( 1 - عدد مرات التقييم )
حلت نوار على معلقة لبيد ، وفارقته في قصائده الأخرى ، وهي في المعلقة لم تكن صاحبه طلل ، ولم يفتتح بها الشاعر ، ولم يتغزل بها ، ولم يذكر صلته بها، ربما رأيناه يخاطبها بصيغة أقرب منها للخصومة من المودة ، ولبيد افتتح معلقته بديار درست وأصابها وابل من المطر أتى على العصي والقصي ، والشاعر الجاهلي يتعامل مع المطر وفق مراميه فمرة يجعله خيرا وأخرى شرا وثالثه يحوله في اللحظات الأخيرة إلى خير وبمعنى أدق غيث ، وكذلك فإن هذا الشاعر له ألفاظ ومعان لها دلالات حول غرض الشاعر ،
فمثلاً تشبيه الديار الدراسة بالكتاب يعني أن هناك سجلا ،أو تاريخاً ،أو حدثاً يستحق الذكر والذاكرة، كقوله في البيت الثاني :
فمدافع الريان عري رسمها * خلقا كما ضمن الوحي سلامها
ومن نافلة القول أن الوشم يعبر في كثير من استعمالاتهم عن علاقة الشاعر بالقبيلة ،أو انتمائه وهويته ، وهذا ما نراه في قول لبيد :
أو رجع واشمة ، أسف نؤورها * كففاً تعرض فوقهن وشامها
ورجوع الوشم خير من ذهابة عندهم(2) ، والشاعر يلح على الأقلام ، والكتب ، كقوله :
وجلا السيول عن الطلول كأنها * زبر تجد متونها أقلامها
ومما يلاحظ أن الشاعر لم يقف عليها إلا في البيت العاشر ، ولم ينشد بها امرأة ، وإنما عمد إلى إسكات الطلول وإخفاء آخر عهد الشاعر فيها :
فوقفت أسألها ، وكيف سؤالنا * صما خوالد ، ما يبين كلامها
كما أن لبيداً أخفى علينا ساعة الوقوف ، على الرغم من تحديده لمكان الديار في أول بيت افتتح به معلقته ، ومما يلاحظ أيضا أن الشاعر حين انتقل إلى رحلة الظعائن ، لم يقل بأن حبيبته في هذه الرحلة ، ولم يكن هناك ما يضفي على الرحلة من لمسات روحية عاطفية سوى قوله :
شاقتك ظعن الحي ، يوم تحملوا * فتكنسوا قطنا ، تصر خيامها
وبهذا الوصف المادي يدفع الشاعر الرحلة إلى وسط السراب لتصبح نهبا لأكثر من سراب تغيب به ليخرج علينا فجأة بقوله :
بل ما تذكر من نوار ، وقد نأت * وتقطعت أسبابها ورمامها
فالشاعر بعد ستة عشر بيتا أخرج نوار ، ويبدو أنه أخرجها من عمق سراب الظعائن ليتابع معها طريق الرحلة ، وأين تحل وترحل ، ثم نراه يعلن عن قطع علاقته بنوار لأنها تغيرت نحوه ويذهب إلى رحلة طويلة جاعلا الصراع بين ناقته وقسوة الطبيعة ، من ثم مطاردة الصيادين وكلابهم للبقرة الوحشية التي تقمصتها الناقة ، ومما هو مثير أن الرحلة التي استغرقت ستة وثلاثين بيتا قد بدأت بقوله :
فاقطع لبانة من تعرض وصله * ولخير واصل خلة صرامها
وانتهت إلى قوله:
أقضي اللبانة ، لا أفرط ريبة * أو أن يلوم بحاجة لوامها
والأكثر إثارة هو أنه بدأ حديثه عن نواره بقوله : ما تذكر نوار ، وانتقل مباشرة بعد انتهاء الرحلة في البيت السادس والخمسين إلى القول :
أو لم تكنْ تدري نوارُ بأنني * وصالُ عقدِ حبائلٍ جذّامها
فهل كان هذا مصادفة ، أم أن نوار لها مالها في هذه المعلقة ،مما أثار عليها أقلام الباحثين وخيالهم ، وتأويلاتهم .
