كتب: الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح
31 اكتوبر, 2009 - 13 ذو القعدة 1430هـ
 
 
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد أيها الإخوة الكرام :
سلام الله عليكم ورحمته وبركاته 
ولهذا الموضوع صلة وطيدة وعلاقة وثيقة بالموضوع الذي سلف عن [ الاستيعاب والاقتباس في الدعوة ]، وحرصاً على تغطية جوانب الموضوع كلها فإنني أشرع فيما يتصل بتعريف الدعوة العامة .

 تعريف الدعوة العامة :

أعني بالدعوة العامة : " العمل الدعوي الموجه لعموم المسلمين من خلال فئة مخصوصة بتحقيق أهداف محددة " .
أي أن المقصود بالدعوة العامة هي : كل الجهود الدعوية على اختلاف صورها وأشكالها من كلمة مسموعة أو مكتوبة ، أو صورة عملية أو مشروع إسلامي أو غير ذلك، مما سيأتي ذكر كثير من صوره التي يقصد بها، أو توجه أساساً إلى عموم المسلمين دون أن يكون فيها قصد بتخصيص فئة بعينها كفئة طلبة العلم ، أو فئة التجار أو فئة الاقتصاديين أو فئة الإعلاميين بل تخاطب المسلم بوصفه مسلماً أياً كان نوعه أو أياً كان نوع تفكيره رجلاً أو امرأة صغيرا ، أو كبيراً عالما أو عامياً، ويعني بهذا العمل ويقوم عليه فئة مخصوصة أعني بهم الذين انتدبوا أنفسهم للدعوة إلى الله عز وجل ونذروا جهودهم لتقديم الخدمات الإسلامية التي من خلالها يتم نشر الدعوة والترغيب في هذا الدين وبيان محاسنه ومزاياه، ويقصد من خلال هذا العمل الدعوي تحقيق أهداف معينة يرجى أن تؤثر في عموم المسلمين تأثيراً إيجابياً .

أصالة الدعوة العامة 

العمل الدعوي العام أصل أصيل في هذا الدين ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم بُعث إلى الناس كافة .. لم يبعث إلى فئة بعينها ولا إلى طبقة تتميز بخصائص في علمها أو شكلها ؛ بل بعث إلى كل أحمر وأسود ، وإلى كل صغير وكبير ، وإلى كل رجل وامرأة ، وإلى كل عالم وعامي .. إلى عموم الناس كلهم على اختلاف مشاربهم وتفاوت قدراتهم واختلاف إمكانياتهم، ولذلك ذكر النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي ذكر فيه خصائصهم قال : ( وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ) .

وتشريعات الإسلام نفسها تدل على أن هذا الدين العظيم دين لكل الناس جميعاً، ولذلك نجد الصلاة - وهي الركن الثاني من أركان الإسلام - هي صورة من صور عموم هذا الدين وشموله، فليست الصلاة للعلماء دون الجهلاء وليست لأصحاب العقول الذكية دون غيرهم، بل نجد الصف الإسلامي يتمثل كاملاً في هذه الصلاة صغاراً وكباراً رجالاً ونساء .. إلى آخر من نرى من طبقات المجتمع والشعب في أي بيئة من البيئات الإسلامية، ولذلك تتجسد في هذه الصلاة معاني عموم هذا الدين، كما تتجسد فيه معاني الوحدة الإسلامية فالقوي إلى جوار الضعيف والغني إلى جوار الفقير والعالم إلى جوار العامي .. وهكذا .

وننتقل أيضاً إلى الحج موسم جمع المسلمين الأعظم، فنرى فيه أيضاً عموم هذا الدين إذ يدعى إليه كل مسلم على وجه الأرض ليؤدي هذه الفريضة وهذا الركن من أركان الإسلام، وإذا تمثلنا وتأملنا في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم ؛ فإننا نجد التطبيق الأمثل والأكمل لهذا الدين وللدعوة الإسلامية يتجسد في هديه عليه الصلاة والسلام فعلاً وفي حديثه الذي بلغنا قولاً، فلا نجد فيما بلغنا عنه عليه الصلاة والسلام إلا كل شمول وكمال، فقد خاطب الصغار والكبار وتعرض لشأن المرأة المسلمة وأحكامها وما ينبغي لها .
كما ذكر العلم وضوابطه والحث عليه كما بيّن أمر الإنفاق والبذل وذكر ما يتعلق في حياة الناس في اقتصادهم ومعاشهم وما ينبني عليه ذلك مما يتعايشون به من زيارات وعلاقات اجتماعية وغير ذلك، وكان عليه الصلاة والسلام يضرب في كل غنيمة بسهم وفي تراثه وهديه وحديثه كل ما يتصل بمناحي الحياة ، وكل ما يتصل باحتياجات الإنسان، ففي كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاب للعقول المفكرة ، وإحياء للقلوب المخبتة ، ومناجات للنفوس واشتياقها ، وتلبية لحاجات الجسد وتغذية لاحتياجات الروح .. كمال شامل وعموم لا يدع شاردة ولا واردة إلا أتى عليها وألمّ بها في أصول عامة وكذا في بعض تفصيلات كثيرة خاصة ، ومن هنا يكون لهذا الدين صلاحيته لكل زمان ومكان .

ولذلك جمع هذا الدين عبر تاريخه الطويل الأسود والأحمر والأعجمي والعربي ومن يكون في أقصى الأرض شرقاً ومن هو في أقصى الأرض غرباً، ولذلك لا بد أن نفهم أن هذا الإسلام غذاء وواحة ودوحة للبشر جميعاً للكافرين الذين ماتت قلوبهم لتحيي وتستنير بهذا الدين والإسلام، للمذنبين ليقبلوا عليه فيتطهروا ويستغفروا لمن يريدون أن يعمروا هذه الحياة فيعملوا ويضربوا في مناكبها ويبتغوا من فضل الله ورزق الله سبحانه وتعالى، لمن يريدوا أن يعمروا علاقات الود الإنسانية فإذا بهم يجدون منهجاً متكاملاً في هذا الشأن، وهكذا ينبغي أن نعرف هذا الدين فلا نقصره على فئة ولا نوجهه إلى نوعية من الناس فقط ثم نحرم كثيراً من أبناء هذه الأمة والملة ومن غيره من نور هذا الإسلام ومن حيويته وروائه وعطائه وكماله وشؤونه .

من أعلام الدعوة العامة

ثم بعد ذكر التعريف والتأصيل أذكر لكم التمثيل بأمثلة من بعض أعلام هذه الأمة من كبار علمائها ودعاتها ، وهي أمثلة وجيهة سريعة لنرى أن الواجب هو أن تكون دعوة الإسلام عامة، وأن يندرج كل احتياج تحت هذا الأمر كما سيأتي تفصيله .

انظر إلى من ورائك

هذا إمام أهل السنة الإمام أحمد - وقد سلف لنا درس في سيرته مستقل كان سيأتي تفصيله، كان كما وُصف "رجل عامّة " كان يجيب السائل ويعلم الجاهل ، ويحضر الولائم ويشارك في المآتم ويعيش مع الناس في كل لحظة من لحظات حياته، فيرون فيه القدوة الحية التي تمثل العالم العامل والداعية المجتهد والمسلم في سائر صوره وأحواله .
ولذلك لننظر أثره عندما كان على هذا النحو وعلى هذه الصورة عندما وقعت الفتنة في خلق القرآن وابتلي بها أعلام وأعلامها ، وجاء الدور على الإمام أحمد رحمه الله تعالى وكان في السجن وجاءه بعض أصحابه يقول له : " لو قلت قولاً لا تغضب به ربك وتحمي به نفسك لكان أوفر لك وأدعى الى إنتفاع الناس " ، أي لو قلت قولاً يكون فيه تورية ؛ بحيث كما قال بعضهم أقوالاً خرجوا بها من الفتنة والمأزق ولم يثلموا دينهم ولم يقولوا قول الباطل، لكن الإمام أحمد قال لهذا الرجل : انظر إلى من ورائك ؟! فنظر الرجل إلى شرفة المكان فإذا جماهير غفيرة من المسلمين أكثرهم يحمل ورقته وأدواته ينتظر ما يقول الإمام أحمد ؛ ليدونوا وينتشر شرقاً وغرباً وتقتدي به الأمة وتأتسي، قال : وإني أخشى وأربأ بنفسي أن أكون سبباً في إضلال هؤلاء .
فهذا نموذج عندما كان هذا الإمام رجل عامة يخاطبهم ويوجه الدعوة لهم .

ينقطع السبعون ألف بالبكاء

وابن الجوزي ورد ففي ترجمته أنه كان يحضر مجلس وعظه سبعون ألف وكان المبلغون يعدون بالمئات لأنه لم تكن هناك ميكرفونات فكان بين كل مسافة ومسافة مبلغ يكرر القول ، وكان مجلسه يعقد في بغداد في حرم دار الخلافة أي في فنائها والنساء في الشرفات والناس يملئون الطرقات، قال بعض المترجمين وقل أن أنهى حديثه ووعظه بل كثيراً ما كان ينقطع لبكائه أو لبكاء الحاضرين، فانظر إلى اثر هذا الرجل وهو يقول كما ورد في ترجمته تاب على يدي نحو مائة ألف نفس ودخل إلى الإسلام من اليهود والنصارى على يدي نحو مائة ألف نفس، فانظر أثر الداعية إذا كان يحتك بالناس ويخاطبهم وبعضهم يكون معهم في مشاعرهم وسائر مناحي وأحوال حياتهم ومعاشهم .

مهر ابنتي مختصر المزني

الإمام المزني صاحب الشافع ذكر الذهبي في ترجمته أمراً رأيته طريفاً ولطيفاً وفي نفس الوقت يدل على مدى تأثير العلماء والدعاة في المجتمع المسلم، ذكر مختصر المزني - وهو كتاب في الفقه الشافعي يعد العمدة عند الشافعية - ودار عليه رحى كثير من كتبهم وهو من أصحاب الشافعي وتلاميذه النجباء، هذا الكتاب يقول الذهبي :  " وانتشر كتابه شرقاً وغرباً حتى كان يجعل في كل مهر فتاة تخطب أو تنكح يعني من ضمن المهر يوضع نسخة من هذا الكتاب " .
فانظر إلى انتشار ذكره وعلمه ومقاله بين الناس وقبوله عندهم لترى أثر قول الحق والدعوة إذا خوطب بها الناس وإذا بذلت لهم وإذا انتشرت في أوساطهم .

