الشخص..
محاور الدرس
1) الشخص و الهوية
2) الشخص بوصفه قيمة
3) الشخص بين الضرورة و الحرية
 
يتحدد الشخص في السياق الفلسفي باعتباره الفرد الذي تنسب له مسؤولية أفعاله الصادرة عنه، كما أنه يأخذ قيمة خاصة عندما ينظر اليه كذات واعية و حرة و مسؤولة ذات كرامة، نعني ذاتها و قيمتها الأخلاقية، من هنا نطرح السؤال التالي :
كيف تتحدد قيمة الشخص، هل باعتباره ذاتا أخلاقية في تعامله مع الآخرين؟ أم أنه ذات معزولة و متعارضة معهم؟.
تصور كانط : العقل أساس قيمة الشخص و كرامته.

ذهب كانط في تصوره لقيمة الشخص إلى القول أن الإنسان هو أكثر من مجرد طبيعي، إنه ذات لعقل عملي أخلاقي يستمد منه كرامته، أي قيمة داخلية مطلقة تتجاوز كل تقويم أو سعر، وما دام هذا العقل ومقتضياته كونيا، فإن الإنسانية جمعاء تحمل داخل كل فرد مما يستوجب احترامه و معاملته كغاية لا كوسيلة، و النظر إليه كما لو كان عينة تختزل الإنسانية جمعاء. و هذا الإحترام الواجب له من طرف الغير لا ينفصل عن ذلك الاحترام الذي يجب للإنسان تجاه نفسه، إذ لا ينبغي له أن يتخلى عن كرامته، بل يجب عليه دائما أن يحافظ على الوعي بالخاصية السامية لتكوينه الأخلاقي الذي يدخل ضمن مفهوم الفضيلة.

و على هذا الأساس، فمهمة الإنسان لا تكمن في تقبل الحالة الواقعة، وانما في تجاوز الواقع، فالعقل ينبغي أن يتحكم في الواقع و يحكمه، فهو لا يخضع بقدر ما أنه يخضع. كما أن هناك رباطا أساسيا بين العقل و الحرية، لكن الحرية هنا ليست رفض كل ضرورة و إلزام، إنها خضوع للقانون، أي القانون الداخلي للعقل. وفي مجال هذا القانون الأخلاقي يكون الإنسان قانون نفسه، إنه مجال الأوطونوميا الذي يرفض خضوع العقل لما كان يعتبر أوثانث تحده و تحد من حريته. صحيح أن هناك ميادين يعمل فيها العقل بكل حرية مثل العلوم و الصنائع، و لكن هناك مجالات أخرى لا يكون فيها إعمال الفكر حرا، لذا يقوم كانط ضد هذه المجالات، و سيرفض لأخلاقه أن تؤسس على الدين أو أن تكون خضوعا لأوامر خارجية.
هكذا فإذا كان الإنسان يعامل نفسه كغاية بالذات، فواضح أنه لا يمكن الاقتصار على اعتباره خاضعا للقانون، وإنما يجب أن يكون أيضا مانع القانون، و متى كان هذا القانون صادرا عن العقل، كان واحدا عند جميع الموجودات العاقلة و كانت هذه الموجودات بمثابة عالم معقول، أي اتحاد منظم خاضع لقوانين مشتركة.

كتب كانط هذه الأفكار في " أسس ميتافزيقا الأخلاق" في القرن 18، و صحيح أن القرن العشرين شهد تحسنا كبيرا للوضع البشري، لكن عرف في المقابل أزمات و كوارث انسانية خطيرة كالحروب و التطهير العرقي، مما جعل التفكير الفلسفي يعاود مجددا طرح السؤال حول قيمة الكائن البشري بالشكل الذي أكدته بنود اتفاقية حقوق الإنسان. إن هذا الوضع البشري المأساوي، جعل الفيلسوف الأمريكي طوم ريغان يؤكد أن التأسيس الكانطي لقيمة الشخص غير كاف، و حجته في ذلك أننا ملزمون باحترام القيمة المطلقة لكائنات بشرية إير عاقلة مثل الأطفال و المجانين و غيرهم. و عليه فإن الخاصية الحاسمة و المشتركة بين الكائنات البشرية ليست هي العقل، بل كونهم كائنات حاسة أيضا.
و لإبراز و توضيح هذا التصور، يؤكد توم ريغان أن التصور الكانطي بالرغم من أنه عميق و قيم فإنه لا يخلو من تناقصات و مفارقات لخصها في سؤال كبير هو :
· ماهي الكائنات البشرية التي تستحق صفة الشخص؟
 
يجيب ريغان بالقول أن البويضة المخصبة حديثا و المرضى الذين دخلو حالة الغيبوبة الدائمة يظلون بشرا، لكنهم ليسوا أشخاصا وفق التعريف الكانطي، و نفس الحكم ينسحب أيضا على الرضع والأطفال حتى سن معينة، هذا إضافة إلى كل الكائنات البشرية التي تفتقد للقدرات الفكرية التي بموجبها يعرف كانط الشخص البشري، إن كل هؤلاء يفتقدون الحق في الاحترام. هكذا فالانسان ليس كائنا عاقلا فحسب، بل كائن حاس يستشعر حياته أيضا.

تصور امانويل مونييي :

 

يؤكد المذهب الشخصاني الذي يتزعمه ايمانويل مونييي أن للشخص قيمة مطلقة، فهو صاحب المركز الأسمى في الكون. و تتمثل هذه القيمة في خروج الشخص من ذاته و الانفتاح على الآخرين، أي على المجتمع، وهنا لابد للشخص أن يتمتع بالحرية الداخلية و الحرية الخارجية أيضا.
وعلى هذا الأساس يعتبر مونييي الشخص قيمة و غاية في حد ذاته وليس مجرد موضوع خارجي أي شيء مادي، و تتحدد هذه القيمة في مايلي :

أولا : أن الشخص لا يمكن أبدا أن يعتبر وسيلة بالنسبة لشخص آخر أو مجموعة أخرى.
ثانيا : يكون القانون الإجتماعي ظالما عندما يعتبر الأشخاص مواضيع قابلة للتبادل أو التجنيد و ممارسة الإكراهات و العنف ضدهم.
ثالثا : ليست مهمة المجتمع باعتباره نظاما شرعيا و قانونيا و اجتماعيا و اقتصاديا، لا أن يخضع الأشخاص ولا أن يضطلع بتطوير نزعاتهم، و لكن ان يضمن لهم الحماية و الأمن و أوقات الفراغ و اللعب و مساعدتهم على بلوغ الحرية من خلال تربية تأخذ بعين الاعتبار الشخص كغاية في حد ذاته.
تصور هيجل :
يرى التصور الهيجيلي أن القيمة الأخلاقية للشخص لا يمكنها أن تتحقق إلا داخل حياة المجموع، فكل شخص حسب هيجل، وانطلاقا من المكانة التي يحتلها داخل الجماعة التي ينتمي اليها، عليه الإلتزام بواجباته و القيام بدوره و المهام التي اسندت اليه، انها دعوة للإنفتاح على الآخرين و على الواقع من خلال علاقة جدلية أساسها التأثير و التأثر، و معيارها يكمن في السلوك الأخلاقي الذي يصدر عن شخص امتثالا للواجب الأخلاقي.
فالشخص حينما ينخرط في روح شعبه، يصبح مشاركا و مساهما و منخرطا في الروح العامة لشعبه التي تظهر في حضارته بكل قيمها و فنونها و مؤسستها، وهذا يكتسب وجود الشخص كونية شعبه.
هكذا، لا يكتسب الأفراد أي قيمة الا حينما يمتثلون لروح شعوبهم و يختصون بمهمة داخل حياة المجموع، وتكون هذه المهمة قائمة على اختيار حر الفرد.
ومن جهة أخرى، يرى هيجل أن إضفاء صنعة كونية على الفرد يتم من خلال التربية التي تعلمه ما يصلح أخلاقيا للجميع، و تربيه على الغايات العامة للمجتمع كالخير والحق والواجب.
تصور راولز :
تقوم نظرية العدالة عند راولز على فكرة مفادها أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، قادر على المشاركة في الحياة الاجتماعية و لعب دور معين فيها. فقيمة الشخص تكمن في كونه مواطنا، و جميع الأشخاص هم مواطنون أحرارا وأندادا، بفضل كفاءاتهم العقلية و الأخلاقية.
وفي هذا الإطار، ينتقد راولز في كتابه نظرية العدالة تصور النفعيين الذين لا يهتمون بالحريات الأصلية للأفراد، و يؤكد أن هذه الحريات لا يمكن بيعها و شراؤها، ولا يمكن التضحية بها إذا تعارضت مع النفع العام. و هنا لابد للنظام الاجتماعي مراعاة الحقوق العامة للأفراد، و يذكر منها حق التعبير و حق العمل و حق الإجتماع و حق الملكية و حق الحماية من الأعتقال و السجن التعسفيين.
و من جهة أخرى، يؤكد أن العدالة الإجتماعية تقتضي توزيع الخيرات على جميع المواطنين بشكل عادل، على أساس أن جميع هذه الخيرات ملك لجميع الأفراد، و جميع الأفراد ساهموا في حصول هذه الخيرات.
هكذا تعتبر الخيرات كلها غير موروثة، فهي مكتسبة و قابلة للتداول، ذلك أن المجتمع العادل يضمن لكل من ينتمي إليه حريات مدنية لا يمكن المساس بها، و تضمن له أن يبلغ ما يشاء من الدرجات.
موقف غوسدورف :
يرى جورج غوسدورف أن معرفة الذات لا تحقق بمجرد النظر إلى أنفسنا و التأمل فيها، إنها لا تتحقق إلا بواسطة العالم وفي العالم، لذلك نجده يقيم تقابلا بين الفرد باعتباره يعني ذاته و الشخص الذي يكتمل مع الآخر و يكتسب قيمته داخل الجماعة.
فالكمال الشخصي حسب غوسدورف لا يتحدد في مجال الوجود الفردي المستقل، بل يتحقق في مجال التعايش و داخل المجموعة البشرية، و انفتاح الذات الفردية على الكون و تقبل الآخر.
المحور الثالث- الشخص بين الدرورة و الحرية
الطرح الإشكالي للمحور
يمكن أن يتعرض وجود الشخص في علاقته بالجماعة أوبالأخرين إلى نوع من الإستلاب أو التشيء بسبب الضرورة التي يفرضها المجتمع على أفراد فالفرد يبدو سجين منضومه من القيم والعلاقة التي تحد من أفاقه وتطلعاته الشخصية .
إذن، و امام هذا الوضع يمكننا الإفصاح عن الطبيعة الإشكلية لهذا المفهوم كالتالي:
هل الشخص ذات حرة فيما يصدر منه من أفعال أم أن هناك حتميات تنقى حريته مشروطة بها ؟
بعبارة أخرى : هل يعني أنه لا مكان للحرية في حياة الشخص ؟أم أن حرية الشخص هي حرية في حدود الذي يختاره؟
· موقف سبينوزا :
· ينتقد سبينوزا التصور العامي الذي يعتبر الانسان حرا في اختياراته،فاعلا وفق مشيئته ،و يتولد هذا الوهم الشائع عن وعي الناس بأفعالهم و رغباتهم وجهلهم بالاسباب الالحقيقية المحددة لأفعالهم.
 
وكما يقول " فإن الناس يعوون حقا رغباتهم لكنهم يجهلون العلل الخفية التي تدفعهم إلى الرغبة في هذا الموضوع أو ذاك ...." ومن هذا المنطلق ينتقد كل حرية إنسانية خارج عما هو طبيعي .
موقف سيجموند فرويد
ويبدوا أن العلوم النسانية المعاصرة تقدم دلائل إضافية داعمة للتصور الحتمي السنينوزي فالتحليل النفسي الذي يعتبر سيجمون فرويد رائه الأول يرى البناء النفسي للشخصية كنتيجة حتمية لخبرات مرحلت الطفولة .كما أن كثير
من الأنشطة الإنسانية تحركها دوافع الهو الاشعوري ذات الطبعة الجنسية ويقوم هذا التصور على مجموعة من الاسس و المبادئ، يمكن تركزها في:
· إعتبار السنوات الاولى من حيات الفرد الإنساني فيما يتعلق بنموه الوجداني لاحق وبتالي في تكوني شخصيته .
· إفتراض وجود قوة تتحكم في معظم سلوكات الفرد، وهي قوة الاشعور ودالك من خلال ماتمارسه الغرائز والنزوات المكبوتة التي يزج بها في غياب الا شعورمن ضغوط وديناميكية سعي منها الى الإرتواء والإشباع .
· الطابع الجنسي لهذه الدوافع التي تحرك سلوكات الفرد والتي عبر عنها فرويد ب البيدو........
· الهو ويمثل القوة الأصلية ،ويرمز الى مجموع الرغابات والدوافع الطبيعية والمكبوتة التي تتحكم فيها غريزة الحياة ........وغريزة الموت ............
 
