حروف المعاني

      حروف المعاني وأقسامها :

 
تعريف الحرف ، وسبب تسميته :
 
تقسيم الحروف من حيث عملها :
 
الحروف العاملة .          الحروف غير العاملة .
 

تقسيم الحروف العاملة إلى :

 
حروف عاملة في الجر . حروف عاملة في النصب .
 
حروف عاملة في الرفع . حروف عاملة في الجزم .
 

تقسيم الحروف من حيث مكانها في الكلام :

 
حروف تأتي قبل الاسم . حروف تأتي قبل الفعل . حروف تأتي قبل الاسم والفعل .
 
 
 
تعريف الحرف ، وسبب تسميته :
 

توطئة :

 
       تعرض أكثر النحويين قديمهم وحديثهم لتعريف الحرف ، كما عرفوا الاسم والفعل ، ولم يلحق تعرفهم لهما خلاف في الرأي ، أما الحرف فلم يكن حظه من توافق الآراء مواتيا كما كان تقسيمه ، بل كان وما يزال محور خلاف النحويين ، ونحن في هذا الكتاب وحسب ما رسمنا لأنفسنا من منهج قررنا ألا نتعرض لخلافات النحويين حول مسألة من المسائل ، بل نأخذ بأيسر الأمور ، وأكثرها توافقا مع جمهور النحويين ، وكنا رأينا في هذا الباب ، ومن أجل زيادة المنفعة أن نتعرض لآراء كل من الفريقين في تعريف الحروف وتحليلها والتعليق عليها ، واستنتاج ما يمكن استنتاجه من هذه الآراء ، والتقريب بين وجهات النظر ، لعلنا نستطيع أن نصل إلى ما يرضي الدارس ، ويقنعه دون أن يبقى موزع الذهن بين موافق ، ومعارض ، فإن أصبت فيما صبوت إليه فذلك من فضل الله ، وإن جانبني الصواب يكون مما دفعتني إليه بصيرتي ، وأطلب العفو من الله ، وأن يهدينا إلى الصواب .
 
      قبل أن نتعرض لآراء النحويين نود أن نعرض جملة من التعريفات المختلفة ذكرها صاحب كتاب إصلاح الخلل الواقع في كتاب الجمل للزجاجي ، ورد عليها .
 
يقول البطليوسي في مسألة عن الحرف ، قال أبو القاسم الزجاجي :
 
      " والحرف ما دل على معنى في غيره ، نحو : من ، وإلى ، وثم ، وما أشبه ذلك " .
 
وقد خطّأ البطليوسي أبا القاسم الزجاجي في هذا التعريف ، لأنه تعريفا ناقصا ، ولا تستقيم صحته حتى يزاد فيه " ولم يكن أحد جزأي الجملة المفيدة " أي : ما لم يكن خبرا ، ولا مخبرا عنه .
 
ثم قال : وعرفه سيبويه بقوله : " ما جاء لمعنى ليس باسم ، ولا فعل " .
 
وعلق البطليوسي على تعريف سيبويه ، بأنه أتم التعريفات فائدة ، ولو يدخله الخلل .
 
وتعرض البطليوسي لجملة من التعريفات ، ورد عليها ، فقال : لقد عرف الأخفش الحرف بقوله : الحرف ما لم يحسن له الفعل ، ولا الصفة ، ولا التثنية ، ولا   الجمع ، ولم يجز أن يتصرف " . ثم علق على هذا التعريف بقوله : إنه خطأ ، لأن الفعل داخل في هذا التحديد ، فمن الأفعال ما لا يتصرف : نعم ، بئس ، وعسى ، وكذلك أسماء الأفعال : صه ، ومه ، وغيرها .
 
وأورد تعريف المبرد للحرف فقال قال أبو العباس المبرد : " الحرف ما كان موصلا الفعل إلى اسم ، أو عاطفا ، أو تابعا لتحدث به معرفة ، أو كان عاملا " .
 
وعلقق عليه البطليوسي بقوله : إنه فاسد أيضا ، لأن الحرف ما تأتى لمعنى الاستفهام ، ولمعنى الاستثناء ، ولمعنى النفي ، ولمعنى القسم ، والتمني ، والنهي ، وغير ذلك . ثم استعرض تعريف أبي إسحاق الزجاج للحرف فقال : قال أبو إسحاق الزجاج :
 
" الحرف ما لم يكن صفة لذاته ، وكان صفة لما تحته " .
 
نحو : مررت برجل فاضل ، ففاضل صفة لذاته .
 
ونحو : مررت برجل في الدار ، فقولك في الدار صفة لما تحته لا لذاته .
 
ورد عليه البطليوسي قائلا : إن أبا إسحق قصد بالصفة المعنوية ، لا اللفظية ، والفعل يشترك مع الحرف في هذا المعنى .
 
فإذا قلت : مررت برجل يضرب زيدا .
 
فـ " يضرب " صفة معنوية ، لا لفظية ، وكذلك الجمل الخبرية تكون صفات  بمعانيها ، لا بألفاظها .
 
ثم استعرض تعريف أبي نصر الفارابي للحرف ، فقال : قال الفارابي في تحديد الحرف : " الأداء لفظ يدل على معنى مفرد لا يمكن أن يفهم بنفسه " .
 
وعلق البطليوسي عليه بقوله : لقد حده دون أن يقرن باسم ، أو كلمة ، وهذا تحديد صحيح ، وشبهه بتعريف سيبويه السابق ، وبتعريفه نفسه (1) .
 
       كانت تلك جملة من التعريفات التي استعرضها البطليوسي في كتابه إصلاح الخلل الواقع في كتاب الجمل للزجاجي ، وتقويمه لها ورده عليها . ومن خلال استعراضنا السريع لما ذكره البطليوسي ، لم نقف فيه على جديد في تعريف الحرف ، أو وضع تعريف معين لما يمكن للنحاة الاتفاق عليه . وخلاصة ما سبق أن البطليوسي صحح ـ لا أكثر ، ولا أقل ـ لبعض النحاة تعريفاتهم التي كان يرها فيها خللا من وجهة نظره لعدم دقة تعبيرها ، ثم أقر بأن أدق التعبيرات في حد الحرف هو ما ذكره سيبويه في كتابه ، ثم ما عرفه به البطليوسي نفسه . وهذا الذي ذكرنا لا يكفي للوقوف على تعريف الحرف تعريفا دقيقا ، لأن فيه من التباين ، والاختلاف ما يضع الدارس في متاهة لا يحسن الخروج منها ، لذلك رأينا أن نستعرض آراء أئمة النحو غير الذين ذكرنا لعلنا نصل إلى جديد ، وبالله التوفيق .  
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
1 ـ راجع كتاب إصلاح الخلل الواقع في الجمل للزجاجي ،
 
لعبد الله بن السيد البطليوسي ص 27  ، 31 بتصرف .
 