أولاً : الدعوة المعاصرة بين التخصيص والتعميم

ونقف وقفة مهمة عن الدعوة المعاصرة بين التخصيص والتعميم وأركز الحديث عن جانب التخصيص الاصطفاء لأن الإفاضة فيه ستغني عن ذكر ما يتعلق بالتأميم والانفتاح فهذا التخصيص والاصطفاء المقصود به أن الدعوة تتوجه لمن تختارهم وتصطفيهم ممن لهم مميزات خاصة وملكات متميزة، فتجد الاختيار يقع على النابه الذكي أو المقبل المتحمس والمثقف الواعي، فإذا اختيرت هذه النوعية وجه لها منهج مكثف فيه تربية عالية وعلم غزير وثقافة شاملة وتدريب متواصل، ثم يهدف هذا العمل إلى إعداد جيل متميز يحمل تبعات الدعوة وينذر نفسه لنشرها ؛ وهذا لا شك أنه أمر جيد مطلوب، لكن عندما يغلب هذا الجانب غلبة كبيرة فيضيع معه جانب دعوة العامة ومخاطبتهم والتأثير فيهم أو عندما يكون هذا الجانب هو الوحيد فحسب ولا يلفت النظر ولا يبذل شيئاً من الجهد للجانب الآخر فهنا لا شك أن هناك خللاً كبيراً وسلبيات كثيرة لا بد من الإشارة إليها والتنبيه عليها .

سلبيات التركيز على الدعوة الاختيارية    

السلبية الأولى : الجمود الجماعي
أن هذا النهج يعيق عن التفاعل مع الأحداث والتكيف المرن مع متطلبات المرحلة واغتنام الفرصة السانحة المتاحة التي قد لا تتكرر أو لا تعود . 
إذا هـبـت رياحك فاغتنمتها *** فإن لكل خافـقـة سـكوناً
إن هذا النهج يكثف الدعوة لهذه الفئة في أوساط معزولة وعبر خطاب متميز فلا يتأثر ولا يتفاعل مع الواقع .

السلبية الثانية : العزلة الشعورية
هو أن هذا النهج يجعل الدعوة معزولة عن الجماهير مجهولة عند عموم الناس وهذا النهج في غالب الأحوال يواجه المجتمع بما يؤصل أو بما يسمى بالعزلة الشعورية التي يبالغ فيها أحياناً، وتكون قائمة على الاستبراء والتنزه من أعراف الناس وأخطائهم والبعد عنها استعلاء واستبراء، فلا يكون هناك ذلك الاحتكاك ولا ذلك الامتزاج فيبقى خير هؤلاء الناس بعيداً عن بقية إخوانهم ويبقى تميزهم غير ذات تأثير في بقية المجتمع المسلم .

السلبية الثالثة : عزل المجتمع عن إنكار المنكر
أن الإغراق في هذا النهج يحول الدعوة إلى مجرد حركة خاصة بالمثقفين وتهمل قطاعاً عريضاً من المجتمع ؛ بل ربما يتحول هذا النهج بأربابه وأصحابه على اتجاه فكري يكثر من البحوث الفقهية ويتوسع في النظريات الدعوية دون ملامسة للواقع ولا مخاطبة للجماهير ولا ممارسة عملية لأمر إنكار المنكر والأمر بالمعروف، فأنت ترى بعضاً من الشباب الخير الذي عنده علم وتميز والتزام لكنك تراه يمر في أثناء طريقه إلى الصلاة بفئام من الناس عاكفون على لهو وعبث لكنه يترفع عنهم في مواصلة شعورية يتوهم أو يرى أنهم ليسوا هم الذين يخاطبهم في دعوته ! بل هناك نجباء وأذكياء وصفوة أنقياء أتقياء ، هم الذين يبذلون لهم جهده ويفرغ لهم وقته وبالتالي يمر على كثير من الأحوال المنحرفة والأوضاع الشاذة دون أن ينبس ببنت شفه ودون أن يلفت النظر إلى خطأ، وهذا له سلبيات أخرى كثيرة وهي أن الناس يستقر في نفوسهم أن هذه الأخطاء مقبولة والاعتراض عليها من جهة الشرع ؛ لأنهم يرون أخياراً لا يعترضون عليها ويؤصل ذلك المنكر ويقيم له بنياناً شامخاً ويجعل الناس ضاربين في اللهو والغفلة والسهو دون أن يجدوا من يوقظهم أو من ينبههم .

السلبية الرابعة : الجدال الداخلي 
إن هذا النهج يوجد باستمرار جدلاً داخلياً في صفوف الدعاة ؛ يتعلق بالاختلاف حول قضية الاصطفاء والانتقاء والترخص في شروط الاحتواء ؛ فإن بعضاً من الناس عندما يكون هذا هو تصورهم يرى أن فلاناً نجيباً ألمعياً ذكياً يمكن أن يكون لبنة من لبنات الدعوة الصالحة ولكن الآخر يقول إنه يقصر عن ذلك وإن عنده من الترخصات والتجاوزات مالا يجعله كذلك، إذا اجتهد الأول ومارس الدعوة مع ذاك ثم نجح في بعض أموره أو كذا كان الآخر على طرف نقيض لا يقبل بذلك ويرى في ذلك ترخصاً وتساهلاً وتميعاً في المنهج الاصطفائي الانتقائي؛ وبالتالي يحدث دائماً وباستمرار نوع اختلاف على المقياس الذي جعلناه عالياً كيف يكون، لأنه لا يمكن أن نضع كما أشرت في الدرس الماضي قالباً معيناً وشروطاً معدودة نريد أن تتوفر في كل من نوجه له الدعوة وفي كل من يسير في ركابها ويلهج بذكرها وينشر علمها ويجاهد في سبيلها؛ فإن الناس متفاوتون قطعاً ولا يمكن أن يكون الكمال فيهم على حد واحد ولا المواصفات والملكات فيهم على حد وتيرة واحدة بحال من الأحوال .

السلبية الخامس : تضارب وهمهمة
أن هذا النهج أيضاً يوجد تضارباً عند الأفراد الذين يسيرون في طريق الدعوة عندما يرون الحاجة الملحة في الواقع ويرون بعدهم عنه، فإن بعض أولئك الذين تبنوا من واقع اجتهاد دعوي أن يبذلوا جهدهم ووقتهم وفكرهم لفئة متميزة من الناس يمرون كما قلت على المنكرات ويشاهدون تغير الأحوال ويرون المصائب التي تحل بالأمة ويريدون أن يبذلوا شيئاً من وقتهم وجهدهم في هذا الميدان ليعلموا الجاهل ويقضوا الغافل، لكنهم عندئذ يواجهون بأن منهجهم أو أن إخوانهم على هذا الطريق يرون أن في هذا صرفاً فيما هو أدنى وأقل دون ما هو أعلى وأهم، فإما أن يمشي في هذا المسار ويرى أنه خالف نهجه أو يريد أن يجمع بين الاثنين ويرى في ذلك اضطراباً وحيرة وهذه كلها لا شك أنها من ألوان ذلك القصور .

السلبية السادسة : ثغرات في البرج العاجي
إن في هذا النهج إتاحة فرصة لتيارات الفساد المعادية للإسلام من العلمنة والتغريب وغيرها أن تنتشر بين عامة الناس لماذا ؟ لأن الدعاة تفرغوا لفئة مثقفة من الشباب الذين يدرسون في الجامعات أو المدارس الثانوية أو غير ذلك، وتركوا العمال والفلاحين والكبار في السن والنساء والأطفال نهباً للتيارات المفسدة وهي تيارات لها جذور راسخة في المجتمعات الإسلامية والعربية وتملكت شؤون الحكم دهراً طويلاً وقبضت على أزمة الإعلام ومخاطبة الناس بصور شتى ووسائل متعددة، فما تزال تغسل أدمغتهم وتميت قلوبهم وتحرف سلوكهم وتبعدهم عن هذا الدين، بل تجعل في نفوسهم وأفكارهم عداءً لهذا الدين ، وتشويهاً لصورته وشبهات بعضها فوق بعض .. فلا يعود لهم صلة بهذا الدين إلا الانتساب فحسب، كما نرى من شأن الأجيال التي عاشت دهراً طويلاً تحت وطأة هذه التيارات التي خاطبت عقولها ، وأوجدت لها الملاهي في أوقات فراغها ، والتي سهلت لها أو قامت لها ببعض الخدمات المادية الحياتية، ولذلك ويبقى الدعاة حينئذ في تلك الأبراج العاجية يخاطبون فئة من الناس وينظرون ويفكرون وربما يتجاوز أن نقول أنهم يعيشون في أوهام والساحة تموج بهذا الفساد والإفساد .

السلبية السابعة : اللغة الداخلية
أن هذا النهج يُفقد أربابه القدرة على مخاطبة العامة، فتجد الواحد منهم ضليعاً في العلم فصيحاً في البيان لكنه لا يحسن الأسلوب الذي يخاطب به عامة الناس، ولا يعرف اللغة التي تناسبهم والأمثال التي تروج بينهم والوقائع التي يمارسونها في حياتهم، فكأنه عندما يتحدث إليهم يتحدث بلغة أجنبية عنهم يحتاجون إلى مترجم يترجم لهم ما يقوله هذا العالم النحرير أو الداعية الخطيرة .. لماذا ؟ لأنه لم يعايش واقع الناس ولم يتعود على مخاطبتهم ولم يعرف كما قلت طبائع حياتهم وسلائقهم وكلماتهم وأمثالهم وعاداتهم وتقاليدهم وما يتعلق بشؤونهم بشكل عام .

