايتها منذ ميلونين من السنين من وقتنا الحالي.
ويصف الفصل 6-2 أول الأنهار ذات الإتصال بأفريقيا والتي جاءت إلى مصر منذ ما بين 800 ألف, 700 ألف سنة قبل الآن. وقد جاء إتصال بأفريقيا نتيجة التغيرات في تضاريس المرتفعات الأثيوبية وهضبة البحيرات وإقترابها من شكلها الحالي نتيجة الحركاتت الأرضية والطفوح البركانية المصاحبة للطور الأخير من عملية بناء الأخدود الأفريقي الكبير وهي التي تسببت في نشأة بحيرتي تانا وفكتوريا وتحويل تصريف مياه المرتفعات الأثيوبية ناحية النيل. وكالن النهر الذي وصل إلى مصر نهراً هائلاً حمل رواسب ضخمة من الرمال التي بدات تترسب في وادي النيل بمصر وساهمت في تشكيل لاندسكيب مصر الحديثة الذي بدأ يتخذ شكله الحديث منذ ذلك الزمان.
ويصف الفصل 6-3 النيل الحديث الذي شهد ظهور الإنسان وتارخه في مصر وقد إمتد عمر النهر لحوالي 400.000 سنة وكان إتصاله بأفريقيا ضعيفاً في عمومه ومتقطعاً, فقد كانت مياه النهر تصل منها في بعض الأوقات في قوة مناسبة وفي أوقات أخرى بقوة أقل, وكانت أحوال المناخ متقلبة, وقد تشكل نهر النيل الذي نعرفه الآن في الفترة الأخيرة بعد أن مر بأطوار كان فيها موسمياً ومتقطعاً ثم عاد ليصبح كما نعرفه جارياً على مدار السنة وكان ذلك نتيجة إزدياد المياه التي وصلت النهر في أعقاب تراجع الجليد عن نصف الكرة الشمالي منذ حوالي 10.000.
الأنيال الأولى بمصر
من خانق إلى نهر متدرج ومتوازن يرجع تكوين مجرى النيل في مصر إلى حادث فريد حدث في التاريخ الجيولوجي منذ حوالي ستة إلى سبعة ملايين سنة عندما إنقطع إتصال البحر الأبيض المتوسط ببحار العالم نتيجة إنسداد فتحة بوغاز جبل طارق التي تشكل الوصلة الوحيدة لهذا البحر مع بحار العالم. ويرجع سبب هذا الحدث الفريد إلى إرتفاع السد أسفل البوغاز نتيجة حركات أرضية فصلت البحر عن المحيط الأطلنطي ومنعت وصول مياه المحيطات إليه. وقد غير هذا الحدث البحر الأبيض المتوسط وحوله هائلة بدأت مياهها في التبخر وملوحتها في الإزدياد نظراً لوقوعها في إقليم دافئ لا تصله أمطار غزيرة وفي ظروف عدة آلاف من السنين تعري قاع البحر بعد أن تغطي بطبقة سميكة من الأملاح التي أخذت تتراكم فوق قاع القاع عاماً بعد عام حتى بلغ سمكها عدة آلاف من الأمتار - ونحن مدنيون بهذا الإكتشاف المذهل للمشروع العالمي لدراسة أعماق البحار الذي كان من ضمن برنامجه في عام 1972 دق عدد من الآبار في قاع شرق البحر الأبيض المتوسط في محاولة لمعرفة طبيعة الرواسب التي ستخترقها هذه الآبار وما يمكن أن تعطيه من فهم للبيئات القديمة التي مر بها البحر خلال نشأته.
كان لإنخفاض منسوب البحر الأبيض المتوسط ثم جفافه خلال ما يسمى بأزمة نهاية عصر الميوسين وهو العصر الذي حث فثه إنقطاع وصول مياه المحيط إلى البحر تأثير كبير على الأراضي المجاورة. فقد سبب ذلك الإنخفاض من بين ما سبب تعميق مجاري الأنهار التي كانت تصب في البحر حتى تتواءم وهذا الإنخفاض وقد تم الآن إكتشاف عدد من الأنهار ذات المجاري العميقة في شمال أفريقيا وجنوب فرنسا والتي كانت قد حفرت مجاريها إلى هذه الأعماق الكبيرة خلا هذه الفترة. ولم يكن إكتشاف هذه الأنهار سهلا ًلأنها لم تكن ظاهرة على سطح الأرض فقد إمتلأت مجاريها بالرواسب وسوي سطحها بباقي السطوح المجاورة بحيث لم يعد من الممكن تمييز مجاريها القديمة إلا بإستخدام الطرق الجيوفيزيقية أو بحفر الآبار. ومن الأمثلة على ذلك نهر النيل نفسه فقبل البدء في عمليات البحث عن البترول في دلتاه وحفر الآبار فيها وبإستخدام الطرق الجيوفيزيقية المعقدة لمعرفة عمقه فإن أحداً ما كان ليتصور العمق الهائل الذي كان عليه مجرى النيل.
وكان ليتصاعد بخار الماء من سطح البحر خلال أزمة آخر الميوسين أثره في زيادة الأمطار على سطح مصر, إذ يبدو أنه تكثف مطراً عندما قابل جبال الصحراء الشرقية المصرية العالية التي كانت قد إرتفعت قبل ن تنحسر المياه عن البحر المتوسط بعدة ملايين من السنوات, وكانت هذه الجبال عند نشأتها أعلى مما هي عليه الآن بعدة آلاف من الأمتار. وقد سببت هذه الأمطار بناء شبكة تصريف فوق هذه الجبال إلتقت كلها في ذلك الحوض الطوالي الذي يقع بين هذه الجبال وهضبة الصحراء الغربية لتكوين النيل الأول أو ما أسميناه بنهر فجر النيل (أيونيل). وفي هذه الفترة حفريات وديان الصحراء الشرقية التي كونت جزءاً من شبكة التصريف التي إمتدت فجر النيل بمياهه بل وبرواسبه التي جاءت من طبقات الصخور التي كانت ترسو فوق جبال الصحراء الشرقية في ذلك الوقت, أما الروافد التي كانت تغذي النهر من ناحية الغرب فإننا لا نعرف الكثير عنها لأنها إمتلأت بالرمال التي كانت تتحرك في هذه الصحراء المنبسطة دون عائق في عصور الجفاف التي تلت هذه الوديان فسوتها وأخفت مجاريها وإن كانت صور فضاء الرادار الحديثة قد أظهرت البعض منها, على ا،ه من المحتمل أن العديد من منخفضات الصحرراء الغربية الكبيرة كمنخفض القطارة أو الواحات تمثل بقايا المجاري الأساسية لشبكة تصريف هذه الصحراء. وفي الحقيقة فإن موضوع نشاة هذه المنخفضات الكبرى هو أمر مثير للجدل التكهنات فهناك الكثير من المؤلفين من يعزون نشاة هذه المنخفضات إلى فعل الرياح ولكن وجه الإعتراض هنا هو أن معظم هذه المنخفضات كان لها غطاء من الحجر الجيري الصلب الذي يصعب نحره بالريح. وهناك من المؤلفين من يعتقدون أن هذه المنخفضات تكونت بفعل المطر الذي رشح في الصخور الجيرية التي تغطي العروض الوسطى فأذابتها وكونت فيها حفراً وكهوفاً بل وتصريفاً تحت السطح وعندما إتسعت هذه الكهوف إنهارت سقوفها وإتصلت ببعضها فكونت منخفضات طولياً كانت في بدئها مغطاة بحطام الأسقف الذي تراكم على قاعها ولكن الرياح التي تميزت بها فترات الجفاف ذرت هذا الحطام إلى أماكن بعيدة أما في الفترات المطيرة فقد كان لهذه المنخفضات إتصال بالنيل. وقد تم حديثاً التعرف علىالمجاري التي كان يتم بها هذا الإتصال والتي لم تكن معروفة أو واضحة على الخرائط من قبل نظراً لإمتلائها بالرمال التي سوتها مع باقي الأرض المجاورة وطمست بذلك معالمها. ومن هذه الوصلات رافد توشكا الذي إكتشف حديثاً في صحراء النوبة وكان يصل فيما بين منخفضات الواحات الخارجة والداخلة والنيل. وفي السابق عندما لم تكن هذه الوصلات معروفة فقد كان الرأي الشائع هو أن هذه المنخفضات داخلية ليس لها تصريف يصلها بالبحر. وقد كان إكتشاف الرافد الذي يوصل هذه المنخفضات بالنيل فالبحر سبباً يرجع إرجاع سبب تكوين هذه المنخفضات إلى فعل المياه الجارية. وقبل هذا الإكتشاف لم يكن هناك من عامل يمكن أن يشكل هذه المنخفضات غير الريح أما الآن لإغننا يمكن أن ننظر إلى هذه المنخفضات على أنها اجزاء من شبكة تصريف مائي فصلت وتوسعت بفعل ذوبانم الأحجار الجيرية بالأمطار وتذرية نواتج هذا الذوبان بالريح.
وقد كان للهبوط التدريجي لمنسوب البحر الأبيض المتوسط خلا أزمة الميوسين أثره على نهر النيل الذي أخذ يعمق مجراه ليتواءم وهذا المنسوب الجديد حتى بلغ عمقاً يزيد بكثير من منسوب البحر الحديث. وبدراسة الآبار التي حفرت على طول مجرى النيل ودلتاه فقد أمكن الآن معرفة عمق قاع فجر النيل في اماكن عدة فقد كان على عمق 170 متراً عند أسوان و 800 متر عند أسيوط و2500 متر إلى الشمال من القاهرة كما كان على عمق أكثر من 4000 متر في شمال الدلتا - وعلى هذا فقد كان معدل إنحدار النهر عند نشأته هو متر واحد لكل 1.7 كيلومتر من المجرى. بالمقارنة بالنهر الحديث الذي يبلغ متوسط إنحداره متراً واحداً لكل 12 كيلومتراً من المجرى ونهر بهذه الأعماق لابد أنه شكل خانقاً بلغ من العمق والطول ما يفوق أشهر الخوانق الحديثة وهو الخانق العظيم لنهر كولورادو بشمال أمريكا . لقد فاق نهر فجر النيل بلا شك أي نهر مماثل في العصر الحديث في روعته وبهائه. ويبدو منحدر مجرى فجر النيل والذي يبدو أنه كان مليئاً بالعوائق والإختناقات, فبالإضافة إلى الشلال العظيم الذي كان يقع بين كتلة الدلتا الجنوبية وخليج الدلتا الشمالية فقد كانت هناك شلالت عند القاهرة وملوي وجبل السلسلة (إلى الشمال من كوم أمبو) وأماكن كثيرة بالنوبة. أما الرواسب التي كان يحمله هذا النهر السريع فقد كانت تترسب عى شكل مروحة كبيرة عند مصب النهر أو مصبات فروعه التي كانت تنتهي عند الجرف الذي كان يحد كتلة الدلتا الجنوبية. وقد غطت هذه الرواسب قاع خليج الدلتا الشمالي ولا تعرف إلا عنده وعلى أعماق تتراوح بين 3500 و 4000 متر. أما متوسط سمكها وكما حسبت من الآبار فهو حوالي 700 متر أو قرابة 20% من السمك الكلي لعمود رواسب النيل منذ نشأته وحتى الآن,ويلاحظ أن أسمك رواسب فجر النيل توجد في شمال شرق الدلتا. لاشك أن نهر فجر النيل كان نهراً نشطاً حمل ما لا يقل عن 7000 كيلومتر مكعب من الرواسب في مدة مليونين من السنوات هي عمر هذا النهر.
ويمكن أن نتصور أن شكل نهر فجر النيل وحجمه كان مشابهاً لخانق كولورادو العظيم وإن كان, كما قلنا فيما سبق, أطول وأعمق منه. كان خانقاً فجر النيل والكواورادو متساويين تقريباً في عرضهما كما كانا يقطعان مجراهما في صخور طباقية وإن كان فجر النيل قد قطع مجراه في وقت يقل بكثير عن الوقت الذي إحتاجه قطع خانق كولورادو ويلاحظ أن كلا ً من النيل الحديث ونهر كولورادو يمران في صحاري قاحلة قبل أن يصلا إلى البحر وأن كليهما من مصادر المياه ما يمكنهما من الوصول إلى البحر دون أن تضييع مياههما في تيه الصحراء. وككل مكان آخر بالبحر الأبيض المتوسط فإن رواسب فجر النيل تتبادل مع طبقة من الأملاح تكونت عند تراجع البحر الأبيض المتوسط وتبخر مياهه وترسو تحتها وتشكل طبقات الملح هذه علامة مميزة وواضحة تربط بين السطوح ذات العمر الواحد في كافة آبار شمال الدلتا.
وبحلول عصر البليوسين منذ 5.4 مليون سنة عاد إتصال البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلنطي وأخذ الماء يتدفق فوق بوغاز جبل طارق فإمتلأ البحر مرة أخرى عند إمتلائه في خوانق الأنهارالتي كانت قد عمقت مجراها عندما كان منسوب البحر واطئاً. وقد أدى دخول البحر في خانق النيل إلى تحويه إلى خليج بحري طويل إمتد حتى أسوان كما أغرق مساحات كبيرة حول الدلتا - وقد ترك هذا الخليج رواسب تم رفعها على خرائط حددت بشكل واضح حدود هذا الخليج والذي إمتد بدوره في الوديان الجانبية حتى وصل إلى الجنوب. ولما بدئ في بناء السد العالي وحفرت الآبار لبناء الأساس وجد أن النهر عند موقع السد العالي بخلاف أسوان, ملئ برواسب نيلية بلغ سمكها أكثر من 170 متراً وأن صخور الأساس الجرانيتية عميقة وأ، الموقع يقع في مجرى قديم للنيل غمره خليج البحر المتوسط عند تقدمه داخل الوادي حتى وصله وترك فيه رواسبه التي وجدت على عمق 170 متراً من السطح.
أما عن الخليج ذاته فقد كان في أول أمره بحرياً خالصاً يشكل ذراعاً من البحر الأبيض المتوسط, ثم مالبث أن إنقلب إلى جونة صب فيها نهر تكون في فترة مطيرة فحول مياهها إلى نصف مالحة ثم إمتد النهر فيها إلى أن وصل إلى البحر المتوسط. وقد حمل هذ النهر الذي أسميناه نهر النيل القديم (الباليونيل) رواسب رفيعة ودقيقة لم تتغير في تركيبها كثيراً على مدى عمر النهر وهذا مما يعطي الإنطباع بأن منابع هذا النهر لم تتغير كثيراً عبر الزمان كما أنه لابد أنها كانت مغطاة بغطاء نباتي كثيف ساعد في تفتيت التربة التي كونت مصدر رواسب النهر الدقيقة التي حملها النهر في رتابة عبر تاريخه الطويل الذي قد يزيد على 2 مليون ينة حتى بلغ سمكها أكثر من كيلومتر ونصف الكيلومتر في شمال الدلتا.
وتوجد برواسب النيل القديم بقايا حفرية لحيوانات قديمة أثبتت الدراسات المبدئية أنها لا تنتمي إلى مجموعة حيوانات المياه العذبة لأفريقيا الوسطى مما يشير إلى ا، النهر لم يتصل بأفريقيا وأن منابعه ربما كانت في جبال مصر والنوبة. وتوجد رواسب النيل القديم في مجاري عدد من وديان الصحراء الشرقية مما يثبت أن هذه الوديان كانت نشطة وقت جريان هذا النهر. وإلى أن تتم دراسة أكمل لبقايا الحيوانات التي عاشت وقت النيل القديم فإننا سنقبل القول بأن للنيل القديم منابع محلية. وقد تثبت الدراسة المستفيضة للحفريات عن وجود مصدر أفريقي آخر للنهر وفي هذه الحالة فمن الممكن أن تكون مياه بحيرة السد بمنتصف السودان والتي سبق الكلام عنها هي مصر بعض رواسب هذا النهر الرفيعة بالإضافة إلى أسطح هضاب مصر والنوبة ذات الغطاء النباتي الكثيف كما أشرنا من قبل.
هذا وقد ملأت رواسب نهري فجر النيل والبالونيل وكذلك رواسب الخليج البحري الذي تخللهما خانق النيل وأعطت للنهر تدرجية منتظمة كما شكلت أكثر من 7% من جملة الرواسب التي حملها النهر منذ نشأته.