 
 

عرض الآراء : ـ

 
      انقسم النحويون في تعريف الحرف إلى فريقين ، فريق يقول بدلالة الحرف على معنى في غيره ، وفريق يقول بدلالته على معنى في نفسه ، كما هو الحال في الاسم ، والفعل ، وسوف نستعرض معا أقوال كل من الفريقين لعلنا نصل إلى جديد .
 

أولا ـ آراء الفريق القائل بدلاله الحرف على معنى في غيره :

 
1 ـ الزمخشري : وهو أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري صاحب كتاب المفصل في علم العربية قال : " الحرف هو ما دل على معنى في غيره ، ومن ثم لم ينفك من اسم ، أو فعل يصحبه إلا في مواضع مخصوصة حذف فيها الفعل واقتصر على الحرف فجرى مجرى النائب " (1) .
 
2 ـ ابن يعش : موفق الدين يعش بن على بن يعش صاحب كتاب شرح المفصل ، لقد تابع ابن يعش الزمخشري في تعريف الحرف ، فقال شارحا معنى قول الزمخشري " وقولنا دلت على معنى في غيرها ـ يعني الكلمة المقصود بها الحرف ـ فصل ميزه ـ أي الحرف ـ من الاسم والفعل ، إذ معنى الاسم ،والفعل في  أنفسهما ، ومعنى الحرف في غيره " (2) . ثم مثل على قوله بكلمة ( الغلام ) بأنه قد فهم منها المعرفة ، ولكن إذا ذكرت كلمة " أل " مفردة لو يفهم منها معنى ، وإذا قرنت بما بعدها من اسم أفادت التعريف فيه ، وهذا معنى دلالتها في غيرها .
 
3 ـ ابن عقيل : بهاء الدين عبد الله بن عقيل صاحب شرح الألفية قال : " وإن لم تدل على معنى في نفسها ـ يعني الكلمة ـ بل في غيرها فهي الحرف " (3) .
 
4 ـ ابن الناظم : أبو عبد الله بدر الدين محمد بن جمال الدين محمد بن مالك صاحب الألفية قال في شرحه على ألفية والده : " هذه الحروف ـ يعني حروف الجر ـ كلها مستوية
 
ـــــــــــــــــ
 
1 ـ المفصل ص 283 .
 
2 ـ شرح المفصل ج8 ، ص2 .
 
3 ـ شرح ابن عقيل ج1 ، ص15 .
 
 
 
في الاختصاص بالأسماء ، والدخول عليها لمعان في غيرها " (1) .
 
5 ـ الحسن بن قاسم المرادي صاحب كتاب الجنى الداني في حروف المعاني قال : " وقد حد الحرف بحدود كثيرة ومن أحسنها قول بعضهم : الحرف كلمة تدل على معنى في غيرها فقط " ثم فسر ذلك بقوله : " إن دلالة الحرف على معناه الإفرادي غير متوقفة على ذكر متعلق ألا ترى أنك إذا قلت " الغلام " فهم منه التعريف ، ولو قلت " أل " مفردة لم يفهم منه معنى ، فإذا قرن بالاسم أفاد التعريف " (2) .
 
6 ـ وممن تابعهم من النحاة المحدثين عباس حسن فقال في كتابه النحو الوافي : " الحروف : من ، في ، على ... إلخ لا تدل كل كلمة من الكلمات السابقة على   معنى ، أي معنى ، مادامت منفردة بنفسها . لكن إذا وضعت في كلام ظهر لها معنى لم يكن من قبل " . ثم قال في مكان آخر : " فالحرف كلمة لا تدل على معنى في نفسها ، وإنما تدل على معنى في غيرها فقط ـ بعد وضعها في جملة ـ دلالة خالية من الزمن " (3) .
 
7 ـ أبن جني : أبو الفتح عثمان بن جني صاحب كتاب اللمع في العربية قال : " والحرف ما لم تحسن فيه علامات الأسماء ، ولا علامات الأفعال ، وإنما جاء لمعنى في غيره " (4) .
 

ثانيا ـ الفريق القائل بدلالة الحرف على معنى في نفسه :

 
1 ـ من الفريق الثاني الذين عرفوا الحرف بأنه يدل على معنى في نفسه محمد بت إبراهيم النحاس الحلبي صاحب كتاب إعراب القرآن ، فقد ورد في كتاب اللامات للدكتور عبد الهادي الفضلي نقلا عن بغية الوعاة ما نصه : " كان محمد بن إبراهيم النحاس الحلبي النحوي يذهب إلى أن الحرف معناه في نفسه على خلاف قول النحاة قاطبة
 
ـــــــــــــــ
 
1 ـ شرح ابن الناظم على الألفية .
 
2 ـ الجنى الداني ص20 ، 22 .
 
3 ـ النحو الوافي ج1 ، ص62 ، 63 .
 
4 ـ اللمع ص 91 .
 
 
 
أن معناه في غيره " ، وقد تابعه في هذا الرأي أبو حيان الأندلسي المتوفى سنة 745 هـ ، قال ابن هشام في شرح اللمحة البدرية : " والثاني دعوى دلالة الحرف على معنى في غيره وهذا وإن كان مشهورا عند النحويين إلا أن الشيخ بهاء الدين أبن النحاس نازعهم في ( التعليقة ) وزعم أنه دال على معنى في نفسه ، وتابعه المؤلف ( ابو حيان ) في شرح التسهيل " (1) .
 
      واستطرد الفضلي قائلا : " وأشار الدكتور هادي نهر في هامشه على اللمحة البدرية إلى دليل ابن النحاس بالتالي : وحجة ابن النحاس في دلالة الحرف على معنى في نفسه هي أنه إذا خوطب بالحرف من لا يفهم موضوعه لغة كان كذلك ، وإن خوطب به من يفهمه فإنه يفهم منه معنى ، عملا بفهمه موضوعَه لغة ، كما إذا خوطب بـ " هل " من يفهم أن موضوعها الاستفهام ، وكذلك سائر الحروف ، قال : والفرق بينه وبين الاسم والفعل أن المعنى المفهوم منه مع غيره أتم من المعنى المفهوم منه في حال الإفراد بخلافهما ، فالمفهوم منهما في التركيب غير المفهوم منهما في الإفراد " (2) .
 