هذا الهو الذي يعبر عنه نيتشه (( وراء أفكار وشعورك يختفي سيد مجهول يريك سبيل ،إسمه الهو في جسمك يسكن، بل هو جسمك، وصوابه أصوب
من صواب حكمتك ))
إضاءة
أما بنسبة لعلماء الإجتماع والأنثربولوجي فإن طبقات مهمة في الشخصية لاتعدو أن تكون سوى إنعكاسات للشخصية الأساسية للمجتمع أو الشخصية الوضيفية لجماعات الإنتماء.
 
بحيث يمكن القول معى دوركايم أنه كلما تكلم الفرد أوحكم ،فالمجتمع هو الذي يتكلم أو يحكم من خلاله . وإذا كانت التنشئة الاج تزود الفرد بعناصر من ثقافة المجتمع ،فإن هذه الثقافة بدورها حسب التحليل ماركسي ليست سوى إنعكاس للبيئة الحتمية المستقلة عن وعي الذوات ،لأن الوجود المادي هو الذي يحدد الوعي لاالعكس.
 
إنطلاقا مما سبق يمكن أن نستنتج من هاد الموقف فكرة أساسية مفادها هو إختفاء الإنسان أو موته كما أعلنت البنيوية لأن البنيات النفسية الإجتماعية اللغوية ... هي الت تتفعل وليس الذات أو الفرد.
موقف مونيي
يرى مونيي لأن الشخص هو منبع جميع القيم، وهوى في الأصل حركة نحوى الغير ولا يحقق وجوده مع الأخرين إلا في إطار الفعل المتجدد .
في حرية الشخص في ذاته وهي مشروطة بالوضع الواقعي له ،وهي لاتتحدد إلا عندما يتجه الإنسان نحوى التحرر في إطار التشخص أي خروج بالذات من عزلتها وفرديتها والإتجاه نحوى الشخص عبر الإنفتاح على الأخرين والتواصل معهم وتحمل مصائرهم وألامهم بكل حرية.
إنها إدن حرية منظمة ومطلوبة بنداء الإنسانية في الحرية الحقة حسب مونيي هي الحرية الملتزمة ، لأنها تحترم الغير ومشروطة باحترام القيم و الوصع الواقعي للإنسان ،إلا أن هذا الوضع المشروط لا يعني الخضوع للضرورة .
موقف جان بول سارتر
تعتبر الفلسفة الوجودية لدى سارتر فلسفة الدفاع عن حرية الإختيار المطلق للإنسان مقابل النزعة الموضوعية التي تبرز مشروطية الحرية الإنسانية بظروف والمحددات الوراثية والإجتماعية والإقتصادية واللغوية ...حيث يرى أن وجود الإنسان يسبق ماهيته ،أي أن ماهيته لا تتحدد إلا من خلال وجودها ،وحياته وأفعاله واختيارته وعلاقاته الامتناهية معنى ذالك أنه يشكل ذاته وهويته في ضوء مايختاره لنفسه بوضعه مشروعا .فليس الإنسان كما يتصور ذاته فحسب، بل كما يريد أن يكون في نظر الغير لوصفه شخصا ، ومن هنا نفهم تصريح سارتر بأن الإنسان مشروع في سماء الممكنات محكوم عليه بان يكون حرا وبأن الإنسان ليس شيأ أخر غير مايصنع بنفسه .
 
الغير
محاور الدرس
1) وجود الغير.
2) معرفة الغير.
3) العلاقة مع الغير.

تــــمــهــيـــد
ينتمي مفهوم الغير إلى مجال الوضع البشري و العلاقات البشرية بمختلف أبعادها الأنطولوجية ( الوجودية ) و الفكرية و الوجدانية مما يبرز طبيعته الإشكالية . حيث تنشأ هاته الإشكالية انطلاقا من كونه ذاتا ( تشبهني و تختلف عني، و من كونه ضروريا لوجودي بصفتي وعيا .) يختلف عني و لكنه يلتقي معي في هذا الاختلاف بالذات ما دمت أن بدوري أختلف عنه فأنا أشبهه في اختلافي .
و بهذا المعنى فنحن نتشابه و نختلف عن بعضنا البعض في نفس الوقت ، و على هذا النحو فإن علاقتي بالغير علاقة معقدة و ملتبسة تحمل دلالات عديدة ،حيث يضعنا المعنى الدلالي للغير أمام مجموعة من المفاهيم مثل ( المستثنى ، المختلف ، المتميز، المتقابل ، المتحول ، المباين ، المنفي ، المتعدد ، القريب، الغريب .)
هذا و تتفق معاجم الفلسفة ،خصوصا لالاند و بول فولكيي على أن للآخر معان متباينة ، فلالاند يقول في معجمه الفلسفي : " الآخر هو أحد المفاهيم الأساسية للفكر، و من تم يستحيل تعريفه بتقابل مع الهوهو و يعبر عنه بالمتنوع و المختلف و المتميز."
 
و فولكيي في معجم اللغة الفلسفية يقول : " الآخر مستنبط من الجذر اللاتيني Alter و منه Alterité و الغيرية Alteruisme و هو مفهوم أساسي يمكن أن نعطيه معاني مختلفة منها المختلف Le different المتميز Le distinct ، المتنوع Le divers ، المنفصل Le separé . "
 