السلبية الثامنة : الاقتصار والاكتفاء
وفوق هذا كله أيضاً نجد هناك أموراً أخرى كثيرة تتعلق بهذا الجانب وهي من الأمور السلبية التي ينبغي الحذر منها والبعد عنها أعني بذلك، الاقتصار والاكتفاء بجانب الدعوة الاصطفائية الانتقائية والمطلوب هو المزج كما سيأتي .
أقول : مثل هذا النهج لم يكن يعوَّل على جماهير الأمة وعامة الناس في شيء لم يكن يشركها في التحدي والمواجهة للطغيان وتحقيق التغيير الإسلامي وهذا قصور، والأجود من ذلك لأن يكون هذا التحدي والنصيحة ضمن مشروع متكامل وفي نطاق خطة تشمل عموم الناس وتستخرج طاقاتهم، والأجود من ذلك أن يكون هناك جماهير تتفاعل مع هؤلاء الدعاة ومع متطلبات الدعوة وشؤونها وهذا هو الذي ينبغي أن يكون .

عندما نتأمل في هذه السلبيات لا يعني أنه ليس هناك إيجابيات بل هناك إيجابيات كثيرة أيضاً، لكننا نتحدث عن الجانب إذا طغى أو إذا كان هو المكتفي به .

إن هذا النهج من مزاياه أنه ثابت الخطى ثابت المنحى، وأيدُ الخطى لا تستثيره الأحداث العابرة ولا تستفزه عن مرسوماته العواطف الثائر، ولذلك يبقى فيه الأصالة والقوة، ثم إنه من مزاياه أنه ينشئ جيلاً قوياً ونوعيات متميزة لها آثارها القوية والوطيدة إذا نزلت بعد ذلك إلى ساحة عامة الناس، وكذلك من مزاياه أنه يوجد في أولئك الأفراد تأصيلاً علمياً وتميزاً ثقافياً نوعياً عندما يصطرع أهل الحق مع أهل الباطل فإن لأهل الباطل ولا بد أن يكون اعتراف بهذا تميزاً في بعض تخصصاتهم وإبداع في بعض أساليبهم، أما أن نقول أن أهل الباطل على باطل ونغفل كل جهودهم وكل تميزهم فلا أعني لا أقصد بالإغفال أننا نقدرها، ولكننا نعرف أن لها تأثيراً وأن فيها إتقاناً وأن ورائها جهوداًَ وأوقاتاً وأموالاً .

فلذلك لا بد أن نعرف أنه لمقارعة الباطل لا بد من إعداد نوعيات متميزة ونماذج لها قدرات وإمكانات تستطيع أن تصرع الباطل بهذه النوعية وأن تنافس أرباب الباطل في مخاطبة الناس وفي قيادة هذه الحياة في المقابل هذا ما يتعلق بدائرة التخصيص والاصطفاء.

الجانب المقابل هو التعميم والانفتاح ولا شك كما قلت أن ما سبق من التفصيل يغني عن أن نفيض في هذا الجانب فكل سلبية هناك ربما تكون إيجابية هنا والعكس بالعكس صحيح، ولعلنا نقول إن المقصود هو أن لا نغفل جانباً إغفالاً كاملاً وأن لا يطغى جانب طغياناً كبيراً على الجانب الآخر ، والله عز وجل قال : { لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس } .. لم يكن منظراً بل كان كلام ونجواه وحديثه في أمر الناس وتحريكهم وفائدة تقويم أخطائهم وحيازة مصالحهم، ولذلك لا بد أن نعرف هذا الجانب، وأن الدعوة تحتاج إلى الجانبين معاً وأن الاهتمام بأحدهما على الآخر هو السلبية، ولذلك لو تأملنا فإننا ربما نقول إن جانب الانتقاء والاصطفاء مناسب لخطوات الابتداء وأن جانب التعميم والانفتاح لازم من لوازم التقدم والارتقاء .

نعم في الابتداء يحتاج إلى الاصطفاء ، ولكن عند المسير ينبغي أن يعلم أن من لوازم هذا الاصطفاء هو أن يكون هناك انفتاح يتحقق به الانتشار والارتقاء، لأنه عندما نقول مثلاً في واقع حياة الناس اليوم هناك كليات لإعداد المعلمين تنتخب فئة من الناس يقبلون ويعدون لكن اسمهم " معلمون " يتخرجون ليخرجوا معلمين يعلمون الأجيال بعد ذلك .. ونحن عندما نبني دعاة أو نربي أجيالاً دعوية ؛ فإننا لا نريد لها أن تبقى في أبراج عاجية ولا أن تكتب لنا مقالات وأفكار ولا أن تخاطب فئة معينة من الناس بل نريد أن نستلهم جهدها وعلمها وفكرها ووعيها وحماسها ؛ لتحرك وتغير في واقع المجتمع المسلم، وأنه ينبغي للدعاة أن يعلموا أن فئات قليلة من الدعاة مهما بلغت جودتها ، ومهما عظم إيمانها ، ومهما كان استعلاؤها ؛ فإنها في معركتها ضد الباطل لا بد أن تستكمل قوتها وجهدها بجماهير الأمة العريضة والأعداد الغفيرة، التي بالعمل الدعوي يجعل حبها للإسلام عظيماً وخفقان قلبها بالتعلق به كبيراً واختيارها لهذا الدين والإسلام وحيداً .

ولذلك لا بد أن نعرف مثل هذا، وكذلك ربما نلمح بعض هذه المعالم في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم .. فجيل المهاجرين والقدماء من الأنصار تميزوا في الثبات يوم كثر النفاق بعد بدر وتميزوا بالشجاعة يوم انهزم الطلقاء في حنين ، وتميزوا بالوفاء يوم ارتد كثير من العرب بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وهذا فرق ما بين جيل الاصطفاء وجيل الانفتاح، غير أنه لا بد أن نعرف أن المجتمع لا بد أن يكون فيه كل هذه الأنواع وأذكر مرة أخرى بالحديث الذي ذكرناه فيما سلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة ) .

فليس في المجتمع إلا رواحل قليلة معدودة في عددها ، ومهما كان تميزها فإنها محدودة في أثرها، ولذلك لا بد أن نعرف أن المصلحة تدعوا للمزاوجة بين الأمرين مع غلبة الاصطفاء عند الابتداء وتوسع الانتشار عند التأهل وتوفر القدرة على العطاء، ولا بد أن ندرك كما أشرت سابقاً أن كل الجهود لازمة في بناء الدعوة ولازمة في صياغة المجتمع المسلم فالأمة والمجتمع الإسلامي يحتاج إلى العلماء الذين يفتون، كما يحتاج إلى الدعاة الذين يعظون والمفكرين الذين يكتبون والتجار الذين يبذلون والإداريين الذين يخططون والسياسيون الذين يحللون كما يحتاج كذلك إلى الفلاحين الذين يزرعون والعمال الذين يعملون، إلى كل مسلم شهد أن لا إله الا الله ، وأن محمداً رسول الله ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله إن كان في المقدمة كان في المقدمة ، وإن كان في الساقة كان في الساقة ) . 

وكما ينبغي أن نعلم أن لكل جيش ساقة - يعني بعض من يقومون بمهمات تكميلية، قد يكونون طباخين في الجيش - ولكن هل يمكن للجيش أن يمارس معركة دون أن يفتقر إلى هذا الطباخ الضعيف الذي قد لا يؤبه له إن طعامهم مصدره هذا الطباخ، وكذلك في كل جهة وفي كل منحى، المستشفيات تقوم على الأطباء المتخصصين وأطباء عاملون ، وهناك فنيون ، وهناك كهربائيون الذين إذا لم يصلحوا الكهرباء لا يمكن أن تجرى العملية .. لا بد أن نعرف أن لكل إنسان مهما صغر دوره ومهما صغر حجمه أثره في تسيير العملية الحياتية في المجتمع المسلم .
    

ثانياً : مجالات الدعوة العامة

بعد هذه المقارنة ننتقل إلى مجالات الدعوة العامة وهي كثيرة أحب أن أجعلها مقسمة في ثلاث مجالات :
المجال الأول : المجالات الشرعية
أعني التي فيها منابر ذات طابع شرعي ، وأولها وأبرزها منبر المسجد للأئمة والخطباء ، الذين أصل عملهم مع عامة الناس، فإذا غفلوا عن ذلك وفرغوا جهدهم ووقتهم لغيره فمن سيكون لأولئك العامة، ولنعلم أن العامة هم الأكثرية وأن العامة هي في الوقت نفسه لها التأثير الأكبر في كثير من مجريات الأمور العامة، في حياة الناس الأئمة والخطباء عندما نريد أن نصور بعض المواقف .. من خلال هذه المجالات سأذكر صوراً وقوالب عملية لهذه المجالات الدعوية .

الخطيب عندما يتحدث يخاطب عدداً غير قليل من الناس ، فربما يحضر الإنسان درساً جيداً ويلقيه على فئة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة خمسة أفراد أو عشرة أفراد، ولكنه عندما يرتقي منبره في الجمعة ويلقي هذا الدرس مع ما يناسب حال الناس يستمع إليه بدل الخمسة خمس مائة وربما في بعض الأحوال وبعض البلاد بدل الخمسة خمسة آلاف، فانظر إلى عظمة التأثير في هذا الجانب إذا أحسن الداعية والدعاة استغلاله ومخاطبة الناس، كما سأذكر في بعض المواصفات والموضوعات التي يحسن طرقها والإتيان عليها .

بالنسبة للعامة والمسجد له صور شتى يمكن أن يجعل بها تأثير الدعوة في صفوف العامة عظيماً ؛ فإن القراءة الجيدة المرتلة المجودة لها وقعها وأثرها عند الناس، والدرس الجيد المحضر المتقن له أثره في تبديد الجهل وفي التعريف بأحكام الشرع والخطبة المؤثرة البليغة التي تستجيش عواطف الناس لها أثرها في توجيههم وفي قصرهم عن الشر وبعدهم عن الباطل وفي دفعهم وتحميسهم للخير، ثم فوق ذلك كله لا بد أن يكون للمسجد رسالته الكاملة، وهناك صور شتى تظهر في بيئتنا وفي بيئات أخرى تبين لنا هذا النموذج .