      وبعد أن استعرضنا أقوال الفريقين يمكننا أن ندرك أن الفرق واضح بين الرأيين ، فالفريق الأول ـ ويشمل جل النحويين ـ مجمع على أن معنى الحرف لا يدرك في حالة انفراده ، أي إذا لم يكن الحرف في بناء من أبنية الكلام المفيد ، كأن نذكر حرف الجر " في " ، أو " إلى " دون ارتباطه بكلام لآخر في جملة مفيدة يحسن السكوت عليها ، وإنما يدرك معنى الحرف ، أو يكون له دلالة لغوية عندما يكون في جملة مفيدة ، لأنه يكتسب معناه ، أو يظهر معناه الكامن في ذاته من خلال تلاحمه مع مفردات الجملة المساندة له ، وهذا معنى قولهم "في غيره " ، فالضمير في غيره عائد إلى الألفاظ ، بمعنى أن الحرف لا يظهر معناه إلا من خلال انضمامه إلى ألفاظ أخرى ،
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
1 ، 2 ـ اللامات للدكتور عبد الهدى الفضلي ص 56
 
نقلا عن شرح اللمحة البدرية ج1 ، ص214 .          
 
 
 
فكلمة " في " مثلا لا يظهر معناها إلا إذا انضمت إلى كلمات أخرى ، كأن تقول : في الإبريق ماء .
 
فمعنى الظرفية الذي تدل عليه " في " لم يظهر إلا من خلال انضمامها إلى كلمة " ماء " ، و كلمة " الإبريق " . وشأن الحرف في ظهور معناه في هذه الحالة ، كشأن المبتدأ والخبر ، فكل منهما متمم الفائدة للآخر ، أي لا يتم معنى المبتدأ باعتباره مبتدأ إلا حيث وجد معه الخبر ، وكذلك الحال بالنسبة للحرف ، فمعناه لا يظهر إلا حيث كان معه كلام آخر يوضح دلالته .
 
       أما رأي الفريق الثاني وقد قال به قلة من النحاة ندرك منه أن دلالة الحرف عندهم لا تحتاج إلى مساعد ، أو بتعبير أوضح لا يحتاج إلى بناء لغوي يلتحم معه حتى تظهر دلالته ، وإنما تظهر دلالته في نفسه ، أي منفردا ، كما تظهر حين ارتباطه بكلام آخر ، وهذا ما قصده أصحاب هذا الرأي من عبارة " في نفسه " ، أي أن الحرف يدل على معناه منفردا ، أو ضمن جملة مفيدة ، كما تدل الأسماء ، والأفعال على معناها منفردة ، أو ضمن جملة ، ومثال ذلك إذا قلنا " تحت " فإنها تدل على معنى في حالة انفرادها ، كما تدل على نفس المعنى في حالة تركيبها في جملة ، كقولنا " جلست تحت الشجرة " فدلالة " تحت " وهي اسم منفرد على معنى التحتية كدلالتها على نفس المعنى وهي في بناء لغوي مفيد ، وكذلك إذا قلنا " على " وهو حرف جر يدل على معنى العلو منفردا ، كما يدل على نفس المعنى عندما يكون في جملة مفيدة ، كأن نقول : " الكتاب على المكتب " ، أو " العصفور على الغصن "
 
      وخلاصة القول أن المقصود من دلالة العبارة التي قال بها أصحاب الرأي الثاني " في نفسه " هو أن الحرف يدل على معنى سواء أكان منفردا ، أم في تركيب من تراكيب الكلام المكون لجملة مفيدة .
 
      وفي رأيي المتواضع أن الحرف وإن لم يدل دلالة واضحة على معناه في حالة انفراده ، كما هو الحال في قسيميه من تقسيم الكلمة " الاسم ، والفعل " إلا أنه يحمل في نفسه دلالة ولو خفية يلمحها من تفهم موضوعه لغة ، وأعني بذلك من كان ذا نظر ثاقب ، وفاحص في دراسة النحو ، ولديه إدراك واع لسبر أغوار الحرف ، والوقوف على معناه الخفي ، ولم يكن هذا الأمر مقصورا على الحرف وحده من تقسيم الكلمة ، بل هو أيضا في الاسم والفعل ، وإن كان الأخيران أوضح معنى في حال انفرادهما .
 
    والحرف من وجهة نظري كحجر غير مستو موضوع مع حجارة أخري  مستوية ، فهو لا يظهر نفعه في نظر الإنسان العادي ، أما في نظر صاحب  الصناعة ، وأعني " البناء " الذي يبني الجدار ، فهو ذو نفع منفردا ، وغير منفرد كغيره من بقية الحجارة المستوية ، وإن كان نفعها يظهر واضحا في نظر الجميع ، فنفعه يكون أكثر وضوحا عندما يشيد به بناء متكامل مع بقية الحجارة المستوية الأخرى . فإذا عوضنا في تمثيلنا السابق عن الحجر غير المستوي بالحرف ، وعن الحجارة المستوية بالاسم ، أو الفعل ، أو بهما معا فإننا نلحظ المعنى المراد من ذلك التمثيل . فالحرف يصدق عليه ما يصدق على ذلك الحجر غير المستوي ، فهو قليل النفع ، أو لا قيمة لغوية له منفردا ، أو لا يكون واضح الدلالة إذا لم يكن في بناء لغوي مفيد ، وهو مع ذلك يحتفظ في نفسه بمعنى يلمحه المشتغل بصناعة اللغة ، والأمر نفسه يكون في الاسم والفعل ، وإن كانت دلالة كل منهما الإفرادية ، والقيمة اللغوية لهما أكثر وضوحا ، وأجلى رؤية من الحرف ، ولكن إذا ما وضع كل منهما في بنية الجملة كان المعنى أظهر ، وأبين ، والقيمة اللغوية حاصلة .
 