كما يبرز الفيلسوف الألماني فريدريك هيجل ( 1770 - 1831 ) نوعا من التأسيس الفلسفي لطبيعة العلاقة بين الأنا و الآخر . فليس الوعي بالذات هو معرفة الأنا لذاته ، بل هو التعرف على ذاته في موضوع غريب عنه . فكل ذات ترغب في أن يعترف بوجودها من طرف ذات أخرى تواجهها ، و السعي الحقيقي للوعي بالذات و أن يجد ذاته في الآخر . أي أن الآخر لا يتجلى في الذات و لا يتم الاعتراف بوجوده كمغايرة إلا من خلال فكرة صراع الذوات .
واضح إذن ، أن تحديد مفهوم الغير يتم في ارتباط مع مفهوم الأنا . فالغير هو غير "الأنا " إذ أن هذا التداخل قد يصل إلى مستوى أن كلا منهما يحايث الأخر و يباطنه على اعتبار أن الأنا يشكل عنصرا صميميا لتحديد مفهوم " الغير " ، فأنا أتعرف على ذاتي و أقدر قيمتها انطلاقا من الغير . بحيث أن علاقتي بذاتي تمر عبر علاقتي به، سواء أكان قريبا ( من نفس العائلة أو من نفس البلد ) أو بعيدا عني ثقافيا و حضاريا و لا يستطيع أي أحد منا أن يتخلص من الآخر .
إن تنوع الدلالات و اختلافها ، يضفي طابعا إشكاليا على موضوعات الغير، و يولد عدة تساؤلات منها : ما طبيعة العلاقة الوجودية التي يمثلها الغير بالنسبة للأنا ؟ و إذا كان الغير موجودا ، فهل هناك من إمكانية لمعرفته ؟ و ما الرهانات التي تنشأ عن علاقة الأنا بالغير ؟
الــمـحـور الأول : وجـــود الــغـيــر
إن التفكير في العلاقة الوجودية مع الغير هو تفكير فلسفي حديث ، قائم على أساس و عي الذات لطبيعة العلاقة مع الآخر و هاته العلاقة التي كانت نتيجة وعي الإنسان بالآخر، حيث أنه لا وجود لأنا أو وعي على هامش العالم معزولا عنه على اعتبار أن الآخر هو ضرورة أنطولوجية و معرفية و وجدانية .
لكن إذا كان وجود الغير ضروري لكي يتحقق وعي الذات بذاتها ، فما طبيعة الوجود الذي يتمتع به الغير بالنسبة للأنا ؟ و هل يمكن الاستغناء عن الغير بوصفه تهديدا للأنا ؟ أم أن وجوده ضروري بالنسبة للأنا ؟
يقدم الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر ( 1889- 1976) تصوره حول مسألة وجود الغير و معنى الوجود الإنساني في العالم باعتبار أن حضور الغير في علاقته بالأنا هو إفراغ للذات من خصوصيتها و كينونتها الفردية التي تميزها عن ذات أخرى و تذيب كل الاختلافات و التمايزات التي تفقد الشخص هويته التي تميزه في الحياة اليومية المشتركة مع الناس .
فوجود الغير في علاقته بالأنا هو تهديد لهذا الموجود الذي يفقد الذات خصوصياتها فتتيه في عالم أشبه بتوأم مشابه لطبيعتها .
و يعكس موقف الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر ( 1905- 1980 ) في كتابه "الوجود و العدم" من مسألة وجود الغير بالنسبة للأنا انطلاقا من التصور الوجودي للغير الذي يتمثل في كون هذا الوجود يجعل الأنا أمام مفارقة مزدوجة على اعتبار أن هذا الوجود بالنسبة للأنا هو وجود سلبي يحد من حرية الأنا و يشل إمكاناتها الذاتية من خلال نظرة الغير إليها التي تشيئها و تسلبها حريتها و تولد فيها الخجل كشعور غير مباشر و كعلاقة باطنية بين الأنا و ذاته باعتبار الغير هو الوسيط بينهما.
و في نفس الوقت ، فإن وجود الغير بالنسبة للأنا هو شرط ضروري لإدراك الأنا كوعي و تحقيق الوعي بالذات الذي يمر عبر الآخر باعتباره حرية .
هذا ويؤكد الفيلسوف الألماني ادموند هوسرل( 1838- 1859 ) على ضرورة حضور الغير انطلاقا من فكرة "القصدية" التي تقوم على نقيض ما تم بناؤه في الفلسفة الحديثة أي في اعتبار أن الذات المفكرة هي التي تجعل الإنسان يعي ذاته بمعزل عن العالم الخارجي و عن الآخر. لكن ،هاته العزلة سرعان ما ستضمحل بعد بروز فكرة القصدية : " عندما أفكر فأنا أفكر في شيء ما " أي من خلال وعي الذات بشيء ما . غير أن هذا الوعي بوجود الغير هو وجود مزدوج ،ذلك أن إدراك الآخر يكون باعتباره موضوعا للعالم لا بوصفه شيئا من الأشياء الطبيعية . و كدا حضور الغير كذات تدرك العالم من خلال تجربتها في العالم المعيش و تجربة الآخرين يجعل من فعل الوجود ضرورة مشروطة و خاصة لكل واحد منا .
كما يذهب الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلوبونتي (1908 – 1961 ) على بلورة التصور الفينومولوجي لوجود الغير و الذي يتمثل في كون هذا الوجود هو وجود مستقل و وعي لذاته و لا يمكن اعتباره موضوعا أو شيئا كباقي الأشياء الطبيعية الأخرى .
فوجود الغير وجود مزدوج ، فهو وجود في ذاته من حيث كونه كجسد و كموضوع للعلوم . و في نفس الوقت فهو وجود لذاته أي كوعي خالص يواجهه الأنا . و لهذا لا بد من عملية متناقضة من أجل إدراك الغير إذ لا يتحقق الوجود الإنساني الفردي ( الأنا ) و الجماعي (هم ) إلا بحضور مادي أو رمزي لذوات إنسانية تنشأ بينها علاقات مركبة و متداخلة .
و يدعو كل من الفيلسوف جيل دولوز ( 1925- 1995 ) و فيلكس غثاري ( 1930 – 1992 ) حول مسألة وجود الغير إلى تجاوز التصور الكلاسيكي الذي تبلور مع الفيلسوف الفرنسي رونيه ديكارت و الذي يرجع الماهية الإنسانية إلى الذات المفكرة باعتبار التفكير دليل على وجودها .و هذا التفكير في الذات يمكن الإنسان من الوعي بوجوده بمعزل عن العالم الخارجي و عن الآخر.ليتجاوز كل من الفيلسوفين هذا الموقف من خلال اعتبار أن وجود الغير بالنسبة للأنا لا يشكل أنا آخر من حيث هو مخالف لطبيعة الأنا، و إنما بوصفه عالما ممكنا لا يظهر من خلاله الغير كذات أو كموضوع و إنما يظهر بوصفه عالما لم يتحقق في بعده الواقعي .
لكن رغم ذلك فهو عالم معبر عنه من خلال لغة معبر عنها تمنح صفة الوجود لهذا العالم الممكن لينفتح أمام الذات و ينكشف هذا الآخر للأنا و ذلك بالتعبير عنه بلغة واقعية تجسد حقيقة هذا الآخر و تجعل من عالمه الممكن عالما قائم الذات .
و على ضوء هاته المواقف نخلص إلى أن مسألة وجود الغير بالنسبة للأنا هي مسألة لا تنحصر في علاقة شيئية بين ذات و موضوع و إنما هي علاقة تسعى إلى فهم الذات لذاتها ، و لهذا فإن معرفة الذات لذاتها تمر عبر معرفة الآخر. لكن، السؤال الذي يطرح هنا هو : هل الغير قابل للمعرفة ؟
المـحـور الـثـانـي : مـعـرفـة الـغـيـر
تطرح معرفة الغير إشكالية تتمثل في ثنائية الذات و الغير ، هذه الثنائية تشكل علاقة " ابستيمية "بين طرفين، أحدهما يمثل الذات العارفة و الآخر يمثل موضوع المعرفة ، و هذه الثنائية تضفي طابعا إشكاليا على الموضوع من خلال أنه إذا كان الغير موجودا ، فهل هناك إمكانية لمعرفته ؟ و إذا كانت معرفته ممكنة ،فهل تتم معه بصفته ذاتا واعية و حرة ؟ أم يتحول إلى موضوع خارجي أو شيء من الأشياء ؟ و هل يمكن الاستغناء عن الغير و العيش في عزلة مطلقة ؟
يقدم الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر تصوره حول العلاقة بين الأنا و الآخر كما تتجلى في مختلف مظاهر الحياة المعيشة ( النظرة،الحب...) على أنها علاقة صراع تدور حول الموضعة، و تتجلى خاصية الصراع في أنني أحاول أن أدرك الآخر كموضوع أشيئه و أفقده بالتالي إمكاناته و حرياته . و حين أنظر إليه كذات يشيئني و يفقدني حريتي .
و يظهر الوصف الذي قام به سارتر بمختلف مظاهر الحياة المعيشة ، أنني أعجز عن النظر إلى الآخر كذات و كموضوع في نفس الوقت . و بالتالي يظهر أن الوضعية التي أعترف فيها بحرية الآخر هي وضعية مستحيلة على اعتبار أن وعي الآخر كوعي حر هو وعي يوجد خارج قدراتي المعرفية و يحمل تناقضا و استحالة.
و على العكس من ذلك يذهب الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلوبونتي إلى أنه لا يجب أن ننظر إلى علاقة الأنا بالآخر و كأنها تتلخص في صراع حول الموضعة . بل يجب أن ننظر إليها على أنها علاقة تواصل الشيء الذي ينفي العلاقة المعرفية الموضوعية التشيئية التي هي نتيجة للنظر من موقع الأنا أفكر أو العقل في نشاطه القائم على التجريد و التقييم ... و هذه الوضعية يمكن تجاوزها عندما يدخل الأنا و الغير في علاقة اعتراف متبادل كل منهما في فرديته و وعيه و حريته ، و يحضر التواصل حتى في حالة اللاتواصل لأن غياب التواصل هو تواصل ممكن .
و يعتبر الفيلسوف الألماني ادموند هوسرل أن هناك إمكانية لمعرفة الغير ، بحيث ترتبط الذات بالغير من خلال المجال المشترك الذي يسمى العالم . و هذا العالم توجد فيه الذات كما يوجد فيه الغير ، فإدراك الذات لهذا العالم هو إدراك لهذا الغير الذي يوجد فيه . و ما دام العالم يتشكل من هذه الذوات و يتأسس عليها ،فإن إدراكي لها ليس إدراكا معزولا ناتجا عن نشاط فكري أو ذاتي تكون الذات في غنى عما يمكن أن يقدمه الغير من تصورات . فتصور العالم هو تركيب لمجموع التصورات ، و تفاعل الذوات فيما بينها . كما لا يمكن أن نتحدث عن عزلة فكرية و عن عدم القدرة على معرفة الغير ما دمنا نساهم في إنتاج العالم و تشكيل معالمه ، و يظهر الغير في العالم و كأن له القدرة على التحكم في تصرفاته و انفعالاته ، بمعنى أن هناك علاقة بين ما هو نفسي و ما هو جسمي ، فالنفسي له القدرة على التحكم في الجسم و ضبطه لهذا الجسم الذي يخرج ما هو نفسي إلى الوجود و الظهور لا يكون مرتبطا بالذات أو الغير، بل يكون مرتبطا بالعالم و يمكن من معرفة هذا الغير و فهم القصد من تصرفاته و أفعاله ، و هذا ما تفسره تجربة " النحن " القائمة على مفهوم " البينذاتية " .
لكن ، هذه المعرفة تطرح مع الفيلسوف الفرنسي مالبرانش (1638 - 1715) صعوبة معرفة الغير على اعتبار أنها تخمين أو ضرب من الظن يوهمنا بأننا نستطيع الوقوف على حقيقة الغير و معرفته ، هذه المعرفة التخمينية يمكن إدراجها في مسألة الإمكان ، و بذلك تكون لدينا عدة خيارات و إمكانات لمعرفة الغير . و لا يمكن تصنيف هذا الغير ضمن إمكانية واحدة و إقصاء الأخرى ، و إلا ستكون معرفة الغير حقيقية و ضرورية. و هذه الإمكانات قد يندرج ضمنها الغير و قد يخرج عنها ، و دخوله تحتها أو خروجه عنها يدخل ضمن هذا التخمين. و لذلك تبقى الوسيلة الوحيدة لمعرفة الغير هي إخضاعه لمقتضى الذات و ما تعرفه هي عن ذاتها. و بالتالي " فأنا أطلق الحكم بأن الآخرين يشبهونني " لكن، عندما " يحدث في جسمي انفعال من الانفعالات فأنا أخطئ دائما إذا ما حكمت على الآخرين من خلال ذاتي " . لذلك فكل تقييم أو تصنيف للغير يكون منطلقه الذات يكون معرضا للخطأ ومن تم القصور و عدم خضوع الغير للمعرفة الذاتية دليل على أنه يرفض القيود و الاكتشاف ، لأنه كائن مجهول يتستر وراء حجاب خاص هو الأنا الذي نجهله و يجهله كل واحد منا .
و يرى الفيلسوف الفرنسي غاستون بيرجي (1859 - 1960 ) أن الذات تشكل عالما فريدا من نوعه في استقلال و انفصال عن الغير،إذ لا يمكن سبر أحدهما أغوار الآخر رغم حضورهما معا . و هذا الحضور لا يكون إلا للجسد أو للجسم . لكن ، عقلي و تفكيري غائب عن هذا الحضور، يتوارى وراء حجب اللانكشاف و اللاظهور. فكل ما تمر به الذات لا يمكن للغير أن يشاركني فيه بنفس الدرجة و المقدار، إلا أنه قادر على الإحساس و التعاطف ، بمعنى أن هناك انغلاق الذات على ذاتها مما يجعل معرفة الأنا للغير و معرفة الغير للأنا مستحيلة بفضل هذه الحواجز و العوائق التي تنصبها الذات أمام الغير تجعلها ذاتا مبهمة تستعصي على المعرفة و الإدراك،و لأنها تنفلت من كل تحديد و تصنيف تجد نفسها طليقة القيود لا تخضع إلى أي قابلية للموضعة .
على ضوء المواقف السالفة الذكر يمكن استخلاص أنه من الممكن تجاوز هذه المفارقات التي تطرحها معرفة الغير بسبب حمولتها الميتافيزيقية ( ثنائية الذات و الموضوع ) و ذلك بالنظر إلى الغير ككلية و وحدة لا تقبل التجزئة و الانشطار ، أي النظر إليه كبنية .
و من هذا المنظور لم يعد الغير شخصا ، أو فردا معينا ، بل هو نسق أو نظام يحكم العلاقات و التفاعلات بين الأشخاص و الأفراد ، لكن على أي أساس تنبني علاقة الأنا بالغير ؟
الــمـحـور الـثـالـث : عــلاقــة الأنــا بـالـغـيـر
لا شك أن علاقة الأنا بالغير أغنى و أعقد من أن تختزل إلى علاقة معرفة. فهي في الواقع الفعلي علاقة مركبة تختلف و تتنوع تبعا لأوجه الغير كما يتجلى ذلك في الكلمات التي تنضوي تحت لواء العلاقة بالآخر، مثل : الصداقة ، الغرابة ، الصراع ، الإيثار ، الاشتراك ....
من هنا تنبثق الإشكالية الفلسفية لعلاقة الأنا بالغير، و هي إشكالية يمكن صياغتها من خلال الأسئلة التالية: ما طبيعة العلاقة التي تربطني بالغير ؟ هل هي علاقة محبة و احترام،أم علاقة نبذ و إقصاء ؟ و ما هي الشروط التي يمكن أن تجعل هذا النوع من العلاقة ممكنا ؟ و علي أي أساس تنبني هذه العلاقة ؟
يعتبر أرسطو ( 384 – 322 ق.م) أن ماهية العلاقة التي تربط الإنسان بالآخرين هي الصداقة على اعتبار أن هذه الأخيرة " ضرب من الفضيلة أو على الأقل إنها دائما محفوفة بالفضيلة " . و علاوة على أن الصداقة جميلة و شريفة فهي إحدى الحاجات الضرورية للحياة ، إذ لا أحد يقبل أن يعيش بدون أصدقاء.
و يذهب الفيلسوف إلى القول :" بأن الصداقة هي رابطة الممالك و أن المشرعين يشتغلون بها أكثر من اشتغالهم بالعدل نفسه " ، و نفهم من هذه القولة أن تحقيق الانسجام و التوافق داخل المجتمع شبيه بالصداقة. بل إن قيام الصداقة الحقة ( صداقة الفضيلة ) بين الناس تجعلهم في غنى عن العدالة و القوانين .
أما ايمانويل كانط ( 1724 – 1804 ) فيعرف الصداقة بالقول :" الصداقة في صورتها المثلى هي اتحاد بين شخصين يتبادلان نفس مشاعر الحب و الاحترام " . بهذا المعنى تكون الصداقة عبارة عن مثال للتعاطف و التواصل بين الأنا و الغير ، إلا أن قبو ل هذا المثال لا يضمن سعادة الإنسان ، و إنما يؤهله للبحث عن السعادة ما دامت الصداقة تمثل واجبا عقليا يجب الخضوع له بكل احترام .
و غاية الصداقة في نهاية المطاف هي تحقيق خير الصديقين اللذين جمعت بينهما إرادة أخلاقية طيبة بشرط أن تقوم هذه الصداقة على أساس أخلاقي خالص . لكن ،هل بإمكان قيام المجتمع على الصداقة في وجود الغير البعيد أو الغريب ؟
غالبا ما تلجأ الجماعة إلى تدمير الغريب عنها ، أو إلى إقصائه و تهميشه كونه يهدد تماسكها و وحدتها، ومن هنا كانت ضرورة القضاء عليه لاستعادة توازنها و استقرارها .
بيد أن وحدة الجماعة في نظر جوليا كريستيفا ( 1941 - ...) ليست في الحقيقة سوى مظهر عام ، عندما ندقق فيها ينكشف لنا أن الجماعة بحكم اختلافاتها و تناقضاتها الداخلية تحمل غريبا في ذاتها ، و بالتالي ليس المختلف عنا " هو ذلك الدخيل المسؤول عن شرور المدينة كلها... و لا ذلك العدو الذي يتعين القضاء عليه لإعادة السلم إلى الجماعة " . إن الغريب على حد تعبير جوليا كريستيفا " يسكننا على نحو غريب ".إذا كان الأمر كذلك فما هو الموقف الطبيعي الذي ينبغي أن يتخذ من الغير البعيد ؟
يرى الفيلسوف الفرنسي موريس ميرلوبونتي أن الموقف الطبيعي الذي ينبغي أن يتخذ من الآخر المخالف للذات ليس هو موقف النبذ و الإقصاء بل مد جسور التواصل معه و عدم اعتباره موضوعا قابلا للإقصاء و التشيئ ، و فتح قنوات الحوار مع الغير لا يتم إلا إذا خرج كل من الأنا و الأنا الآخر من طبيعته المفكرة، و جعل نظرتا بعضهما للبعض نظرة إنسانية أساسها القبول و تفهم أفعال بعضهما البعض .
و يذهب مؤسس الفلسفة الوضعية أوغست كونط ( 1798- 1857 ) إلى اختزال كل الأخلاق الإنسانية في فكرة واحدة هي أن يحيا الإنسان من أجل غيره ، لأن الحياة من أجل الغير تمنح الوسيلة الوحيدة لتطوير كل الوجود البشري بحرية ، انطلاقا من دوافع التعاطف الإنساني التي تجعل كل فرد من أفراد المجتمع يتلقى مساعدة من طرف الآخرين ، مقابل كبح ميولاته الشخصية و الأنانية . و الغاية التي تنشدها الفلسفة الوضعية هي تهذيب الغريزة البشرية الكونية و تسييجها .
أما مارتن هايدجر فينظر إلى علاقة الأنا بالغير باعتبارها علاقة اشتراك بين الذوات ، لأن العالم الذي أوجد فيه هو دائما العالم الذي أتقاسمه مع الآخرين .فالآخرين هم بالأحرى الكائنات التي لا تتميز عن ذواتنا و نكون موجودين بينها. و هذا الاشتراك يدل على وضعية الإنسان في العالم من خلال تجربته في الحياة ، و من خلال علاقته بالكائنات البشرية الأخرى .
ضدا على المواقف السابقة يقدم ألكسندر كوجيف ( 1902 – 1968 ) موقف هيجل من علاقة الذات بالآخر و التي تقوم في نظره على الصراع من أجل نيل الاعتراف و فرض الهيمنة .بحيث يخاطر الطرفان في هذا الصراع بحياتهما حتى الموت ، و لكن الموت الفعلي لا يحقق هذا الاعتراف و إنما يحقق استسلام أحد الطرفين بتفضيله الحياة على الموت. فيعترف للأنا بالآخر دون أن يعترف الآخر به ، أي الاعتراف بالآخر كسيد و الاعتراف بالذات كعبد لذلك السيد . و من هنا نشأت العلاقة الإنسانية الأولى،علاقة السيد بالعبد .
و بالجملة ، كيف ما كانت علاقة الأنا بالغير ( صداقة،غرابة،إيثار،تواصل،اشتراك بين الذوات،صراع...) فهي تراهن على ما هو أبعد و أشمل في الإنسان ، إنها تراهن على وجوده الإنساني الكوني الذي يتحول فيه البعيد إلى قريب .
 