وفي مبدأ العصر البليستوسيني (الذي بدأ منذ ما بين 2 و 1.8 مليون سنة) توقف الباليونيل وبدأ في مصر عصر جفاف شديد لم يتوقف فيه النهر فقط بل والأمطار التي كانت تعم أرض مصر على مدار السنة . وبذا أصبحت مصر صحراء جرداء. وفي هذه الفترة هلكت النباتات التي كانت تغطي سطح مصر وتطايرت التبرة الدقيقة الحبيبات بواسطة الرياح واصبح سطح مصر عارياً إلا من جلاميد الصوان الشديد الصلابة والتي لم تستطع ملايين السنين من الرطوبة والأمطار تحطيمها فتاتاً. وقد تخلل فترة الجفاف الشديد هذه والتي ربما زاد طولها على المليون عام فترتان قصيرتان كثرت بهما الأمطار أولهما هي التي أدت إلى عودة المياه الجارية إلى نهر النيل لوقت قصير وتسببت في تكوين نهر إحتل مجرى النيل لفترة قصيرة وهو الذي أسميناه البروتونيل (أو النيل الأول) ويبدو أن هذا النهر كان قوياً قادراً على أن يكسح من السطوح العارية لصحاري مصر والنوبة جلاميد الصوان والرمال الخشنة التي كانت تغطي مصر بعد فترة الجفاف الطويلة في مبدأ البليستوسين. وتوجد رواسب هذ النهر على شكل مصاطب على جانبي النهر في هضاب النوبة وحتى البحر الأبيض المتوسط,وهي في أحسن شكل لها غلأى الغرب من إدفو حيث تغطي سهل درب الجلابة المتسع الذي يقع على إرتفاع 35 - 40 متراً فوق منسوب سهل فيضان النيل الحديث وهو سهل تغطيه جلاميد هذا النهر القديم الذي تكون خلال هذه الفترة المطيرة التي أسميناه بفترة إدفو.
أما الفترة المطيرة الثانية التي تخللت عصر الجفاف الكبير الذي عاصر مبدأ عصر البليستوسين فهي تلك التي سببت تكوين دلتاوات كثيرة عند مصبات الكثير من وديان الصحراء الشرقية التي يبدو أنها كانت نشيطة خلال هذه الفترة وفيها كسحت الأمطار رواسب كثيرة ترسبت عند مصبات الوديان عند مداخلها إلى النيل. ويبدو أن الأمطار لم تكن من القوة لتشكل نهراً دائماً بمجرى النيل. وتقع أهمية هذه الفترة التي أسميناها فترة أرمنت المطيرة في إحتواء رواسبها على أدوات حجرية صنعها الإنسان, وهذه الأدوات هي بالقطع أقدم ما تركه الإنسان بأرض مصر.
ولما كانت الرواسب المروحية والدلتاوية لفترة أرمنت مشابهة لدرجة كبيرة للرواسب التي حمله السيول الحديثة من نفس هذه الوديان فقد إستنتجنا النهر نقابل ربما كانت أيضاً مشابهة من حيث طبيعتها وموسميتها للمطار الحديثة وهذه هي أول مرة منذ نشأة النهر نقابل فيها فترة يسود فيها مناخ مشابه لذلك الذي نعرفه اليوم واذلي يبدو أن تارخ تأسيسه إنما يرجع إلى ذلك الوقت. كان مناخ كل الفترات السابقة مختلفاً عن ذلك الذي يسود أرض مصر اليوم حيث تتساقط الأمطار في فصل الشتاء فقط. أما الفترات السابقة فقد كانت الأمطار خلال الفترات المطيرة التي زامنت فجر النيل والنيل القديم والنيل الأول مستمرة طول العام.
وقد حدث تغيير شامل في طبيعة نهر النيل منذ حوالي 800 ألف إلى 700 ألف سنة بوصول نهر عظيم إحتل وادي النيل من قلب القارة الأفريقية لأول مرة. وقد صاحب هاذ الإتصال الأفريقي تغير كامل في مناخ مصر, فقد كان المناخ ومنذ نشأة النيل منذ حوالي 7 ملايين سنة وحتى بدء الإتصال الأفريي مختلفاً تماماً عما هو عليه الآن فقد كان مطيراً بحيث زود النيل بكميات هائلة من الماء في فترات ثلاث لعل أكثرها مطراً كانت تلك التي كونت الباليونيل (النيل القديم). وقد إختلف هذا النمط من المناخ عند بدء الإتصال الأفريقي بل وقبل ذلك بكثير عندما أصبح مناخ مصر صحراوياً وإن إنقلب بعض الشئ لفترات قصيرة كما سنرى فيما بعد.
نهر ماقبل النيل (البرينيل)
تأسيس إتصال بأفريقيا:
في بدء عصر البليستوسين المتوسط منذ حوالي 800000 إلى 700000 سنة حدث الحادث العظيم ووصل إلى مصر ولأول مرة نهر عظيم من قلب أفريقيا. وقد إستمد هذا النهر معظم مياهه من المرتفعات الأثيوبية التي إندفعت عبر هضبة النوبة في مجرى إمتلأ بالشلالات. وربما نتج هذا الإتصال بسبب الحركات الأرضية التي شكلت المرتفعات الأثيبوبية والأخدود العظيم الذي شقها فسبب توجيه تصريف مياه هذه المرتفعات ناحية النيل بدلا ً من البحر الأحمر كما كان الحال فيما سبق. وفي خلال ذلك الوقت لابد أن وصل إلى السهل المنبطح بجنوب ووسط السودان تصريف هذه الأنهار التي جاءتها من المرتفعات الأثيوبية فأغرقته وكونت فيه بحيرة هائلة إرتفعت المياه فيها حتى فاضت فوق جوانبها ودخلت في حوض نهر أومو كما إندفعت عبر هضاب النوبة ناحية مصر. وفي هذا الوقت أيضاً أثرت الحركات الأرضية على بحيرة فكتوريا التي كانت لتوها فكبر مسطحها نتيجة لإنعكاس تصريف الكثير من فروع الكونجو ووصولها إلى البحيرة بدلاً من نهر الكونجو كما سبق تفصيله. وليس من المستبعد أن مياه بحيرة فكتوريا قد إرتفعت حتى فاضت وإندفعت إلى الشمال إلى منطقةالسد فمصر, فعلى الرغم من أن دراسة التكوين المعدني لرواسب نهر ما قبل النيل تثبت بما لا يدع مجالا ً للشك بأنه كان متصلا ً بالمرتفعات الأثيوبية فإن هذه الدراسة لا تنفي إمكان إتصال هذا النهر بهضبة البحيرات أيضاً.
كان نهر النيل أول نهر يؤسس إتصالأً بأفريقيا. وكان هذا النهر قوياً ونشطاً حمل كميات هائلة من الماء وإستمر على مدى حوالي 400000 سنة. وقد حمل هذا النهر كمية هائلة من الرمال التي ترسبت على جانبية وفي سهله الفيضي وفي دلتاه اللذين كانا أكبر بكثير من نظيريهما الحديثين. ورواسب هذا النهر خشنة تكونت عاماً بعد آخر حتى كونت رواسب سميكة وفي الجزء الأعلى والأحدث من هذه الرواسب توجد طبقات من الرمال التي حملتها الرياح, مما يشير إلى أن النهر ربما عاصر في آخر عمره فترة جفاف شديدة. وتظهر رواسب ما قبل النيل على جانبي الوادي في تلال ومصاطب تشكل جزءاً أساسياً من لاندسكيب وادي النيل الحديث, والكثير منها يستخدم لإستخراج رمال البناء في مدن الوادي وأطراف الدلتا. كما تبرز رمال ما قبل النيل وسط مسطحات الدلتا الواسعة على شكل تلال رملية متفرقة تعرف بإسم (ظهور السلحلفاة) وقد لعبت هذه الظهور دوراً هاماً في تاريخ إستيطان مستنقعات الدلتا في عصور ما قلب التاريخ, فقد كانت مرتفعة عما حوله من مستنقعات.
وتوجد رمال ما قبل النيل مدفونة تحت سطح أرض مصر الزراعية في كل مكان, وقد تم إختراقها في كل بئر حفرت في الوادي أو الدلتا وهي لمساميتها تشكل الطبقة الأساسية الحاملة للمياه الأرضية في أرجاء المعمور في مصر وفيها يقع خزان المايه الجوفية الأساسي تحت الدلتا وفي وادي النيل.
ويبلغ متوسط سمك رواسب ما قبل النيل 70 متراً في وادي النيل وما بين 300 إلى 400 متر في الدلتا ويصل السمك في بعض الأماكن إلى 250 متراً في الوادي وأكثر من 1000 متر في الدلتا. ويقع أقصى سمك لرواسب ما قبل النيل في الآبار المحفورة غرب الوادي في الجزء الأوسط من نيل مصر عند محافظة المنيا, حيث يبدو أن النهر في ذلك التاريخ كان يجري إلى الغرب من بحر يوسف. وقد كان مجرى نهر ما قبل النيل كان ينساب على طول الحد الغربي للوادي, أما في الدلتا فإن أسمك الرواسب تقع في الآبار المحفورة في الشرق والشمال الشرقي ويبدو أن مصبات نهر ما قبل النيل الأساسية كانت إلى ناحية الشرق.
وإمتدت دلتا ما قبل النيل في البحر الأبيض المتوسط حتى بلغت مساحتها ثلاثة أمثال مساحة الدلتا الحالية وقد سجلت بعثة مشروع الحفر الآلي العميق في شرق البحر الأبيض المتوسط رواسب رملية يعتقد أنها رواسب نهر ما قبل النيل في آبار دقت بداخل البحر الأبيض على بعد أكثر من 150 كيلومتراً إلى الشمال الشرقي من دمياط. ويبدو أن إتساع الرواسب وسمكها أن نهر ما قبل النيل كان نهراً هادراً وقوياً كان يحمل إلى البحر ما يقدر بحوالي 200 مليون متر مكعب في العام طوال 300000 إلى 400000 هي مدة وجود هذا النهر. وتمثل هذه الكمية حوالي ضعف الكمية التي يحملها النيل في الوقت الحالي. وتشير ضخامة حجم الرواسب التي كان يحملها نهر ما قبل النيل إلى قدرة هذا النهر القديم ذي السرعة العالية على حفر مجراه في مرتفعات أثيوبيا وهضبة النوبة المغطاة بالصخور الرملية والتي ربما كان تشكل مصدراً لجزء كبير من الرمال التي كان يرسبها هذا النهر بمصر. ولم يترك النهر لذلك أية رواسب في أثيوبيا أو النوبة فقد كان يعمق مجراه فيهما. أما في مصر فقد كانت هذه الرمال تترسب طبقة فوق طبقة حتى شكلت هذا السمك الكبير. وليس هناك من تفسير لهذا السمك الكبير إلا أن نفترض أن النهر قد عاصر زماناً كان منسوب البحر المتوسط فيه في إرتفاع مستمر مما يدفع النهر إلى ترسيب حمولته. وقد عرف مثل هذا الزمان في شرق البحر الأبيض المتوسط فيما بين الفترة التي إمتدت بين مليون ونصف المليون سنة قبل الآن. فقد كانت هذه الفترة فترة إرتفع فيها منسوب البحر بإستمرار على الرغم من أن عصرين جليدين (هما الجونز والمندل) قد تخللاهما. ومن المعروف أن عصور إنتشار الجليد تؤثر في منسوب البحر فتخفضه ذلك لأن الثلاجات تحتفظ بجزء من بخار الماء الذي يتجمد في صورة جليد يبقى على الأرض بدلأً من أن يعود إلى البحر. وليس هناك من دليل حتى الآن على أن منسوب شرق البحر الأبيض المتوسط قد تأثر بهذين العصرين فربما كان البحر منفصلا ً عن المحيط العالمي بغغلاق بوغاز مسينا.
ومن الصعب تحديد المدة التي إستمر فيها نهر ما قبل النيل. فرواسبه لا تحمل أية مواد يمكن إستخدامها في تحديد عمرها المطلق بإستخدام الطرق الراديومترية. كما أن أنواع الحياة التي عاشت وقت تكوين رواسبه وحفظت فيها قليلة ومعمرة عاشت على مدى أزمان طويلة, مما لا يساعد على تحديد عمر الرواسب التي تحملها وإن كانت مفيدة في معرفة مصدرها فجميعها ذات مصادر أفريقية مما يؤكد إتصال نهر ما قبل النيل بأفريقيا. وتقع رواسب ما قبل النيل تحت طبقة من رواسب الوديان تحمل أدوات حجرية لإنسان العصر الحجري القديم المبكر (البالوليثي) والعصر الحجري القديم المبكر عصر له إمتداد طويل في أفريقيا بين مليون ومائتي ألف سنة قبل الآن. والأدوات الموجودة بمصر هي من النوع المتطور الذي يعتقد أنها ذات عمر يترواح بين 350000, 400000 سنة قبل الآن. ولما كانت آخر رواسب ما قبل النيل تقع تحت هذه الرواسب الحاملة لأدوات العصر الحجري القديم المبكر فلابد أنها أقدم منها وليس من البعيد لذلك أن ما قبل النيل قد توقف عن الجريان منذ 400000 إلى 450000 سنة.
6-3: النيل الحديث (النيونيل)
أصبح إتصال النهر مع أفريقيا متقطعاً منذ اـ توقف نهر ما قبل النيل عن الرجيان منذ حوالي 400000 سنة مضت. وقدحدثت تغيرات مناخية كبيرة منذ ذلك التاريخ مما أثر على منابع النيل بل وكافة حوضه وستكون هذه التغيرات موضوع تفصيل أكبر في الفصل الأخير من ذها الجء من الكتاب ويمكن القول بصفة عامة إن إتصال النهر المصري بأفريقيا أصبح أمراً عابراً ومتقطعاً خلال الأربعمائة ألف سنة الأخيرة. وففي الفترات إلى كان النهر يتصل فيها بمنابعه في أفريقيا كان يجئ بقوة في بعض الأحيان. وبوهن شديد في معظم الأحيان وحتى في الحالات التي كان النهر يأتي فيها بقوة فإنه لم يعد أبدأً بنفس القوة التي كان عليها في زمن نهر ما قبل النيل. وقد حملت الأنهار التي كانت تجئ إلى مصر في هذه الفترة من أفريقيا رواسب تشبه تلك التي يحملها النهر الحديث الذي نعرفه الآن وعلى الرغم من أن هذه الأنهار قد إختلطت في حجمها ورجيمها إلا أن رواسبها كانت من التشابه لدرجة أنا صنفت في مجموعه واحدة سميت مجموعة أنيال النيل الحديث (النيونيل).
كان إتصال النهر مع منابعه في افريقيا متوقفاً على كمية الأمطار التي كانت تتساقط على منابع النيل والتي تغيرت بين الفينة والأخرى وكذلك على النشاط الزلزالي لهضبة النوبة تلك القنطرة التي كان على النهر أن يعبرها لكي يصل إلى مصر ولم تكن هذه القنطرة في حالة إستقرار فقد كانت وحتى العصر الحديث تهتز على طول فوالق عرضية كثيرة تمتد من الشرق إلى الغرب, وتقطعها في أماكن كثيرة وقد سبق القول إن فالق كلابشة الذي يمتد إلى أكثر من 150 كيلومتراً ويقطع النيل قد إهتز في عام 1981 وقبل ذلك أيضاً, كان لإستقرار هضبة النوبة أهمية كبرى في وصول المياه من أفريقيا إلى مصر.
ويمكن تمميز أربع فترات في تاريخ النيونيل وأقدم الفترات هي التي صاحب فترة العصر الحجري القديم المبكر المطيرة (والتي سميت بفترة العباسية المطيرة) وفيها إنقطع وصول المياه من أفريقيا ولكن الأمطار غطت سطح مصر وملأت مجرى النيل بصورة موسمية وقد تخللت هذه الفترة فترة جفاف قصيرة وصل مصر فيها نهر من أفريقيا هو النيونيل الأول أو نهر دندرة. وقد رجيم هذا النهر هو الرجيم الذي أصبح نمطاً لكل الأنهار التي جاءت من أفريقيا بعد ذلك التاريخ وحتى الآن.
وقد عاصرت الفترة التالية فترة مطيرة أخرى سميت فترة بير صحاري المطيرة وفي هذه الفترة كانت أمطار الشتاء على مصر تضيف إضافة طيبة لمياه نهر أفريقي الأصول متقلب كان يجئ ويروح بين الآن والآخر. وقد رأت هذه الفترة ظهور إنسان العصر الحجري القديم المتوسط بمصر.
وقد تزامنت فترة العباسية وبير صحاري المطيرتين مع عصري الجليد الأوربيين المعروفيين بإسمي الريس والمندل الذلين يبدو أنهما أثر على توزيع الظواهر الجوية وتدرجيتها وغيرا توزيع سقوط الأمطار على القارة بحيث إمتد نطاق أمطار البحر الأبيض المتوسط جنوباً لكي يشمل مصر كما تراجع نطاق الأمطار عن منابع النيل. وسنأتي على ذكر بشئ من التفصيل في آخر هذا الجزء.