      ويمكننا أن نوضح ما ذهبنا إليه آنفا بالتمثيل العملي على النحو التالي :
 
فإذا قلت " في " ، أو " إلى " ، أو " من " فهي أحرف جر قد لا يظهر معنى كل منها منفردا لغير المتخصص في دراسة النحو ، أو لمن لا يستوعب موضوعها في اللغة ، بينما يظهر معناها منفردة ولو بصورة ضئيلة يلمحها من هو على فهم بموضوعها لغة ، فحرف الجر " في " لا بد وأن يوحي إلى المخاطب به ، أو الدارس بصفة عامة معنى معين يستوحى منه أن هذا الحرف هو أحد أحرف الجر ، وقد تكون الرؤية في ذهنه أوضح عندما يعرف أنه أيضا يدل على الظرفية ، ولكن متى وضع هذا الحرف " في " ، أو غيره من الحروف الأخرى في جمل مفيدة يبرز معناه الذي كان يلمح لمحا ، ويكون واضحا جليا للمتخصص ، بل وربما لغير الدارس المتخصص ، ويدرك أن معنى " في " يفيد الظرفية المكانية إلى جانب الربط بين جزئي الكلام الذي يشكل معه الجملة المفيدة ، كأن نقول مثلا " الكتاب في الحقيبة " ، فلو نزعنا حرف الجر من بين جزئي الجملة ، وهو الكتاب من جانب ، والحقيبة من جانب آخر لصبح معنى كل من الاسمين لا يفيد معنى يحسن السكوت عليه ، وإن كان لكل منهما معناه الانفرادي في نفسه ، وهو معنى أوضح من ذلك المعنى الذي يحمله حرف الجر " في " ، ولكن متى وضعت الألفاظ الثلاث في تركيب واحد وثق الحرف عرى المعاني الظاهرة والخفية في كل من الاسمين من ناحية ، وفي نفسه من ناحية أخرى ، ولو كان الأمر غير ذلك لكان بإمكان الاستغناء عن الحرف كلية وهذا لا يصح . وما قلته في الحرف أقوله أيضا في الاسم والفعل ، وإن كان المعنى الانفرادي لكل منهما أكثر وضوحا من معنى الحرف ، وإذا ما وضع كل منهما في جملة مفيدة كانا أكثر وضوحا ، وأشد التصاقا لإظهار المعنى العام الذي يراد منهما.
 
     ولا يخفى علينا أن هناك بعض التراكيب اللغوية التي تدل دلالة أكيدة على أن الحرف قد يفيد دلالة انفرادية أي : " في نفسه " ، وإن كانت هذه الدلالة غي جلية كما هو الحال في الاسم ، والفعل ، ولكنها مع ذلك دلالة توحي ولو من بعيد بأن الحرف لا يخلو من معنى في نفسه ، ومن هذه التراكيب قولهم : " رغبت في " فحرف الجر " في " في التركيب السابق هو الذي حدد المعنى المطلوب ، وهو الرغبة في الشيء ، وكذلك الحال إذا قلنا : " رغبت عن " فالحرف " عن " هو الذي حدد معنى عدم الرغبة ، والله أعلم .
 
     وهناك نقطة أخيرة سنعرج عليها بالحديث عن الحرف ، وهي تسمية الحرف حرفا ، وما حول هذه التسمية من خلاف أيضا .
 
      ذكر بعض النحويين إنما سمي الحرف كذلك لأنه طرف في الكلام ، وفضلة ، وهو يعني في اللغة طرف كل شيء وشفيره وحدُّه (1) . فقالوا حرف الجبل أي حدّه وهو أعلاه المحدد . وقال البعض : سمي كذلك لنه يأتي على وجه واحد . والحرف لغة هو الوجه الواحد ، ومنه قوله تعالى : { ومن الناس من يعبد الله على حرف }2 .
 
أي : يعبده على السراء ، فإذا نزلت به الضراء انقلب ، وانقطع عن العبادة ، فكانت عبادته لله على غير تمكن ، وطمأنينة ، ويبدو أن الحرف سمي حرفا لأنه طرف في الكلام ، كما أوضحنا ، وأما قوله تعالى : { ومن الناس من يعبد الله على حرف } ، فهو راجع إلى هذا المعنى ، لأن الشاك كأنه على طرف من الاعتقاد وناحية منه (3) .
 
 
 

ثانيا ـ تقسيم الأحرف من حيث عملها :

 
      تنقسم الحروف من حيث الإعمال ، والإهمال إلى قسمين : ـ
 
1 ـ أحرف عاملة : وهي الحروف التي إذا دخلت على الاسم ، أو الفعل أثرت في إعرابه ، وغيرته من حالة إعرابية إلى حالة أخرى مغايرة لما كان عليه الاسم ، أو الفعل قبل دخول الحرف عليه ، فإذا دخل حرف الجر على الاسم عمل فيه الجر ، كأن نقول : الطلاب في الفصول ، فكلمة الفصول أصبحت مجرورة بفعل حرف الجر " في " وعمله ، وكذلك إذا دخل حرف النصب " لن " على الفعل ، كأن نقول : لن أقول غير الحقيقة . نجد أن الفعل " أقول " قد تغير شكل أخره بفعل حرف النصب فيه ، فقد عمل فيه النصب ، وهكذا بقية الحروف العاملة ، فهي تنزل بما بعدها من الأسماء ، والأفعال الرفع ، أو النصب ، أو الجزم ، أو الجر ، وسنبين ذلك مفصلا في موضعه إن شاء الله .
 
ـــــــــــــــــــ
 
1 ـ القاموس المحيط ج3 ، ص 126 .
 
2 ـ 11 الحج .
 
3 ـ الجنى الداني للمرادي ص 24 ، 25 .
 
 
 
2 ـ حروف غير عامله : وهي الأحرف التي إذا سبقت الاسم ، أو الفعل لا تعمل فيه ، ولا تؤثر عليه إعرابيا ، كحروف النداء قبل الاسم ، وحروف الاستفتاح ، والسين ، وسوف ، وقد قبل الفعل ، وغيرها من بقية الحروف غير العاملة ، والتي سنذكرها مفصلة في موضعها . وقد حصر النحاة الحروف العاملة ، وغير العاملة في عدد معين ، وإن كان هذا العدد قل عند البعض ، وزاد عند البعض الآخر بسبب إدخال بعض الحروف في مواضع مختلفة عند بعض النحاة ، وحذفها ، أو عدم العمل بها عند آخرين ، وقد تتبعت هذه الحروف في جل كتب النحو ، واستطعت الوقوف على ستة وتسعين حرفا عاملة ، وغير عاملة .
 