التاريخ1
 
محاور الدرس
1) المعرفة التاريخية.
2) التاريخ و فكرة التقدم.
3) دور الإنسان في التاريخ.
تقديم:
ما التاريخ؟ لقد حدده ابن خلدون بأنه جزء من الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما يعرض بطبيعة ذلك العمران من الأحوال مثل التوحش و التأنس و العصبيات و أصناف التقلبات للبشر بعضهم على إلى بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكتب والمعاش والعلوم والصنائع وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال. (مقدمة ابن خلدون)
وانطلاقا من هذا التحديد يتضح، أن التاريخ يشكل ذاكرة الإنسانية التي تختزل أفكارها و انجازاتها ونشاطاتها، ويهتم أيضا بدراسة ماضيها من خلال مجتمع ما أو حضارة ما، حيث يعمل على تسليط الضوء على ذلك الجانب المظلم في حياة الكائن البشري ألا وهو الماضي.
ولعل هذا ما دفع بالمهتمين بالتاريخ إلى إعطاء أهمية قصوى للماضي باعتباره شرطا أساسيا لفهم الحاضر و أرضية انطلاقا أيضا من أجل تصور المستقبل، ليتضح من خلال ذلك أن مفهوم التاريخ غالبا ما يتم ربطه بمفهوم الزمن حيث لا يمكن تصور التاريخ إلا في العلاقة بالأزمنة الثلاثة : الماضي والحاضر ثم المستقبل.
كما أن مفهوم التاريخ يختلف عن مجموعة من المفاهيم القريبة منه مثل التأريخ وفلسفة التاريخ، فإذا كان التاريخ هو علم بحقيقة الأحداث الماضية فإن التأريخ هو عملية يقوم بها المؤرخ من أجل تسجيل و رصد الأحداث التي يعيشها.
وكما أن التاريخ يختلف عن التأريخ، فإن هذين الأخيرين يختلفان عن فلسفة التاريخ. فرق لتحديده بدقة يجب الوقوف على مهمة كل من المؤرخ والفيلسوف بالرغم من انخراطهما في سؤال الغاية من كتابة التاريخ، نجد الفيلسوف سيعود على البحث عن هدف أو غاية التاريخ من خلال تحديد العوامل الأساسية المؤثرة في سير الوقائع التاريخية. باعتباره (التاريخ) شكل ماهية الإنسان وهو الذي يميزه عن الكائنات الأخرى الإنسان كائن تاريخي).
بينما نجد المؤرخ يتعامل مع التاريخ باعتباره تحقيق وسرد لما جرى فعلا في الماضي. (النص عبد الله العروي مقرر الرحاب ص46)
وعلى ضوء ذلك اعتبر عبد الله العروي الفيلسوف هو عاشق الحقيقة الدائمة. بينما المؤرخ هوراوي الحدث العابر فهما يتعارضان و يتكاملان باستمرار .لكن أين يتجلى الاختلاف بين المؤرخ و الفيلسوف في التعاطي مع المعرفة التاريخية؟وكيف تبنى تلك المعرفة ؟ وهل التاريخ ثابت و مستقر أم تحكه دينامية التقدم؟ و هل للإنسان دور في التاريخ؟هل يمكن أن نعتبره صانعا للتاريخ؟
1-       المعرفة التاريخية
 
 
 
إن التطرق لموضوع المعرفة التاريخية يثير إشكالا منهجيا يتعلق بالماضي الذي انقضى وولى و التعامل معه في الوقت ذاته كموضوع للمعرفة، و من ثمة فكيف يمكن الحكم على المعرفة التاريخية؟.
يؤكد ريمون أرون على أن المعرفة التاريخية هي معرفة نسبية. لأنها لا يمكن أن تدرك الماضي بصفة نهائية مادام أنه لاوجود لماض خالص، فكل ماضي هو ماض مستحضر ومعرفته لا تتأتى إلا عبر البحث و التنقيب و التحقيق. كما أن المعرفة التلقائية التي نعرفها بطريقة مباشرة هي سمة أساسية لواقعنا الذي نعيش فيه، بحكم أننا نفهم جميع دلالاته. في حين أن المجتمعات التي عاشت قبلنا لا يتسنى لنا أن نعرف دلالاتها دون توسط منهج المؤرخ و بدلك تنعدم شروط المعرفة التلقائية بها . بالإضافة إلى كون تجربتنا في الماضي لايمكن أن تكون هي تجربتنا في الحاضر. وانطلاقا من دلك فالمعرفة هي إعادة بناء لما كان موجودا ولم يعد وهي عملية تخص زمانا و مكانا محددين. (نص رقم 2 ص48 من مقرر الرحاب)
أما بالنسبة لبول ريكور فالاعتماد على الآثار والوثائق الخاضعة للمساءلة والاستنطاق من طرف المؤرخ تعتبر موقفا موضوعيا وعملا منهجيا يجعل من الأثر التاريخي وثيقة دالة, يصبح من خلالها المؤرخ ممتلكا للقدرة على بناء الوقائع التاريخية بالاعتماد على الوثائق والملاحظة المنهجية. ومن هنا فالواقعة التاريخية لا تختلف عن الواقعة العلمية وهنا تكمن الموضوعية كنتيجة للممارسة المنهجية (نص رقم 1 ص 47 من مقرر الرحاب ).
و انطلاقا مما سبق هل يمكن الاعتماد على المعرفة التاريخية كشرط لفهم الحاضر وتصور المستقبل ؟
ينطلق ماكس فيبر (1864 – 1920) من نقطة أساسية تعتبر كمدخل من أجل التعاطي مع المعرفة التاريخية كمؤشر لتصور مستقبل الإنسانية. فالواقع الإمبريقي ( التجريبي ) يتميز باللامحدودية بحكم كثافته ولا نهائيته, فلذلك لا يمكن لأية عدة منهجية أن تشمل ذلك الواقع في كليته.
إن المؤرخ لا يمكن أن يتأتى له معرفة الماضي بصفة نهائية, ذلك أن الأسباب التي يعتمدها لتفسير الواقعة التاريخية ستبقى منتقاة انطلاقا من علاقة المؤرخ بالقيم. كما أن السببية التاريخية بالنسبة لماكس فيبر هي سببية تحليلية, متفردة وجزئية احتمالية, ويبقى العمل المنهجي للمؤرخ محددا لهذه المعرفة
 
.
 
2- التاريخ وفكرة التقدم:
 
هل منطق التاريخ يحكمه التقدم أم التكرار؟ هل هو تقدم محكوم بحتمية معينة أم أنه يسير بشكل تلقائي؟ لقد قال هيغل : " إن كل ما هو عقلي فهو واقعي وكل ما هو واقعي فهو عقلي ". فالواقع في كليته معقول, لأنه ليس شيئا آخر سوى العقل متجسدا أو حالا في روح هذا الشعب أو ذلك من الشعوب التي عرفها التاريخ. فحركة التاريخ هي حركة متصاعدة ومتقدمة نحو الوعي المطلق الذي يتحقق دون وعي البشر وذلك حسب إيقاع ديالكتيكي يقع على مستوى الأفكار انطلاقا من الأطروحة (الوجود المطلق) إلى نقيضها (اللاوجود أو العدم) وصولا إلى التركيب ( الصيرورة ). وهذه هي النقطة التي سوف ينطلق منها كارل ماركس في انتقاده للصيرورة الهيجيلية المثالية والمجردة. وبذلك سيرفض ماركس ما اعتقده هيجل تفسير عقلاني للتاريخ. فأنزل دلك الجدل الذي اعتمده هيجل على مستوى الأفكار إلى أرض الواقع, ليصبح التاريخ هو تاريخ الإنسان العامل والمنتج وليس تاريخا يستعرض مراحل تطور الأفكار. ومن ثمة فالتفسير العقلاني العلمي والجدلي للتاريخ يجب أن يطلب في الواقع الاقتصادي أو ما يسميه ماركس بالبنية التحتية والتي تتألف من :
1/ قوى الإنتاج : مجموع الأدوات والوسائل التي ينتج بها الإنسان ما يحتاج إليه (العمال, الآلات, الأرض.....).
2/ علاقات الإنتاج : العلاقات التي تربط بين الناس أثناء عملية الإنتاج المادي.
3/ نمط الإنتاج : مجموع علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج.
ويرى ماركس أن التغير الذي يطرأ على قوى الإنتاج يصطدم غالبا بعلاقات الإنتاج التي لا تستوعب في بداية الأمر التغير الذي حصل على مستوى قوى الإنتاج.
ومن هنا يولد التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج والذي يتولد عليه بشكل جدلي " الصراع الطبقي " الذي يعتبره كارل ماركس بمثابة المحرك الأساسي للتاريخ.
وما يطرأ من تغيرات على مستوى البنية التحتية ينعكس على البنية الفوقية التي يدخل فيها كارل ماركس كل أشكال الوعي المختلفة, مثل الوعي الديني والأسطوري والفلسفي والفني والسياسي والقانوني...
ويميز ماركس بين التغير الذي يقع على مستوى البنية التحتية الذي يتم بسرعة بالمقارنة مع التغير الذي يقع على مستوى البنية الفوقية. حيث لا يمكن تحديده بالدقة التي يمكن تحديده بها على مستوى البنية التحتية. ويسمى هذا التغير الذي يربط بين التغير في الأفكار و الفلسفات من جهة, وفي السياسة من جهة أخرى, وبما يطرأ من تغيير في الواقع الاقتصادي والاجتماعي بالتفسير المادي للتاريخ والدي يخالف التفسير المثالي كما كان لدى هيغل. ( نص ماركس رقم 3 ص 49 الرحاب)
إذن فالتاريخ البشري محكوم بتقدم هو في حقيقته تتال لأنماط إنتاج تفهم باعتبارها مراحل تقود إلى بعضها البعض عبر النفي انطلاقا من قوانين الجدل التي تحكم الطبيعة والمجتمع والإنسان.
لكن إذا كان التاريخ قد اتخذ شكلا تقدميا في البنية الغربية هل ينطبق ذلك على جميع البني الأخرى؟
يرى كلود ليفي شتراوس أنه إذا أردنا أن نفهم الظواهر الاجتماعية سواء الخاصة بالشعوب المسماة بالبدائية أوالمتحضرة، علينا أن نطرح المنهج التاريخي جانبا، الذي يقوم بدراسة ماضي الظواهر وانطلاقا منها يحاول تفسير الحاضر. وطرح كبديل عن ذلك انطلاقا من منهجه البنيوي ما يسمى بالدراسة الاستاتيكية السانكرونية وهي دراسة تهتم بدراسة بنية ثقافية معينة دون إيلاء اهتمام لماضيها أو وظيفتها.
وانطلاقا من ذلك يرى ليفي شتراوس أن هناك عنصرا مشتركا بين جميع البشر ألا وهو " اللاشعور البنيوي " باعتباره لا زماني ولا شخصي ولا سيكولوجي ولا اجتماعي بل هو عام وسابق عن مختلف العوامل الأخرى.
والتاريخ ماهو إلا تجل واستعراض للاشعور البنيوي في أشكال ومظاهر متنوعة، كما أنه خفي وغير معطى مباشرة في الأنظمة الاجتماعية والثقافية. وبذلك سوف يعتبر البنيويون النزعة التاريخية بمثابة عائق ابستمولوجي مادام أنه لكل بنية استقلالها الخاص عن بقية البنى. فلذلك لا يمكن لجميع البنى أن يحكمها نفس المسار التاريخي.
لذلك ذهب ميشال فوكو إلى القول بأن البنيوية سجلت نهاية التاريخ, واعتبر بياجي تصورها للثقافة قد انتهى إلى موقف أفلاطوني في تصوره للمثل والجواهر الثابتة الخالدة والمفصولة عن المحسوس والواقع الذي ما هو إلا شبح وظل لعالم المثل.
 