هناك - على سبيل المثال - ليؤدي المسجد دوره في تأثيره على عامة الناس اللقاءات التي تأتي في المناسبات مثلاً كما مضى بنا ومضى معنا قريباً مناسبة عيد الفطر، عندما يجعل المسجد هو موضع الالتقاء يلتقي فيه أهل الحي جميعاً - فقيرهم وغنيهم ، صغيرهم وكبيرهم - ويلتقون في ظلال المسجد يستمعون إلى كلمات وإلى نواحي اجتماعية ، ويأخذون بعض الهدايا ، ويقدمون بعض الكلمات ، ويشاركون في بعض المشاركات، لا شك أن لهذا تأثيراً كبيراً ، وكذلك من خلال خدمة المسجد لأهل الحي بالصور المختلفة المتعددة عبر الخدمة والمساعدة المادية والمساعدة المعنوية ، وتفقّد أهل الحي وتعهدهم بالنصح والإرشاد .

ومن خلال الوسائل الدعوية المتاحة من كتاب وشريط وغير ذلك، لا شك أن هذه المخاطبة تأتلف عليها قلوب كثيرة من قلوب عامة الناس وتتحرك بها همم كثيرة كانت ضعيفة أو ميتة في بعض الأوقات والأحوال، كما أنها تجعل أصوات كثير من العامة تهتف باسم الإسلام وتطالب به كخيار وحيد لها في هذه الحياة، وكما قلت يبقى لهذا الإمام أو لهذا الخطيب الدور البارز إذا أحسن وأتقن عمله؛ فإنه يكون هو الذي يجيب على سؤال الحائرين والذي يحل المشكلات؛ فإنه إذا كان قريباً من الناس ومؤثراً فيهم إذا عرض لأحدهم سؤال فإنه يتوجه إليه وإذا عرض لأحدهم مشكلة أراد حلها بين يديه ، وإذا كانت هناك مناسبة سعيدة كان على أول قائمة المدعوين ؛ وبالتالي يمتزج بالناس ويشعرون بأثره فيهم وقدوته بينهم .

وسبق أن أسلفت أنهم ربما يبالغون فيطلبون - كما مثلنا بالمثال الطريف - منه أموراً لا يحسنها ولا يتقنها فيما ليس من اختصاصه وليس من شأنه، ولكن ذلك يدلنا على حسن ظنهم فيه ، وعظيم حبهم له وكمال تعلقهم به وعظمة تأثيره فيهم، وأنه إذا قال لهم بعد أن يؤثر فيهم هذا التأثير افعلوا كذا كانوا مستجيبين لا تفعلوا كذا كانوا ممتثلين، وهذه لا شك أنها القدرة المهمة التي نحتاجها لكي نعرف أن في الأمة أفراداً كثيرين يستمعون لنداء الله عز وجل ويستجيبون لأمره بمجرد أن يذكَّروا به .

المجال الثاني : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
سواء كان عبر مؤسسات رسمية أو عبر جهود فردية بالأساليب والضوابط الشرعية . 

من فوائد هذا المجال :

  1. يعرف أن هذا منكر فلا يعود المنكر معروفاً ولا المعروف منكراً .
  2. أنه يدفع صاحبه إلى الاستتار بالمنكر دون الجهر به .
  3. أن يجعل صاحب المنكر في وضع مزر مخز لا يشجع الآخرين على أن يقتدوا به ولا أن يسيروا في إثره .
  4. أنه يُشعر هذا الداعي بأنه ينتصر لدين الله عز وجل .
أما إذا رأينا المنكر تلو المنكر وغضينا البصر ، وأخرسنا الألسنة ؛ فإن القلوب تموت ، وإن القلوب لا يصبح فيها غيرة لدين الله عز وجل، ولا شك أن قناة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قناة مهمة تبقى بنبض الحياة الإسلامية في المجتمع المسلم قبل أن نحتاج بعد ذلك أو بعد فترة من الزمن كما حصل في مجتمعات إسلامية كثيرة .. نحتاج أن ندخل المجتمع كما ندخل المريض الذي يوشك على الموت إلى غرفة إنعاش، نأتي له بأجهزة التنفس وبالدم وبالتغذية ؛ لأنه يوشك أن ينتهي وأن يموت وأن يودع الحياة الإيمانية الإسلامية بسبب ركام المنكرات التي لم تجد من يقول عنها إنها منكرات .
 
ولذلك لا شك أن أثر الدعوة العامة في هذا الميدان مهم جداً، ولا بد أن يكون للاحتساب وجوده العملي وتعاون بين الناس عليه وتظافر للجهود في ميدانه ومجاله ولا شك أيضاً أن هذا يأخذ صوراً عديدة بالنسبة للناس، إذا أحسن الدعاة هذا العمل فربما ينطلقون من المسجد ليزوروا بعض الذين هم بجوار المساجد يجتمعون على باطل ولهو، ولا يقومون إلى الصلاة ومن الممكن أن يحتسب أيضاً أهل المسجد أو الجيران على جيرانهم فيزورونهم ليدعوهم إلى أن يشاهدوهم في صلاة الفجر، إن المجتمع لا بد أن يتحرك حركة عملية لا تحتاج إلى ذلك العلم الغزير ولا إلى السلطة القوية بل هي مجرد النصيحة والهدية باللطف والباقة واللياقة، فيكون في ذلك أثره في توسع الدوائر؛ فإن من الناس من عنده خير كثير، لكن عنده ضعف شديد يحتاج إلى من يقول له قم فيقوم ومن يقول له تعال فيأتي، ولكن النفس كسولة وداعية إلى الدنيا وملذاتها وغافلة عن حقيقة صلاحها ونفعها، فإذا وجد هذا الأمر تحرك الناس تحركاً إيجابياً .

كذلك مراكز الدعوة الرسمية وغير الرسمية التي يمكن أن تبث في الناس روحاً جديدة وعلماً يحتاجون إليه ويفتقرون إليه وتوعية هم في أمس الحاجة إليها عبر المحاضرات وعبر الندوات وعبر البرامج الاجتماعية المشجعة؛ لأن صور الدعوة ليست خطبة وليست كلمة وليست أحكاماً فحسب، بل هي كل منحى من مناحي الحياة يمكن أن يكون فيه صورة من صور الدعوة .
كما سأذكر بعض هذه الصور والقوالب حتى في صور أخرى كثيرة مثل واجهات كثيرة عبر المسجد من خلال تحفيظ القرآن عبر العلماء والقضاة من خلال الفتيا والاستفتاء، كل ذلك يربط عامة الناس ما لا أحصي يأتي من الناس من يسأل ويستفتي وما لا أحصي يأتي من الناس من يُشكل عليه أمراً  يحتاج فيه إلى حل قضائي من مشكلات الطلاق ومن مشكلات الميراث وكذا، كل هذا إذا ربط العلماء والقضاة والدعاة والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والخطباء والأئمة إذا ربطوا وارتبطوا بعامة الناس لا شك أن التيار كله سيتوجه إلى خير وإلى الإسلام بإذن الله سبحانه وتعالى .

المجال الثالث : الإعلام
الناس اليوم يتأثرون تأثراً كبيراً بالإعلام، فأكثر ما في أدمغتهم من الأفكار إنما هو نتاج هذا الإعلام وأكثر ما في قلوبهم من الزيغ والضلال إنما هو من شبهات ذلك الإعلام وأكثر ما في نفوسهم من الشهوات والملذات والتهييج للغرائز والمحرمات من أثر هذا الإعلام، فأين حظ الدعوة من هذا الإعلام حتى تخاطب الناس وتشكل أفكارهم وتصوغ مشاعرهم وتوضح لهم مسارهم ؟
كثير من الناس قد يظنون أن هذا المجال والميدان أغلق دون المسلمين والدعاة ! ولو كان هذا صحيحاً، ويحرص عليه أرباب الباطل لكن باب يغلق لا بد أن يوجد له مفتاح ،وإذا لم يفتح فلا بد أن يوجد باب آخر يمكن أن يفتح .
ولذلك أقول إذا كان الخطيب يخاطب ألفاً من الناس فإن كاتب الصحيفة يخاطب عشرات الآلاف، ولذلك قد يكون لمقالات تنهج أو تنتهج النهج الإسلامي وتتبنى الفكرة الإسلامية تأثير كبير على نوعية من الناس، فليس كل الناس أرباب المحاضرات ؛ فإن من الناس من هو من التجار أو من المثقفين أو كذا لا يرتاد المساجد إلا في الفرائض، إذا ارتادها من يخاطب هؤلاء .. أليسوا هم من أمة الإسلام ؟ أليسوا هم من عامة الناس الذين نريد أن ننتشلهم من الفساد ، ومن الانحراف إلى الإسلام والخير والصلاح ؟
قد يخاطبهم ذلك القلم السيال الذي يوضح الفكرة الإسلامية؛ ولعلي أضرب مثالاً واقعياً قريباً تابعته وعايشته في مقالات للكاتب الأستاذ محمد صلاح الدين في [ الفلك يدور ] في جريدة المدينة وهو يناقش كاتباً يطرح الفكرة العلمانية ، ويحذّر من الدولة الدينية ، ويدعو إلى الدولة العربية العلمانية، كما يقول إن هذا الكاتب أقصد الأستاذ محمد صلاح الدين يناقش أفكار ذلك الكاتب مناقشة منطقية عقلية علمية ، ويدحض حجته ويبرز محاسن الإسلام، ويُظهر من واقع عملي التاريخ الأسود المنكود للدول التي قامت بعيداً عن الإسلام وحكمت غير شرع الله،فيذكر - على سبيل المثال - إن الدول العربية خرج منها المستعمر وهي تصدر القطن والقمح وكذا، وهي اليوم تستجدي من كل دول الشرق والغرب قوت يومها واللباس الذي تستر به عوراتها .
وذكر فوق ذلك أن هذه الدولة العربية التي سارت بعيداً عن نهج الله عز وجل هي التي ضيعت في تاريخها وفي حكمها المسجد الأقصى وأرض فلسطين ، وهي التي ضاع في أثرها أيضاً التقدم العلمي والتطور التكنولوجي إلى آخر ذلك من الأمور، لا شك أن كتابة بهذه القوة تخاطب كثيراً من الناس الذين ليس لهم عداء للإسلام، كما أنه ليس عندهم وضوح عن هذا الإسلام، فربما يتأثرون بحملات التشكيك فيأتي مثل هذا القلم فيرد أولئك القوم إلى جادة الصواب، ويوضح لهم النهج والمسار، فلذلك ينبغي أن نعلم مثل هذا الأمر .
 