 
 

أقسام الحروف العاملة : ـ

 
      تنقسم الحروف العاملة إلى أربعة أقسام :
 
أولا ـ حروف تعمل الجر ، ويتراوح عددها ما بين سبعة عشر حرفا في المفصل للزمخشري ، وبين العشرين في الأشموني ، وشرح ابن عقيل ، والثلاثة وعشرين حرفا في رصف المباني ، وإليكها كما ذكرها الزمخشري :
 
الباء ، التاء ، اللام ، الكاف ، الواو ، من ، عن ، في ، مذ ، إلى ، على ، حتى ، منذ ، حاشا ، خلا ، عدا . وقد أضاف عليها الأشموني ، وابن مالك : كي ، لعل ، متى .
 
وأضاف عليها المالقي : مُن بضم الميم ، ومعْ الساكنة العين ، ولولا .
 
فالحروف التي ذكرها الزمخشري لا حاجة لنا في الحديث عنها لأنها مفصلة في باب المجرورات ، أما زيادة " كي ، لعل ، متى " عند ابن عقيل والأشموني فسنفصل الحديث فيها الآن .
 
 
 
1 ـ كي :
 
      إن منشأ الخلاف حول اعتبار " كي " حرفا من حروف الجر أو عدمه يرجع إلى أن " كي " لها استعمالات أخرى غير الجر وهي :
 
أ ـ تأني حرفا مصدريا ونصب بمعنى " أن " ، وغلب ورودها مع اللام لفظا نحو : نحو : ادرس لكي تنجح . أو تقديرا ، نحو : ادرس كي تنجح .
 
124 ـ ومنه قوله تعالى : { لكي لا يكون على المؤمنين حرج }1 .
 
فهي ناصبة للفعل بنفسها لاقترانها بلام التعليل ، وإذا لم تتصل باللام يجوز فيها أن تنصب بنفسها ، أو بأن المصدرية المقدرة .
 
125 ـ كقوله تعالى : { فرددناه إلى أمه كي تقر عينها }2 .
 
ومتى سبقت " كي " بلام التعليل الجارة كانت حرفا ناصبا ليس غير ، والمصدر المؤول منها ومن الفعل يعرب في محل جر بلام التعليل .
 
كقوله تعالى : { لكي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم }3 .
 
وإذا لم تتصل باللام فيجوز فيها أن تكون تعليلية جارة للمصدر المؤول من " أن " المضمرة وجوبا ، والفعل المضارع بعدها (4) .
 
نحو : عاقبت المهمل كي يعمل الواجب .
 
ب ـ تأتي حرفا للتعليل ، ولا تجر إلا " ما " المصدرية والفعل بعدها مرفوع .
 
38 ـ كقول عبد الأعلى بن عبد الله :
 
       إذا أنت لم تنفع فضر فإنما     يرجى الفتى كيما يضر وينفع
 
وكذلك إذا جاء بعدها " ما " الاستفهامية .
 
نحو : كيم فعلت ذلك ؟ أي : لم فعلت ذلك ؟
 
وفي رأيي من هذا التصور لمفهوم " كي " اختلف النحاة في اعتبارها حرفا للجر ، أو عدم اعتبارها ، لأنها لم تتخصص للجر كغيرها من حروف الجر ، أو لغرابة  الجر بها ، فهي لا تجر كما ذكرنا إلا " ما " المصدرية ، أو " ما " الاستفهامية ، أو المصدر المؤول من " أن " والفعل المضارع .
 
ـــــــــــــــــــــــــــ
 
1 ـ 37 الأحزاب . 2 ـ 13 القصص .
 
3 ـ 17 الحشر .
 
4 ـ انظر كتابنا المستقصى في معاني الأدوات النحوية وإعرابها ج1 ، ص 255 .
 
 
 
2 ـ لعل :
 
      إن المتداول في الاستعمال بين النحاة ، أن تكون لعل حرفا مشبها بالفعل من أخوات إن ، يفيد الترجي ، وهو الأمر المحبوب . نحو : لعل الله يرحمنا .
 
كما تفيد الإشفاق ، والتعليل .
 
126 ـ نحو قوله تعالى : { فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى }1 .
 
أو الاستفهام . نحو قوله تعالى : { لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا }2 .
 
أما استعمالها كحرف من حروف الجر فهذا هو المستهجن لأنها لا تكون كذلك إلا في لغة عقيل ، وما استخدم في لغات بعض القبائل لا يطبق كقاعدة عامة .
 
ومن أمثلة استعمالها حرف جر في لغة عقيل قول الشاعر * :
 
       لعل الله فضلكم علينا     بشيء أن أمّكم شرِيم
 
ومنه قول كعب بن سعد الغنوي :
 
      " لعل أبي المغوار منك قريب "
 
والشاهد في البيتين السابقين قوله : لعل الله ، ولعل أبي ، فلعل حرف ترج وجر شبيه بالزائد ، وجر بها لفظ الجلالة ، ولفظ أبي على لغة عقيل .
 
    ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هل كون " لعل " وردت في البيتين السابقين ، أو في غيرهما على قلة ، وفي لغة بعض القبائل ، وربما ورد ذلك خطا من القائلين ، أو ممن نقل عنهما ، هل تعتبر لعل حرفا من حروف الجر ؟ سأترك الأجابة للدارس يحكم العقل ، والمنطق ، ويقرر .
 
 
 
3 ـ متى :
 
     الجر بها لغة هذيل ، وقد عدها النحاة بمعنى " من " ، أو " في " .
 
يقولون : أخرجها متى كمه ، والمعنى : من كمه .
 
ومنه قول عمرو بن كلثوم :
 
       أخيل برقا متى حاب له زجل    إذا يفتر من توماضه حلجا
 
ــــــــــــــــ
 
1 ـ 44 طه . 2 ـ 1 الطلاق .
 
 
 
39 ـ ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي :
 
      شربن بماء البحر ثم ترفعت     متى لجج خضر لهن نئيج
 
الشاهد في البيتين قولهما : متى حاب ، ومتى لجج . حيث جُرت حاب ، ولجج بـ " متى " في لغة هذيل . وفي رأيي أن هذه لهجات لا يعتد بها .
 
أما ما زاده المالقي من حروف جارة فهو : مُن ، ومعْ ، ولولا .
 