وحقاً فإن مقدمة المعلقة تفردت ببعض السمات ، فهي كما تنبه الدكتور بدوي بطانة إلى ((أنها خلت من ذكر المرأة ، ووصف الشغف بها والصبابة بهواها ، وقد خلا مطلعها تماما مما عهدناه عند السابقين من أصحاب المعلقات "(3). كما لاحظ الدكتور بدوي أن الرواة قد ذكروا لكل معلقة سببا دعا إلى إنشادها لكنهم لم يذكروا سبباً أو تجربة خاصة للبيد في نظم معلقته(4) . وللدكتور طه حسين رأي آخر في معاني المعلقة وموضوعها ، فقد لا حظ وجود غموض وإبهام في بعض أبيات المعلقة رغم جلاء الألفاظ(5) .
والواقع أن مناسبة المعلقة هي حروب الفجار بين قوم الشاعر، وقريش "ذلك أننا نرى أن السبب الذي خفي على الباحثين في معلقة لبيد هو "الحدث التاريخي "في حروب الفجار فالمعلقة حملت إشارات ورموزاً لم يجد لها الباحثون تفسيراً؛ فضلا عن أن الرواة لم يرووا سببا ،أو مناسبة في نظمها، وقالوا: "أما السبب في نظمه المعلقة فلم تذكر الكتب عنه شيئا "في حين يأتي مطلع القصيدة مفتاحاً لهذا الرمز الكبير الذي كان وراء نظمها ، ومن ورود أسماء وإشارات كثيرة في المعلقة نؤكد هذا الرأي "(6) .
ولبيد يفتتح معلقته بقوله :
عفت الديار محلها فمقامها * بمنى تأبد غولها فرجامها
فالشاعر يشير إلى توحش الديار ، ويحدد مكانها بمنى "وقالوا المراد بمنى مكة "ويقول الهمداني "وقد جمع لبيد كثيرا من نجد والحجاز في قصيدته الكبرى "(7)
ولنا أن نلاحظ حيرة الشراح في قوله:
دمن تجرم بعد عهد أنيسها * حجج ، خلون : حلالها وحرامها
فقالوا " ولا يدرى حقيقة ما أراد من العدد ، فما معنى تكمُّل سنين لا يعرف كم هي ؟)) (8) فرأوا أن الجواب في قول ابن كيسان : "أن من الناس من يتجنب دخول الديار في شهور الحل ، وهي ثمانية – ويدخلها في الشهور الحرم وهي أربعة رجب ، وذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم لأنه آمن ، وهذا يصف أن هذه الديار لا يدخلها أمن ، ولا خائف لخرابها ، فقد تكملت لها أحوال على هذا يؤكد بها محو آثارها "(9).
وقد يكون ابن كيسان أصاب في قوله لا يدخلها آمن ولا خائف ، ولكن ليس لخرابها ، وإنما لأن الشاعر قد تقطع عهده بمكة ولم يعد هناك ما يفيده بعد أن فعلت فعلها السنون بشهورها الحلال والحرام ، إذا كان الناس لم يراعوا حرمة الأشهر الحرم ، وفجَروا بها ؟
ولبيد ممن عرف بلوحاته المطرية متأثرا بامرئ القيس ، وتميز بتوظيفه للمطر في عتابه لبني عامر أ،و في تهديده أو في دعائه لهم بالسقيا ، ونراه في المعلقة يذهب إلى نوع آخر من التصوير أثار فيها حيرة الباحثين أيضا ، ففي قوله :
رزقت مرابيع النجوم ، وصابها * ودق الرواعد جودها ، فرها مها
فقد وقف الدكتور مصطفى عبد اللطيف ليقول : "وقد بلغ من تلذذ الشاعر (يعني لبيدا) بوصف ما بعث المطر من حياة في الديار أن المفسرين اختلفوا في قوله : "رزقت مرابيع النجوم .. أهو يدعو بالسقيا أم يخبر .." (10)
ويلاحظ أن "شدة المطر وانفجارية الرعد بصوته ، واختيار الليل زمنا له يعني أن الشاعر قد أحدث بالطلول كارثة طبيعية بعد أن جعل المطر متواصلاً مما جعل السيول تغطي كل شيء ، فكان ذلك سببا في تعريتها وخلوها من أهلها ، ولو أن قوم لبيد قد انتصروا في هذه الحروب لكان هناك كلام آخر يغني للنصر"(11)
ولنا أن نوازن بين فرح زهير بن أبي سلمى في ديار أم أوفى، وبين صمت ديار لبيد وتوحشها ، يقول زهير :