نموذج آخر البرنامج التلفزيوني الذي يغزوا ليس عشرات الآلاف بل مئات الآلاف، أضرب مثالاً كثيرون في هذا المجتمع في بلادنا لا أظن أحداً يجهل شخصية شيخ مثل الشيخ "علي الطنطاوي" من يعرفه من لقيه من يخبره لا أحد، لكنهم يرونه عبر هذه الشاشات - سيما في الفترة التي لم يكن فيها هناك كثير من الدروس والمحاضرات - كان كثير من الناس يتابعون أقواله وإجابته، ثم انظر إلى البرامج التي يأتي فيها مشكلات اجتماعية ويجيب عليها بعض الدعاة والمشايخ إنها تأتيها أكوام وأكوام من الأسئلة والمشكلات ينتظر أصحابها هذا الجواب، وإذا كان ولا بد أن الناس قد أدخلوا البلاء والوباء " التلفاز " إلى بيوتهم فليدخل وليتلصص عليهم من خلاله بعض الخير الذي يوجهون إليه، فهذه البرامج الدينية لها دور كبير .
وأضرب لذلك مثالاً - على سبيل المثال إذاعة القرآن الكريم - إن الذي يتابعها إن كان طالب علم فإنها مدرسة وجامعة فيها موضوعات علمية، وإن كان إنساناً يحب الخير فإنه يسمع القرآن الكريم والأحاديث النبوية والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي ويسمع أنواعاً مما ينفعه ويوجهه ويبين له كثيراً مما يحتاج إليه ويفتقر إليه، ولذلك انظر إلى برنامج مثلاً نور على الدرب واستمع إلى الأسئلة سؤال من العراق وسؤال من ليبيا ، وسؤال من أمريكا ، وسؤال من تونس .. إنها حاجة الناس يمكن أن تتحقق من خلال قنوات معينة .
وأضرب مثالاً أخيراً لا أقول أني متحفظ الآن ولكن أعني به النموذج الذي وقع كما قرأنا في بعض الصحف وبعض الناس، ربما تابعوا ذلك الحملة التي نظمها تلفزيون الشرق الأوسط لأجل التبرع لصالح البوسنة والهرسك، عملوا حملة كما قرأت في الصحف خلال أربع وعشرين ساعة يعرضون فيها بعض المشاهد من البوسنة والهرسك ويستضيفون بعض الشخصيات ثم يحولونك إلى غرفة العمليات التي تتلقى التبرعات على هواتف معينة، وإذا بكل مرة يزداد العدد حتى بلغت التبرعات خلال ذلك الوقت سبعة عشر مليون دولار، لا شك أنه التأثير الإعلامي رغم أنك تنكر كما سمعت من بعض من شاهدوا أن الذين يتلقون المكالمات ليسجلوا التبرعات نساء متبرجات لا أعني أن هذا عملاً يمثل صورة إسلامية لكنه يمثل صورة التأثير الإعلامي وإمكانية استغلاله لدعوة عامة الناس والتأثير فيهم .

المجال الرابع : المجال الاجتماعي 
وأعني به صوراً عديدة جداً إن كثيراً من الدعاة يغفلون عن مدى أهمية التأثير في القنوات الاجتماعية تجدهم في بيئاتهم وأسرهم لا يمارسون الدعوة لا بالذكر ولا بالتدريس ولا بالوعظ ولا بالتنبيه ولا بلفت النظر ولا بالترغيب ولا بالترهيب، ثم تجد هناك مناسبات اجتماعية يجتمع فيها فئام كبيرة من الناس مثل الأفراح ومثل الولائم التي تقع ولا يتحرك أحد ليستغل هذا الجانب، عندما يُستغل هذا الجانب بأسلوب لبق وفي إطار المناسبة الاجتماعية ليس من المعقول أن تأتي إلى مناسبة زواج مثلاً وتلقي على الناس محاضرة طولها ساعتين أو تحدثهم عن القبر والموت والانتقال إلى الآخرة وغير ذلك مما لا يحسن ولا يسوء .
لكن من الممكن أن تقدِّم كلمة قصيرة وطرفة لطيفة وقصيدة جميلة فإذا بالناس تنتفع بوقتها وتسمع شيئاً لم تكن تألفه من قبل بدلاً من أن تستمع إلى لغو ولهو أو غناء وطرب أو شيء مما هو داخل في إطار المحرمات، وكذلك قد تستغل الفرصة عندما يكون هناك جمع في مناسبة فتوزع ذلك الشريط الذي فيه أسلوباً جيداً وكلمات مؤثرة أو نحو ذلك من الصور الأخرى، ثم هناك صور أكثر تأثيراً وهي مجال الخدمات الإغاثية ولا شك أن هناك ارتباطاً وثيقا بين الدعوة والإغاثة والإعانة، فإن الجمعيات الخيرية التي تقدم المشروعات الاجتماعية من كفالة الأيام ومن تقديم الخدمات والمساعدات وكفالة الدعاة وفتح المدارس وغير ذلك أنها تتنبه القلوب والعقول ويرى الناس فيها النماذج الحية لقيادة الحياة على نهج إسلامي يبرأ من المحرمات .. فلا يتعامل بالربا ولا يدخل المناهج المنحرفة في التعليم ، ولا يقبل بالتميع في الولاء والبراء وغير ذلك من الصور الكثيرة.

هذه كلها دعوة للعامة ودعوة للمجتمعات المسلمة على اختلاف مشاربها وتنوع لغاتها، وكم ترى التأثير العظيم لمجتمع إسلامي على سبيل المثال في بلاد بعيدة حلت بها نكبات وإذا بالذين يأتون ليسألوا عن أحواله وليقدموا له المساعدة هم إخوان له مسلمون جاء بهم هذا الدين، وحرّكتهم نصرة الإسلام والمسلمين لا شك أنه قد يكتفي حتى أحياناً بمجرد سؤالك عن حاله وشعورك بمأساته ويرى في ذلك أثراً عظيماً وترسيخاً له على هذا الدين، بدل من أن يفيء تحت ظِل الظلم أو الحاجة والفاقة إلى ملل الكفر ونحل الظلال والباطل، والمجالات كما قلت كثيرة جداً في هذا الجانب .

ثالثاً : أسس عامة وعوامل مساعدة فيما يتعلق بالدعوة العامة 

الأساس الأول : الدين مسؤولية الجميع 
ينبغي للدعاة والعامة ولكل مسلم أن يعرف هذه الحقيقة ليس في دين الإسلام كهنوت ولا رجال دين هم الذين يختصون بأمور الدين وبأمور الدعوة ؛ بل كل إنسان عليه واجب وفي عنقه مهمة ورسالة فاستمع إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ؛ فإن لم يستطع فبلسانه ؛ فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ) .
ما قال لا بد أن يكون عالماً ولا بد أن يكون مجاهداً ولا بد أن يكون داعية بل مسلم، كل مسلم يعلم أن عليه واجباً تجاه هذا الدين وأن الدين مسؤولية الجميع لا تنتظر أن يتحرك غيرك لا تنتظر أن يخدم الإسلام غيرك بل لا بد أن توقن بهذا الأمر .

الأساس الثاني : الدعاة جزء من الأمة
الدعاة جزء من الأمة في جانب عملي، ولكنهم عندما يأخذون النهج الذي أشرت إليه يفصلون أنفسهم عن الأمة، هم جزء من الأمة فلهم آباء وأمهات من عامة الناس ولهم أقارب من عامة الناس وهم يشترون من عامة الناس ويتبايعون معهم، ومع ذلك يظلون بأفكارهم وخطاباهم وأعمالهم منفصلين عن الناس، ينبغي للدعاة أن يوقنوا أنهم كما أنهم جزء من هذه الأمة في هذه النواحي ينبغي أن يكونوا جزء من الأمة في آلامها وآمالها وأفكارها وما يحيط بها حتى يستطيعوا أن يقوموا بهذه المهمة خير قيام .

الأساس الثالث : أن الخلطة من أعظم عوامل نجاح التربية
إننا إذا أخذنا فئة من الشباب لنربيهم ونعلمهم بعيداً عن المجتمع بعيداً عن كل ما في من الانحراف بعيداً عن ما فيه من الأفكار؛ فإننا لا نأمن إذا اختلطوا في هذا المجتمع إما أن يكونوا كالأجسام الغريبة التي يلفظها الجسم عنها ولا يقبلها، وإما أن يذوبوا في هذا المجتمع ويتبدد ما رسخ في أذهانهم وفي نفوسهم من هذه الإيجابيات لماذا ؟ لأنه لا بد أن نعلم أن الخلطة هي المعاناة والنبي عليه الصلاة والسلام قد قال : ( المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم ) . 
والمعتزل بعيداً عن الناس كما قلنا سابقاً لا يعرف صدقه من كذبه ولا يعرف وفائه من غدره؛ لأننا لم نصقله في ميدان التجربة العملية، كيف يمكن أن أربي الشباب عن الترافع عن الشهوات وهم لم يروها ولم يتعرضوا لها ينبغي أن يربوا في أتون المحنة كما تربوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، وفي ذلك المجتمع صناديد الكفر من أمثال أبي لهب وأبي جهل ، وفي ذلك المجتمع الخمور التي تشرب والزنا الذي يفعل، لا أدعوا قطعاً أن يخالطوا هذه الأمور لكنني أقول لا بد أن يعرفوا واقعهم وأن يتربوا على أن يألفوا ويبتعدوا عن المحرمات وأن يلتزموا الطاعات وهم مدركون لما هو في الواقع ويعايشونه ويعرفونه .