1 ـ مُن :
 
      حرف جر للقسم ، ولا تدخل إلا على كلمة " الرَّب " ، ويجوز في نونها الإظهار ، والإدغام مع راء " رب " ، ويعلق صاحب رصف المباني عليها بقوله :  " والأظهر عندي أن تكون اسما مقتطعا من " ايمُن " التي هي اليمن عند سيبويه رحمه الله ، وجمع " يمين " عند الفراء ، إذ قالوا : ايمن الله لأفعلن ، وقد استدل المالقي على ما ذكر بوجهين :
 
أحدهما : أن معنى " من ربي " ، و " ايمن الله " واحد ، وليست حرف جر لأنها لو كانت حرف جر لأوصلت ما بعدها إلى ما قبلها ، ولا يستقيم هنا أيضا لها لفساد المعنى .
 
والثاني : أنّا وجدنا " ايمن " يحذف منها النون فيقال " ايم الله " والألف والياء والنون فيقال : " مَ الله " بالفتح والضم والكسر ، ولا يبعد أن تحذف ألفها وباؤها فتبقى
 
" مُن " فيكون هذا الحذف من التصرف فيها به ، كما تصرِّف فيها بغيره من   الحذف ، إلا أنها لما لزمت الرفع بالابتداء في القسم لا غير ، واتصلت بالمقسم به اجتمعت ضمة ميمها مع ضمة نونها ، مع حركة ما بعدها فجرت مجرى " طُنُب " ، و " عُنُق " فخففت بالسكون فقيل " طُنْب " ، و " عُنْق " ، ولذلك جاز إظهار نونها مع الراء دلالة على أصل التحريك (1) .
 
ونخلص من كلام المالقي أن " مُن " تكون اسما ، ولا تكون حرفا استنادا لما دلل به ،
 
ــــــــــــــــ
 
1 ـ رصف المباني ص 391 ، 392 .
 
 
 
ناهيك ‘ن إهمال النحاة لها كحرف من حروف الجر ، وعدم ذكرها البتة .
 
2 ـ معْ :
 
ومن الحروف التي ذكرها المالقي ضمن حروف الجر " معْ " بتسكين العين ، فقال : " أعلم أن " مع " تكون ساكنة العين ، وتكون متحركتها ، فإذا كانت متحركتها فهي اسم مضاف إلى ما بعدها منصوب على الظرفية ، وتنون فيقال : معا .
 
فمثال مجيئها اسما 127 ـ قوله تعالى : { إن مع العسر يسرا }1 . 
 
ومنه قوله تعالى : { قال كلا إن معي ربي سيهدين }2 .
 
ومثال مجيئها منونة غير مضافة قولنا : جاء الرجلان معا ، وهي حينئذ حال منصوبة .
 
ومنه قول امرئ القيس :
 
       مكر مفر مقبل مدبر معا     كجلمود صخر حطه السيل من عل
 
40 ـ ومنه قول الصمة القشيري :
 
      حننت إلى ريا ونفسك باعدت    مزارك من ريا وشعباكما معا
 
وإذا سكنت عينها فهي غذ ذاك حرف جر معناه المصاحبة ، والعامل فيها فعل وما جرى مجراه كسائر حروف الجر ، ولا يحكم فيها بحذف ، ولا وزن ، ولا يسأل عن بنائها لثبوت الحرفية فيها " (3) .
 
ومن الأمثلة على حرفيتها قول الراعي النميري كما ورد في كتاب سيبويه ، وهو 41 ـ لجرير في ديوانه :
 
      فريشي منكم وهواي معْكم    وإن كانت زيارتكم لماما
 
الشاهد في البيت قوله : معْكم ، فهي جار ومجرور متعلقان بمحذوف في محل رفع خبر لـ " هواي " ، والتقدير : هواي كائن معكم .
 
ــــــــــــــــ
 
1 ـ  6 الشرح . 2 ـ 62 الشعراء .
 
3 ـ رصف المباني ص 394 .
 
 
 
ولا يخفى ما في ذلك من توهم لأن " مع " ظرف يفيد المصاحبة ، وقبل بدخول حرف الجر عليه ، وينون ، ولكن ربما يكون لمن قال بحرفيته العذر على اعتبار تسكين حرف العين ، فيكون التسكين قد أخرج الكلمة من الظرفية إلى الحرفية .
 
3 ـ لولا :
 
      عد كثير من النحويين " لولا " ضمن حروف الجر ، إذا اتصل بها الضمير ، سواء أكان مخاطبا ، نحو : لولاك ، أم غائبا ، نحو : لولاه ، أم متكلما ، نحو : لولاي ، ومن ذهب من النحاة هذا المذهب : سيبويه ، وأصحابه ، فقال : " لولاك ، ولولاي ، إذا أضمرت الاسم فيه جُرَّ " (1) .
 
ويعني بقوله هذا : أن لولا إذا اتصل بها الضمير تكون حرف جر ، والضمير في محل جر بها ،
 
42 ـ  كقول رؤبة :
 
      وكم موطن لولاي طحت كما هوى      بأجرامه من قلة النبق منهوي
 
الشاهد : لولاي ، حيث جر الضمير بـ " لولا " ، وهي من حروف الابتداء بدليل أن تلاها ضمير ظاهر منفصل ، وما بعدها يكون مرفوعا على الابتداء ، وخبره واجب الحذف ، نحو : لولا أنت لفعلت كذا .
 
فلولا : حرف امتناع لوجود " امتناع الجواب لوجود الشرط ، والضمير الظاهر المنفصل في محل رفع مبتدأ ، والخبر محذوف تقديره : موجود .
 
ومن النحاة من يميل إلى ما قاله الأخفش ، وبعض الكوفيين : بأن " لولا " تيقى على عملها وهو : الرفع إذا تلاها ضمير مظهر ، نحو لولاك ، ولولاي ، ولولاه .
 
واستدل على صحة رأيه من وجهين :
 
1 ـ أن مجيء لولا حرف جر يعني ذلك دخول حرفين على معمول واحد ، ويقصد بالحرفين " لو " ، و " لا " لأن لولا مركبة منهما ، وهذا غير موجود في كلام العرب .
 
2 ـ إذا جعلنا " لولا " حرف جر فإنها تحتاج إلى ما تتعلق به ، لأنها ليست زائدة ،
 
ــــــــــــــ
 
1 ـ كتاب سيبوبه ج2 ، ص 373 .
 