 
دور الإنسان في التاريخ :
إن التساؤل عن دور الإنسان في التاريخ هو استمرار للتساؤل حول منطق التاريخ. فهل يمكن اعتبار الإنسان بالفعل هو صانع التاريخ ؟
بالنسبة لهيغل كما تطرقنا لذلك سابقا فهو يعتبر أن التطور هو تطور الفكرة التي تنطلق من البسيط إلى المعقد, ومن المجرد إلى العيني عن طريق صيرورة تقودها حسب منطق التطور. هذه الفكرة تتحقق على يد أولئك الذين يدركون الروح المطلقة كمبدأ عقلي يتجسد في التاريخ، وتدرك حقيقته عبر الفن والدين و السياسة. وهؤلاء هم الذين يسميهم هيغل بعظماء التاريخ فدورهم في التاريخ هو تطبيق لفكرة وجدت قبل تواجدهم. ( نص هيغل رقم 5 ص 51 مقرر الرحاب )
وهذا ما جعل ماركس ينطلق حيث انتهى هيغل. فالإنسان بالنسبة لماركس هو صانع التاريخ عبر فلسفة البراكسيس ( الفلسفة العملية ) التي تتجلى من خلال الصراع الطبقي المحرك الجوهري للتاريخ
ذلك ما سوف يعترض عليه ميرلوبونتي الذي حافظ على مسافة نقدية مع الماركسية في تصورها للتاريخ حيث يصبح الإنسان منفذا لبرنامج محدد سلفا.
كما أن ربط ماركس للتغير الإيديولوجي بتغير يلحق البنية التحتية جعل ميرلوبونتي يفتح إمكانية حدوث نضج إيديولوجي فجأة دون تهيئ للشروط الموضوعية كما أن عرضية التاريخ يمكن أن تجعل جدليته تنحرف عن الأهداف التي اختارتها لنفسها، فلا تحل بذلك المشاكل التي تطرحها. ( نص 4 ميرلوبونتي ص 50 مقرر الرحاب ).
أما بالنسبة لجون بول سارتر فينطلق من الرسالة التي عرضها فريدريك انجلز (1820 – 1895 ) على ماركس والتي يقول فيها " إن الناس يصنعون تاريخهم بأنفسهم ولكن في وضع محدد يشرطهم ". متسائلا حول ما إذا كان التاريخ هو الذي يصنع الإنسان .إذن كيف يمكن أن نفهم أن الإنسان هو صانع التاريخ ؟
فالإنسان يكون في عهد الاستغلال نتاج منتوجه الخاص وفاعلا تاريخيا لا يمكن اعتباره منتوجا . هذا التناقض لا يعتبره سارتر تابتا بل ينبغي فهمه في سياق حركة البراكسيس أي الممارسة. وهذا هو ما سيضيء جملة انجلز حسب سارتر،التي يقول فيها إن الناس يصنعون تاريخهم وليست الشروط الموضوعية السابقة هي التي تصنع التاريخ.
ومن ثمة فإن سارتر يركز بشكل قوي على الإمكانية المعطاة سلفا للإنجاز ليتجاوز الإنسان وضعه لتحقيق مشروعه داخل حقل الممكنات الذي يعتبر هو مجموع الاحتمالات المتاحة أمام الإنسان بشكل موضوعي وذاتي يختار واحدة منها حسب وعيه وظروفه.
وبهذا المعنى يصبح الإنسان فاعلا تاريخيا وصانعا له بالمعنى الوجودي والتاريخي وليس بالمعنى الماركسي. ( نص 6 ص 52 مقرر الرحاب ).
 