الأساس الرابع : الخيار الإسلامي
هو البديل الوحيد المنتظر بعد أن جربت الأمة والشعوب المسلمة كل الخيارات وعرفت كل الشعارات، لقد مرت سنوات عجاف على المجتمعات الإسلامية، فظهر لها الحق من الباطل والخطأ من الصواب لقد دعيت باسم القومية في وقت كان الجهل فيه مطبقاً فاستجابت وإذا بالقومية تتبدد لها قوتها وتضيع عزتها وتذهب ريحها وتعمل فيها كل معاول الهدم والتخريب، وسارت دهراً مع العلمانية فانكشف عوارها ، وبان زيفها ، وانفضح ما خفي من أمرها وصار الناس اليوم يعرفون هذا الأمر معرفة وثيقة والواقع يشهد بذلك، وليسم هذا مجرد قول نظري فأنت عندما تتنبه أو ترى وتسمع عن بلد إسلامي تخرج فيه بعض النساء الفاسقات العاهرات يطالبن بالفسق والفجور وإقرار البغاء ماذا يكون الجواب يخرج في المقابل بعد فترة قصيرة سبعمائة ألف امرأة مسلمة محجبة يرفعن رايات الحجاب ، وتحكيم شرع الله عز وجل، إنه استفتاء صامت يتحرك في المسلمون ليعبروا أن خيارهم هو الإسلام والإسلام وحده فقط .

الأساس الخامس : القدوة أقوى محرك للناس
القدوة العملية الظاهرة أقوى محرك للناس، فإن الدعاة مهما صقلتهم وأعددتهم وإن طلبة العلم مهما علمتهم إذا لم يرهم الناس بأعينهم ولم يسمعوهم بآذانهم ولم يعيشوا معهم في أحوالهم ليس لهم تأثير، وربما يكون من هو أقل علماً وأقل خبرة وتجربة لكنه يعايش الناس في واقعهم ويتحدث بلسانهم فإذا به يظضى عندهم بالقبول ويكون له أثر كبير بينهم .

رابعاً : مفاهيم خاطئة

المفهوم الأول : التنفير من العامة والتقليل من شأنهم 
بعض الناس أو بعض الشباب على وجه الخصوص إذا قلت لهم لماذا لا تعظ أولئك القوم يعني ذوي قرابتك أو أهلك أو كذا، قال ماذا يفعلون هؤلاء عامة وجهلة لا يفهمون ولا يدركون ولا يمكن أن يعملوا شيئاً، وبهذا ربما يسقط تسعة أعشار الأمة الإسلامية لأنها كلها في هذا الجانب تحوي على هذا الوصف أو قريباً منه، والنبي عليه الصلاة والسلام قال : ( إنما تنصرون بضعفائكم ) .
وأنت لا تدري ربما تجد من بين الصفوف تلك العملة النادرة التي تبحث عنها ولا تعرف طريق الوصول إليها .

المفهوم الثاني : إساءة الظن بأحوالهم وعدم مراعاة ظروفهم
فإن بعض الدعاة يقول العامة في ضلال العامة أكثر ما عندهم يعني عادات وتقاليد سيئة، أكثر ما عندهم ممارسات عقائدية منحرفة حتى سمعت مرة بأذني من قال إن تسعة وتسعين بالمائة من الأمة الإسلامية في إيمانهم وتوحيدهم نظر بهذا التعميم وهذا الشمول، ماذا .. ماذا ننتظر من مجتمعات عاشت في ظل حكومات علمانية وإعلام مفسد وشبهات متكاثرة .

المفهوم الثالث : طلب الاستجابة مع وقف العطاء
وليس هناك لا تعليم أيضاً وهو أننا نطلب من العامة دون أن نعطيهم، يقول خطبت فيهم خطبة عن التدخين وكذا ما استجابوا أو دائماً يفعلون كذا ولا يفعلون كذا، ما الذي أعطيتهم إياه حتى تطالبهم بهذه النتائج لا بد أن يكون العطاء أكثر ولا بد أن نتصور أن الاستجابة أقل، هذا أمر بدهي إما أن تقول أني خطبت خطبة في موضوع معين وتريد أن ينصلح حال الأمة لو كان الأمر كذلك لصلح حال الأمة منذ زمن طويل، لأنه ما خلا زمن إلا وفيه مذكر ومبين للحلال والحرام .

لا بد أن نعرف أننا نحتاج إلى بذل جهد بأية صورة كانت من كلمة ومشاركة ومشروع وخدمة وإغاثة وكل شيء حتى يحصل ذلك التأثير، فإن جذور الباطل ما ترسخت عند الناس ومفاهيمه ما عشعشت في أدمغتهم إلا عبر وقت طويل وجهود مكثفة وأعمال ضخمة أثرت ذلك التأثير البليغ .

المفهوم الرابع : التعجل في طلب النتائج 
فلا بد أن نعرف أن تغير الظواهر الاجتماعية من أبطأ الأمور، فنحن على سبيل المثال أذكر أمثلة واقعية في حياتنا منذ فترة من الزمن لم نكن نرى ظاهرة سيئة تسري الآن وهي ظاهرة البرامج الإسلامية والكلمات الوعظية التذكيرية في مناسبات الأفراح والزواج، ما كنا نرى ذلك لم نكن نرى بل فترة ما يعقد في المساجد في المناسبات من الأعياد وغيرها وما له من تأثير إيجابي، لم نكن نرى على سبيل المثال ظاهرة أو جزء من ظاهرة، نرجو إن شاء الله أن تتنامى وهي ظاهرة الزواج المبكر بين الشباب فنحن نرى اليوم من يتزوجون في سن الجامعة بل قبل أن يدخلوا الجامعة، وبدأ هذا الأمر يفشو ، هذه الظواهر لا بد أن يكون هناك من يتصدر لها ويبدأ ويشجع ويبين المزايا ثم تتغير الأمور شيئاً فشيئاً، فلا بد من هذا الأمر .
 

خامساً : إسناد ودعم الداعية

لا بد من إسناد للداعية فإن الداعية وحده أعني به الداعية الذي يصنف على أنه داعية ، يبذل جهده ووقته وعنده بعض الأمور والمزايا التي تؤهله لذلك، لا بد أن يسند عندما يخطب الخطبة الجيدة لا بد أن يكون لكل الذين سمعوا دور في تقويته، فهذا يقول " جزاك الله خيراً " وهذا يقول : " لقد أفدتنا بهذا "، إن الإسناد أمر مهم ؛ فإن اليد الواحدة كما يقولون لا تصفق وإن صدى الحديث الذي ينتشر بعد كلام الداعية أو خطبته وإن التأييد الذي يلقاه ، وإن الرضا الذي يراه في وجوه الناس وابتساماتهم وإن الثناء الذي قد يسمع بعضه ولا ينتظره ولا يريده لكنه يشجعه ويؤيده بل المطالبة أيضاً هو أمر من أمور الإسناد، فإنك عندما تطلب من الداعية أن يزيد في درسه أو أن يشارك في مناسبة فإن هذا لون من ألوان الإسناد لا بد أن نعرفه وندركه .
وأخيراً أقول :
طلب الكمال الدائم أمر غير محمود لا بد أن ندرك أن في العامة كثيراً من الأمور السلبية والقصور ينبغي أن ندركه أنه حتى يكمل يحتاج إلى كل ذلك الوقت الذي أشرت إليه وذكرت بعضاً من نقاطه، نقطتان مهمتان لا بد من ذكرهما وربما يضيق الوقت بعدهما عن بعض ما ورد من الأسئلة .
 

فوائد الدعوة العامة 

أولاً : الفوائد التي تعود على الداعية نفسه

الفائدة الأولى : التكوين 
فإن الداعية الذي يخاطب العامة لا بد أن يكوِّن نفسه، أن يحضِّر درسه وأن يُعِد خطبته وأن يرجع إذا سأل في مسألة لا يعرفها إلى كتب الفقه أو إلى أهل العلم ليعيد الجواب إلى السائل، وهذا كله تكوين من واقع المعاناة، لو لم يكن عنده حاجة ولا اختلاط بالناس لما احتاج إلى أن يقرأ ولا إلى أن يحضِّر ولا إلى أن يبحث ليفتي أو ليجيب ولا إلى شيء من ذلك كله .

الفائدة الثانية : التهذيب والتقويم 
 فإن التربية بالخلطة والمعاناة كما ذكرت من أهم أنواع التربية، فإن كان ضيق الصدر يتعود على الحلم والأناة عندما يحتك ويختلط بالناس، وإن لفت نظره بما قد يقع فيه من خطأ إنما يكون إذا كانت العيون ناظرة إليه وهو شاخص أمامها، وأذكر لذلك أمثلة تبين لك أن العامة والناس لهم دور في توجيه هذا الداعية وتقويمه، فإنه أحياناً قد يفعل الفعل لا يلتفت له ولا يقصد به سوء فإذا به يؤثِّر في إنسان ما فيأتي له معترضًا أو منبهاً فيستفيد من ذلك أيما فائدة، وعلى سبيل المثال  عندما يدعو مثلاً الخطيب في خطبته وأحياناً في قنوته في الوتر أو كذا كما في رمضان فيذكر مثلاً بعض القضايا الإسلامية أو يفردها ببعض الموضوعات والذكر والتنويه بها، فيأتي فيقول له أنت دعوت مثلاً للبوسنة وفلسطين لماذا لا تدعو لإرتريا وكشمير، هذا في حد ذاته يبين أن هناك تفاعلاً وأيضا يلفت النظر إلى ما قد يغفل عنه الإنسان في بعض الأحيان وهذا أيضاً يبين ويدل الإنسان على كثير مما قد يغفل عنه أحياناً عن غير قصد .