 
 
كالباء في بحسبك ، وليس في الكلام ما تتعلق به ، ولا تُقَدر متعلقة به ، ناهيك عن كونها تأتي في أول الكلام ، ولا تحتاج إلى كلام قبلها ، وتكون جوابا له ، وهذا كله معدوم في حرف الجر ، والحكم عليها بأنها حرف خفض ضعيف ، والأولى أن يحكم عليها بالبقاء على كونها حرف ابتداء عند من يرى ذلك (1) .
 
 
 
ثانيا ـ حروف تعمل النصب في الأسماء ، وحروف تعمل النصب في الأفعال :
 
      النوع الأول ويشمل : إنَّ ، أنَّ ، إنْ ، أنْ ، كأنَّ ، لكنَّ ، ليت ، لعل ، ولا النافية للجنس ، " وغنَّ " عند بعض النحاة وسنفصل القول عنها في موضعه .
 
     النوع الثاني ويشمل : أنْ المصدرية ، لن ، إذن ، كيما ، كي ، فاء السببية ، واو المعية ، لام الجحود ، لام التعليل ، حتى ، وحتى ، وذلك عند من عمل بالحروف السابقة دون إضمار " أن " المصدرية .
 
     لقد تعرضنا  لنواصب الأسماء مفصلا في بابها ، إلا " غَنَّ " ، وقد جعلها صاحب رصف المباني نظير " لعل " ، و " أنَّ " حيث نصب بها الاسم ، ورفع بها الخبر ، واستشهد على قوله هذا بقول : أبي النجم العجلي نقلا عن أبي القالي في أماليه
 
        " وأغدُ لغَنَّا في الرهان نرسله " (2) .
 
غير أن الرواية التي أوردها المالقي غير صحيحة فقد وردت في العقد الفريد " لعَنَّا " بالعين ، وليس بالغين من قصيدة  :
 
لأبي النجم العجلي طويلة ، ومطلعها (3) :
 
         ثم سمعنا برهان نأمله         قِيد له من كل أفق نرسله
 
        فقلت للسائس قدْه اعجله     واغدُ لعَنَّا في الرهان نرسله
 
ـــــــــــــــــــ
 
1 ـ كتاب سيبوبه ج2 ، ص 373 .
 
2 ـ رصف المباني ص 438 .
 
3 ـ العقد الفريد لبن عبد ربه ج1 ، ص 172 .
 
 
 
أما الحروف التي تعمل النصب في الأفعال فقد ذكرنا أيضا مفصلة في بابها ولا حاجة لإعادتها .
 
ثالثا ـ حروف تعمل الرفع في الأسماء ، وهي : ما ، ولا ، ولات ، وإن المشبهات بليس ، وقد وردت تلك الحروف في بابها .
 
رابعا ـ حروف تعمل الجزم في الأفعال وهي : لم ، لمّا ، إنْ ، إذما ، لا الناهية ، وقد ذكرنا : لم ، ولما ، ولا الناهية في باب الحروف الجازمة للفعل المضارع .
 
وإن ، وإذما في باب أدوات الشرط الجازمة لفعلين فتبين ذلك رعاك الله .
 
2 ـ الحروف غير العاملة :
 
         هي الحروف التي إذا سبقت الاسم ، أو الفعل لا تعمل فيه كما ذكرنا ذلك في موضعه ، ومنها ما لا يسبق الاسم ، ولا الفعل ، وتسمى الحروف الجوابية ، وإليك الحروف غير العاملة برمتها :
 
الألف ، الهمزة ، الميم ، النون ، الفاء ، السين ، الهاء ، الياء ، أجل ، إذا الفجائية ، أل ، ألا ، ألاّ ، إلاّ ، أم ، أما ، أمّا ، إمّا ، أو ، أيّ ، إي ، أيا ، إيّا ، بجل ، بل ، بلى ، ثم ، جلل، جير ، إذ ، كلاّ ، لكنْ ، لو ، لوما ، نعم ، قد ، سوف ، ها ، هيا ، هل ، هلاّ ، وا ، وي ، يا .
 
 
 
تقسيم الأحرف من حيث مكانها في الكلام :
 
تنقسم جميع الحروف عاملة ، وغير عاملة من حيث مكانها في الكلام إلى ثلاثة أقسام :
 
1 ـ حروف تأتي قبل الاسم .
 
2 ـ حروف تأتي قبل الفعل .
 
3 ـ حروف تأتي قبل الاسم ، والفعل .
 
 
 
أولا ـ الحروف التي تأتي قبل الاسم :
 
1 ـ حروف الجر : وهي حروف عاملة الجر في الاسم .
 
2 ـ حرف الاستثناء : إلا ، وهو حرف عامل النصب في الاسم ، وذكر في بابه .
 
3 ـ حروف النفي : وهي تعمل النفي في الاسم ، ويكون بعدها مرفوعا ، وذكرت في بابها .
 
4 ـ الحروف المشبهة بالفعل " إن وأخواتها " ، ولا النافية للجنس ، وكلها تعمل النصب في الاسم ، وقد ذكر كل منهما في بابه .
 
5 ـ حروف النداء ، وهي حروف غير عاملة ، وذكرت في باب النداء .
 
6 ـ واو المعية ، وفي عملها خلاف بين النحاة ، راجع ذلك في باب المفعول معه .
 
7 ـ حرفا المفاجأة : إذا ، وإذ ، وهما غير عاملين .
 
نحو : خرجت فإذا رجل بالباب . الاسم بعدها مبتدأ ، وخبره واجب الحذف .
 
ونحو : علمت أن صديقي قد شفي إذ هو مريض . ما بعدها مبتدأ وخبر .
 
 
 
8 ـ حرفا التفصيل : أمّا ، وإمّا ، وهما غير عاملين .
 
أ ـ أمّا : وتأتي :
 
1 ـ حرف شرط غير جازم تلازم الفاء جوابها كثيرا .
 
128 ـ نحو قوله تعالى : { فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم }1 .
 
2 ـ حرف تفصيل وجوابه مقترن بالفاء وجوبا .
 
129 ـ نحو قوله تعالى : { فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر }2 .
 
3 ـ وتأتي حرف توكيد ، 43 ـ كقول الشاعر :
 
         أما أنا فكما علمت      فهل لوصلك من مقام
 
تنبيه : يلاحظ أن " أمّا " التفصيلية يشتبه بها لفظان آخران هما :
 
ــــــــــــــــ
 
1 ـ 36 البقرة . 2 ـ 9 ، 10 الضحى .
 
 
 
أ ـ أحدهما مركب من " أم " المنقطعة ، و " ما " الاستفهامية .
 