التاريخ
تقديم
كيف نفهم الصيرورة التاريخية للمجتمعات البشرية ؟ وبأي معنى تكون المعرفة بالتاريخ ممكنة ؟ وهل الإنسان فاعل تاريخي وصانع له أم أنه خاضع له؟ وماهي الرهانات التى يطرحها التفكير في التاريخ على مستوى الوجود الإنساني والمعرفة والقيم ؟ وهل يجب الاكتفاء في معرفة التاريخ بما هو إنسانى فقط أم البحث عن الماضي العلمى والفكري ؟
هده جملة من التساؤلات جاء العديد من الفلاسفة لتسليط الضوء عليها باعتبار التاريج أو المعرفة التاريخية جزء لايتجزء من الصناعة البشرية للإنسان ذاته هذا الأخير الذى يحكمه المنطق التاريخي الثلاثي :الماضي الحاضر المستقبل لكن الاختلاف الحاصل هنا هو نقطة التجاذب التي يقع فيها المؤرخ الذي يريد أن يؤسس للفعل التاريخي وبداياته الأولى والفرق الموجود أيضا بين ما هو تاريخي ثراثي حضاري وبين ماهو تاريخي علمي صرف .
تعددت المواقف وأيضا الأفكار ووجهات النظر الفلسفية إلا انه يمكن القول وحسب ما جاء في الكتب المدرسية المقررة (المباهج المنار في الرحاب ) أن هذه المواقف تحاول أن تجعل المعرفة التاريخية منحصرة في ما سماه العروي بالتأريخ أو ما أشار إليه ابن خلدون بعلم العمران بالإضافة للعمليات التى تهتم بسرد الأحداث والوقائع التاريخية علاوة على ربط التاريخ بالسياسة حيث يصبح هنا التاريخ معرفة. فما هي حقيقة هذه المعرفة ولماذا تطلب ؟
إن المجال الإشكالي لمفهوم التاريخ يتحدد إنطلاقا من بعد أساسي وهو الوجود الإنساني حيث يضاف إلى كون الإنسان عبارة عن شخص وهوية وذو قيمة ويدخل في علاقات تفاعلية مع الغير يضاف التواجد والوجود التاريخى للإنسان في زمان ومكان معينين مما يجعل هذا الأخير رهين التاريخ وفي نفس الوقت صانعا له الشيء الذي يخلق معرفة تاريخية بوصفها معرفة زئبقية صعبة التحكم وسهلة التملص بين الأصابع رغم إحكام القبضة .
المعرفة التاريخية معرفة لزجة وسلسة لأن دور الإنسان في هذا التاريخ غير مفهوم بالشكل الجيد بالإضافة الى تراكم العديد من الرهانات التي تحاول البشرية تحقيقها مما يجعل سؤال الماضي اوالمعرفة بالتاريخ سؤال ملتبس وغامض.
يؤكد بول ريكور أن المعرفة التاريخية معرفة مبنية حسب منهج مفكر فيه من طرف المؤرخ.
فالمنهج العلمي له خصائصه ومميزاته كما أن للمنهج التاريخي توجهاته وأدواته التى تتمثل في الوثيقة التاريخية كأداة دالة على فعل معين يمكن تفسيره وتحليله بمنطق علمي إعتمادا على مبادئ علمية تؤدى لا محالة إلى نتائج موضوعية وبالتالي يؤكد ريكور على ضرورة الممارسة المنهجية العلمية للوصول إلى المعرفة التاريخية أما بالنسبة لريمون أرون فيقر وبشكل صارم كون المعرفة التاريخية بالماضي معرفة صعبة ومستعصية وتتطالب جهدا كبيرا وتوظيفا لعدة وسائل وعمليات تحليل وتفسير وفهم ونقد لأن أساس الحاضر هو الماضي هذا الحاضر الذي تسهل علينا معرفته لأن هذه المعرفة تلقائية وعفوية في حين يعتبر الماضي الغابر ماضيا مجهولا خاصة عندما نريد إعادة بنائه وذالك لكون الماضي مليء بمجموعة من الدلالات والرموز التي لا نستطيع فهمها كما نحن نفهم العالم الذي يحيط بنا بمختلف تجلياته ومكوناته.
من ناحية أخرى يشير التاريخ عند ابن خلدون الى سيرورة العمران الإجتماعي البشري حيث يعتبر المعرفة التاريخية نظرا عقليا في أحوال الذين عاشوا قبلنا وتحليل أفعالهم وحوادثهم عن طريق إستعمال معياري العقل والحكمة كما يؤكد ابن خلدون على ضرورة تجاوز التوقف عند سرد الأحداث والوقائع والأخبار والايام وكيف كان الأخرون يعيشونها بالإنتقال الى إتباع القواعد وسبر الأغوار ونقد ماهو متداول والتحقيق فيه باتباع المنهج العلمي حتى يستطيع الإنسان والعالم بصفة خاصة تجاوز المغالطات العديدة التي وقغ فيها المؤرخون والمفسرون وأئمة النقل .
ويأتي الفيلسوف هنري مارو ليعزز موقف ابن خلدون حيث يرى أن المعرفة التاريخية ليست عملا أدبيا أو وصفا أو إعادة كتابة إنما هي معرفة علمية ينشئها المؤرخ إعتمادا على منهج علمي دقيق وصارم يقول هنري في تعريفه للتاريخ:" التاريخ هو المعرفة العلمية المكونة عن الماضي … وإن كنا نتحدث عن العلم بشأن التاريخ فإنما ذلك في تعارض مع المعرفة العامية التي تستند إلى التجربة اليومية فالمعرفة التاريخية هي معرفة مبنية تتشكل تبعا لمنهج منظم وصارم يمثل العامل الأنجع لبلوغ الحقيقة
المحور  :I المعرفة التاريخية
تقديم
كيف نفهم الصيرورة التاريخية للمجتمعات البشرية ؟ وبأي معنى تكون المعرفة بالتاريخ ممكنة ؟ وهل الإنسان فاعل تاريخي وصانع له أم أنه خاضع له؟ وماهي الرهانات التى يطرحها التفكير في التاريخ على مستوى الوجود الإنساني والمعرفة والقيم ؟ وهل يجب الاكتفاء في معرفة التاريخ بما هو إنسانى فقط أم البحث عن الماضي العلمى والفكري ؟
هده جملة من التساؤلات جاء العديد من الفلاسفة لتسليط الضوء عليها باعتبار التاريج أو المعرفة التاريخية جزء لايتجزء من الصناعة البشرية للإنسان ذاته هذا الأخير الذى يحكمه المنطق التاريخي الثلاثي :الماضي الحاضر المستقبل لكن الاختلاف الحاصل هنا هو نقطة التجاذب التي يقع فيها المؤرخ الذي يريد أن يؤسس للفعل التاريخي وبداياته الأولى والفرق الموجود أيضا بين ما هو تاريخي ثراثي حضاري وبين ماهو تاريخي علمي صرف .
تعددت المواقف وأيضا الأفكار ووجهات النظر الفلسفية إلا انه يمكن القول وحسب ما جاء في الكتب المدرسية المقررة (المباهج المنار في الرحاب ) أن هذه المواقف تحاول أن تجعل المعرفة التاريخية منحصرة في ما سماه العروي بالتأريخ أو ما أشار إليه ابن خلدون بعلم العمران بالإضافة للعمليات التى تهتم بسرد الأحداث والوقائع التاريخية علاوة على ربط التاريخ بالسياسة حيث يصبح هنا التاريخ معرفة. فما هي حقيقة هذه المعرفة ولماذا تطلب ؟
إن المجال الإشكالي لمفهوم التاريخ يتحدد إنطلاقا من بعد أساسي وهو الوجود الإنساني حيث يضاف إلى كون الإنسان عبارة عن شخص وهوية وذو قيمة ويدخل في علاقات تفاعلية مع الغير يضاف التواجد والوجود التاريخى للإنسان في زمان ومكان معينين مما يجعل هذا الأخير رهين التاريخ وفي نفس الوقت صانعا له الشيء الذي يخلق معرفة تاريخية بوصفها معرفة زئبقية صعبة التحكم وسهلة التملص بين الأصابع رغم إحكام القبضة .
المعرفة التاريخية معرفة لزجة وسلسة لأن دور الإنسان في هذا التاريخ غير مفهوم بالشكل الجيد بالإضافة الى تراكم العديد من الرهانات التي تحاول البشرية تحقيقها مما يجعل سؤال الماضي اوالمعرفة بالتاريخ سؤال ملتبس وغامض.
يؤكد بول ريكور أن المعرفة التاريخية معرفة مبنية حسب منهج مفكر فيه من طرف المؤرخ.
فالمنهج العلمي له خصائصه ومميزاته كما أن للمنهج التاريخي توجهاته وأدواته التى تتمثل في الوثيقة التاريخية كأداة دالة على فعل معين يمكن تفسيره وتحليله بمنطق علمي إعتمادا على مبادئ علمية تؤدى لا محالة إلى نتائج موضوعية وبالتالي يؤكد ريكور على ضرورة الممارسة المنهجية العلمية للوصول إلى المعرفة التاريخية أما بالنسبة لريمون أرون فيقر وبشكل صارم كون المعرفة التاريخية بالماضي معرفة صعبة ومستعصية وتتطالب جهدا كبيرا وتوظيفا لعدة وسائل وعمليات تحليل وتفسير وفهم ونقد لأن أساس الحاضر هو الماضي هذا الحاضر الذي تسهل علينا معرفته لأن هذه المعرفة تلقائية وعفوية في حين يعتبر الماضي الغابر ماضيا مجهولا خاصة عندما نريد إعادة بنائه وذالك لكون الماضي مليء بمجموعة من الدلالات والرموز التي لا نستطيع فهمها كما نحن نفهم العالم الذي يحيط بنا بمختلف تجلياته ومكوناته.
من ناحية أخرى يشير التاريخ عند ابن خلدون الى سيرورة العمران الإجتماعي البشري حيث يعتبر المعرفة التاريخية نظرا عقليا في أحوال الذين عاشوا قبلنا وتحليل أفعالهم وحوادثهم عن طريق إستعمال معياري العقل والحكمة كما يؤكد ابن خلدون على ضرورة تجاوز التوقف عند سرد الأحداث والوقائع والأخبار والايام وكيف كان الأخرون يعيشونها بالإنتقال الى إتباع القواعد وسبر الأغوار ونقد ماهو متداول والتحقيق فيه باتباع المنهج العلمي حتى يستطيع الإنسان والعالم بصفة خاصة تجاوز المغالطات العديدة التي وقغ فيها المؤرخون والمفسرون وأئمة النقل .
ويأتي الفيلسوف هنري مارو ليعزز موقف ابن خلدون حيث يرى أن المعرفة التاريخية ليست عملا أدبيا أو وصفا أو إعادة كتابة إنما هي معرفة علمية ينشئها المؤرخ إعتمادا على منهج علمي دقيق وصارم يقول هنري في تعريفه للتاريخ:" التاريخ هو المعرفة العلمية المكونة عن الماضي … وإن كنا نتحدث عن العلم بشأن التاريخ فإنما ذلك في تعارض مع المعرفة العامية التي تستند إلى التجربة اليومية فالمعرفة التاريخية هي معرفة مبنية تتشكل تبعا لمنهج منظم وصارم يمثل العامل الأنجع لبلوغ الحقيقة".
المحور الثاني: "التاريخ وفكرة التقدم"
إن التاريخ باعتباره سلسلة من الأحداث الماضية يدفعنا إلى التساؤل عن مساره ومنطقه، فكيف يتم تطور التاريخ وتقدمه؟ وهل يخضع في تطوره لإرادة الإنسان أم أنه يسير بشكل عبثي تفعل فيه الصدفة فعلها؟
إذا كان "هيكل" يؤمن بفكرة التقدم ويعتبرها حقيقة الصيرورة، ذلك أن حركة التاريخ تتحقق من خلالها الفكرة وتبلغ كمالها "المطلق"، فإن كارل ماركس يرفض هذا التصور المثالي للتاريخ، حيث يرى أن التاريخ الإنساني يرتبط ارتباطا وثيقا بالتقدم، وأن تطور التاريخ يخضع لحتمية الصراع من أجل البقاء وبالتالي فإن ماركس اعتقد أن التاريخ هو صراع الطبقات بمعنى أن التاريخ عنده يتحقق عن طريق ثورة البروليتاريا وعن طريق قهر الإنسان للطبيعة وتحويلها، كما يعتقد أن التاريخ يتحقق ويصل الى منتهاه عندما تنمحي الطبقية عن الوجود وتسود العدالة الاجتماعية التي رسم ملامحها في المذهب الشيوعي وهو بذلك يؤكد على نظرية نهاية التاريخ وذلك بنهاية الفكر الرأسمالي. ورسم معالم حركة التاريخ على شكل مراحل: من مرحلة المشاعة البدائية والعبودية، الإقطاع، الرأسمالية، والاشتراكية. ونفس الأمر بالنسبة «لأجوست كونت» الذي نظّر الى حركة التاريخ من خلال فكرة مسبقة: سيادة الفكر الوضعي. فحقب «أ ـ كونت» حركة التاريخ انطلاقاً من هذه الفكرة القبلية. يمكن القول بان قانون الأحوال الثلاثة الذي صاغه «أ. كونت» يفرض على التاريخ مساراً محدداً لايخرج عنه
ويلاحظ أن إمكانات التطور في التاريخ عند ماركس تتخذ أشكالا عديدة:
· تطور ارتقائي، تدريجي Evolution
· تطور قطعي Rupture
· تطور خطي (تراكمي – صاعد باتجاه واحد). (Lineal)
· تطور دوري (ارتدادي ، ومتقدم في آن (Cyclical
هناك ظاهرات في التاريخ تتسم بالتدرج الارتقائي، وأخرى بتطور خطي، وثالثة بتطور دوري، ورابعة بتطور قطعي وهكذا دواليك ، فمثلا ماركس يرى أن الشيوعية ستتطور تدريجيا وستمحوا الراسمالية بشكل تدريجي وهذا هو التطور الارتقائي ، أما التطور القطعي فهو ما يحدث في التاريخ فجأة سواء بسبب الحروب أو الكوارث أو ما شاكل ذلك.....
وتأسيسا على ماسبق ندرك أن ماركس أسس نظريته التاريخية على أساس مادي حاول في هذا البناء الفلسفي للتاريخ ربط التطور التاريخي بالتطور الاقتصادي للمجتمع ونتج عن ذلك الربط تفسير التاريخ على أساس السيطرة على وسائل الإنتاج التي تمكن طبقة اجتماعية معينة من فرض أفكارها ونفوذها الاجتماعي وأن ذلك الصراع المستمر سيؤدي الى انتصار البروليتاريا وهذا ماعرف عند الماركسية بالمادية التاريخية .
ردا على التصور الماركسي للتاريخ والتقدم، يعترض ميرلوبونتي على كل تصور مطلق ومسبق للتاريخ، حيث يصبح هذا الأخير ذو اتجاه محدد سلفا. إن الإيمان بنمطية التاريخ ينزع كل فاعلية عن الإنسان ويؤدي إلى التسليم بهيمنة النموذج الغربي، وهي فرضية تكذبها الأنتروبولوجية، خاصة الأنتربولوجية البنوية، ذلك أن التقدم ليس سلسلة منتظمة من الحوادث لأنه يخضع للصدفة والمراوحة، وهذا ما نستخلصه من التقدم الذي حققته الإنسانية منذ بدايتها الأولى.
إن ما يميز التقدم البشري حسب كلود ليفي ستراوس كونه يتم عبر تحولات وقفزات فجائية، وهذا ما تؤكده المعارف ما قبل التاريخية والحفرية، حيث أثبتت وجود أنماط حضارية مختلفة في المكان الواحد، وفي هذا السياق شبه ستراوس مسار التقدم البشري بلاعب الشطرنج الذي يستطيع اللعب في عدة اتجاهات مختلفة، وهكذا فالتطور البشري ليس تراكميا تنضاف من خلاله مكتسبات كل مرحلة لأخرى، بقدر ما هو جدلي. وفي هذا الصدد قدم كلود ليفي ستراوس مثال لاعب النرد الذي يظل معرضا لخسارة ما ربحه في المراحل السابقة.
تجاوزا للبس والغموض اللذان يحيطان بمفهومي التقدم والتطور، حاول إدوارد هاليت كار أن يبين أن مفهوم التطور ذو حمولة بيولوجية حيث يرتبط أساسا بنظرية النشوء والارتقاء الداروينية، في حين يرتبط التقدم بالجانب الإجتماعي التاريخي، ويرجع هذا الخلط بين المفهومين إلى مفكري التنوير، حينما اعتبروا قوانين التاريخ مطابقة لقوانين الطبيعة، وأن هذه الأخيرة تسير بشكل تقدمي.
إن معالجة إشكالية التقدم حسب إدوارد هاليت كار لا تقتضي بالضرورة أن تطور التاريخ له بداية ونهاية، لأن ذلك ينسجم أكثر مع التفكير الديني، بل يجب النظر إلى التاريخ على أنه عملية تودع فيها مطالب وأحوال العصور المتعاقبة. فالتقدم التاريخي ليس مستمرا في الزمان والمكان، حيث يخضع لمجموعة من الانحرافات.
من جهته ميز هاربيرت ماركوز في فكرة التقدم التاريخي بين معنيين متقابلين، الأول كمي والثاني كيفي، وكلاهما يوضح اتجاه الإنسان نحو مراكمة تجاربه للسيطرة على الطبيعة، وتحقيق ماهيته، وهذا ما يميز المرحلة المعاصرة من تاريخ الحضارة الغربية.
يشير التقدم حسب هاربيرت ماركوز إلى أن تنامي المكتسبات والمعارف الإنسانية رغم العديد من فترات التراجع والنكوص، فإن الحضارة في تطورها تولد رغبات وحاجات جديدة لدى الناس، وفي ذات الوقت تمكنه من وسائل إشباع هذه الرغبات، وهذا هو المقصود بالتقدم التقني. وفي المقابل يمكن التقدم الكيفي من تحقيق ماهية الإنسان وتوسيع الحرية الإنسانية ونبذ مظاهر التعسف والعبودية. وهكذا يظل التقدم الإنساني رهين بالتطور التقني من جهة، والتطور الكمي من جهة أخرى، فإذا كان الأول يمكن من إشباع حاجات الإنسان فإن الثاني يساعده على تحقيق ماهيته.
المحور الثالث: "دور الإنسان في التاريخ"
من الأهمية بمكان- ونحن نقرأ عنوان هدا المحور- الحديث عن العلاقة التي تربط بين الإنسان والتاريخ وعن الفعالية التي من المفترض إن تكون للإنسان داخل الإطار التاريخي. فهل من الممكن ادن القول أن للإنسان دور في التاريخ؟ وبعبارة أخرى أليس للإنسان دور فاعل في صنع التاريخ والتحكم في سيرورته وإنتاج إحداثه؟ أم انه كائن يقف وقفة المتفرج ليكون التاريخ المؤثر فيه؟
ادا رجعنا إلى الكتب المدرسية المقررة سنجد إنها تحتوي على نصوص لفلاسفة اختلفت آراؤهم وتضاربت أفكارهم في الحديث عن دور الإنسان في التاريخ. فمن جهة نجد "هيجل" في نص "مكر التاريخ" يؤكد على أن الإنسان ليس سوى وسيلة في يد التاريخ. فمكر هدا الأخير يجعل الإنسان يعتقد انه صانع التاريخ، غير انه لا ينفد سوى إرادة التاريخ وفق مسار الروح المطلق. إن هده التصور الهيجيلي جاء بناءا على قولته الشهيرة "إن كل ما هو عقلي فهو واقعي وما هو واقعي فهو عقلي".
فالواقع التاريخي بجميع أحداثه وأفكاره معقول لأنه ليس شيئا آخر سوى العقل متجسدا وحالا في روح هدا الشعب أو داك من الشعوب التي عرفها التاريخ. فالحقيقة الأولى عند هيجل هي " العقل المطلق" أو "الروح المطلق"، وهي وجود خالص لا محدود ولما كان الوجود الخالص الذي لا يمكن أن تقول عنه شيئا هو " العدم" شئ واحد فان " العقل الكوني" حل في العالم وتموضع فيه ليعي ذاته، وهدا الوعي يتم في التاريخ "ما التاريخ إلا حياة الله "أي بالصورة حيث تكون الشعوب و الرجال العظام أدوات في يد العقل الكوني يحقق بها غايته و خطته في وعيه لذاته .
أما كارل ماركس فقد رفض ما اعتقد هيجل انه تفسير عقلاني للتاريخ فانزل الجدل من سماء الميتافيزيقا إلى ارض الواقع الإنسان الحي والعيني، وأبدل كلية هيجل –الخاصة بروح الكون- بكلية واقعية هي التشكيلة الاقتصادية- الاجتماعية مثل النظام الإقطاعي أو الرأسمالي واحل ماركس الإنسان الاجتماعي محل "روح العالم" فأصبح التاريخ تاريخ الإنسان العامل و المنتج وليس تاريخا صوفيا يستعرض مراحل تطور وعي "العقل الكوني" لذاته . ويهدا يكون ماركس قد جعل دور الإنسان في التاريخ مشروط بواقعية معطاة وظروف خارجة عن إرادته.
كما يؤكد ماركس أن التفسير العقلاني العلمي للتاريخ يجب أن يطلب من الواقع الاقتصادي و الاجتماعي أو ما يسميه ماركس بالبنية التحتية والتي تتألف من:
1- قوى الإنتاج: وهي مجموعة الأدوات أو الوسائل التي ينتج بها الإنسان ما يحتاج إليه مثل "اليد" أي العمال والآلات و الأرض.
2- علاقات الإنتاج: وهي طريقة التنظيم التي يخضع لها مجتمع ما مثل "الملكية الخاصة" لوسائل الإنتاج التي سادت في النظام الرأسمالي ومجموع علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج، يعطي ما يسميه ماركس بنمط الإنتاج مثل: نمط الإنتاج الرأسمالي أو الإقطاعي أو العبودية. ويرى ماركس أن التغيير الذي يطرأ على قوى الإنتاج يصطدم بعلاقات الإنتاج التي لا تميل إلى الاستجابة لما وقع من تغير في قوى الإنتاج . إن هدا التناقض يؤدي إلى وقوع صراع اجتماعي هو "الصراع الطبقي " الذي يعد المحرك الأساس للتاريخ.
 