بها العين والأرآم يمشين خلفة * وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم
بينما يقول لبيد :
والعين ساكنة ، على أطلائها * عوذا تأجل بالفضاء ، بها مها
وبين وشم زهير ،وعودته:
ديار لها بالرقمتين كأنها * مراجع وشم في نواشر معصم
وبين غموض الوشم عند لبيد ، بقوله :
أو رجع واشمة أسف نؤورها * كففاً تعرّض فوقهن وشامها
بينما كان طرفة أكثر وضوحاً من لبيد ، بعد أن جعله بقايا وشم في ظاهر اليد،ثم قوله :
سقته إياة الشمس إلا لثاته * أُسفَّ ، ولم تكدم عليه بأثمد
ثم إن لبيداً لم يكن واضحاً في رسم صورة ناقته ومسار الرحلة والغرض منها "ويمكن أن نتلمس ذلك من خلال الوقوف على تشبيهات الشاعر ، فقد رأى ناقته سحاباً أهرق ماؤه ،ثم أتانا يتبعها حمار ،وقد رابه عصيانها ووحامها ، وصورهما يرجعان بأمرهما إلى ذي رأي سديد، وبعد أن استكمل صورة ناقته عدل عن رأيه ورآها بقرة وحشية أكل السبع ولدها فتركها تصوت جيئة وذهاباً لمدة سبعة أيام بلياليها إلى أن يئست من إيجاد ولدها ، ثم لم تلبث أن صوت أناس فجزعت ، وتوجست خيفة منهم أن يصيدوها ،فحاصرها الخوف من كل ناحية ،وقد أرسلوا نحوها وابلا من السهام لكن دون جدوى ،فما كان منهم إلا أن أرسلوا كلابهم الضارية عليها ، فلحقن بها ، لكنها كرت عليهم تطعنهم بقرونها الحادة تذود عن نفسها بها ولا سبيل أمامها سوى أن تدافع بكل قوتها ، فكان لها النصر إذ "طعنت كساباً وفر سهام "، ويبدو أن هذه الصورة قد أشبعت نفس الشاعر فقال :
فبتلك إذا رقص اللوامع بالضحى * واجتاب أردية السراب ، إكامها "(12)
ومما يلاحظ أن الشاعر الذي عقـّد الصراع وحشد له ألوان المخاطر والأهوال ، ليخرج من هذه الصور المتلاحقة إلى إعادة ذكر نوار ، فما الذي يهدف إليه الشاعر ؟
تشير سيرة حياة لبيد إلى أنه كان ذا صلة حميمة بمكة ، وكان دائم الهبوط إليها ، والناس تقدمه وتكرمه ، لكن هذه العلاقة الطيبة اضطربت بسبب حروب الفجار بين قومه ومكة ، وما كان منها في يوم عكاظ إذ انهزم قومه وانتصرت مكة وبسطت سيادتها على سوق عكاظ ، وطردت هوازن منه ، ويبدو أن أبا لبيد قتل في هذه الحرب(13) ، ولهذا نرى أن المعلقة تعكس ملامح حرب الفجار ، وربما تكون البقرة المسبوعة تمثل صورة سبيعة بنت عبد شمس في عكاظ ،وهي تدعو قوم زوجها وغيرهم إلى التعلق ببيتها أو الدخول إليه أو الدوران حوله لتجيرهم ، وكان لها ذلك ، في الوقت الذي كانت تعيّر به قيس بما يعرف بمدار قيس في الجاهلية، وربما يكون لبيد يعني ذلك ، وهو يفخر بشمائل قومه فقطع هذا الفخر ليقول :
تأوي إلى الأطناب كل رذيةٍ * مثل البلية قالص أهدامها
وليس بعيداً أن تكون البقرة صورة عن سبيعة ،وهي تبحث عن أصلها وأمجاده ، بقوله :
تجتاف أصلا قالصا متنبذاً * بعجوب أنقاءٍ يميل هَيامها
ومن يقرأ لوحة الصراع عند لبيد سيقف على كثير من الصور ودلالاتها ، كقوله :
علهت تبلد في نهاء صعائد * سبعاً تؤاماً كاملاً أيامها
ولا بد له أن يقف أيضاً على غرضه من قوله :
حتى إذا سلخا جمادى ستةً * جزأا فطال صيامه وصيامها
فالمعروف أن بعد جمادى شهر رجب ،وهو من الشهور الحرام ، ثم من يقرأ قوله :
غلبٌ تشذر بالذحول ، كأنها * جن البدي ، رواسياً أقدامها
فهي صورة جاهلية عندما كانوا يتواعدون إذا تفاخروا وتثالبوا ، والناقة إذا شالت ذنبها ،فهي دلالة عند الشعراء الجاهليين إلى ما يوحي بالحقد على بعضهم.