أما الحدث الثالث فقد بدأ منذ 70000سنة قبل الآن وإمتد ليشمل العصر الجليدي الأخير عندما وصل إلى مصر نهران موسميان من الهضبة الأثيوبية. وقد حمل هذان النهران رواسب ضخمة تشبه الرواسب الحديثة للنيل رسباها في النوبة وجنوب مصر. وكان هذان النهران متشابهين في منابعهما ورجيمهما وكانا نشطين خلال عصر الجليد الأخير عندما كانت الأمطار أقل في أقاليم منابع النيل وفي مصر ايضاً. وتفصل النهرين فترة عمق النيل فيها مجراه وكان رجيم النهرين مشابهاً لدرجة كبيرة لرجيم نهر عطبرة الحديث الذي ترتفع مياهه دفعة واحدة خلال الفيضان ويكاد يجف خلال موسم الجفاف.
أما رابع الفترات التي بدأت منذ حوالي 10000 سنة في أعقاب تراجع ثلوج جليد العصر الجليدي الأخير وفيها وصل غلى مصر نهر هو الذي نعرفه الآن والذي نعيش في ظلاله. وقد حمل هذا النهر رواسب أسقطها على طول مجراه وفي الدلتا. وقد نشأ هذا النهر خلا فترة مطيرة سميت بفترة "النبطة المطرة" والتي صاحبت تراجع ثلوج العصر الجليدي الأخير. وقد تسببت أمطار هذه الفترة في زيادة كمية المياه لتي حملها هذا النهر عند نشأته مما جعله قادراً على الجريان على مدار العام. حقاً إن نهر النيل الحديث هو نتاج هذه الفترة.
نهرا العصر الحجري القديم المبكر
العارضان وما توسطهما من نهر النيونيل الأول جاء توقف نهر ما قبل النيل مفاجئاً ودون مقدمات. فقد إستمر يجري في حيوية تامة حتى حل محله نهر موسمي غذته أمطار محلية زاد سقوطها في خلال فترة مطيرة جاءت على أرض مصر. ولم يكن النهر الجديد الذي إحتلت مياهه نفس مجرى ما قبل النيل من مصدر للمياه غير المطار المحلية التي بدأت في فترة العباسية المطيرة الأولى فقد إنقطعت صلة النيل بأفريقيا في هذه الفترة وقد حمل هذا النهر الموسمي رواسب من الحصباء وهي حجارة مستديرة يزيد قطرها على 2سم جرفتها فروعه المتعددة من فوق جبال البحر الأحمر والنوبة التي كانت سطوحها قد تعرت في فترة الجفاف التي عاصرت فترة آخر ما قبل النيل, فرسبتها فوق الرواسب الرملية لهذا النهر الالقديم في جنوب الوادي. وتشبه الحصباء التي حملها هذا النهر القديم ما تحمله وديان الصحراء الشرقية في العصر الحديث بعد كل فترة أمطار أو سيول.
وقد تخللت فترة جريان هذا النهر الموسمي فترة قصيرة عاود النيل فيها إتصاله بافرييا. وقد إختلف هذا النهر الأفريقي عن نهر ما قبل النيل الذي كان ياتي من أفريقيا أيضاً, فحمل إلى مصر رواسب طميية رفيعة تشبه لحد كبير التي يحملها النيل الآن مما يشير إلى أن هذا النهر كان أقرب إلى النيل الذي نعرفه الآن عنه إلى نهر ما قبل النيل إذ يبدو أنهما جاءا من المنبع نفسه وفي الحقيقة فإن هذا النهر الجديد ذا الأصول الأفريقية كان أول الأنهار ذات رجيم النيل الحديث (النيونيل) الذي كثيراً ما كان يروح ويجئ منذ ذلك التاريخ. وقد سمي أول هذه الأنهار بالنيونيل الأول بنهر دندرة وهي البلدة التي تظهر بجوار معبدها الشهير رواسب هذا النهر في أحسن صورة. وتقع بلدة دندرة إلى الغرب من مدينة قنا بالصعيد.
كان نهر دندرة أقل قوة وحيوية من نهر ما قبل النيل, ولكنه كان نهراً قوياً إذا ما قورن بكافة الأنيال الحديثة التي تلته. وقد بدأ هذا النهر بحفر مجراه وتعميقه في رواسب نهر ما قبل النيل ثم عاد فبدأ في بناء سريره بطبقات من الطمي التي كان يحملها فإرتفع سريره إلى منسوب ما بين 23 و 25 متراً فوق منسوب النيل الحديث. ولابد أن النهر كان يحمل من المايه كميات أكبر مما يحمله النيل الحديث. وتعود كثرة مياه هذا النهر عما تلاه من أنهار ولو في جزء منها فيما يبدو إلى وصول كميات وفيرة من المياه من الهضبة الإستوائية والتي أمكن لها أن تعبر منطقة السدود دون فاقد كبير فلم تكن بمنطقة السدود في لذك الوقت حشائش أو أحراش, فقد ظلت لمدة طويلة قبل وصول نهر دندرة جافة أو قليلة الأمطار.
وعندما وهن النهر دندرة حل محله نهر محلي وموسمي تزامن مع فترة العباسية المطيرة الثانية.وقد حمل هذا النهر كميات هائلة من الحصباء التي كانت تجرفها الأمطار من هضاب وجبال الصحراء الشرقية المصرية وتتميز حصباء هذا النهر الجديد بوجود عدد كبير من الأدوات الحجرية للإنسان الحجري القديم المبكر الذي لابد أنه قد ظهر على أرض مصر على نطاق واسع في ذلك الزمان.
وتوجد أشهر مواقع حصباء فترة العباسية المطيرة الثانية في صحراء العباسية إلى الشمال من القاهرة وقد وصف هذا الموقع بوفيير لابيير في عام 1926 كما وصف أيضاً الدوات الحجرية للإنسان القديم التي إستخرجها منها والتي تفاوتت في عمرها بين أول العصر الحجري القديم وآخره.
وتنتشر حصباء العباسية في الكثير من المناطق الواقعة حول الوادي وتستعمل على نطاق واسع كمحاجر للزلط المستخدم في أعمال البناء. ويصل سمك حصباء العباسية في الكثير من الأماكن إلى أكثر من 30 متراً وإن كان متوسط السمك هو في حدود خمسة عشر متراً.
كان تكوين حصباء العباسية الثانية خلال عصر مطير تزامن الإنسان في أماكن كثيرة في أرض مصر, وقد إكتشفت بقايا الأدوات الحجرية التي إستخدمها هذا الإنسان في مناطق كثيرة في الصحراء الغربية وعلى طول وادي النيل وفي بعض وديان الصحراء الشرقية. أما في الصحراء فقد وجدت هذه الأدوات بجوار آبار إرتوازية نشطت في ذلك التاريخ البعيد أو في رواسب بحيرات قديمة كانت تزين الصحراء في هذه الفترة المطيرة أو في دلتاوات الوديان التي نشطت في هذه الفترة او في سفوح الكثير منالجبال, وتوجد الأدوات الحجرية لهذا العصر وسط حصباء العباسية الثانية حول وادي النيل. وقد تعرضت معظم مواقعها لعوامل التعرية فأزالت الكثير من ملابساتها ومعالمها مما جعل غعادة بناء شكل المستوطنات التي عاش فيها هذا الإنسان القديم صعباً. ولم يكشف في أي من هذه الأماكن عن بقايا أي منالحيوانات أوالنباتات التي عاشت خلال هذا الزمان كما لم يتم تأريخ أي من هذه الأماكن تأريخاً مطلقاً. على أن جملة الشواهد تؤكد أن العصر الحجري القديم المبكر الذي تزامن وفترة العباسية المطيرة الثانية كان عصراً مطيراً إرتفع فيه منسوب المياه الأرضية في الصحاري فتفجرت الآبار الإرتوازية في الكثير من الأماكن فيها وتجمعت المياه في الكثير من المنخفضات وشكلت بحيرات واسعة من أشهرها ما تم الكشف عنه ف يقلب جنوب الصحراء الغربية المصرية في منطقتي بير صحاري وبير طرفاوي, كما كانت الأمطار كافية لكي يجري في وادي النيل نهر عارض وموسمي وأن تتكون على جوانب الوادي أنواع من التربة التي لا تنشأ إلا في مناطق الأمطار تتراوح بين 250 و 600 ملليمتر في السنة.
نيل العصر الحجري القديم المتوسط المتقلب
تلت العصر الحجري القديم فترة طويلة إمتدت لحوالي 200.000 سنة هي مدة معظم العصر الحجري القديم المتوسط, وتميزت بنيل متقلب كانت كمية مياهه الواصلة من أفريقيا تأرجح ترتفع مرة وتنخفض مرة أخرى. كما كانت تصله مياه وافره منأرض مصر التي عمتها أمطار موسمية في هذه الفترة المطيرة التيتلت فترة جفاف فصلتها فترة العباسية الثانية المطيرة وتسمي هذه الفترة المطيرة اليت عاصرت إنسان العصر الحجري القديم المتوسط بفترة صحاري المطيرة. وعلى الرغم من وجود مصدرين لمياه نيل العصر الحجري المتوسط إلا أن النهري كان في عمومه ضعيفاً فقد كانت معظم الأمطار المحلية تصله في وقت الشتاء في غير موسم الفيضان. وقد إختلف هذا النهر لذلك عن كل أنهار النيونيل ذات الأصل الأفريقي في أنه عاصر فترة مطيرة ساهمت في زيادة مياه وبإستثناء هذه الحالة فإننا نلاحظ أن النيل كان يصل إلى مصر من أفريقيا عندما كان الجفاف يسود أؤضها. وسنحاول شرحها هذه الظاهرة المناخية في الفصل الأخير ({قم 8) من هذا الجزء من الكتاب. ويوجد إلى الجنوب من البلينا (إبيدوس) مقطع جيد لرواسب نيل العصر الحجري القديم المتوسط الآتية من أفريقيا متبادلة مع رواسب الوديان الناتجة عن الأمطار المحلية التي كانت تأتي في وقت الشتاء وفي غير موسم الفيضان.
وقد بدأ نيل العصر الحجري القديم المتوسط تاريخه بحفر مجراه وتعميقه في رواسب الأنهار التي سبقت فنرزل مجراه من منسوب 30 متراً فوق منسوب النيل الحديث والذي كان عليه منسوب نهر دندرة الذي سبقه إلى منسوب 23-25 متراً ثم منسوب ثمانية أمترا. وأخيراً إلى منسوب ستة أمتار فوق منسوب النيل الحديث وعند كل من هذه المناسيب كان النهر يثبت لفترة ليكون مسطحاً جانبياً على شكل المصطبة. وقد تم رفع مصاطب أطوار هذا النهر في الصعيد على خرائط. ويوجد بجميع هذه المصاطب حصى جرفة السيل من صخور جبال البحر الأحمر النارية وتحتوي المصطبة على إرتفاع 8 أمتار على أدوات حجرية لإنسان العصر الحجري القديم المتوسط المبكر (المسمى بالعصر الموستيري) وتمتد هذه المصطبة على جانبي الوادي من أسوان وحتى أسيوط. ولا يوجد للمصطبة أثر إلى الشمال من أسيوط إذ يبدو لأنها زالت بواسطة عوامل التعرية. أما المصطبة على إرتفاع ستة أمتار فتمتد على جانبي الوادي فيما بين أسوان والأقصر, ثم تهبط تحت رواسب النيل الحديث إذ يبدو إن نيل العصر الحجري القديم المتوسط في زمان تكوينها قد إتخذ تدريجية أكثر إنحداراً من النيل الحديث.
كان نيل العصر الحجري القديم المتوسط لذلك نهراً قاطعاً ومعمقاً لمجراه في معظم وقت سريانه,وقد يرجع ذلك لأن هذا النهر قد صاحب فترة طويلة من هبوط منسوب البحر العالمي فقد كان جو الأرض في الفترة بين 300000, 128000 سنة قبل الآن بارداً مما ساعد على تركم الثلوج فوق العروض العليا من الأرض وإمتناع المياه عن البحر وفي فترات هبوط منسوب البحر تحفر الأنهار مجاريها لكي تتجاوب وتتدرج مع منسوب البحر الجديد.
وقد عاصر هذا النهر ظهور إنسان العصر الحجري القديم المتوسط الذي إنتشر في صحاري مصر وحول وادي النيل, وقد وجدت الأدوات الحجرية التي إستخدمها الإنسان بين الحصى الذي ينتشر فوق مصاطب هذا النهر وعلى سفوح الكثير من الجيال التي تحف وادي النيل. ومن أهم هذه السفوح بلدة المخادمة, إلى الشمال من قنا, الذي تمتلئ بهذه الأدوات. وتعود أهمية سفح المخادمة الذي مازال محفوظاً بحصاه التي جرفت عليه حتى الآن في أنه يعطي الدليل على أن شكل النيل الحديث بسفوحه التي تحفه كان قد تشكل في هذه الفترة أما في الصحراء فهناك من الأدلة ما يقطع بأن هذه الفترة كانت محرجة وهامة أيضا في تشكيل تضاريس الصحراء التي نراها الآن.
وتشير دراسة رواسب العصر الحجري القديم المتوسط بالصحراء الغربية إلى أن كمية الأمطار التي عاصرته (أمطار فترة صحاري) تقلبت فإزدادت في أول الفترة وآخرها وقلت في وسطها. وكما عاصرت الفترة المبكرة منه الحضارة الموستيرية عاصرت الفترة الأخيرة منه الحضارة العاطرية. وقد إكتشف في صحاري مصر عدد محدود من موجودات هذه الحضارات وقد يعود ذلك لأن الكثير من هذه الموجودات قد تعرضت لعوامل التعرية فإنجرفت بقاياها وإختفت من مكانها.
وتعتبر صحاري المطيرة التي عاصرت حضارة العصر الحجري القديم المتوسط هي آخر الفترات المطيرة الكبيرة في مصر. وكما سبق القول فقد تشكل فيها لاند سكيب مصر الحديثة ففيها تعرت أراضيها وإختفت كافة سطوحها القديمة وتكونت سطوحها وسفوحها التي نعرفها الآن. ونظراً لشدة التعرية خلال هذه الفترة فقد إختفت السطوح القديمة إختفاء تاماً فلم يبق منها الآن شئ يذكر.
وعلى العكس ما تشير إليه دراسة الظواهر الجيومورفولوجية التي تحدثنا عنها فإن البقايا القليلة للحيوانات والنباتات التي وجدت في رواسب هذا العصر تشير إلى أن الأمطار لم تكن غزيرة للدرجة التي تعطيها لنا صورة التطور الجيوموفوجي للاندسكيب مصر. صحيح أن بعض هذه الحيوانات يحتاج إلى جو مطير للعيش مثل الخنزير البري الذي يوجد في أفريقيا الإستوائية, لكن معظمها لم يكن يحتاج إلى أمطار غزيرة للعيش. فقد كانت كلها من نوع الحيوانات القادرة على العيش في المناطق الجافة ومن هذه وحيد القرن الأبيض وبعض أنواع الجاموس البري وبعض أنواع الغزال والجمال. وكل هذه تعيش اليوم في منطقة الساحل الأفريقي التي لا تزيد كمية الأمطار فيها على 400 ملليمتر في العام.
نهراً آخر العصر الحجري القديم المتوسط وأول العصر الحجري القديم المتأخر الموسميان
شهد العصر الجليدي الأخير الذي غطت الثلاجات فيه أجزا كبيرة من أوروبا وآسيا عصر جفاف في أفرقيا قلت فيه الأمطار كما شهد هذا العصر وصول نهرين من المرتفعات الأثيوبية إلى مصر أسميناها - النيونيل ب والنيونيل ج - كان مصدر المياه الوحيد لهذين النهرين هو المرتفعات الأثيوبية أما منطقة البحيرات الإستوائية فقد شهدت عصراً قلت فيه الأمطار بدرجة كبيرة كما إجتاحت شمال السودان ومصر فترة جفاف شديد. وبتوقف وصول مياه الهضبة الإستوائية وإعتماد النهر على مصدر واحد للمياه أصبح النهر موسمياً لا يصل خلال فصل الفيضان فقط. وقد حمل النهران معهما كميات هائلة من الطني الذي رسباه على جانبي الوادي في النوبة وجنوب مصر في شكل مصاطب عالية مكونة من الطمي الذي تبادلت معه طبقات من الرمال التي سفتها الريح خلال عصر الجفاف الذي شهدته مصر خلال عمر النهرين. فقد كانت وديان مصر جافة تماماً فلم يحمل أي منها أي رواسب وديانية.