وفي نفس الاتجاه الذي ذهبا فيه كل من ماركس وهيجل اعتبر لوي التو سير التاريخ – من خلال نص" التاريخ سيرورة بدون ذات فاعلة " – سيرورة لا تحكمها ذات فاعلة ،اد أنها سيرورة اغتراب مستمرة لاتحركها أية قوة أو ذات إنسانية.
لقد ارتبط اسم التو سير بالفكر البنيوي، حيث اعتبر مشروعه قراءة للفكر الماركسي من زاوية بنيوية، وحاول إقامة دعائم بنيوية ماركسية ذات طابع علمي لا اديولوجي ورغم أن التوسير يرفض إلحاق اسمه بجماعة البنيويين ،فان الدارسين يبرزون تأثره الشديد بمفهوم البنية وتطبيقه للمنهج البنيوي من اجل إعادة بناء الماركسية .
إن التوسير يعتبر نفسه باحثا ماركسيا حاول الكشف عما تنطوي عليه الماركسية من نزعة علمية.
هكذا يتضح لنا كيف أن كل من هيجل وماركس والتو سير يعتبرون الإنسان محكوم عليه بسيرورة تاريخية وشروط وظروف خارجة عن إرادته لتكون بدلك وسيلة يستعملها لتحقيق غاياته.
هدا من جهة ،ومن جهة أخرى مغايرة عما سبق نجد أن كل من سارتر،ماكيافيلي و لويس غولدمان يتفقون جميعهم على فكرة واحدة، مفادها أن الإنسان هو صانع للتاريخ وفاعل فيه .
لقد حاول سارتر أن يبرز - من خلال النص – دور الإنسان في بناء الصرح التاريخي لكن دونما إغفال حدود هدا الدور،ودالك من خلال تحديد طبيعة العلاقة الموجودة بين الإنسان وشروط وجوده .
فالإنسان – حسب سارتر – يتعرف على كينونته من خلال صيرورة التاريخ نفسه"إن المبدأ الذي اعتمد عليه سارتر يتأسس على حقل الفلسفة الوجودية , لكن ليس باعتبارها مذهبا بل تمردا على المذاهب , فالوجودية حياة وليس موضوعا للتفكير وقضايا الإنسان لايمكن أن تكون معان مطلقة بل هي مشاكل عينية . فالوجود في أصله هو وجود الذات المفردة والإنسان يوجد أولا تم تتحدد ماهيته فيما بعد(فالوجود سابق عن الماهية ) والإنسان حرفي اختيار ماهيته داخل حدود النوع الإنساني . انه مشروع دائما لايحقق أبدا ذاته فهو دائم الخروج من ذاته ليسجلها على المادة ويطبعها بطابعه الخاص " [1]
اما ماكيافيلي فقد حاول – في النص الثالث من كتاب منار الفلسفة – أن يقدم ويجعل في يد الإنسان الإرادة الصلبة والقوة الكافية، لتجاوز الأحداث والوقائع المختلفة عبر التاريخ. فادا كان القدر يتحكم بنصف حياة الإنسان – حسب ماكيافيلي – فان النصف الآخر يبقى بيده يعده كما يشاء لصد كل قدر جامح ومدمر. "لقد كانت ايطاليا في عصر ماكيافيلي تعاني من وطأة الفاتيكان، التي كانت المستفيدة الأولى من واقع تجزئة ايطاليا إلى دويلات متصارعة ومتناحرة "[2] .
وعليه، فان ماكيافيلي يوضح لنا من خلال هدا النص، كيف يجب على الإنسان أن يصنع أحداته وتاريخه، ليشكلا الصخرة التي تتكسر عليها كل غزو أو تهديد خارجي.
وبنفس النهج رفض لوسيان غولدمان - من خلال نص "من يخلق البنيات" – كل التصورات السابقة التي تقلص من دور الانسان وتقزمه، بل وتجعل منه وسيلة يعبث بها القدر والتاريخ، فادا كان ألتو سير وماركس يجعلان البنيات و الأنساق المتعالية المحرك الأساس للتاريخ، فان غولدمان ينفي دلك معتبرا الممارسات الإنسانية والبشرية وأفعالهم وعلاقاتهم، الدافع الأكيد لسيرورة الأحداث التاريخية.
إن الذوات هي التي تنشئ علاقات الإنتاج الموجودة، كما تنشئ أنماط إنتاج جديدة. فليس اللغة والبنيات هي التي تخلق الناس، بل الناس هم الدين يخلقون هده اللغة وهده البنيات، دلك لأن البنيات ليست دواتا ولم تنتج أبدا شيئا، وعليه فان هده البنيات - حسب غولدمان - ما هي إلا تجليات لسلوك ولفكرة ولحياة الذات.
هكذا يتضح لنا مما سبق كيف ان كل من سارتر،ماكيافيلي وغولدمان حاولوا إعادة الاعتبار للذات الإنسانية، في إطار صناعتها للتاريخ. فللذات دور مركزي وأساسي في بناء سيرورة الأحداث الإنسانية ، وليس البنيات سوى مظاهر لسلوكيات هده الذوات.
وبالتالي نخلص من خلال قراءتنا لآراء هؤلاء الفلاسفة، أن على الرغم من استبعاد الإنسان من الفاعلية في التاريخ فان هناك من الفلاسفة من حاول موضعته لجعله" الدينامو" المحرك للتاريخ ولسيرورة الأحداث الإنسانية، بل إن البنيات التي ادعى أصحابها أنها هي أساس التاريخ أضحت مظهرا من مظاهر سلوك وفكر وحياة الذات .
 
 
 
جمال هاشم"قاموس الفلاسفة"ص140- 141دارالنشر الخطابى1991[1]
ابراهيم شمس الدين"ماكيافيلى امير فلسفة السياسة"ص37 دار الكتب العلمية1994[2]
 
1-النظرية والتجربة
تقديم : إذا كانت الطبيعة بمختلف ظواهرها تشكل موضوعا للعلم ، فإن العلم في حد ذاته ، من حيث مناهجه و نتائجه و تحولاته ، شكل موضوعا للفلسفة ، حيث تخصص فيه فرع من فروعها يسمى * الإبستيمولوجيا * و الذي اهتم بالدراسة النقدية للمعرفة عموما و العلوم خاصة ، و من بين ما اهتم به في دراسته للعلوم التجريبية هو مفهوم * النظرية و التجريب * و ما يرتبط به من إشكالات الواقع و العقل و المنهج و المفاهيم . و هي قضايا تطرق إليها الفلاسفة و تفرقوا إلى مذهبين إزاء الإشكال الرئيسي المرتبط بمصدر المعرفة ، ماهو مصدر المعرفة هل العقل أم التجربة ؟ حيث تزعم "رونيه ديكارت" المذهب العقلاني الذي انتصر للعقل ، و تزعم "فرانسيس بيكون" المذهب التجريبي المؤيد للتجربة. و تطور هذا النقاش في القرن التاسع عشر مع انفصال العلوم عن الفلسفة بموضوعاتها و مناهجها، حيث ظهرت نزعة اختبارية ترجح أساس المعرفة العلمية الى التجربة و المنهج التجريبي ، لكن سرعان ما ستصير متجاوزة بفعل تحولات أفضت إليها الاكتشافات الجديدة . فما هي التجربة و ما علاقتها بالنظرية ؟ و هل التجربة الحسية المباشرة هي مصدر النظرية العلمية أم أن مصدرها هو التجريب العلمي الممنهج ؟ و الى أي حد استطاع التجريب في استقلال عن العقل اقامة نظريات علمية ؟ و ما امكانية اقامة عقلانية علمية ؟ وما معايير تحقق عملية النظريات العلمية ؟
I. التجربة و التجريب:
 
1- التجربة : يمارس الناس جميعا التجربة خلال حياتهم اليومية، بفعل احتكاكهم المباشر بالواقع عن طريق الحواس، إذ يتوصلون عادة إلى أفكار تدخل في نطاق الحس المشترك و التمثلات العامية. و تتسم هذه الأفكار بالتلقائية و الذاتية و الخضوع للأحكام المسبقة و المتسرعة، إنها التقاط لما يظهر للعيان في الملاحظة المباشرة و الساذجة . فلا يمكن إدخال هذه التجربة في مجال العلم، لأن نشأة العلوم كان بإبعاد هذا النوع من التجربة و تاسيس ممارسة منظمة و دقيقة تتجاوز الطابع المباشر و السطحي و الذاتي للتجربة العادية، بالاعتماد على التجريب .
2- التجريب : ارتبط ظهور التجريب كممارسة علمية بتخصص كل علم بموضوع محدد و منهج خاص به ، حيث تأسست العلوم على قواعد و مبادىء منظمة تقود إلى نتائج مضبوطة .
 
فالطبيعة تحكمها قوانين لا تظهر بشكل تلقائي و مباشر للإنسان الا اذا اعتمد منهجا دقيقا و منظما، و اشتغل بطريقة مخبرية تمكن من عزل الظاهرة المدروسة و فرزها عن العوامل المتشابكة حولها و التي تعوق معرفة قوانين الظاهرة بشكل واضح.
لقد ظهر المنهج التجريبي في صيغته الكلاسيكية مع العالم الفرنسي * كلود برنار* ( 1813-1878) الذي استفاد من التراكم العلمي و المنهجي الذي خلفه غاليلي و نيوتن و بيكون و ستوارت ميل. حيث وضع * كلود برنار* في كتابه ْالمدخل لدراسة الطب التجريبي ْ 1865. قواعد المنهج التجريبي في خطوات أربعة هي : الملاحظة و التجربة و الفرضية و القانون.
أ‌- الملاحظة : هي أول خطوة منهجية في عمل العالم، تختلف عن الملاحظة العادية لكونها لا تعتمد على العين المجردة إلا في حدود ضيقة جدا، و تكون في أغلب الأحيان مجهزة بآلات و أدوات علمية، يقول ك. برنار : < لكي تكون معاينة الظاهرة معاينة سليمة يستخدم الملاحظ كل الأدوات التي من شأنها جعل ملاحظته للظاهرة ملاحظة أكثر شمولية > و يشترط في الملاحظة أن تكون موضوعية مرتبطة بالظاهرة المدروسة بعيدا عن رغبات و ميولات الملاحظ الذي يجب أن يكون كآلة تصوير تنقل بالضبط ما هو موجود في الطبيعة حيث يجب أن يلاحظ دون أي فكرة مسبقة . تعد الملاحظة لحظة إصغاء موضوعية و محايدة ينتقل بعدها العالم إلى وضع الفرضيات، فما هي الفرضية ؟ و ما موقعها في المنهج التجريبي ؟
ب‌- الفرضية : هي فكرة مؤقتة يقترحها العالم لتفسير ظاهرة معينة، و تشكل استدلالا عقليا ينطلق من الملاحظة و يقود إلى التجربة، فإذا أكدت التجربة صحة الفرضية أصبحت قانونا و إذا تبين خطأها استبدلت بفرضية أخرى، يشترط في الفرضية أن تكون قابلة للتحقق التجريبي و نابعة من الظواهر المدروسة و لا تتناقض مع ذاتها.
 
ت‌- التجريب: هو الخطوة الثالثة من خطوات المنهج التجريبي، يقوم فيها العالم بالتدخل في الظاهرة المدروسة، أو يصطنعها في المختبر بتوفير شروطها الأساسية، و عزلها عن العوامل و المتغيرات الأخرى، من أجل تحديد طبيعة العلاقات بين الظواهر المتدخلة في إنتاج الظاهرة المدروسة. ولإضفاء طابع الحتمية و الضرورة على نتائج التجربة، يشترط فيها أن تكون قابلة للتكرار كلما توفرت نفس الشروط المخبرية، و يتحقق فيها مفهوم العزل كي يتم التمييز بين عوامل الظاهرة المدروسة و غيرها، و إمكانية التحكم في الشروط التي تحدثها و إدخال شروط جديدة، كما ينبغي أن تكون نتائج التجربة قابلة للتعميم على ظواهر من نفس النوع و تنتج في نفس الظروف.
 