ثانياً : الفوائد التي تعود على المجتمع 

الفائدة الأولى : التوجيه والتعليم
وعامتهم يحتاجون إلى تعليم وإلى توجيه لم يتعلموا في مدارس لم يتعلموا في حلقات العلم لم يتخرجوا من كليات شرعية يحتاجون إلى من يبصرهم بأحكام الدين ومن يوجههم له وهذا يتم من خلال الدعوة العامة .

الفائدة الثانية : التصويب والتقويم
فإن لبيئات الناس أفكاراً منحرفة وممارسات خاطئة وأموراً يظنون ـ أحياناً لا بأس بها، ويرون أنها لا حرمة فيها وهنا يأتي الدور في تقويم هذه الأخطاء بالأسلوب الحسن وبالدليل الواضح والحجة الدامغة وبالأسلوب الذي يشجع ويرغب في فعل الخير وترك الشر .

الفائدة الثالثة : التحرك العملي 
للإسهام في القضايا الإسلامية كثيراً ما كان الناس يعانون عندما يستمعون للخطيب وهو يحمسهم وكذا ويشعرون بعد ذلك بالعجز وأنهم لا يستطيعون أن يقوموا بعمل، أما اليوم من خلال الدعوة العامة فيمكن بعد أن يخطبهم الخطيب أن يدعوهم للتبرع نصرة لإخوانهم وهناك هيئات ومؤسسات دعوية توصل هذا الدعم، كذلك من الممكن عندما يخاطبون في أمر ما أن يكون لهم دوراً ومساهمة، نحن نشكو في هذا المجتمع مثلاً من ضياع الأطفال وبعض صغار السن من الشباب في الشوارع وكذا يمكن من خلال المسجد أن يتوجه مجموعة من أهل الحي أو أهل المسجد ليعالجوا هذه المشكلة بصورة عملية، فالدعوة العامة تحوِّل الشعور إلى صورة عملية وهذا في حد ذاته يرفع كفاءة الناس ورغبتهم في الخير وجدهم في العمل بدل من أن يكونوا مستمعين فحسب ليس لهم هم إلا أن يسمعوا فإذا تحركوا ولم يجدوا مجالاً ماتت بعد ذلك هممهم أو أصيبوا بالإحباط الشديد ورأوا أنه لا أمل لإصلاح الأحوال ودب اليأس في قلوبهم، فالدعوة العامة بصورها المختلفة المتعددة تحرك الناس ليس بنظريات وأقوال بل بعمليات وأعمال .

الفائدة الرابعة : المرجعية المؤهلة 
فإن العامة إذا برز الدعاة لهم وخاطبوهم ووثقوا وشعروا بالثقة والاطمئنان أن هناك من يرجعون إليه إذا أشكل عليهم أمر أو إذا عرض لهم سؤال أو إذا وقعت مشكلة، فوجود الدعاة وانتصابهم وتحركهم مع العامة يوجد عند العامة هذه الثقة والاطمئنان والشعور بأن هناك من يرجعون إليه ومن يبثون له شكواهم ويعرضون له مشكلاتهم ويطرحون عليه أسئلتهم، بينما لو كان الدعاة مقتصرين على النجوى فيما بينهم وخيرهم مقصور على كما قلت فئات معينة فإن الناس يظلون هكذا بلا مرجع يرشدهم وبالتالي إما أن لا يهتموا بهذه القضايا والمشكلات وإما أن يخبطوا فيها خبط عشواء بعيداً عن الإرشاد الديني والتوجيه الدعوي .

الفائدة الخامسة : منافسة تيارات الفساد
الدعوة العامة نوع من المنافسة لدعوات أخرى لا تنادي بهذا الدين ولا تلتزمه نهجاً للحياة ولا حكماً لسائر أوجه نشاطات الحياة، فلذلك هناك كثير من الاتجاهات العلمانية والقومية والتغريبية وغير ذلك من الأنواع كلها تخاطب عامة الناس تقول له : إننا نقدم لك عبر هذا المنهج الغذاء والدواء والمصالح المادية والقضايا الاقتصادية وغير ذلك، وتداعب عقله وتخاطب فكره بأن هذا المنهج هو الذي ينفع هو الذي يفيد وهو اللازم لهذا العصر وهو الذي يبرزنا كقوة حضارية وهو الذي يحسن صورتنا أمام المجتمعات الأخرى الغربية والشرقية إلى غير ذلك،  ينبغي أن يكون لسان الدعوة مخاطباً للعامة حتى يمنع عنهم هذا التيار ويكسبهم إلى صف الإسلام .

الفائدة السادسة : استخراج الطاقات 
فإن الناس طاقات كامنة إذا خوطبوا تحركت طاقتهم، فذلك يقول أنا مستعد أن أنذر جهدي وكثيراً من وقتي لله عز وجل صرِّفوه كيف شئتم يا أرباب الخير ويا أهل الدعوة، أنا يمكن أن أكون مكثراً لسواد المسلمين إذا أردتم أن أنكر المنكر فأنا لا أحسن الكلام ولا أعرف الأدلة لكني أذهب معكم، فبدلاً من أن تكونوا عشرة فلتكونوا عشرين واحد متكلم أو عشرة متكلمون وعشرة مؤيدون، لا شك أن هذه طاقات كبيرة قد يكون بعضها قليلاً وبعضها كبيراً لكنها تستخرج من خلال هذه الدعوة العامة .

الفائدة السابعة : الحياد النافع
الحياد دون أن يكون هناك اصطفاء أو أخذ لكثير من المكاسب مثلاً بعض الناس متلبس بالمعاصي وفي ذهنه كثير من الشبهات، لا أقل من أن يكون للدعوة العامة فائدة أن تجعله محايداً إن لم يكن في صف الإسلام فلا أقل أن لا يكون في صف يعادي الإسلام وهذا في حد ذاته مكسب كبير، فإن أعداء الإسلام وأهل الباطل استطاعوا أن يجعلوا من أبناء المسلمين من هم محاربون للإسلام والمسلمين بكل جهدهم وطاقتهم وعن قناعة وليس أحياناً عن عمالة بل عن قناعة تجده يقول بعض الأفكار ويدعو إلى تحرير المرأة ويدعو إلى الاختلاط في التعليم وكذا ... وكذا ليس عن عمالة بل عن قناعة، أفكار غرست وألقيت في ذهنه وعقله واقتنع بها بعيداً عن التذكير والدعوة والإرشاد، فلا أقل من أمثال هؤلاء أن يعرفوا الخطأ وأن يقفوا على صف الحياد إن لم يكونوا مع الإسلام والمسلمين .

الفائدة الثامنة : التهيئة لجيل الاصطفاء 
فإن هذه الدعوة العامة ستوجد بين الناس وعياً وعلماً وحماسة ثم ستستطيع الدعوة أن تنتخب من بين من توفرت عندهم الحدود الدنيا للعلم والحماس والغيرة على الدين، من يُصطفون ليكونوا أكثر علماً وأكثر حماسة وأكثر بذلاً في سبيل الله عز وجل وفي سبيل هذه الدعوة .

مخاطر في أثناء الدعوة العامة

أولاًً : الغرور والعجب
 بالنفس وهذا كما قيل : " كم قصم الغرور من ظهور" ؛ فإن الداعية أحياناً قد يلقي الدس أو الخطبة فيسعد الناس ويثنون عليه، فإذا به يغتر بذلك ويعجب بنفسه ويتطلب مدح الناس فينحرف عن قصد رضوان الله وطلب مرضاته سبحانه وتعالى، ولا شك أن هذا من أعظم الفتنة وأعظم الزيغ وهو من الأمور التي يتعرض لها أرباب الخير أكثر من غيرهم، فالمصلي - مثلاً - لا يتعرض لفتنة الإمام عندما يقال له إن صوتك جميل وإن قراءتك ،مجودة المأموم لا أحد يقول له ذلك، الذي يخطب يعترض لهذه الفتنة أكثر من الذي يستمع، الذي يُحسن الكتابة يتعرض لهذه الفتنة أكثر من الذي لا يكتب ولذلك الدعاة محفوفون بخطر الغرور والإعجاب بالنفس أكثر من غيرم، وهذا بمثابة الألغام في طريقهم، ينبغي أن يحذروا منها وأن يكون عندهم أجهزة يكتشفون بها مواقع اللغم حتى لا تقع أقدامهم عليه، ومن هذه الأجهزة دوام الخلوة أو وجود الخلوة مع الله عز وجل ولزوم طلب النصح من المقربين الثقاة حتى لا يغفل الإنسان عن حقيقة نفسه ولا يغره شيطانه ولا يلهيه أو يغويه ثناء الناس عليه، ورحم الله أبا بكر عندما أُثني عليه فقال :" اللهم اجعلني خيراً مما يظنون ، واغفر لي ما لا يعلمون " .

ثانياً : الاستجابة لضغط الواقع 
إننا انتدبنا الدعاة ليخاطبوا الناس ويغيروا واقعهم من الانحراف إلى الصواب، لكننا أحياناً نجد الداعية لا ينتبه لنفسه وإذا به كأنه يحقق ما يطلبه المستمع أو ما يطلبه الجمهور كما يقال، نريد له أن يخاطب الناس بالتوسط والاعتدال فإذا بهم يقولون له افعل كذا ولماذا لا تتحدث في موضوع كذا ولماذا لا ... فيستجيب لهم، مع أن الأصل أن هذا التوجه كان هو يريد أن يقوِّمه وأن يصوِّبه في حياته، ولذلك كثيراً ما يقع المتصدر للتوجيه تحت ضغط الواقع هذا يأتيه من هنا وهذا يطلب منه هنا وهذا كذا .

ينبغي أن يقبل من الناس لكن أن لا ينسى المنهج الإسلامي الذي يحكم به كل شيء ، وأن يستفيد من هذا ليوجه، فإذا رأى في الناس إفراطاً ذكرهم بأنكم طلبتم كثيراً من هذه الأمور ، ولكن هذا إفراط وإذا رأيت تفريطاً ، ذكِّرهم بأنكم ذكرتم هذا ولكن هذا تفريط وكذا، فإن بعض الناس قد يغفل عن هذا ويقع في هذا الجانب ويسبب خطراً كبيراً .