وفي فترة الجفاف هذه خلت صحاري مصر من السكان الذين كانوا يرومونها وقت أن كانت ممطرة, وهاجر منهم من إستطاع إلى جانبي النيل. وفي هذا الصدد فقد إختلف عصر الجليد الأخير عن العصور الجليدية التي سبقته والتي رأينا فيها أن المطار كانت تصاحبها فتحول صحاري مصر إلى مروج يمكن للإنسان أن يعيش فيها وسنحاول في الفصل الأخير من هذا الجزء منالكتاب (رقم 8) أن نضع تفسيراً لهذه التقلبات الجوية التي صاحبت العصور الجليدية المختلفة على أرض مصر.
كان من آثارالعصر الجليدي الأخير على منابع النيل الإستوائية هو قلة سقوط الأمطار عليها. وقد أثبتت الدراسات اليت أجريت على بقايا النباتات القديمة اليت وجدت في رواسب ذلك العصر في الهضبة الإستوائية أن أكثر الدراسات إنتشاراً فيه كانت الحشائش بأنواعها. فقد تقلصت غابات أفريقيا المطرية خلال فترة العصر الجليدي الأخير وربما إختفت تماماً ولم تعد هذه الغابات إلى حالها الذي نعرفه الآن إلا إبتداء من 12.500 سنة قلب الآنفقط بعد أن تراجع الجليد وعندما بدأت الأشجار تنتشر في الهضبة الإستوائية على حساب الحشائش أما عن بحيرتي فكتوريا وألبرت فقد كانتا خلال العصر الجليدي الأخير مقفلتين ولم يتصلا بالنيل إلا بعد نهاية عصر الجليد كما كان إقليم السد في هاذ الوقت جافاً تقريباً, إذ تقلصت مياهه إلى عدد من البحيرات نصف المالحة والمتفرقة أما عن مجرى النيل ابيض إلى الجنوب من الخرطوم فيبدو أنه كان مسدوداً بعدد من كثبان الرمل التي ملأت مجراه ولم تجر إقليم السد الجاف بكميات من 12.500 سنة عندما زادت الأمطار وإنفتحت البحيرات الإستوائية حتى وصلت مياهها عبر إقليم السد الجاف بكميات كبيرة إستطاعت أن تشق طريقها إلى الشمال. وفي الحقيقة فإ، النيل الأبيض لم يكتتب بأي كمية من المياه للنهرين الموسمين اللذين وصلا إلى مصر خلال عصر الجليد الأخير - فلم يكن لهذين النهرين من مصدر للمياه إلا المرتفعات الأثيوبية. وفي غير أوقات الفيضان كانت هذه الأنهار تجف كلية أو تتقلص كمية المياه فيها فتتحول إلى برك متفرقة - ولعل أقرب نهر حديث يشابه هذين النهرين هو نهر عطبرة الحالي الذي يجري هادراً وقت الفيضان ويكاد أن يجف تماماً وقت التحاريق.
أما عن الأمطار فوق الهضبة الأثيوبية فيبدو أنها لم تنح منحى الهضبة الإستوائية - إذ يبدو أنها كانت مطيرة خلا فترات طويلة وقت العصر الجليدي الأخير. وقد أمكن معرفة هذه الفترات بدراسة تذبذب منسوب بعض بحيرات التذبذبات هو الذي كان يرتفع عندما تزيد الأمطار وينخفض عندما تقل. ولعل أحسن البيانات عن هذه التذبذات هو الذي تم الحصول عليها من بحيرة آبي التي تقع في حوض الأواش في أخدود أثيوبيا (36) ومنها يتضح أنه كانت هناك فترة مطيرة رفعت منسوب البحيرة بين سنة 55.000 و سنة 31.000 قبل الآن (الفترة المسماة بفترة آبي 2) وفترة مطيرة أخرى بين سنة 29.000 و سنة 17.000 قبل الآن (الفترة المسماة آبي 3) تلتها فترة قلت فيها الأمطار بين سنة 17.000 و سنة 10.000 قبل الآن, ثم زادت الأمطار بعد ذلك في الفترة المسماة (آبي 4) - وهذه البيانات تجعل من السهل ربط نهري مصر بفترتي آبي 2 , 3 المطيرتين ففيهما إندفعت الأنهار الأثيوبية إلى مصر.
وقد يكون من المفيد أن نلفت النظر هنا إلى أن عدم تزامن أمطار الهضبتين الإستوائية والأثيوبية الذي نلاحظه في العصر الجليدي الأخير يسود الآن أيضاً ففي العصر الحديث هناك سنوات طويلة تزيد فيها الأمطار على الهضبة الأثيوبية في الوقت الذي تقل فيه على الهضبة الإستوائية كما أ، ناك سنواتت أخرى يحدث فيها العكس. وسنحاول في الفصضل الأخير من هذا الجزء (رقم 8) شرح أنماط المناخ وتذبذباتها في العصر الحديث في كلتا الهضبتين اللتين كان لكل منهما مساره الخاص.
ولابد أن كمية المياه التي حملها كل من النهرين الموسمين كانت أقل من تصرف النيل الحديث, كما لابد أ، مجراها كانا مضفرين ومليئين بالجزر والجسور أنهما لم يجفا تماماً في موسم الفيضان. إذ تثبت بقايا فرس البحر والماشية التي وجدت بين نفايات المستوطنات التي سكنها الإنسان بجوار هذه الأنهار أنهما لم يخلوا تماماً من المياه على مدار السنة.
وقد حمل النهران كميات كبيرة جداً من الطمي الذي كوماه في جسور هائلة تظهر الآن على شكل مصاطب على جانبي النيل في جنوب مصر. وقد أمكن تحديد عمر رواسب هذين النهرين بغستخدام تأريخ الكربون الذي إستخرج من نفايات مستوطنات الإنسان القديم الذي عاش حولهما. وفي وادي الكبانية إلى الشمال من أسوان منكشف هائل لطمي هذين النهرين به عدد من المستوطنات التي عاش فيها الإناسن القيدم فيما قبل التاريخ. كما توجد منكشفات أخرى لهذا الطمي بالصعيد توجد على سطوحها عدد من المستوطنات الأخرى. وقد تم تأريخ الكربون الذي إستخرج من هذه المستوطنات تأريخاً مطلقاً بواسطة طلايقةالكربون المشع, وبذا أمكن تأريخ أعمار هذين النهرين وتشير نتائج هذا التأريخ إلى أن النهر الموسمي القديم (النيونيل ب) ربما إمتد فيما بين 70.000 و 25.000 سنة قبل الآن. والعمر الأقدم (70.000) هو عمر تقديري, ذلك لأن أقدم رواسب هذاالنهر هي أقدم من أن تؤرخ بإستخدام طريقة الكربون المشع - أما رواسب هذا النهر في منطقة الكبانية فعمرها يقل قليلاً عن 30.000 سنة قبل الآن على ا، هناك إلى الشمال في بلدة الشويخات (محافظة قنا) طمي آخر ربما كان أحدث رواسب هذا النهر قدر عمره 24.700 سنة قبل الآن ومن الجدير بالذكر أن نشير هنا إلى أن طمي الكبانية وطمي الشويخات يحتويان على مجموعتين مختلفتين من الأدوات الحجرية التي صنعها الإنسان الذي عاش فوقهما إذ تحتوي طبقات طمي الكبانية على أدوات حجرية من آخر العصر الحجري القديم المتوسط بينما يحتوي طمي الشويخات على أدوات حجرية تنتمي إلى العصر الحجري القديم المتأخر.
وتقع رواسب النيونيل ب على إلاتفاع متراً فوق منسوب النيل الحديث في وادي حلفا ثم تقل إرتفاعاً كلما إتجهنا إلى الشمال حتى تصل إلى إرتفاع أمتار عند الأقصر وتصبح مطارقة تقريباً لمنسوب النيل الحديث عند نجع حمادي ولا توجد رواسب لهذاالعصر إلى الشمال من ثنية قنا. وقد وجدت رواسب نهرية لها نفس عمر رواسب النيونيل ب تحت السطح في بعض الآبار التي دقت في شمال شرق الدلتا.
ويمتد عمر النهر الحدث (النيونيل ج) لثمانية آلاف سنة تقريباً فيما بين سنة 20.000 و سنة 12.000 قبل الآن, وتحمل رواسب هذا النهر الكثير من بقايا الإنسان القديم التي تنتمي إلى آخر العصر الحجري القديم المتأخر.
ولرواسب النيونيل ج إمتداد جغرافي واسع فهي توجد على جانبي النهر حتى مدينة الفشن (على بعد 145 كيلومتراً إلى الجنوب من القاهرة) كما أنها توجد بمصبات عدد كبير من الوديان التي تصب في وادي حلفا وأبو سمبل وأسوان وكوم أمبو مما يدل على أن النهر كان عالياً ووفيراً. وتختفي رواسب النهر إلى الشمال من الفشن. وقد وجدت رواسب نهرية لها نفس عمر رواسب النيونيل ج في بعض الآبار التي دقت في شمال وشرق الدلتا تحت السطح وعلى أعماق غير كبيرة. ويصل إرتفاع رواسب نهر النيونيل ج إلى أقصى إرتفاع وصله النيل (بغستثناء نهر دندرة). فهي توجد على إرتفاع 21 متراً فوق منسوب التيل الحديث في النوبة و 12 متراً في دراو وبين ثمانية إلى ستة أمتار في وادي النيل إلى الشمال.
كان تفسير وجود هذه الكميات الهائلة من الطمي صعباً فقبل أن يعرف رجيم هذين النهرين الذي سمح نظامه بحمل هذه الكميات الكبيرة وترسيبها كانت هناك صعوبة في تصور الطريقة التي مكنت هذه الكميات الهائلة من الوصول إلى مصر. كان هناك من ظن أن هذه الرواسب لابد من أنها كانت مخزونة داخل بحيرة السد الكبيرة التي كانت تحتل منتصف السودان ثم إنطلقت دفعة واحدة إلى أرض مصر. وكان هناك من ظن أن هذه الكمية الكبيرة لا يمكن أن تنقل إلا بنهر قوي وقادر كما هناك من إعتقد على العكس من ذلك أن وصول هذه الكميات كان نتيجة نهر خامل وحامل لرواسب كثيرة. وهناك الآن شبه إجماع على أن هذه الكمية لابد وأن حملتها أنهار ذات فيضانات قوية ومتقطعة كانت تسير على مناطق عارية دون غطاء نباتي مما كان يسمح لها بإلتقاط مكية كبيرة من الرواسب. ومن المؤكد أن كمية الطمي هذه قد جاءت من جبال إثيوبيا التي تعرضت خلال العصر الجليدي الأخير إلى مناخ قارس البرودة أنقص درجات الحرارة فيما بين أربعة وثماني درجات مئوية في نشر الثلوج على قمم الجبال فإنخفض منسوب خط الأشجار بما لا يقل عن 1.000 متر وبذا تعرت قمم الجبال وسفوحها وتعرضت للتعرية. وقد ساعد هذا الحال على زيادة قدرة النهر على حمل الرواسب التي وصلت غزيرة إلى مصر.
ومن الأمور التي تحتاج إلى تفسير وجود رواسب نهري النيونيل ب والنيونيل ج مكومة في جنوب مصر على مناسيب أعلى من النهر الحديث, هذا على الرغم من أنهما تكونا خلال عصر جليدي كان منسوب البحر فيه أقل من منسوبه الحالي بأكثر من مائة متر. وفي مثل هذه الأوقات كان من المنتظر أن يحفر النهر مجراه وأن يعمقه لكي يتجاوب مع منسوب البحر, هذا ولكن الذي حدث هو أن الرواسب تكونت على مناسيب عالية وأغلب الظن أن ذلك قد حدث نتيجة إحتجاز الماء وراء عدد من الحواجز التي كانت تعترض النيل في منطقتي النوبة وجنوب مصر وحتى ثنية قنا. وفي مسار النهر الحديث أماكن كثيرة شيقة لابد وأنها كانت أكثر شيقاً في الماضي مما كان يرفع منسوب المياه خلفها ومن هذه الأجزاء الضيقة جبل السلسلة والعقبة الكبيرة. وكان وجود المياه خلفها ومن هذه العقبات السبب في إغراق سهل كوم أمبو ومصب وادي الكبانية الواسع مما جعلهما موقعين متميزين لسكنى الإنسان القديم. وبإستثناء هذا الجزء الجنوبي من وادي النيل فإن هذين النيلين القديمين كانا يحفران مجراهما إلى الشمال القديم. وبإستثناء هذا الجزء الجنوبي من وادي النيل فإن النيلين القديمين كانا يحفران مجراهما إلى الشمال لكي يتجاوبا مع سطح البحر المنخفض والذي وصل في قمة العصرالجليدي إلى أكثر من مائة متر أقل من منسوبه الحالي.
النيل الحديث (النيونيل)
وصل النيل الحديث إلى مصر في الفترة التي تلت تراجع ثلاجات العصرالجليدي الأخير التي كانت قد وصلت أقصى تقدم لها حوالي 15.000 قبل الآن عندما غطت أجزاء كبيرة من نصف الكرة الشمالي. وكان تراجع الجليد سريعأً وبلغ أقصى معدلات ترجعه في الفترة بين سنة 13.500 و 11.500 قبل الآن عندما إرتفعت درجة الحرارة بمعدلات كبيرة حتى ليمكن القول أن الجليد قد تم تراجعه كلية تقريباً خلال 3500 سنة تقريباً من تاريخ أقصى تقدم له - وفي فترة الدفء هذه تأثرت منطقة منابع النيل فتراجع خط الجليد في جبال أفريقيا العالية التي كانت تغطيها الثلاجات وخلا جبل رونزوري من الجليد حوالي عام 14.750 قبل الآن, وفي أعقاب هذا التراجع تزايد سقوطها الأمطار على هضبة البحيرات الإستوائية وخاصة في الفترة بين 12.500 و 10.000 سنة قبل الآن ثم بعد ذلك على الهضبة الأثيوبية ومنطقة الساحل في الفترة 10.000 و 4.500 سنة قبل الآن. ويعتقد أن ذلك يعود إلى أن المناطق التي زادت فيها الأمطار بعد تراجع الثلوج مباشرة (الهضبة الإستوائية) كانت تلك التي تأتي أمطارها من الأطلنطي والتي كانت محكومة بتيارات هذا المحيط التي تأثرت بفترة البرودة القصيرة التي كسرت إتجاه الدفء العام بعد تراجع الجليد منذ 11.000 سنة قبل الآن.
وفي الفترة بين 12.000 و 10.000 سنة قبل الآن إرتفع منسوب جميع البحيرات الإستوائية التي تشغل الأخدود الأفريقي إلى أكثر من 100 متر فوق منسوب البحيرتين الحديث – كما إرتفع منسوب بحيرتي فكتوريا وألبرت حتى فاضا ودخلت مياهما حوض النيل في لذك التاريخ فتساقطت المايه على شلالات كاباريجا (مرشيزون) التي أصبحت نشطة لأول مرة. وفي هذه الفترة تغيرت أنواع النبات على الهضبة الإستوائية فإختفت أنواع الحشائش التي سادت المنطقة وقت عصر الجليد وزادت الأشجار وعادت غابات أفريقيا الإستوائية إلى الإزدهار.
وقد أدت زيادة الأمطار على الهضبة الإستوائية حوالي 12.500 قبل الآن إلى زيادة في كمية المياه التي حملها النيل إلى مصر في ذلك الوقت. فقد دفعت المياه الدافقة التي أتت من هضبة البحيرات الرمال التي كانت تسد النيل الأبيض وأخذت تتدفق إلى مصر في كميات رفعت منسوب النيل في ذلك الزمان إلى إرتفاعات لم يصلها النيل عبر تاريخه الطويل إلا في أوقات قليلة. وكانت الخمسمائة سنة الأولى من هذه الفترة (فيما بين 12.500 إلى 12.000 سنة قبل الآن) ذات فيضانات عالية جداً مما جعل العيش في ظلها صعباً للإنسان. كما سنبين ذلك بالتفصيل في الجزء الثالث من هذا الكتاب. وقد كانت فترة الفيضانات العالية هذه هي ختام نهر النيونيل ج الي توقف بعد ذلك لبعض الوقت. . كما ساعدت هذه الفيضانات في نحت وإزالة العقبات التي كانت تعترض النهر في النوبة وجنوب مصر والتي كانت تعطل جريان المياه وترفع منسوب النهر إلى الخلف منها.