ونعود الآن إلى نوار ، فالشراح قالوا إنها منسوبة إلى مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض ،وهو قول لبيد(14) :
بل ما تذكر من نوار وقد نأت * وتقطعت أسبابها ورمامها
مرية حلت بفيدَ وجاورت * أهل الحجاز فِأين منك مرامها
بمشارق الجبلين أو لمحجّرٍ * فتضمنتها فردةٌ ، فرخامها
فصوائقٌ إن أيمنت فمظنةٌ * منها وِحافُ القهر ، أو طلخامها
ولا شك أن لبيداً يقصد تشتيت نوار في أماكن كثيرة ليسوغ صعوبة الوصول إليها ، فضلاً عن إبعادها إلى مشارق الجبلين أي أجأ وسلمى ، وما يحمله ذلك من دلالات حول اسم سلمى الذي يعني الخوف والشدة والمغامرة والحب العنيف الذي ينتهي نهاية مأساوية، ولأجل هذا جعل جوابه بعد تسعة وأربعين بيتاً بقوله:
أو لم تكن تدري نوار بأنني * وصال عقد حبائل جذامها
تراك أمكنة إذا لم أرضها * أو يرتبط بعض النفوس حمامها (15)
ثم راح يفخر بكرمه على طريقة الشعراء الجاهليين :
بل أنت لا تدرين : كم ليلة * طلق لذيذ لهوها ، وندامها
ثم انتقل إلى فخره بفروسيته ، لكنه لم يدخل معركة ،ولم يصور اشتباك السيوف، أو كر الفرسان ، وإنما تحدث عن واجبه في حماية قومه:
ولقد حميتُ الخيل ، تحمل شكتي * فُرُطٌ ، وشاحي ، إذ غدوت لجامها
فعلوت ، مرتقباً ، على مرهوبة * حرجٍ ، إلى أعلامهن ، قتامُها
واللافت للنظر هو ذم الشاعر للحرب وويلاتها ، وما تخلفه من مآس كثيرة :
وكثيرةٌ غرباؤها ، مجهولة * ترجى نوافلها ، ويخشى ذامها
ولهذا كان فخره بشمائل قومه في الكرم والعدالة وحماية الجار ، واتباع الحلم ودفع الهوى فرأى في هذه القيم بيتاً للشرف لا يضاهيه بيت في رفعته :
فبنوا لنا بيتاً رفيعاً سَمْكُهُ * فسما إليه كهلها وغلامها
وكأنني بلبيد يرد على بيت سبيعة في عكاظ ، أو أن تكون صورة ذلك البيت تعيش في مخيلته ،فيصدر عنها بيته هذا !!
ولكن يبقى السؤال: من نوار وما غرض الشاعر منها .. ؟! لا شك أن اسم نوار لغة يعني : "المرأة النفور من الريبة "(16) والشاعر ينسبها إلى مرة بن عوف ، فمن مرة ، وما قصته ،
جاء في السيرة النبوية لابن هشام ( مج1 : 98) ما يأتي : (17)
أمر عوف بن لؤي ونقلته سبب انتمائه :
قال ابن اسحق : و أما عوف بن لؤي فإنه خرج فيما يزعمون في ركب من قريش ، حتى إذا كان بأرض غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان ، أُبطىء به ، فانطلق من كان معه من قومه فأتاه ثعلبة بن سعد – وهو أخوه في نسب بني ذبيان ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان ، وعوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان - فحبسه وزوّجَه والتاطه (18)، وآ خَاه ، فشاع نسبه في بني ذيبان ، وثعلبة فيما يزعمون الذي يقول لعوف حين أبطئ به فتركه قومه :
احبس على ابن لؤي جملكْ * تركك القوم ولا منزل لكْ (19)
قال ابن اسحق : وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، أو محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حصين : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : لو كنت مدعياً حياً من العرب ، أو ملحقهم بنا لادعيت بني مرة بن عوف ، إنا لنعرف فيهم الأشباه مع ما نعرف من موقع ذلك الرجل حيث وقع يعني عوف بن لؤي .