ثالثاً : القول بغير علم 
وهذا يقع للداعية أحياناً عندما يسأل فيقول لا أدري والثانية يقول لا أدري الثالثة قد يستحي فيقول بعض القول والرابعة ... ثم يكون بعد ذلك جاهزاً على الإجابة على كل سؤال في كل مجال وهذه مصيببة كبرى كما قيل، إذا أخطأ العالم فقد أصيبت مقاتله، وهذا أمر خطير ينبغي التنبه له.

رابعاً : تجاوز الحدود الشرعية 
فإن منابر الدعوة قد تدعو إلى الحماس أحيانا،ً وقد تدعوا إلى موافقة كلام الناس أحياناً فيتجاوز الحد الشرعي المطلوب دون أن يلتفت إلى مثل هذا القول .
وأكتفي بمثل هذا وأنتقل للنقطة الأخيرة وهي نقطة مهمة حول الموضوعات والضوابط التي يخاطب بها العامة .

ضوابط للدعوة العامة

أولاً : الإكثار من الاستشهاد 
والنصوص والأدلة الشرعية من القرآن والسنة؛ فكم يكون جميلاً عند الناس وقع الحديث الذي بين كل فقرة وفقرة آية قرآنية وبين كل فكرة وفكرة حديث نبوي وبين كل قضية وقضية استشهاد تاريخي، لا شك أن هذا يناسب حياة الناس وقلوبهم، فإن الناس لا يريدون منك كلاماً فكرياً ولا تنظيراً عقلياً، وخاصة عوام الناس لا يحركهم ولا يلفت نظرهم إلا عندما تقول لهم قال الله تعالى ، وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان من سيرة أبي بكر وكان من فعل عمر رضي الله عنه .

ثانياً : أسلوب الترغيب والترهيب
لا ينفع للعامة المخاطبة العقلية الفكرية النظرية والعمق كلا ! يكفيك من هذا أن ترغب في الخير مما ورد من نصوص وترهب من الشر بما ورد من الوعيد، فإن هذا كثيراً ما يؤثر في الناس بشكل كبير .

ثالثاً : الإكثار من القصص التاريخية

رابعاً : الاستنطاق والمتابعة للأحداث الواقعية 
فإن الناس يسمعون الخير اليوم فإذا جاءوا وسمعوا أثره وصداه وتقويمه وتحليله وبيان فوائده وسلبياته من ذلك الداعية، عرفوا أن الداعية والإسلام يواكب كل شيء وله في كل شيء حكم وتوجيه وتقويم، أما أن تقوم القيامة - كما يقولون - وتنهد الدنيا وتحصل المشكلات وتقع الأمور وكذا وهذا في وادي والناس في وادي آخر لا شك أن هذا يكون تأثيره ضعيفاً .

خامساً : المعايشة اليومية 
 أعني بها أن يتكلم الداعية بما يقع في حياة الناس يتكلم عن المشكلات الزوجية عن مشكلات الأبناء عن حتى ما يجد من الظواهر الاجتماعية التي تستحدث في حياة الناس ويكون بصيراً بهذا إن لم يكن هو قريباً منه، فليأخذ ممن يعرفون هذه الأمور ويكون مستشهداً حتى بأسلوبهم بأمثلتهم الدارجة ببعض أساليبهم في تعبيراتهم بلهجتهم العامة بحسبما يقتضي ذلك حتى يعرفوا أن أمثلتهم من واقعهم ومما يعيشون فيه فهو منهم وأعرف بهم وخبير بقضاياهم .

سادساً : البساطة والوضوح في العرض 
لا يحتاج إلى التعقيد ولا إلى التقعر والتشدق، بعض الدعاة أحياناً قد يرون أن البلاغة العالية، وأن الأساليب البيانية الفريدة وأن الاستشهادات الشعرية الغريبة هي التي ستعلي قدره عند الناس بينما ينتهي - كما قلت - ولا يعرفون ماذا تكلم ولا عن أي شيء تحدث وهل تحدث بالعربية أو بغيرها لأنهم لم يفقهوا منه شيئاً .

سابعاً : البعد عن الغرائب والشواذ من المسائل 
فهذا كثيراً ما يبلبل الناس، تجد الناس قد ألفوا أمراً وربما يكون في خطأ لكن يحتاج إلى أن يلامسهم  ملامسة، لا يأتيهم بما يفجعهم أو يفاجئهم فيستغربون منه وينكرون عليه ولا يتقبلون منه، لا يعني ذلك كما قد يقول قائل أننا نقر الباطل ! لا .. ولكن لكل شيء أسلوب لكل شيء أسلوب مناسب وسياسة تدريجية تبين الخطأ من غير أن تأتي بالأمر الشاذ البعيد .

ثامناً : البعد قدر المستطاع عن التفريعات 
وكثرة الاختلافات فإنها تبلبل العامة وتجد من الناس من يقول هذه المسألة هناك من قال يجوز وهناك من قال حرام، وهناك من قال مكروه وهناك من قال واجب، نحن لا نعرف هل الدين واحد أم آراء متعددة ويحصل للناس بلبلة كثيرة، عند تعليم العامة ينبغي أن نعطيهم الخلاصة التي نرى أنها راجحة مدعمة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإذا احتاج الأمر إلى بعض التفصيل فبقدر ما يحتاج إليه بعيداً عن ما قد يشوش على الناس .

موضوعات مقترحة للدعوة العامة

1 - الموضوعات الإيمانية
 يتحدث لهم عن أصول الإيمان بالله ورسوله وملائكته وكتبه بالأسلوب البسيط الواضح كما قلت، وأن يركز لهم على المنهج الصحيح من خلال صور عملية عندما يتكلم لهم عن القضاء والقدر فليذكر لهم حديث ابن عباس رضي الله عنه عندما علمه الرسول عليه الصلاة والسلام ولقنه تلك الكلمات : ( واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك ، وما أخطأك لم يكن ليصيبك ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ) .
هذا في حد ذاته كنموذج أبلغ في التأثير وتفهيم الناس هذه القضية والحقيقة الإيمانية عبر المواقف والقصص من سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام .

2 - الآثار الإيمانية
وأن الإيمان قول وعمل حتى يبطل ما يشيع بين الناس أن الإيمان في القلب ونحن أصحاب نيات طيبة ، وإن قارفنا الحرام وإن قصرنا في الحرام، ينبغي أن نصحح هذا المفهوم الخاطئ ونعرف الناس تعريفاً واضحاً أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص كما هو مذهب أهل السنة والجماعة .

3 - الأخطاء والانحرافات العقدية
التركيز المنهجي على هذه الأمور وذلك بالأسلوب المناسب ؛ حتى يزال أثرها من العقول وتبطل حجتها عند الناس .

4 - أمور العبادة     
ومن ذلك أيضاً أمر العبادات وأول أمرها بيان أحكامها وتشريعاتها، كثيراً من الناس لا يعرفون كثيراً من أحكام الطهارة، يخطئون في أداء الصلوات وبعض الناس أو بعض الشباب للأسف أحياناً إذا جاء فاستمع إلى خطبة ينبه فيها الخطيب إلى بعض أخطاء الناس في صلاتهم أو في وضوئهم أو كذا، قال نحن جئنا لنسمع هذه الأحكام والوضوء والصلاة كأنه هو الذي سمع الخطبة وما يعلم أن هناك مئات غيره يحتاجون إلى هذا وهو أساس من أسس الدين، فكأن بعض الناس عندما نظروا نظرات فكرية أو تنظيرية غاب عنهم أن هذه أصول وأمور من أساسيات هذا الدين ينبغي أن نخاطب بها الناس وأن نعرفهم بها .

ومن ذلك أيضاً بيان الآثار التربوية والسلوكية للعبادات وأن العبادة ليست ركعات تنقر وليست أموال تبذل وليست طوافاً وجرياً بين الصفا والمروة دون أن يكون لها أثر بل لها الأثر التقويمي السلوكي في حياة الناس ومن ذلك وأهمه شمول العبادة وأن العبادة تشمل كل الوقت والزمن  { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين } .

5 - التربية الروحية
التي يشتاق معها إلى الطاعات وآثارها وإلى الخيرات وما تلقي في النفس من تقويم وتوجيه وتربية وإصلاح، ومنها أيضاً وهو موضوع مهم إبراز محاسن الإسلام وكمال تشريعاته للناس بأسلوب مناسب مبسط، ومن الموضوعات أيضاً الربط بين العلم والعمل وأن العلم حجة على من علم ، وأنه ينبغي لنا أن لا نكون عندنا جانب عملي يختلف عن الجانب العلمي وهذا من أعظم أنواع الخلال في مجتمعات المسلمين .

6 - التأكيد على معالم الوحدة 
وآثارها الإيجابية ولزومها في أمة الإسلام ؛ مع التنبيه على آثار الفرقة وخطورتها وآثارها السلبية في مجتمعات المسلمين، وإلغاء المفاهيم التي قد تشيع بين الناس من الإقليمية والعرقية والوطنية والتقاليد البالية في مجتمعات المسلمين، التي فرقت الصفوف وغير ذلك مع تحميسهم إلى مشاركة إخوانهم المسلمين وذكر قضاياهم والتعريف بآلامهم .

7 - بيان أن تحكيم شرع الله عز وجل أساس إيماني 
وأنه لا بد منه وبه سعادة الناس في هذه الحياة ونجاتهم في الآخرة وبيان آثار الحكم بغير ما أنزل الله وما جر من البلاء على الأمة .

8 - التوعية بحال أعداء الإسلام 
ومخططاتهم ومؤامراتهم وأعمالهم وكيدهم لهذه الأمة ؛ حتى يرتفع الوعي في عامة الناس في صفوف المسلمين وعامتهم .
وهذه موضوعات كثيرة - كما أشرت - وقضايا أخرى ربما يضيق المجال عن ذكرها 
 

المراجع

موسوعة اسلاميات

التصانيف

عقيدة