وفي خلال الأفلي عام التي تلت إزالة هذه العقبات أي (بين 12.000 و 10.000 سنة قبل الآن) بدأ النهر في بناء تدريجته الجديدة. ففي النوبة إستمر النهر في تعميق مجراه كما كان الحال منذ وصوله النيونيل ب وكما ظل الحال بعد ذلك وحتى عصر المملكة الحديثة في مصر القديمة عندما ثبت منحدر المجرى على منسوبه الذي بقى عليه الحال يعد لذك وحتى عصر المملكةالحديثة كما تشهد بذلك المعابد والقلاع التي بنيت في عصر المملكة الحديثة على مناسيب تقارب تلك التي كانت تسود النوبة قبل بناء السد العالي. وفي خلال هذه المدة الطويلة إنخفض منسوب النيل حوالي 30 متراً أو بمعدل متر واحد لكل ألفين من السنين. أما في المنطقة فيما بين أسوان وقنا فيبدو أن النهر أخذ يعمق مجراه أيضاً كما تشهد بذلك رواسب نهري النيل ب و ج المعلقة حول جانبي النهر أما في المنطقة إلى الشمال من قنا فإن الأمر غير واضح تماماً فمن المؤكد أن يكون النهر قد بدأ في بناء مجراه بعد عصور النحر الطويلة السابقة لكي يستجيب إلى الإرتفاع المستمر في منسوب البحر في الفترة التي أعقبت تراجع ثلوج العصر الجليدي الأخير. إلا أن عملية البناء هذه لم ترفع النهر ابداً فوق منسوبه الحالي. وفي أقصى الشمال فإن الآبار المحفورة في شمال الدلتا تشير إلى أن النيل كان يبني سريره أيضاً ولو أن سمك عمود رواسب النهر في هذه الفترة كان صغيراً جداً في معظم الآبار التي دقت في هذه المنطقة.
وعندما حل عصر الهولوسين منذ 10.000 سنة كان تأثير العوامل المناخية التي تسببت في زيادة أمطار الهضبة الإستوائية قد وصل إلى أثيوبيا ومنطقة الساحل الأفريقي ثم إمتد تأثير هذه العوامل إلى الشمال فتزحزحت جبهة الأمطار تدريجياً مع خطوط العرض حتى غطت شمال السودان وجنوب مصر. وتسمى هذه الفترة المطيرة التي أثرت على هذه المناطق بفترة الهولوسين (أو النبطة). وفي هذه الفترة إرتفع منسوب بحيرات أخدود شرق أفريقيا وبحيرة تشاد التي إتسعت إتساعاً كبيراً كما فاضت بحيرة توركانا وإتصلت بحوض نهر السوباط فوادي النيل حوالي سنة 9500 قبل الآن. وكان منسوب هذه البحيرة واطئاً قبل هذا التاريخ ولأكثر من 20.000 سنة. وكان تأثير هذه الفترة تغير بشكل المناطق القاحلة في شمال السودان والنوبة وجنبو مصروأجزاء كبيرة من الصحراء الكبرى وتحولها إلى مناطق غنية بالنبات جال فيها الحيوان وعاش فيها الإنسان وترصعت أرضها بالكثير من البحيرات العارضة التي كانت تمتلئ وقت موسم الأمطار. وتشهد بقايا مستوطنات الإنسان المنتشرة في أماكن كثيرة في قلب الصحراء خلا هذه الفترة المطيرة التي إستمرت لأكثر من خمسة آلاف سنة (والتي كانت نهايتها حوالي سنة 2500 ق . م) بعمق التغيرات التي حدثت في هذه المنطقة. وسنتكلم بشئ من التفصيل عن أحداث هذه الفترة وتأثيرها على تصرف نهر النيل في الجزء الثاني من هذا الكتاب.
تسببت فترة الهولوسين المطيرة في زيادة كمية المياه التي حملها النيل وفي إتساع حوضه وفي تعدد المصادر التي حصل منها على مياهه ولذلك فقد إختلف عن النهرين اللذين سبقاه واللذين كانا يحصلان على مياههما من المرتفعات الأثيوبية فقط في أنه لم يكن موسمياً بل كان ينساب على مدار السنة. وفي الحقيقة فإن مياه الهضبة الإستوائية لها دور هام في هيدرولوجية النهر الحديث لأنها تضمن للنهر مورداً للمياه وقت فصل التحاريق عندما يتوقف وصول المياه من مرتفعات أثيوبيا.
إن رجيم النيل الحديث هو نتاج فترة الهولوسين المطيرة التي سببت جريانه على مدار السنة وحملته كمية كبيرة من الرواسب العالقة التي أخذت تترسب على جانبي الوادي إلى الشمال من أسوان لتكون أرض مصر الخصبة. أما في النوبة فقد إستمر النيل الحديث في شق مجراه وتعميقه خلال معظم فترة النيل الحديث كما بينا. وتوجد أقدم رواسب النيل الحديث والمؤرخة 10.600 سنة قبل الآن على إرتفاع 12 متراً فوق سطح النيل الحديث في النوبة على إرتفاع خمسة أمتار وقد ثبت النيل في منطقة النوبة على إرتفاعه الحديث (الذي كان عليه النهر الطبيعي قبل بناء السد العالي) منذ حوالي 3.000 سنة قبل الآن.
اللاندسكيب الحديث لوادي النيل والدلتا والفيوم
تركيب وسمك الأرض الطميية لوادي النيل والدلتا
تغطي سطح وادي النيل والدلتا رواسب من الطمي الذي حمله النهر الحديث ورسبه على جنبات الوادي والدلتا كل عام ولحوالي عشرة آلاف سنة مضت. وطمي النيل عند رسوبه طري ولزج وقابل للتشكيل ولكن حجمه يقل ويصبح أرضاً صلبة عندما يفقد ماءه. وتركيب التربة المصرية الحديثة معروف معرفة جيدة فهي موضوع دراسة اقسام بكاملها في كليات الزراعة المصرية. ولا يعرف بالضبط مقدار التغير الذي حدث في تركيب التربة عبر العشرة آلاف سنة التي تكونت فيها. فعلى الرغم من أن مظهر التربة وملمسها يبدو واحداً لم يتغير عبر هذه الأعوام إلا أن الدراسة الدقيقة لابد وأ، تظهر أن التغيرات أساسية لابد وأن تكون قد حدثت في تركيب هذه التربة في ماضي الزمان وخاصة خلال الفترات المطيرة التي عاصرت هذه الفترة عندما نشطت وديان مصر والنبوة وحملت إليها رواسب تختلف عن تلك التي تكونها الآن والتي تأتي في معظمها من الهضبة الأثيوبية (82% من النيل الأزرق و 14% من العطبرة). وفي أقلها من هضبة البحيرات الإستوائية (4%). وفي الماضي وخاصة خلال فترةالهولوسين المطيرة كانت هناك مصادر أخرى دخلت في تركيبة الطمي الذي وصل إلى مصر. إن الدراسة المتأنية والدقيقة لرواسب النيل الحديث عبر تاريخه ستعطينا فكرة طيبة عن تقلبات المطر التي صاحبت فترة الهولوسين المطيرة. وهناك الآن أدلة قاطعة على أن بعض وديان مصر كانت نشطة خلال هذه الفترة. وقد تم تحديد عمر أحد رواسب هذه الوديان من نجع البوص بوادي قنا والتي أرجع عمرها إلى سنة 9.500 قبل الآن. وقد صدر مؤخراً بحثان فيهما تحليل عن التركيب المعدني لعمود رواسب النيل في الفترة بين سنة 7.000 وسنة 4.000 قبل الآن كانت مختلفة في تركيبها المعدني عن الرواسب الحديثة. ولم يعز المؤلفون هذا التغير إلى ما إكتتبته وديان مصر, ولكنهم أرجعوه إلى زيادة أمطار المرتفعات الإثيوبية مما سبب في تكثيف الغطاء النباتي عليها وبالتالي قلة الرواسب التي جاءت منها – ومثل هذا التفسير يحتاج إلى خيال أكثر مما تعطيه الأدلة التي بين أيدينا – وكاتب هذه السطور يعزو التغيير إلى ما إكتتبته وديان مصر.
وقد إستخدم التحليل المعدني لرواسب النيل القديمة لمعرفة منابع هذه الأنهار التي سبقت النيل الحديث. وقد أثبت التحليل المعدني لرواسب كل من الروافد الثلاثة الأساسية التي تحمل الرواسب غلى مصر في الوقت الحاضر أنها تختلف عن بعضها البعض في تركيبها المعدني. وهناك أربع مجموعات من المعدني الثقيلة تدخل في تركيبها رواسب هذه الروافد بنسب مختلفة.
وقد حاول عدد من الباحثين إستخدام هذه الإختلافات في التركيب المعدني لرواسب مختلف روافد النيل الحديث في تحديد تاريخ وصولها إلى مصر وذلك بدراسة التركيب المعدني لرواسب النيل القديمة. فظهور مجموعة المعادن المميزة لأحد روافد فيها يدل على أن هذا الروافد قد وصل في وقت تكوينها. وتكتنف إستخدام هذه الطريقة صعوبات جمة, ذلك لأن توزيع المعادن الثقيلة في الرواسب النيلية تحكمه عوامل بيئية كثيرة غير معروفة على وجه التحديد, والمعروف منها صعب التفسير. كما أن النيل في تاريخه السابق كانت تأتيه رواسب من مصادر أخرى غير تلك التي يحصل منها على رواسبه في القوت الحديث. ولذا فقد يكون من الجائز أن يكون إختلاف نسب المعادن في الرواسب القديمة للنهر راجعاً إلى وصول رافد جديد تماماً, لا إلى تغيير في روافد النيل الحالية. ومن الوجهة العملية فإن التحليل المعدني فائدة محدودة. وقد إستخدمه كاتب هذه السطور لمعرفة أول الأنهار ذات الأصول الأفريقية التي وصلت إلى مصر فقد إختلف رواسب نهر ما قبل النيل عن رواسب الأنهار التي سبقتها وتشابهت إلى حد كبير مع رواسب الروافد التي كانت تأتي من جنوب الصحراء الكبرى.
ولعل أكث رالأبحاث شمولاً في ميدان التحليل المعدني هي تلك التي تمت على سلسلة من رواسب النيلين القديمين الموسميين (النونيل ب والنيونيل ج) والتي جمعت من وداي الكبانية إلى الشمال من أسوان والمعروفة العلاقة والعمر. وقد ظهر من هذه الدراسة أن كل رواسب النهر مهما إختلفت بيئة تكوينها متشابهة في تكوينها المعدني يتساوى في ذلك الرواسب التي تكونت فوق الضفاف أو في سهل الفيضان أو تأثرت بسفي الرمال الذي كان يصل سهل الفيضان بفعل الريح. فجميعها كانت ذات تركيب معدني متقارب وتشبه تلك التي تأتي من النيل الأزرق في الوقت الحاضر.
وقد يكون من المفيد أن نبين هنا أن التحليل المعدني لسلسلة أخرى من رواسب النيل والتي جاءت من ثلاثة آبار دقت في شمال شرق الدلتا ولها نفس عمر الرواسب السابقة أعطى تركيباً معدنياً مختلفاً, فقد زادت فيها نسبة معادن الأمفيبول ويادة كبيرة. وقد يعود ذلك إلى أن رواسب النهر في الدلتا قد تأثرت بما حملته من رواسب نحرتها من قاع النهر إلى الشمال من ثنية قنا - وقد سبق أن ذكرنا أن النهر خلال عصر النيونيل. ب والنيونيل ج كان يحفر مجراه في شمال مصر.
ويختلف سمك عمود رواسب النيل الحديث من مكان إلى مكان. ويبدو من دراسة مختلف آبار المياه التي دقت في وادي النيل والدلتا أن متوسط سمك طمي النيل الحديث يتراوح بين سبعة أمتار في المنطقة بين أسوان وقنا وبين خمسة عشر إلى عشرين متراً في شمال الدلتا وهناك تقارير تذكر سمكاً أكبر من تلك المتوسطات ف يمناطق كثيرة وعلى الأخص في الجزء الشمالي الشرقي للدلتا. وعلى العموم فإنه يمكن القول أن متوسط سمك الرواسب في الصعيد هو حوالي تسعة أمتار وفي الدلتا هو حوالي أحد عشر متراً.
ويذكر الباحث ستانلي وجود سمك كبير لرواسب النيل الحديث في الآبار المحفورة ببحيرة المنزلة قد يزيد عن الخمسين متراً ف يبعض الآبار وقد إستنتج الباحث من وجود هذا السمك الكبير في منطقة شمال الدلتا أن هذه المنطقة لابد وأ، تمثل منطقة هبوط مستمر. وعمر أقدم رواسب النيل الحديث والتي تقع الآن على منسوب خمسين متراً تحت سطح البحر هو حوالي 7.500 سنة وقد أمكن تحديد عمر هذه الطبقة بغستخدام طريقة الكربون المشع على مواد حاملة للكربون إستخرجت من هذه الطبقة. ولما كانت هذه الطبقة قد تكونت على منسوب قريب من سطح البحر لوجود رواسب تتكون بين خطي المد والجزر فيها, فإن وجودها على منسوبها الحالي الذي يقع تحت منسوب سطح البحر وقت تكونها منذ 7.500 سنة دليل على أنها هبطت منذ وقت تكونها بمقدار الفرق بين منسوبها الحالي ومنسوب سطح البحر وقت تكونها (والذي كان يقف على منسوب 26 متراً تحت البحر الحديث طباقاً لواحد من تقديرات منسوب البحر التي قبلها الباحث في بحثه المنشور سنة 1988) ومعنى ذلك أن المنطقة لابد وأن تكون قد هبطت بمقدار 24 متراً منذ تكونها أي أنها هبطت بمعدل 3 إلى 4 ملليمترات كل عام, وهو أمر يدعو إلى أشد الإنزعاج لأن هذا الهبوط سيؤدي إذا إستمر إلى غزو البحر الأبيض المتوسط لمناطق واسعة من أرض الدلتا في منتصف القرن الواحد والعشرين بل وإلى موتها كما جاء في عنوان مقال مثير ظهر بمجلة Science الشهيرة في سنة 1990. ويختلف مؤلف هذا الكتاب مع الباحث فيما وصل إليه من نتائج بنيت على فرضيات قابلة للجدل. فالعلماء يختلفون في تقدير منسوب البحر في ماضي الزمان. فعلى الرغم من إتفاقهم على أن منشوب البحر قد إرتفع بحوالي مائة متر منذ أن بدأت ثلوج العصر الجليدي الأخير ف يالذوبان منذ حوالي 18.000 سنة إلا أنهم يختلفون في معدلات سرعة هذا الإرتفاع خلا فترات هذا الزمان الطويل وفي منسوب البحر في أية لحظة فيه. وقد حسب الباحث نفسه منسوب البحر في سنة 7500 قبل الآن على أنه 26 متراً تحت سطح البحر في بحثه المنشور في سنة 1988 وعلى أنه 13 متراً تحت سطح البحر فقط في بحثه المنشور سنة 1990 - ولو قبلنا منطق الباحث بأن الرواسب الموجودة الآن تحت منسو بالبح رالقديم كانت نتيجة هبوط قاع الدلتا فإنه سيكون علينا أن نقبل أن الرواسب الموجودة فوق هذا المنسوب ه ينتيجة إرتفاعها في عملية رفع مضادة وهو أمر مستبعد. وبالإضافة إلى ذلك فإن هناك من الأدلة ما يقطع بأن الدلتا كانت قرابة حالها الذي نرره الآن منذ أقدم العصور. فقد كانت حتى أطرافها الشمالية مسكونة منذ عصر ما قبل الأسرات بل وهناك مستعمرة تعود إلى هذا التاريخ في إحدى الجزر الشمالية ببحيرة المنزلة. ولا يمكن أن تكون الدلتا قد هبطت بمعدلات كبيرة منذ ذلك التاريخ. وسنعود لبحث هذا الموضوع في الفقرة 7-3 من هذا الجزء.
وتختلف كمية الطمي التي يحملها النهر والتي يرسبها في سهله الفيضي وفي دلتاه بين الوقت والآخر فهي تزيد عندما يقل تصرف النهر وفي وقت إرتفاع سطح البحر وتقل عندما تزيد كمية المياه التي يحملها النهر وفي وقت إنخفاض سطح البحر. والمكان الوحيد الذي تم فيه قياس معدلات ترسيب الطمي على مدى زمان طويل نسيباً هو بئر مقياس الروضة والتي سجلها بوبر Popper في كتابه عن مقياس الروضة الذي صدر عن جامعة كاليفورنيا سنة 1951.