130 ـ نحو قوله تعالى : { أمّا ذا كنتم تعلمون }1 .
 
ب ـ والثاني مركب من " أن " المصدرية ، و " ما " التي هي عوض من " كان " (2) .
 
44 ـ  كقول العباس بن مرداس :
 
         أبا خراشة أمّا أنت ذا نفر     فإن قومي لم تأكلهم الضبع
 
2 ـ إمّا : وتأتي :
 
أ ـ حرف تفصيل .
 
131 ـ كقوله تعالى : { إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا }3 .
 
ومنه قول الشاعر :
 
        سأحمل نفسي على آلة     فإما عليها وإما لها
 
ب ـ حرفا للإباحة ، نحو : زرنا إما اليوم وإما غدا .
 
ج ـ حرفا للشك ، نحو : خرج من المسجد إما محمد وإما محمود .
 
د ـ حرفا للإبهام .
 
132 ـ كقوله تعالى : { وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم }4
 
هـ ـ حرفا للتخيير .
 
133 ـ كقوله تعالى : { إما أن تلقي وإما أن نكون أول الملقين }5 .
 
ح ـ وتأتي مركبة من " إن " الشرطية ، و " ما " الزائدة .
 
134 ـ نحو قوله تعالى : { إما تخافن من قوم خيانة فانبِذ إليهم }6 .
 
ــــــــــــــــــــــــ
 
1 ـ 84 النمل .
 
 2 ـ راجع كتابنا المستقصى في معاني الأدوات النحوية وإعرابها ج ، ص 
 
3 ـ 3 الإنسان . 4 ـ 106 التوبة .
 
5 ـ 65 طه . 6 ـ 58 الأنفال .
 
 
 
45 ـ ومنه قول الشاعر :
 
       أيا راكبا إما عرضت فبلغن      نداماي من نجران أن لا تلاقيا
 
9 ـ حروف التنبيه ، وهي : ها ، يا ، أما ، ألا ، وكلها غير عاملة .
 
أ ـ ها : حرف تنبيه يدخل على الآتي :
 
1 ـ أسماء الإشارة ، نحو : هذا ، هذه ، هذان ، هاتان ، هؤلاء .
 
135 ـ ومنه قوله تعالى : { هذا سراط مستقيم }1 .
 
2 ـ على ضمير الرفع . نحو : ها أنا ذا . وتكتب أيضا " هأنذا " .
 
136 ـ ومنه قوله تعالى : { ها أنتم أولاء تحبونهم }2 .
 
3 ـ وتدخل على " أي " ، و " أية " وصلتي النداء للمنادى المعرف بأل .
 
نحو قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله }3 .
 
137 ـ وقوله تعالى : { يا أيتها النفس المطمئنة }4 .
 
4 ـ وتدخل على إنَّ المشبهة بالفعل . نحو : ها إن محمدا قادم .
 
ومنه قول النابغة :
 
      ها إنَّ تا عذرة إنْ لم تكن نفعت      فإن صاحبها قد تاه في البلد
 
ب ـ يا : حرف تنبيه إذا لم يليها منادى ظاهر .
 
138 ـ نحو قوله تعالى : { يا ليتني مت قبل هذا }5 .
 
ومنه قوله تعالى : { ألا يا اسجدوا لله الذي يخرج الخبء }6 .
 
على قراءة من أفرد " يا " وجعل اسجدوا فعل أمر ، وهي قراءة الزهري والكسائي (7) .
 
ــــــــــــــــــ
 
1 ـ 36 مريم .  2 ـ 119 آل عمران .
 
 3 ـ 20 الأنفال . 4 ـ 27 الفجر .
 
5 ـ 23 مريم . 6 ـ 25 النمل .
 
73 ـ رصف المباني ص 514 .
 
 
 
47 ـ ومنه قول الشاعر :
 
      ألا يا اسلمي ثم اسلمي ثم اسلمي      ثلاث تحيات وإن لم تكلمي
 
ومنه قول الآخر :
 
       يا هل تعود سوالف الأزمان     أو لا فمتصرف إلى الحدثان
 
وقال بعض النحاة : إن " يا " فيما سبق حرف نداء ، والمنادى محذوف للعلم به ، والتقدير : يا قوم في الآيتين ، وفي الشاهد الأخير ، ويا فلانة في الشاهد الأول .
 
أما إذا تلا " يا " المنادى كانت حرف نداء للقريب ، والوسط والبعيد ، ومن في حكم المنادى كالنائم ، والساهي .
 
نحو : يا معلم ارع تلاميذك ، ويا محمد لا تهمل الواجب .
 
ونحو : يا طالعا جبلا . ويا نائم استيقظ . وللمزيد راجع باب النداء .
 
ج ـ أما : حرف تنبيه ، واستفتاح للحال ، وكثيرا ما يليها القسم .
 
نحو : أما والله لأعاقبن المسيء .
 
وتستفتح بها الجمل الاسمية ، والفعلية على حد سواء .
 
مثال الاسمية : أما محمد قائم .
 
ونحو : أما إن المعلم المعلم بعلمه يخدم المجتمع بعلم فذلك أمر لا ريب فيه .
 
ومثال الفعلية : أما قام أخوك . وأما استيقظ محمد .
 
48 ـ ومنه قول أبي صخر الهذلي :
 
      أما والذي أبكى وأضحك والذي     أمات وأحيا والذي أمره الأمر
 
د ـ ألا : حرف استفتاح للتنبيه ، والدلالة على تحقيق ما بعدها ، وتدخل على الجمل الفعلية، والاسمية ، كما هو الحال في " أما " .
 
139 ـ نحو قوله تعالى : { ألا يوم يأتيه ليس مصروفا عليهم }1 .
 
ومثال دخولها على الأسماء .
 
ـــــــــــــــ
 
1 ـ 8 هود .
 
 
 
140 ـ قوله تعالى : { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم }1 .
 
ومنه قوله تعالى : { ألا لعنة الله على الظالمين }2 .
 
ومنه قول لبيد :
 
        ألا كل شيء ما خلا الله باطلا     وكل نعيم لا محالة زائل
 
49 ـ ويكثر مجيء النداء بعدها كقول امرئ :
 
       ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي      بصبح وما الإصباح منك بأمثل
 
وتأتي " ألا " لمعان أخرى لا يتسع لها المجال لذكرها (3) .
 

المراجع

موسوعة الأبحاث العلمية

التصانيف

الأبحاث