قال ابن اسحق : فهو في نسب غطفان : مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان ، وهم يقولون إذا ذكر لهم هذا النسب : ما ننكره وما نجحده وإنه لأحب النسب إلينا .
وقال الحارث بن ظالم بن جذيمة بن يربوع قال ابن هشام : أحد بني مرة بن عوف حين هرب من النعمان بن المنذر ، فلحق بقريش :
فما قومي بثعلبة بن سعدٍ * ولا بفزارةِ الشُّعرِ الرقابا
وقومي إن سألت بنو لؤي * بمكة علموا مضر الضرابا
سفهنا باتباع بني بغيضٍ * وترك الأقربين لنا انتسابا
سفاهة مخلف لما تروّى * هراقَ الماء واتبع السرابا
وقال ابن اسحق : إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال لرجال من بني مرة إن شئتم أن ترجعوا إلى نسبكم فارجعوا إليه، وقال ابن اسحق : وكان القوم أشرافا في غطفان ، هم سادتهم وقادتهم منهم هرم بن سنان بن أبي حارثة بن نشبة بن مرة .وخارجة بن سنان بن أبي حارثة، والحارث بن عوف ، والحصين بن الحُمام وهاشم بن حرمله .
وقال ابن اسحق : قوم لهم صيت وذكر في غطفان ، وقيس كلها ، فأقاموا على نسبهم وفيهم كان البسل ، البسل : فيما يزعمون ثمانية أشهر حرم لهم من كل سنة من بني العرب(20) ولا ينكرونه ، ولا يدفعونه ، يسيرون به إلى أي بلاد العرب شاؤوا لا يخافون منهم شيئاً قال زهير بن أبي سلمى يعني بني مرة :
تأكّلْ فإن تقوِ المروراةُ منهمُ * وداراتها لا تقوِمنهم إذاً نخْلُ (21)
بلادٌ بها نادمتهم وألفيتهم * فإن تقوِيا منهم فإنهمُ بَسْلُ
إذاً فلبيد يعني ما يقول عندما نسب نوار إلى بني مرة ، فهو يدل بها أو يرمز إلى انقطاع عوف عن قريش ، وهو بذلك يرمز بنوار إلى قريش ليدل على انقطاع علاقته معها ، وان صلته الطيبة بقريش قد أصابها نفور ووحشة ، ولم تعد الأيام كما كانت في الماضي . فكان كابنهم عوف الذي انقطع عنهم .
وحظ نوار عند الشعراء الجاهليين قليل ، بيد أنها تأخذ الدلالة نفسها في النفور والوحشة كما هو واضح عند كعب بن زهير في قصيدته(22) :
أمن نوار عرفت المنزل الخلقا * إذ لا تفارق بطن الجو فالبرقا
وقفت فيها قليلا ريث أسـألها * فانهل دمعي على الخدين منسحقا
وتكشف القصيدة ان الشاعر قد بناها على صور ومعاني النفور والفزع ، والخوف ، والمفاجأة أوحين الغرة ، والنأي وصعوبة الوصول إليها :
حلت نوار بأرض لا يبلغها * إلا صموتُ السُرى لا تسأم العنقا
وللقارئ أن يلاحظ كيف هيأ الشاعر ناقة سريعة قوية أمينة ، ثم صورها بقطاة وأدخلها في صراع مع باز كاسر ماهر وراح يصور الفزع والنفور والخوف كقوله :
تنجو نجاة قطاةِ الجو أفزعها * بذي العضاة أحست بازياً طرقا
شهم يكب القطا الكدريَ مختضبُ الـ * أظفار حرٌّ ترى في عينه زرقا
ثم إن كعبا يبيت قطاته في ليلة ماطرة باردة ، فإذا تنفس الصبح وانجلت الظلماء :
غدا على قدر يهوي ففاجأها * فانقض وهو بوشك الصيد قد وثقا
ولنا أن نقف عند ألفاظه : على قدر، وفاجأها ، وانقض ، ثم التحامها بقوله :
بوشك الصيد لتكتمل الصورة فزعاً وخوفاً .