فقد وجد أن معدلات تراكم الطمي ببئر المقياس قد تفيرت مع الزمان فكانت في حدود ثمانية سنتيمترات في كل قرن فيما بين سنة 641 وسنة 1330 ميلادية وفي حدود 65 سنتيمتراً في كل قرن فيما بين سنة 1330 وسنة 1630 ميلادية و 7 و 11 سنتيمتر في كل قرن بين سنة 1630 وسنة 1841 ميلادية وحوالي 68 سنتيمتراً في القرن التاسع عشر. وفي تقديري أن إختلاف هذه المعدلات عبر السنوات يمكن أن يعزى بدرجة أساسية إلى تقلبات منسوب البحر فقد كانت المعدلات تزيد وقت أن يرتفع وتقل وقت أن ينخفض ومعدلات الترسيب في الفترتين 1330 - 1630 و 1630-1841 يمكن أن تكون قد تأثرت بتقلبات سطح البحر العالمي التي حدثت خلال العصر الدافئ الذي يستقروا فيها. فقد كانت تنعم بدفء في ذلك الوقت وخلال عصر الجليد الصغير الذي حدث بين سنة 1600 وسنة 1850 ميلادية وفيه عم الصقيع أجزاء كبيرة من أوروبا وتقلصت المساحات القابلة للزراعة في سفوح جبال الألب عندما إمتد الجليد فوقها. وقد أثرت هاتان الفترتان على منسوب البحر وعلى كمية الطمي التي حملها النيل, وإن كان تأثير هذه التقلبات المناخية لم يظهر في النيل إلا بعد مائتي سنة من حدوثها - وعندما ينخفض منسوب سطح البحر ينحر النهر مجراه وتصبح معدلات ترسيب الطمي صغيرة وتكون على عكس ذلك يرتفع منسوب سطح البحر.
وقد أصبح من غير الممكن معرفة معدل تاركم طمي النيل في أراضي مصر بعد بناء مشروعات الري الكبرى فقد أعاقت سدودها ثم أوقفت وصول الطمي إلى مصر. على أنه في عشرينيات القرن العشرين أمكن حساب معدل تراكم الطمي في السنة فوق أراضي صعيد مصر التي كانت في ذلك التاريخ تحت نظام ري الحياض حين كان يسمح لماء الفيضان بإغراقها. وقد حسبت الكمية التي دخلت حياض الصعيد بطرح كمية الطمي المارة بالقاهرة من تلك التي كانت قد مرت من أسوان في نفس السنة وقد وجد أن 58 مليون طن قد وصلت إلى القاهرة من أصل 110 ملايين طن من الطمي الذي حمله النيل عند أسوان بما يعني أن 52 مليون طن منالطمي قد ترسبت في حياض الصعيد. وهذه الكمية تجعل معدل تراكم الطمي في حياض الصعيد هو 10.3 مم في العام أو حوالي 10.3 سم في القرن. ولا توجد قياسات مماثلة لتحديد معدا تراكم الطمي في الدلتا ذلك لأن أراضي الدلتا تحولت إلى الري المستديم في أوائل القرن التاسع عشر قبل تأسيس أجهزة البحث العلمي المكلفة بالقيام برصد النيل. وقد قل معدل ترسيب الطمي في أراضي الصعيد المروية رياً مستديمأً عما كان عليه الحال عندما كانت هذه الأراضي تحت نظام الري المستديم فإنه يمكنالقول بأن معدل الترسيب في الدلتا الطبيعية عندما كانت تغرق وقت الفيضان كان أقل من الصعيد بحوالي 50% . وبهذا الحساب تكون كمية الطمي التي كانت تصل إلى البحر كل سنة قبل إنشاءات الري الكبري هي حوالي 22 مليون طن في السنة في المتوسط فقط. ولاعجب لذلك أن كان سمكم رواسب النيل الحديثة في الآبار التي دقت في السهل الساحلي للدلتا صغيراً جداً. حقاً لقد إكتتبت رواسب النيل الحديث أقل القليل في تقدم الدلتا بداخل البحر كما سيجئ تفصيل ذلك فيما بعد (إنظر الفقرة 7-3 من هذا الجزء).
ومن الطرق التي إستخدمت لحساب معدل تراكم الطمي على أراضي مصر تلك التي يتم فيها قياس سمك الطمي الذي تجمع حول المباني القديمة والأثرية بعد إنشائها وقسمة ذلك السمك على عدد سنوات عمر المبنى. ويقع معبدا إسنا وإدفو اللذان بنيا منذ 2.000 سنة تقريباً أسفل منسوب المدينتين الحديثتين بحوالي أربعة أمتار مما يعطي معدل تراكم قدره 20 سنتيمتراً لكل مائة سنة.
وقد حسب فانثر باشا معدل تراكم الطمي في منطقة الأقصر بقيس كمية الطمي التي تجمعت حول معبد الكرنك الذي يقع الآن أسفل منسوب المدينة الحديثة بحوالي ثلاثة أمتار - ولما كان المعبد قد بني على إرتفاع مترين ونصف المتر فوق سهل فيضان النيل وقت بنائه في الدولة المتوسطة فإن أرض المدينة لابد وأن تكون قد علت بإضافة الطمي عليها بحوالي 5.5 متر في 3900 سنة اي بمعدل 14.3 سنتيمتر في كل قرن (وسيأتي تفصيل ذلك في الجزء الثاني من الكتاب).
وقد وجدت مسلتا هليوبوليس اللتان أقامهما الملك سيزوستريس) حوالي سنة 1950 ق.م. مدفونتين تحت عمود من طمي النيل بلغ سمكه 372 سنتيمتراً. كما وجد تمثال رمسيس الثاني الذي أقيم في سنة 1260 ق.م. (وقد نقل هذا التمثال من مكانه بمدينة منف إلى ميدان رمسيس بالقاهرة في خمسينيات القرن العشرين) مدفوناً تحت طبقة من طمي النيل بلغ سمكها 335 سنتيمتراً. ومن المنطقي أن نفترض أن تراكم الطمي حول المسلتين والتمثال حدث بعد أن هجر موقعهما, فلابد أنهما كانا موضوع العناية والإهتمام والنظافة المستمرة وقت إستخدامها. وفي تقديري أن المكانين هجرا في القرن الأول الميلادي. وإذا كان الأمر كذلك فإن معدل تراكم الطمي في المكانين يكون قريباً من المعدل الذي حسبه فانثر باشا لمنطقة الأقصر.
وتشير البيانات المتاحة إلى أن معدل ترسيب الطمي كان صغيراً جداً في الفترة المبكرة من تاريخ النيل الحديث والتي كان فيها منسوب سطح البحر أقل من منسوبه الحالي فلم يزد معدل تراكم الطمي في هذه الفترة على 50 سنتيمتراً في كل ألف سنة. فقد كان معظم الطمي يذهب إلى البحر الذي كان منحسراً عن أرض مصر بحوالي 20 كيلومتراً إلى الشمال.وفي تقديري أن سمك الرواسب التي تراكمت في وادي النيل ودلتاه خلا السبعة آلاف سنة الأولى من تاريخ النيل الحديث والتي إمتدت حتى قرابة القرن الأول الميلادي عندما إرتفع منسوب البحر عن منسوبه الحالي ولأول مة كان في حدود 3.5 متر فقط. أما باقي عمود الرواسب الموجود الآن في وادي النيل وهو في حدود 5 أمتار كما سبق القول فقد ترسب خلال الأفي سنة الماضية وعلى الأخص في فترات إرتفاع سطح البحر (القرون الست الأولى بعد الميلاد والسنوات بين سنة 1330 و 1630 وكذلك بين 1840 و 1890 ميلادية) عندما أرتفع معدل الترسيب وعلا منسوب الأراضي. وفي السنوات الستمائة الأولى من الميلاد أرتفع منسوب البحر وأغرق شمال الدلتا وأحدث أضراراً كبيرة حسب أقوال المؤرخين أما الفترة بين سنة 1330 و سنة 1630 فقد إرتفع منسوب البحر إلى أكثر من المتر بينما لم يرتفع لأكثر من 30 سنتيمتراً بعد عام 1840. ويقدر متوسط معدل إرتفاع الأراضي لكل الفترة بحوالي 26 سم في كل مائة سنة بينما يقدر معدل هذا الإرتفاع خلال فترات إرتفاع سطح البحر بحوالي 36 سم في كل مائة سنة.
فيضان وادي النيل
يتكون سهل فيضان وادي النيل إلى شالمال من أسوان من رواسب الطمي التي رسبها النيل خلال فيضاناته المتتالية وعندما كانت مياه النيل ترتفع فإنها كانت تفيض وتغطي السهل حول النهر.
وفي هذه الأثناء فإن الجزء الخشن من الرواسب التي يحملها الماء كان يسقط أولاً ويترسب على جانبي النهر مباشرة أما الجزء الرفيع فكان يبقى عالقاً في الماء ثم يترسب في سهل النهر بعيداً عن جانبي النهر.
وقد تسببت هذه العملية المتكررة في بناء جانبي النهر وإرتفاعهما بمعدل يزيد كثيراً على معدل إرتفاع سهل النهر ومن ثم تم تحويلهما إلى ضفتين عاليتين تحددان مجرى النهر عند إنكماشه. وتحدد هذه الضفاف سهل الفيضان من ناحية النهر الذي عادة ما يمثل حوضاً منخفضاً تحدده من الناحية الأخرى الصحراء. ولا تقتصر هذه الظاهرة على مجرى النهر الأساسي بل تمتد أيضاً إلى أفرعه. ومن هنا جاء وصف الدلتا الشهير بأنها كورقة الشجر التي تشكل فروعها عروق هذه الورقة التي عادة ما تكون بارزة عما حولها.
وبعد نهاية الفيضان وإنخفاض الماء فإن ضفاف النهر كانت أولى المناطق التي ينحسر عنها الماء فتبقى عالية وجافة في الوقت الذي كان فيه سهل فيضان النهر مغموراً ولوقت طويل. أما أوطى أماكن السهل فقد كانت تبقى في الوقت الذي يكون فيه عميقاً تحت الضفاف.
تسببت عملية بناء ضفتي النهر وسريره بمعدلات سريعة إلى إرتفاعهما عن منسوب حوض النهر وعندما كانت المياه تأتي بإندفاع شديد بين الحين والآخر فإن النهر كثيراً ما كان يقطع جسره ويتخذ مجرى جديداً بحوض النهر فيتحول بذلك جزء من الحوض إلى جزيرة. كان النهر لذلك في حركة دائمة يتخذ مجار جديدة ويهجر أخرى بعد أن يطميها ويترك خلفه ضفافً ويقتطع من الحوض جزءاً ثم ينعزل عنها تاركاً وراءه بحيرات منعزلة.
ومنذ مجئ النيل الحديث أصبح سهل النهرمكوناً من أحواض وضفاف. ونادراً ما كانت ضفاف النهر تغرق تحت الماء. ولذلك فقد كانت دائماً مكاناً مناسباً لسكنى الإنسان منذ أقدم العصور. ويكاد يكون من المؤكد أن معظم قرى ومدن مصر كانت مبنية أصلاً على هذه الضفاف التي دكت وزاد إرتفاعها من بقايا ومخلفات الإنسان على مدى آلاف السنين التي عاشها عليها. وتشكل ضفتي النيل الحديث حاجزاً يحمي حوض النهر. وفي العادة تكون الضفة أعلى من الحوض بين المتر والثلاثة أمتار, وقد عمل الإنسان على طول تاريخه على حماية هذه الضفة وتقويتها لإحتواء النهر.
وعلى الرغم من هذه الجهود فإن شكل النهر والحوض قد تغير تغيراً كبيراً على طول التاريخ المعروف. فقد قل تعرج النهر مع الزمان ومع نقص كمية المياه التي حملها النهر. كذلك فقد تحول مجرى النهر وتزحزح لمسافات قد تزيد على الكيلومترين والكثير من قرى الصعيد التي تقع الآن بعيدة عن النهر كانت أصلاً مبنية على ضفة النهر التي كان يمر بجوراها عندما سكنت. فقد كان المحور الأساسي لمجرى النهر بين أخميم والقاهرة في زمن الفراعنة يقع إلى الغرب من مجراه الحالي. فقد كان النيل في ذلك الوقت يسير بحزاء القوصية والأشمونين والقيس والبدرشين وكلها مدن قديمة بنيت أصلاً على مجرى النيل وكانت البلدتان الأخيرتان قائمتين على النهر حتى وقت البطالمة, ومنذ ذلك التاريخ تزحزح مجرى النهر إلى الشرق ففي عصر البطالمة أصبح محور النيل ماراً بغرب أخميم والمراغة وطهطا وطما.
ومن المرجح أن ترعة الإبراهيمية التي أعيد حفرها في منتصف القرن التاسع عشر كانت فرعاً أساسياً للنيل في ذلك العصر أما بحر يوسف, ذلك الفرع غرب النيل والذي يخرج (منذ سنة 1870) من ترعة الإبراهيمية عند ديروط فقد كان في سابق الزمان فرعاً طبيعيأً وأساسياً للنهر, إذ كان النيل عند نشأته يتفرع عند أسيوط إلى فرعين أساسيين. فقد كان مجرى النهر في ذلك الزمان البعيد منقسماً بظهر من الحجر الجيري إلى فرعين. أما الفرع الغربي الذي يمثله اليوم بحر يوسف اليوم يطمي, وقد تزحزح مجرى بحر يوسف خلال العصر الحيدث ناحية الشرق أما في وقت الفراعنة فقد كان بحر يوسف يطل على بلاد المحرق ومير ودشلوط وتونا الجيل وكلها بلاد بعيدة عن بحر يوسف اليوم.
وفي منطقة منف أثبتت الحفائر الحديثة أن النيل قد غير مجراه من الغرب إلى الشرق تاركاً واره جزراً متعددة. ولعل تغيرات مجرى النيل عند مدينة القاهرة هي من أكثر الغيرات توثيقاً فقد أثرت هذه التغيرات على حياة هذه المدينة المليئة بالحياة التي تحولت من موقع قلعة رومانية (حصن بابليون) إلى مدينة عظمى إتسعت على حساب الأرض الجديدة التي كانت تكسبها مع تزحزح مجرى النيل ناحية الغرب ومع إزدياد ضبط النهر. وتاريخ هذا التوسع وتغيرات النيل كانت محل دراسات عديدة. وعندما وصل إلى مصر في منتصف القرن السابع الميلادي كانت قلعة بابليون الرومانية على حافة النهر مباشرة كما كان كذلك الموقع الذي إختاره عمرو بن العاص القائد العربي الذي غزا مصر لبناء مسجده. أما اليوم فإن هذين الموقعين يقعان على بعد 525 , 450 متراً من النهر على التوالي. وفي ذلك الوقت كان معظم أرض القاهرة الحديثة تحت الماء فقد كانت ضفة النيل الشرقي تمر بشارع سيدي حسن الأنور إلى ميدان السيدة زينب ومنه عبر شارع محمد فريد إلى ميدان رمسيس (أو ميدان المحطة حيث تقع محطة القاهرة للسكة الحديد). وفي هذا الموقع كانت توجد ميناء القاهرة القديمة أو ما كان يسمى المقسى. ولم يتغير حال النيل كثيراً خلال القرون الخمسة التي تلت دخول العرب إلى مصر فيما عدا تغيرات قليلة حولت مجرى النيل عن مصر القديمة وأبعدت حصن بابليون وجامع عمرو عن نهر النيل بحوالي مائة إلى مائة وخمسين متراً. وعندما أراد صلاح الدين الأيوبي أن يمد أسوار القاهرة الفاطيمة في السنوات الأخيرة للقرن الثاني عشر كانت ضفاف النيل على حالها الذي كانت عليه عندما دخل العرب مصر - وبدأ مد السور الشمالي للقاهرة حتى ضفة النيل عند ميناء المقسى القديمة (ميدان المحطة) أما ناحية الشرق فقد مدت الأسوار الفاطمية إلى القلعة التي كان قد بناها صلاح الدين الأيوبي فوق هضبة المقطم على إرتفاع 80 متراً فوق المدينة.
وفي الفترة التي إنخفض فيها النيل لسنوات طويلة في أواخر القرن الثاني عر والقرن الثالث عشر (والتي سنتحدث عنها بشئ من التفصيل في الجزء الثاني من هذا الكتاب) حدث تغيرات هائلة في مجرى النيل عند القاهرة. فقد بدأ النهر في الإطماء حول الميناء القديم عند بابا الحديد الذي ظهرت حوله جزيرة الفيل في حوالي سنة 1174 ميلادية وعند ظهورها كانت الجزيرة تغطي بالماء عند الفيضان ولكنها وبعد عقود إرتفعت ولم يعد يطولها الماء ثم دخلت في صلب المدينة عند طمي الفرع الشرقي للنيل الذي كان يفصلها عن المدينة في حوالي سنة 1280 ميلادية.
أماالجزيرة الثانية التي ظهرت في زمن إنخفاض النيل فقد كانت جزيرة بولاق التي بني عليها حي الجزيرة والزمالك الحديثين. وقد ترك تحول مجرى النهر ناحية الغرب سهلاً واسعاً مليئاً بالمستقعات والبرك حتى مجئ نابليون إلى مصر. وتظهر بعض هذه البرك والتي من أشهرها الأزيكية وبركة الفيل على الخريطة التي أعدتها الحملة الفرنسية للقاهرة.
كانت أرض جزيرة الفيل عندما برزت مليئة بالمستنقعات وقد تم صرف مياهها في منتصف القرن الرابع عشر عندما مد الخليفة الناصر قناة الخليج التي كانت تخرج من السيدة زينب غرباص لتصل إلى ضفة النهر الجديدة. وتعتبر قناة الخليج التي كانت حتى أواخر القرن التاسع عشر مكان الإحتفال السنوي بعيد جبر الخليج أو وفاء النيل من أهم معالم القاهرة القديمة قبل أن تردم وتسوى شارعا هو شارع الخليج (الذي أعيدت تسميته إلى بروسعيد أيام حرب السويس عام 1956). وفي القوت كان للقاهرة قناة ثانية هي قناة الإسماعيلية التي كانت تخرج من النيل قرب فندق هيلتون الحديث حتى تصل قناة الخليج عند غمرة وقد ردمت هذه القناة هي الأخرى وسويت شارعاً هو شارع رمسيس.
وفي أواخر القرن التاسع عشر صرفت الحكومة جهداً كبيراً لإيقاف تحول مجرى النهر إلى الغرب وكذلك لتثبيته وتقوية جسوره. وقد ألقيت ذلك حجارة كبيرة وكثيرة في فرع النهر الذي يجري إلى الغرب (بين جزيرتي الروضة والجيزة) لإرغامه على الجريان في معظمه في فرعه الشرقي كما تمت في القوت نفسه تقوية جسور النيل على طول شارع الجيزة. وقد أدت هذه الجهود إلى تثبيت النهر في مجراه الحالي ووقف تحوله ناحية الغرب. كما أدت إلى تثبيت سهل الفيضان الغربي للنيل الذي تم صرف مياهه ودمه وشق الشوارع والحدائق فيه وعلى هذا السهل تقف الآن أحياء العجوزة والدقي والجيزة.
الدلتا
تتكون دلتا النيل الحديثة من نواة من الرمل والحصى التي تغطيها طبقة رفيعة من طمي النيل ترسبت خلال السبعة إلى الثمانية آلاف سنة الأخيرة وقت الفيضان الذي كان يغمر الأراضي. ويترك ما يحمله من رواسب فوق سطح الدلتا التي كان النهر يتفرع فيها إلى فروع كثيرة كانت تحد كل منها ضفاف واطئة تسمح للمياه بغمر الأراضي التي كان البعض منها يبقى غارقاً لطول العام ليكون مستنقعاً دائماً أو بركة شبه مالحة, كما كان الحال في شمال الدلتا عندما تأثرت بعض أحواض الدلتا الشمالية بمياه البحر التي جاءتها في أوقات إرتفاع منسوب البحر أو إنكسار الضفاف التي كانت تحجزه عنها. وعلى الرغم من ذلك فقد أمكن للإنسان أن يعيش عليها. فبالإضافة إلى ضفاف فروع النهر العالية بالدلتا, كانت بها أماكن عالية أخرى مثل التلال الرملية الكثيرة التي كانت تقف كالجزر فوق منسوب الماء طول العام. ومن الجائز أن تكون هذه الجزر بقايا رواسب نهر ما قبل النيل الرملية التي لم تزلها أنهار النيونيل اللاحقة خلال فترة تعميق مجاريها. ومن الجائز أن يكون بعضها بقايا كثبان رملية قديمة تثبت عبر الزمان.
كانت فروع الدلتا أكثر عدداً خلال معظم التاريخ. فقد كانت هناك بين الفرع البيلوزي الذي كان يقع في أقصى الشرق والفرع الكانوبي الذي كان يقع في أقصى الغرب فروع كثيرة. هذه الفروع وأهم مدن الدلتا في العصور التاريخية. وتظهر الخرائط والمخطوطات القديمة سبعة فروع للنيل طمس منها خمسة, ولم يبق في العصر الحاضر إلا إثنان هما فرعي رشيد ودمياط - ويبدو أن فروع النيل قد تكونت خلال الغترة التي سبقت الإرتفاع الكبير الذي حدث في منسوب سطح البحر حوالي 5000 ق.ه والتي كان فيها سطح البحر واطئاً ومن المؤكد أ، فروع الدلتا كانت موجود خلال عصر ما قبل الأسرات. وقد أصبح عددها خمسة في وقت الرعامة كانت تسمى: النهر الغربي (الكانوبي) نهر الإله بتاح (البولبيتي) والنهر الكبير (السبنيتي), نهر الإله أمون (الفاطمي) ونهر الإله رع (البيلوزي).
وجاء إطماء هذه الفروع في الأوقات التي كان تصرف النيل فيها قليلاً, ففي هذه الأوقات يزيد معدل ترسب الطمي, ويصبح أمر تطهير الترع وفروع النيل صعباً وخاصة في هذه الأوقات العصيبة التي تصاحب سنوات الفيضانات الواطئة ففيها ينهار الوضع الإقتصادي وتتولى حكومات ضعيفة أمور مصر. وسنرى في الجزء الثاني من هذا الكتاب أن الفرع البيلوزي بدأ في الإطماء خلال فترة الفيضانات الشحيحة التي مرت على مصر في الألف سنة الثانية قبل الميلاد. ففي هذا الوقت أطمى النهر عند مصبه وإنفصل عن البحر بعدد من الألسنة الرملية. أما الفرع الكانوبي فقد أطمى حوالي سنة 300 قبل الميلاد بسبب إعادة حفر الفرع البولبيطي (رشيد حالياً). وقد كانت تجئ للدلتا - ومما هو جدير بالذكر أن فرع رشيد يغتصب في الوقت الحاضر وللسبب نفسه أكثر من 70% من المياه التي تصل إلى النهر عند تفرعه إلى الشمال من القاهرة. وفي الحقيقة فإنه دون جهود وزارة الري المصرية فإن القرنين الحادي عشر والثاالث عشر عندما حمل النيل كميات أقل من المياه.
تطور دلتا النيل
تاريخ دلتا النيل معقد ويختلف عن النماذج المعروفة عن دلتاوات الأنهار الأخرى - فالدلتا الحديثة التي نعرفها اليوم ليست إلا واحدة من دلتاوات عديدة تعاقبت على هذا الموقع الفريد فقد كان لكل الأنهار التي سبقت النيل الحديث دلتاواتها والتي إختلفت كل واحدة منها عن الأخرى - وقد رأينا فيما سبق أن الأنهار التي إحتلت مجرى النيل منذ نشأته قد إختلفت عن بعضها البعض من حيث مصادر مياهها أو كمية المياه التي حملتها أو نوع الرواسب التي جاءت بها - ولذلك ليس غريباً أن دلتاوات مختلفة قد تعاقبت على موقع الدلتا الحديثة - وقد إستطعنا من دراسة جسات الأبار العميقة التي دقت بدلتا النيل للبحث عن البترول أن تتصور شكل هذه الدلتاوات المختلفة التي تعاقبت عليها. كانت دلتا فجر النيل أول الدلتاوات التي نشأت بتكوم رواسب هذه النهر الخشنة والتي ترسبت عليها على شكل مروحة في الجزء الشمالي من الدلتا والذي كان يشكل خليجاً بحرياً أمام الجزء الجنوبي من الدلتا الذي كان مرتفعاً وواقفاً كالجرف أمام هذا الخليج الشمالي.
وقد اعقب تكون هذه الدلتا أحداث كثيرة تسببت في ملء خليج الدلتا الشمالي برواسب بحرية فرفعت أرضيته وسوته مع جزئه الجنوبي المرتفع. وعندما جاء نهر النيل القديم (الباليونيل) بعد ذلك ذلك بأكثر من مليون سنة أخذت الدلتا موقعها الحديث وبدأ النهريتفرع عند حد الدلتا الجنوبي الحالي تقريباً - كانت مياه الباليونيل تحمل مواد رفيعة الحبيبات وكانت لذلك أقل كثافة من مياه البحر الذي كانت تصب فيه هذه الروافد مما مكنها من الطفو فوق المياه والإمتداد بداخل البحر - وقد شكلت هذه الإمتدات البحرية لمختلف الروافد النواة التي بنيت حولها دلتا الباليونيل التي كانت تشبه إلى حد كبير الدلتاوات الحديثة لنهري المسيسيبي والنيجر والتي تعرف بإسم "دلتاوات قدم الطير".
ويمضي وقت طويل بعد تكون هذه الدلتا ليأتي نهر ما قبل النيل حاملاً معه رواسب خشنة من الرمال فكانت مياهه لذلك أكثر كثافة من مياه البحر الذي كانت تصب فيه. فكانت رواسب الروافد تترسب على طول جبهته الدلتا دون أن تمتد بداخل البحر وقد تسببت ذلك في أن تكون جبهة الدلتا على شكل قوس منتظم دون بروز في البحر وهو نفس الشكل الذي بقي حتى اليوم.
وقد رأينا فيما سبق أن النيل الحديث لم يكتتب بشئ يذكر في كتلة دلتا ما قبل النيل أو في جبهة تقدمها في البحر, إذ لم يزد جملة ما ترسب على طول جبهة الدلتا من الرواسب التي حملها هذا النهر عن 22 مليون طن كل عام خلال السبعة أو الثمانية آلاف عام الماضية, كما شكلت الرواشب التي سقطت فوق الدلتا قشرة رقيقة فوق كتلة الرمال والحصى التي تمثل ما بقي من دلتا ما قبل النيل القديمة التي كانت عندما ترسبت منذ حوالي 400.000 سنة كبيرة المساحة تمتد داخل البحر وحول جنبات الدلتا الحالية كما كانت أعلى من الدلتا الحالية بخمسة عشر متراً على الأقل.وبعد أن توقف نهر ما قبل النيل الغزير وجاء نهر النيونيل تعرضت هذه الدلتا لفترات طويلة من التحات والهدم التي كانت تتخللها فترات قليلة من البناء والترسيب. وكانت محصلة هذه العميلات إزالة جزء كبير من هذه الدلتا القديمة وبقاء ذلك الجزء الذي أصبح يشكل الآن نواة الدلتا التي غطاها النهر الحديث برواسبه التي تجمعت فوقها خلال السبعة إلى ثمانية آلاف سنة الماضية ويمكن لذلك أن نصف ما يحدث للدلتا في عصرها الحديث بأنه وقفة في عملية الهدم المستمرة التي تعرضت لها الدلتا منذ إستكمال بنائها وقت نهر ما قبل النيل.
تأثير تغير منسوب سطح البحر
كان الجزء الشمالي من الدلتا ولا يزال تحت تأثير البحر الذي إرتفع منسوبه منذ إنحسار ثلوج العصر الجيلدي الخير عندما كان منسوب البحر الحديث بحوالي مائة متر - وقد كانت الدلتا خلال العصر الجليدي الأخير ولمدة طويلة بعد ذلك ممتدة بداخل البحر فقد كان الرصيف البحري الممتد أمامها يشكل جزءاً من أرضها التي لابد أن عاش عليها إنسان آخر العصر الحجري القديم المتأخر وإنسان العصر الحجري الحديث وكان هذا الجزء أكثر إنحداراً من أرض الدلتا (88 سنتيمتراً بدلاً من 27 سنتيمتراً في الكيلومتر). ويظهر شاطئ هذه الدلتا الواسعة عند نهاية العصر الجليدي قلب إنحسار ثلوجه وإرتفاع منسوب البحر.
ولم يأت إرتفاع منسوب البحر منتظماً. فقد صاحب تراجع ثلوج العصر الجليدي الأخير منذ 15.000 سنة إرتفاع مستمر في درجة الحرارة إلا أن هذا الإرتفاع إنعكس في الفترة بين سنة 10.500 وسنة 9.500 قبل الآن ثم عاودت درجة الحرارة إرتفاعها بعد هذه الفترة حتى بلغت أقصى إرتفاع وصلت إليه في سنة 5000 ق.م, عندما بلغ متوسطها أكثر من درجتين مئويتين عن متوسطها في العصر الحديث. وفي هذا الوقت كان منسوب البحر قد إرتفع حتى أصبح أقل من منسوبه الحديث بأربعة أو خمسة أمتار فقط. ومع ذلك فقد غرقت بعض أجزاء الدلتا الشمالية من ناحية الغرب, أما ناحية الشرق فقد ظلت الدلتا مرتفعة فوق البحر, فقد تجمعت فيها رواسب فروع الدلتا التي كانت تأتي في معظمها ناحية الشرق أما مباشرة أو عن طريق التيارات البحرية التي كانت تكسحها إلى الشرق كما تفعل اليوم, فأبقت هذا الجزء من الدلتا فوق منسوب البحر. وقد حدث إرتفاع آخر في سطح البحر حوالي سنة 2000 ق.م, عندما أصبح منسوب البحر أقل من منسوبه الحديث بحوالي متر واحد.
وقد إستمر منسوب البحر في الإرتفاع بعد ذلك حتى إذا ما جاء القرن الأول الميلادي كان البحر قد غمر الجزء الشمالي الشرقي للدلتا لأول مرة - وقد أثبتت الحفائر أن فم الفرع البيلوزي الذي كان يصب في سيناء إلى الشرق من بورسعيد كان يقف إلى الجنوب من شاطئ البحر الحديث بحوالي عشرة كيلومترات في سنة 25 ميلادية. أما فم فرع رشيد فقد كان على بعد أربعة عشر كيلومتراً بداحل الأرض حيث بنيت ميناء بلبوطيس في العصر الروماني والتي تقف أطلالها الآن في هذا الموقع البعيد عن البحر.
وكان هناك إرتفاع آخر في سطح البحر في منتصف الألف سنة الأولى بعد الميلاد والتي أثرت تأثيراً كبيراً على الجزء الشمالي الشرقي من الدلتا فأغرقت جزءاً كبيراً منها - ومن شائع القول أن الجزء الشمالي الشرقي للدلتا كان حتى الفتح العربي مأهولأً وعامراً بالسكان والمدن وأنه تعرض في منتصف القرن السابع الميلادي إلى كارثة أغرقته تحت مياه البحر تحول في إثرها إلى صحراء من الملح. ويبدو أن بحيرة المنزلة قد تكونت في هذه الفترة فقد ذكرت لأول مرة في أعماله المؤرخين العرب في هذه الفترة.
وقد غمرت مناطق شمال الدلتا مياه البحر في فترتي إرتفاع منسوب البحر البارزتين وهي المناطق التي تحتلها الآن بحيرات شمال الدلتا ومستنقعاتها والتي بقيت أحراشاً وبراري حى منتصف القرن العشرين. وفي الحقيقة فقد كان الجزء اكبر من الشمال الغربي للدلتا هامشياً على طول التاريخ, فلا توجد فيه باقيا لسكنى الإنسان إلا منذ العصر الروماني إن لم يكن العصر العربي فقد إختلفت منطقة الشمال الغربي للدلتا من مناطق الدلتا الأخرى لعدم وجود جزر الرمال العالية بها وهي الجزر التي كان يسكن عليها الإنسان في سهول الدلتا المنبسطة والتي كانت تغرق وقت الفيضان.
وبإستثناء هذا الجزء الشمالي فقد كانت الدلتا مسكونة وعامرة منذ عصر ما قبل الأسرات. وقد إستطاعت بعثة جامعة أمستردام الأثرية في موسم 1984-1985 أن تكشف عن باقاي 92 قرية قديمة من مختلف العصور في مساحة لا تزيد على 30كم *30كم في منطقة فاقوس بمحافظة الشرقية. كما كانت مدن بوطو وتل تنس وديوسبوليس والتي تقع في أقصى الشمال عامرة تماماً في أوائل عصر الأسرات إن لم يكن في عصر ما قبل الأسرات. وتقع تل تنس على لسان داخل بحيرة المنزلة ويشكل وجودها على السطح حتى الآن وفي حد ذاته دليلاً قاطعاً على أن الدلتا لم ينلها هبوط كبير منذ عصر ما قبل الأسرات. وقد أثبتت بعثات الآثار العاملة في تل الفراعين (بوطو) أن سكنى إنسان عصر ما قبل الأسرات كانت على منسوب يقل باربعة أمتار من منسوب الأرض الحديث مما يدل على أن هذه المنطقة لم تصلها إلا أربعة أمتار عن رواسب النيل منذ ذلك الوقت- أما في منشأة أبو عمر فقد وجدت قرى عصر ما قبل الأسرات على منسوب سطح البحر الحديث. ويمكن أن يؤخذ هذا على أنه دليل على أن معدل ترسيب النهر كان أقل في الشرق منه في الغرب منذ عصر ما قبل الأسرات.