والشاعر لا يخفي قصده من ذلك بل نراه يصرح في خطابه لناقته / القطاة بعد أن أنجاها من صيد وشيك بين يدي الباز، فقال :
نفـّرها عن حياض الموت فانتجعت * ببطن لينة ماء لم يكن رنقا
ولكن ما الذي في مخيلة الشاعر ، وما الذي يريد التصريح به :
ياليت شعري وليت الطير تخبرني * أمثل عشقي يلاقي كل من عشقا
فكعب رحل إلى هذا البيت ، ولم يرحل إلى أمر آخر ، فالقصيدة لا تكشف عن أمر واضح من مديح أو هجاء شخص ما ، وإنما ذم المعاني التي ينفر منها الإنسان ، كما يلاحظ أن نواراً ليست الحبيبة المقصودة وإنما هي جسر للوصول إلى من تسكن قلب كعب:
إذا سمعت بذكر الحب ذكرني * هنداً فقد علق الأحشاء ما علقا
ولكن أين وكيف السبيل إليها:
كم دونها من عدوٍ ذي مكاشحةٍ * بادي الشَّوارة يُبدي وجهه حنقا
وواضح أن غرض القصيدة قد شكل خاتمتها ومن دون أن يفصح عن صريح قصد ولكن هذا لا يمنع القارئ من الوقوف على مشكلة ما بين الشاعر وشخص آخر وأن الشاعر يعرض به ويذمّه دون أن يصرح باسمه أو يعرف به سوى أنه ذو نميمة وعداوة ونزّاعٌ إلى الشر ولا يسأم من الشتائم كالكلب الذي لا يسأم من الهرير:
ذي نيربٍ نزعٍ لو قد نَصبتُ له * وجهي لقد قال كنت الحائن الحمِقا
كالكلب لا يسأم الكلب الهرير ولو * لاقيتَ بالكلب ليثاً مخدراً ذرقا
وفي المقابل تكون أخلاق كعب وشمائله في مد يد العون للآخرين :
ومرهق قد دعاني فاستحبت له * أجزتُ غصته من بعد ما شرقا
وفي الغرض يكتشف الدراس غاية الشاعر من اسم نوار ، وهو النفور من الأخلاق غير الحميدة وكراهية السلوك غير القويم ، وتبدو هند (القبيلة) مجتمع الأخلاق والأمان وهي أخلاق التكافل القبلي
(1) "ديوان لبيد بن أبي ربيعة" : 135 وينظر شرح القصائد العشر: 200
يقول عنترة:
ألا يا دار عبلة بالطويِّ * كرجع الوشم في كف الهدي
ينظر الديوان 157
(2) معلقات العرب: 161 الدكتور بدوي بطانة مطبعة الرسالة، ط1، 1378هـ-1958م.
(3) المصدر نفسه : 162
(4) ينظر حديث الأربعاء 1/37 الدكتور طه حسين دار المعارف بمصر الطبعة التاسعة والعاشرة.
(5) المعلقات الرواية والتسمية: 47 د. عبد الحق حمادي الهواس، دار الفتح للدراسات والنشر عمان الأردن الطبعة الأولى، 1423هـ-2003م.
(6) شرح القصائد العشر: 201
(7) صفة جزيرة العرب: 341 تأليف الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني تحقيق محمد بن علي الأكوع ، وزارة الثقافة والإعلام دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد 1989م.
(8) شرح القصائد العشر: 202
(9) المصدر نفسه: 203
(10) الحياة والموت في الشعر الجاهلي: 178-179 الدكتور مصطفى عبد اللطيف جياووك ، منشورات وزارة الأعلام 1977م، دار الحرية للطباعة – بغداد.
(11) البناء الفني للمعلقات، دراسة تحليلية للقصيدة العربية في مرحلة ما قبل الإسلام، الدكتور عبد الحق حمّـادي الهوّاس.
(12) المصدر السابق: 100
(13) ينظر المعلقات الرواية والتسمية للدكتور عبد الحق الهواس:48
(14) ينظر شرح القصائد العشر: 212
(15) ويروى: أو يعتلق.
(16) معجم الوسيط: 962
(17) السيرة النبوية: 1: 98 قدّم لها وعلق عليها وضبطها طه عبد الرؤوف سعد دار الجيل – بيروت ، 1915م.
(18) التاطه: ألصقه به وضمّه إليه، وألحقه بنسبه ، ومنه : كان يليط أولاد الجاهلية بآبائهم أي يلصقهم.
(19) في الطبري: عرّج
(20) ربما يكون في هذا إجابة لبيت لبيد عند الشرح : ولا يُدرى حقيقة ما أراد من العدد.
(21) تنظر الأبيات في ديوان زهير بن أبي سلمى : 83
(22) ديوان كعب بن زهير: 57
المراجع
موسوعة الأبحاث العلمية
التصانيف
الأبحاث