ومن بين الذبذبات الحديثة لمنسوب البحر إرتفاعه خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر في أعقاب فترة الدفء القصوى وإنخفاضه في أعقاب فترة عصر الجليد الصغير بين القرنين السادس عشر ومنتصف القرن التاسع عشر وفي أعقاب هذه الفترة الأخيرة تراجع البحر عن شواطئ الدلتا فإمتدت داخل البحر حيث توجد بقايا الكثير من القلاع التي بنيت خلال العصر التركي وهي القلاع التي غمرها البحر عندما تقدم داخل البلاد منذ منتصف القرن التاسع عشر وهو التقدم الذي لا يزال مستمراً حتى اليوم.
الفيوم
الفيوم منخفض دائري الشكل يقع في الصخور الجيرية التي تقع إلى الغرب من النيل. وتحيط المنخفض من جميع جوانبه حوائط عالية وتقع أوطى نقطة فيه تحت سطح البحر. وتفصل المنخفض عن وادي النيل تبة من الحجر الجيري يشقها مسيل طبيعي هو مجرى الهوارة الذي كان النهر يركبه ويصل عن طريقه إلى منخفض الفيوم في سابق الزمان فيحوله إلى بحيرة هائلة. وينفرد إقليم الفيوم من بين جميع أقاليم مصر في أن المياه التي تأتيه من النيل لا تصرف في النهر فالبحر الأبيض المتوسط كباقي الأقاليم بل يتم صرفها في بحيرة نصف مالحة تقع بداخل المنخفض على منسوب البحر الحديث بحوالي 45 متراً وهي التي تعرف بإسم بركة قارون - وللفيوم لذلك أوجه شبه مع كلا من واحات الصحراء الغربية التي ليس لها صرف خارجي كأقاليم وادي النيل التي تروى بماء النيل.
وتنفرد الفيوم أيضاً بأن رواسب النيل الحديث تظهر على السطح في الوقتالذي توجد فيه مدفونة تحت السطح في وادي النيل ففي الوقت الذي كان النيل يرسب رواسبه في الوادي طبقة فوق طبقة كان النيل يركب المنخفض ويملأه ويحوله إلى بحيرة كانت تتراكم عند شواطئها الرواسب التي تظهر الآن على إرتفاعات مختلفة حول حوائط المنخفض. وللفيوم أهمية تاريخية خاصة فقد زارها هيرودوت حوالي سنة 450 ق.م. وذكر في كتابه "التاريخ" أنها عبارة عن بحيرة هائلة المساحة حفرها الإنسان قدر محيطها بأكثر من 3600 قامة وعمقها بما يزيد على 50 فرسخها كما ذكر أيضاً أن المياه كانت تنساب إليها من النيل خلال ستة أشهر ثم تنعكس فتذهب منها إلى النيل خلال الستة أشهر الأخرى من السنة وقد أسمى هيرودوت هذه البحيرة الهائلة بحيرة موريس.
وليس هناك من شك في أن بحيرة قارون الحالية هي كل ما بقي من البحيرة التي شغلت المنخفض في ماضي الزمان وقد أخطأ هيرودوت تماماً عندما ظن أن المنخفض قد حفره الإنسان, فكل الأدلة تقطع بما لا يدع أي مجال للشك بأن المنخفض ظاهرة طبيعية ومن المؤكد أنه كان مملوئاً بالماء وعلى شكل بحيرة كبيرة عندما زاره هيرودوت - وقد ساور الكثيرون شك كبير في مقولة هيرودوت من أن البحيرة كانت كبيرة وقت زيارته بعد أن نشر كاتون طومسون وجاردنر أبحاثهما عن آثار ما قبل التاريخ في منطقة الفيوم والتي ذكر فيها أنهما وجدا مستوطنات وأدوات إنسان العصر الحجري القديم المتأخر في رواسب الشواطئ العالية للبحيرات القديمة اليت كانت تملأ المنخفض, وأنهما وجدا مستوطنات وأدوات إنسان العصر الحجري الحديث في الشواطئ الواطئة لبحيرة الفيوم, مما جعلهما يستنتجان أن البحيرة كانت كبيرة ثم إنكمشت وأصبحت صغيرة منذ العصر الحجري الحديث. وقد بقيت على هذا الحال حى زيارة هيرودوت الذي لابد أنه أخطأ عندما أدعى أن البحيرة كانت كبيرة وقت زيارته كما أنه أخطأ عندما قال أن الماء كان ينساب إليها ومنها على مدار العام - على أن الأبحاث الحديثة التي قام بها وندروف وزملاؤه وضحت أن هيرودوت كان على حق عندما قال أن البحيرة كانت كبيرة وعالية عندما رآها, فقد بين وندروف أن الأدوات الحجرية التي وجدتها كاتون طومسون وجاردنر في شواطئ البحيرة المنخفضة هي الأقدم وأن البحيرة كانت منخفضة المنسوب عندما عاش على شواطئها هذا الإنسان القديم, ثم إرتفع منسوبها بعد ذلك وإنتقل الإنسان مع إرتفاعها لكي يعيش على شواطئها. وقد ظلت البحيرة مرتفعة وعالية حتى وقت هيرودوت.
أما عن أصل المنخفض ووقت نشأته والعوامل الطبيعية التي شكلته فهي أمور مثيرة للجدل - فهناك من يظنون أن المنخفض لم يتخذ شكله الحالي إلا منذ وقت قريب قد لا يزيد على المليون سنة ولما كان المنخفض لا يحتوي على رواسب عصر البليوسين فلابد أنه لم يكن موجوداً في ذلك العصر إذ لو كان المنخفض موجوداً لدخلته مياه البحر كما دخلت خانق النيل كما سبق القول ولابد لذلك أن المنخفض قد تكون بعد عصر البليوسين بمدة طويلة. أما عن العوامل التي شكلته فإن إحدث النظريات تقول أ، المنخفض نشأ نتيجة ذوبان الأحجار الجيرية التي تحيط به والتي حفر فيها بأمطار العصور المطيرة التي مرت على مصر في ماضيها القريب - وتوجد بمصر أماكن كثيرة يظهر فيها أثر المياه في أحجار الجير فكثيراً ما تسببت المياه في نشأة كهوف وشقوق كبيرة ولكن أحداً من هذه لا يصل إلى حجم الفيوم أو درجة إستدارته - والحقيقة ن الأحجار الجيرية المحيطة بالفيوم فريدة من حيث تركيبها الكيمائي والطبيعي فهي هشة وتحتوي على كميات كبيرة من الشوائب.
ولا يحتوي المنخفض على رواسب سميكة من طمي النيل. إذ لا يزيد سمك عمود الرواسب النيلية الذي يرسو فوق قاع المنخفض على ثمانية أمتار, كما لا يحتوي المنخفض على أية رواسب من فتات الحوائط المحيطة بالمنخفض مما يؤكد أن المنخفض, لابد وأنه مر بفترة جفاف شديدة قبل أن تصل مياه النيل, وفيها حمل الريح ما يمكن أن يكون قد تجمع من فتات بالقاع خلال العصور المطيرة.
ولابد أن المسيل الذي يصل النيل بمنخفض الفيوم قد تكون كفجوة أنشأتها الأمطار الغزيرة في فترة سابقة شقت طريقها حتى أوصلت بين المنخفض والوادي. وقد دلت الحفائر التي أجرتها المساحة الجيولوجية المصرية على أن هذا المسيل معلق يبلغ منسوب أوطى نقطة فيه 17 متراً تحت سطح البحر أي أنه أعلى من أوطى نقطة في المنخفض بحوالي 28 متراً.
كان أول إتصال للنيل بمنخفض الفيوم في وقت نهر ما قبل النيل الذي إرتفعت مياهه حتى ركبت التبة التي تفصل المنخفض عن الوادي وكونت بالمنخفض بحيرة هائلة وصل منسوبها إلى 43 متراً فوق سطح البحر (أي بحوالي 88 متراً عن أوطى نقطة بقاع المنخفض) - وتقع معظم بقايا رواسب شاطئ هذه البحيرة في الجزء الشمالي الشرقي من المنخفض. وهي خالية من أي أثر للإنسان القديم مما يجعل معرفة عمرها صعباً وإن كان من الممكن ربط هذه الرواسب الشاطئية بنهر ما قبل النيل. وفي مقطع الهوارة الذي يصل المنخفض بوادي النيل توجد رواسب مشابهة لرواسب نه رما قبل النيل في الجزء الأسفل من المجرى ومن الجائز أن يكون تراكمها هو الذي أوقف إتصال نهر ما قبل النيل بالمنخفض ولم يكن هناك إتصال بين النيل والمنخفض في مقت أنهار العصر الحجري المتوسط المتقلب أو وقت أنهار النيونيل. ولم يأت الإتصال إلا وقت النيونيل الحديث حوالي سنة 9000 قبل الميلاد حين دخلت المياه المنخفض لعدة مرات منذ ذلك التاريخ.
وقد تركت البحيرات المتعاقبة التي تكونت بالمنخفض منذ ذلك التاريخ رواسب شواطئها عند الإرتفاع الذي كانت تصله وقد أدت الرداسة المستفيض لهذه الرواسب المتتابعة إلى معرفة تاريخ المنخفض قد إنقطع الإتصال الذي حدث حوالي سنة 9000 ق.م. عندما أطمى مجرى الهوارة الذي يصل المنخفض بالنيل حوالي سنة 8000قبل الميلاد ثم عاد الإتصال بعد خمسمائة عام عندما علت فيضانات النيل حوالي سنة 7500 ق.م. وفي هذه الفترة وصل منسوب البحيرة إلى 18 متراً فوق سطح البحر ثم إنخفض بعدها إلى منسوب 12 متراً ثم عاد للإرتفاع إلى منسوب 23 متراً. وقد إستمرت هذه البحيرة التي تذبذب منسوبها حوالي 1500 سنة حتى سنة 6000 ق.م. وعلى شواطئ هذه البحيرة عاش إنسان العصر الحجري القديم المتأخر أو ما عرف إصطلاحاً بإسم إنسان الفيوم (ب).
وفي سنة 6000 ق.م. إنقطع إتصال المنخفض بالنيل لمدة 800 جف فيها المنخفض تماماً. وفي عام 5200 ق.م. عاد الإتصال مع النيل مرة أخرى وتكونت بحيرة بالمنخفض وصل منسوبها إلى 21 متراً فوق سطح البحر وقد إستمرت هذه البحيرة حوالي 1300 سنة, وعلى شواطئها عاش إنسان العصر الحجري الحديث الذي يعرف بإسم إنسان الفيوم (أ). وحوالي سنة 3900 ق.م. إنقطع إتصال البحيرة بالنيل وإستمر الإنقطاع فترة الفيضانات الواطئة التي إستمرت حتى عام 3000 ق.م. حين عاد الإتصال مرة أخرى وإستمر منذ ذلك التاريخ وإن كان قد إنقطع لفترات قصيرة (حول سنة 2000 وسنة 1200 ق.م.) حتى تم تنظيم ضبط دخول الماء إلى البحيرة إصطناعياً في العصر البطلمي. وسنتحدث بشئ من التفصيل عن تغيرات سطح البحيرة وتاريخها في الجزء الثاني من هذا الكتاب.
المناخ وتطور النهر
وضحنا في هذا الجزء أن نهر النيل قد تغير نظامه وشكله لعدة مرات خلال تاريخه الطويل - ولاشك في أن العوامل الجيولوجية التي أثرت في قشرة الأرض كان لها أكبر الأثر في تحديد مسار النهر وشكله الأخير, إلا أن الكثير من التغيرات التي إعترت النهر كانت تحكمها لدرجة كبيرة أحوال المناخ وتقلباته. فقد حددت هذه التقلبات كمية المطر التي تسقط علىمنابع النهر وبالتالي كمية المياه التي حملها عبر تاريخه.
وتأتي مياه النيل من الهضبة الإستوائية الأفريقية ومن المرتفعات الأثيوبية التي تتساقط عليهما الأمطار عندما تكون الشمس في سمتهما. وتهب الرياح التجارية من الضشمال الشرقي في نصف الكرة الشمالي ومن الجنوب الشرقي في نصفها الجنوبي وهي تهب من منطقة الضغط العالي (التي تقع حول خط عرض 18 شمالاًوجنوباً) إلى المنطقة الإستوائية ذات الضغط المنخفض. ويسمى النطاق الذي تتقابل فيه الرياح التجارية لنصفي الكرة بنطاق التجمع بين المداري Intertropical Convergence Zone(ITCZ(وهو النطاق الذي يسقط فيه المطر - ويتحرك نطاق التجمع بين المداري مع رحلةالشمس السنوية من الشمال إلى الجنوب فالشمال مرة أخرى. وبفضل هذه الحركة السنوية يمر النطاق على المنطقة الإستوائية مرتين في السنة ويكون لهذه لمنطقة لذلك فصلان للأمطار أولهما بين شهري مارس ومايو (فصل المطر الأساسي أو الطويل) الثاني في شهري أكتوبر ونوفمبر (فصل المطر القصير). أما في شمال المنطقة الإستوائية فإن معظم المطر يتركز في فصل واحد: هو الصيف في حالة نصف الكرة الشمالي.
ويتحور هذا النظام بعض الشئ في حالة القارات الكبيرة التي عادة ما تسودها مناطق الضغط العالي في الشتائ والضغط المنخفض في الصيف. وفي حالة القارة الأفريقية فإن الرياح التجارية التي تبدأ في التجمع في منطقة الضغط العالي بجنوب الأطلنطي وخليج غينيا تنجذب في فصل الصيف ناحية منطقة الضغط المنخفض فوق القارة فتأخذ إتجاهاً شرقياً بعد أن تعبر خط الإستواء وتسبب الأمطار الموسمية. وفي الحقيقة فإن أمطار أثيوبيا تنشأ عن هذه الرياح الجنوبية الغربية التي تمر شرقاً فوق القارة حتى إذا ما وصلت إلى المرتفعات الأثيوبية إرتفعت وبردت وأسقطت ما بها من رطوبة فيما بين شهري يوليه وسبتمبر.
ويختلف نظام أمطار المرتفعات الأثيوبية لذلك عن نظام أمطار الهضبة الإستوائية وتأتي مياه النيل الأبيض من الأمطار الإستوائية ذات الفصلين بينما تأتي مياه النيل الأزرق والعطبرة من الأمطار الأثيوبية الموسمية. ويتباين نظام أمطار المنطقتين وتحكمها ظواهر جوية مختلفة. ولا يوجد بين المنطقتين ترابط كبير فكثيراً ما تزداد أمطار الهضبة الإستوائية دون أن تزداد أمطار المرتفعات الأثيوبية والعكس صحيح.
وإلى الشمال من حزام التجمع بين المداري "ITCZ" يقع حزام الصحراء الكبرى الذي يقع شماله حزام البقحر الأبيض المتوسط الذي تتساقط فيه الأمطار في الشتاء ويكون فيه الصيف حاراً وجافاً - ويقع حزام البحر المتوسط تحت تأثير الأعاصير الحاملة للأمطار والبرودة والتي تأتي من خطوط العرض الوسطى على إمتداد جبهة عريضة تعرف بإسم الجبهة القطبية. وتؤثر هذه الجبهة في الوقت الحديث على شمال مصر وجنوب سيناء وسلاسل جبال البحر الأحمر حتى خط عرض 17 شمالاً, فتتساقط الأمطار فيها الأمطار في الشتاء الذي عادة ما يكون دافئاً.
ولذلك يمكن القول بصفة عامة أن أمطار حوض النيل الحديث تتحدد نتيجة موقع نطاقي التجمع بين المداري والجبهة القطبية. ففي الشتاء تتحرك كلتا الجبهتين ناحية الجنوب مما يضع شمال حوض النيل تحت تاثير الجبهة القطبية فتتساقط الأمطار فيه أما جنوب حوض النيل فإن نطاق التجمع بين المداري يبتعد إلى الجنوب مما يقلل من فرصة سقوط الأمطار عليه - وينعكس الحال في الصيف عندما تتحرك الجبهة القطبية إلى الشمال بعيداً عن حوض النيل في الوقت الذي يتحرك فيه نطاق التجمع بين المداري إلى الشمال ناحية الجزء الجنوبي لحوض النيل فتتساقط الأمطار الغزيرة فيه.
المراجع
صفحة المعرفة
التصانيف
أبحاث