د- القانون: هو – العلاقة الثابتة بين ظاهرتين أو أكتر – إذ يكون هدف العالم من الملاحظة و الفرضية و التجربة ، هو معرفة تلك العلاقة الثابتة ، و تحديد الشروط الموضوعية القائمة بين ظاهرتين أو أكثر. و المتضافرة في إنتاج الظاهرة المدروسة ، حيث متى توفرت نفس الشروط نتجت عنها تلك الظاهرة، مثل تبخر الماء في حرارة مائة درجة ، فالتبخر كظاهرة طبيعية يمكن أن نحدثه في المختبر متى وفرنا شروطه الثالية : الماء+ حرارة مائة درجة. إذ يكون القانون حتميا معبر عنه في صيغ فيزيائية مثل : H²O التي نعبر عن الماء.
IIالعقلانية العلمية:
لقد أفضت العلوم المعاصرة في القرن العشرين إلى اكتشاف ظواهر و علاقات ميكروسكوبية يصعب تحديدها كأشياء لها خصائصها المميزة الثابتة نسبيا، و يتعذر تعيينها في الزمان و المكان، و ظهرت نظريات جديدة ( مثل نظرية النسبية لأنشتاين) لا تعتمد التجربة الإمبريقية بمفهومها الكلاسيكي، و لكنها تتوصـــل الى نتائجها عن طريق المعادلات و الخطاطات الرياضية المجردة، فلم تعد التجربة مرجعا لأختبار صدق الفرضيات أو كذبها، و لا منبعا للنظريات، لأن النظريات أصبحت عبارة عن إنشاءات عقلية حرة.
و من هذا المنطلق أكد – ألبيرت اينشتاين – 1879 1955 أن الإبداع العقلي هو الأساس النظري للفزياء المعاصرة. فالنظرية هي نسق تتكامل فيه المفاهيم و المبادئ الصادرة عن العقل، و لا يكون للتجربة إلا دورا ثانويا يكمن في مطابقة القضايا الناتجة عن النظرية، و توجيه العالم إلى اختيار بعض المفاهيم الرياضية التي يوظفها، في حين أن العقل هو الذي يمنح النسق بنيته، على نحو رياضي خالص. إذ يقول اينشتاين : - ان المبدأ الخلاق في العالم لا يوجد في التجربة بل في العقل الرياضي -
لقد اقتضت ضرورة التطورات الطارئة في العلوم المعاصرة إعطاء العقل و التجريد الرياضي مكانة متميزة في مواجهة النزعة الإختبارية الكلاسيكية ، مع ذلك سيضل التجريب حاضرا بقوة في مناهج العلوم، مما فرض ضرورة إيجاد إطار نظري يحدد العلاقة بين التجربة /الواقع و النظرية / العقل. و في هذا السياق جاء الإبستمولوجي الفرنسي * غاستون باشلار* بمفهوم العقلانية المطبقة ، و هي عقلانية يتم فيها تركيب دقيق بين العقل و الواقع، فالتجربة كما تصورتها المذاهب التجريبية كمصدر وحيد للبناء النظري للعلم أصبحت متجاوزة، و العقل كما تصورته العقلانية الديكارتية كمستودع للأفكار قبلية، معزولا عن الواقع بذاتة صار طرحا متجاوزا أيضا. لأن العقلانية العلمية هي عقلانية مطبقة لا ينفصل فيها العمل التجريبي عن النشاط العقلي، حيث يتحدد العقل العارف مشروطا بوضوح معرفته لكي تكون النظرية العلمية نتاج حوار دقيق ووثيق بين العقل و الواقع.
III- معايير علمية النظريات العلمية:
أمام تعدد النظريات بتعدد حقول المعرفة و تقاربها أو تقاطعها، و أمام انهيار النموذج الكلاسيكي للمنهج العلمي، طرح السؤال، ما معايير علمية النظريات العلمية ؟ 1-) معايير التناسق المنطقي:
يرى * دوهيم duhem* (1861-1916) أن النظرية الفزيائية هي " نسق من القضايا الرياضية المستنبطة من عدد قليل من المبادئ" إذ أن تناسب النظرية مع التحليل الرياضي عموما هو احد المعايير التي تؤكد عمليتها ، و لذلك يشترط فيها أن تكون الفرضيات و التعريفات التي تنطلق منها محددة بشكل واضح، و أن تخضع لتناسق منطقي باحترام مبدأ عدم التناقض سواء بين حدود كل فرضية، أو بين الفرضيات المعتمدة في النظرية ككل، كما يشترط في النظرية معيار التناسق بين مختلف المبادئ و الفرضيات التي تقوم عليها حسب قواعد التحليل الرياضي، و تتخذ التجربة في الأخير لكي تقارن مع القضايا المستنبط رياضيا ، للتأكد من مدى صحتها أو خطأها.
2-) معيار تعدد الاختبارات:
إن فاعلية النشاط العلمي هي فاعلية دينامية و شاملة ، تتجدد معها النظريات و المفاهيم و تتغير معها نظرة الإنسان إلى العقل و الواقع، و لما كان استمرار العلم مرتبط بتجدد تصوراته و نتائجه، يرى " بيير تويليي" أنه وجب على العالم لكي يحقق عملية نظريته أن يخضعها باستمرار إلى فرضيات إضافية و أن يكرر اختباراته لكي تحافظ من جهة على تماسكها المنطقي الداخلي ، و كي تخرج أيضا من عزلتها التجريبية بانفتاحها على فروض نظرية جديدة. فتعدد الإختبارات هو معيار عملية النظرية و علامة قوتها .
3-) معيار القابلية للتكذيب/ التزييف:
قدم " كارل بوبر " تصورا يتجاوز مفهوم الحتمية الذي عرفته الفيزياء الكلاسيكية ، مؤكدا أن معيار عملية النظريات العلمية لا يتحدد فيما تقدمه من يقينيات و حتميات بقدر ما يتحقق قي قابلية تلك النظرية للتفنيد و التكذيب، و أن تضل مفتوحة على إمكانية الإختبار مجددا. فالطابع التركيبي و الشامل للنظرية الذي يتعدى حدود التجربة و لا يكتفي بنتائجها، يجعل من المتعذر التحقق من صدق أو كذب النظرية بواسطة التجربة، لذلك فمعيار الحكم على النظرية بأنها علمية، هو قابلية منطوقها و بنائها النظري للتفنيد أو التكذيب . فعلى النظرية أن تقدم الاحتمالات الممكنة التي تفند بها ذاتها.
 
2-النظرية والتجربة
 
تـــقـــديـــم
يقصد بالمعرفة كل بناء منهجي يعتمد على قدرات عقلية ومهارات فكرية، ويتم هذا البناء من قبل الذات في علاقتها بالموضوع، وعليه فكل بناء معرفي هو نتيجة لهذه الجدلية القائمة بين الذات والموضوع ومعيار تقÿÿ;يمه م&#ÿÿ78;نوع، قد يكون الواقع وقد يكون الفكر النظري أو هما معا، وتنقسم المعرفة إلى علمية وغير علمية، فالأولى تخضع لبناء إستنباطي يحكمه الاتساق والإنسجام بين مقومات وقوانين نظريته، والثانية هي كل معرفة ناتجة عن التمثل المشترك، وتفتقد لخصوصية البناء المنظم ونموذجها السحر، الشعوذة...
تحديد مجال المفهوم:
تعتبر النظرية بناء فكري إستباطي يحكمه الاتساق والإنسجام، يعتمده العالم الباحث للإجابة عن مجموعة من الطروحات والفرضيات التي تشكل موضوع إهتمامه، وتتصل النظرية أيضا بالممارسة والتطبيق وبالمجال العلمي بشكل عام، وفي كلتا الحالتين تأخذ النظرية معنى، إنتاج فكري تركيبي وصفي موجه للتطبيق والتأثير في الواقع، وبهذا فهي تحمل عدة أبعاد، بعد واقعي يهم الموضوع الذي تتولى وصفه، وتفسيره وبعد تقني يرتبط بمجموع الإجراءات والعمليات التي تحيط بإنتاجها، ثم بعد قيمي يتعلق بمدى صدقها وتماسكها. مقابل هذا التحديد للنظرية يمكن التساؤل ما التجربة؟
يشير لفظ التجربة، إلى مجالات عديدة ومتنوعة، فهي تشمل المعارف والخبرات التي يكونها الإنسان في علاقته المباشرة بالواقع، كما تعني اكتساب القدرة على الإتقان، أما في مجال المعرفة العلمية فتعتبر الوسيلة الأساسية التي يلجأ إليها العالم التجريبي لمعرفة القوانين المتحكمة في الظواهر.
من هذا المنطلق، يعتبر مفهوم النظرية والتجربة مفهوم معقد وإشكالي، فما دلالة كل من النظرية والتجربة؟
من الدلالة إلى الإشكالية:
يحمل مفهوم النظرية في التمثل المشترك معاني القول والحكم والرأي، والنظرية حسب هذا التمثل تكون إما سلبية أو إيجابية، سلبية إذا لم يسندها الفعل والعمل وإيجابية إذا تحولت إلى أداة للفعل والعمل وجلب المنافع، وبهذا يتبين أن التمثل المشترك ازدرى التنظير واحتقره، مما يبرز مدى قصوره ومحدودية أفقه.
وبالانتقال إلى المجال اللغوي العربي نجد أن لفظ النظرية اشتق من كلمة النظر التي تفيذ المشاهدة الحسية العيانية، أما اصطلاحا وفي لسان العرب لإبن منظور تفيد النظرية معنى الترتيب والنظام؛ "ترتيب أمور معلومة على وجه يؤدي إلى إستعلان ليس معلوم". بينما في اللسان الفرنسي نجد كلمة نظرية théorie اشتقت من العبارة الإغريقية théoria التي تعني النظر والمشاهدة الحسية، فضلا عن استخدام التأمل العقلي. وعلى المستوى الفلسفي اعتبر لالاند أن النظرية بمثابة "إنشاء تأملي للفكر،يربط نتائج بمبادئ"، ليستخلص من هذا التعريف أن النظرية عقلية، وبذلك فهي تتقابل مع الممارسة والتطبيق.
أما مفهوم التجربة فيحمل في التمثل المشترك معاني الإحتكاك والإرتباط بالواقع التي تسمح للفرد، باكتساب خبرة معينة في مجال معين، (تدريس، بناء......) أما في المجال العلمي فتعني القيام بخطوات منظمة من طرف العالم لإستنباط القوانين المتحكمة في الظاهرة المدروسة، وتعني عند كلود برنار؛ ملاحظة من الدرجة الثانية، أما عند لالاند فيفيد لفظ التجربة "بمعنى عيني وتقني أكثر؛ فعل الإختبار".
ومن هذه الدلالات المتباينة والمختلفة، يتبين إلى أي حد يعتبر مفهوم النظرية والتجربة معقدا وإشكاليا، وهذا ما يحفزنا على إثارة التساؤلات التالية:
هل هناك تداخل بين النظرية والتجربة؟ وما علاقة هذه الأخيرة بالتجربة؟ وما دور كل من العقل والنظرية في بلورة النظرية العملية؟ وماهي معايير صحة النظريات العلمية؟.
المحور الأول: التجربة والتجربة.
لقد شكلت التجربة الخام والملاحظة العامية في تاريخ العلوم عائقا إبستيموجيا حال دون تقدم المعرفة العلمية، لكن وبفضل مجهودات مجموعة من العلماء الذين عملوا على بناء نظريات علمية متميزة عن بادئ الرأي والحس المشترك، الذي ينتج عن التجربة الحسية المباشرة، والخبرات الذاتية، أما النظريات العلمية فتقوم على التجريب العلمي، هذا الأخير حسب كويري عبارة عن مساءلة منهجية للطبيعة قائمة على لغة رياضية.
بالإضافة إلى هذا، يقترح كلود برنار جملة من الشروط التي ينبغي توفرها في العالم التجريبي، والتي يعتبرها ضرورية في بلوغ التجربة العلمية، وأكثر من هذا نجده يميز بين الملاحظ والمجرب، على المستويين النظري و العلمي، فعلى المستوى النظري؛ إن الملاحظ لايستدل أما المجرب فيستدل على الوقائع المكتسبة أما على المستوى العلمي لايمكن التفريق بينهما، لأن الباحث هو نفسه الملاحظ والمجرب.
فالنظرية إذن ليست شيئا آخر، عدا التجربة العلمية المراقبة من طرف التجربة غير أن التجريب
وحده أحيانا يبقى عاجزا عن إكتشاف الأسباب الظاهرة، لذلك يقترح روني طوم، إكمال الواقعي بالخيال كتجربة ذهنية، لايمكن لأي جهاز آلي أن يعوضها.
نستنتج مما تقدم، أن التجربة بمفهومها العلمي، لعبت دورا مهما في بناء المعرفة العلمية وفي الوقت ذاته، إحداث قطيعة إبستيمولوجية مع التجربة بمفهومها العامي، كما عملت على إثارة جملة من التساؤلات أهمها: ما هي الأسس التي تقوم عليها كل من العقلانية الكلاسيكية والمعاصرة؟.
المحور الثاني: العقلانية العلمية:
إن الخوض في العقلانية العلمية يدفعنا بالضرورة إلى التمييز بين تصورين لهذه العقلانية، أحدهما يقوم على أسس عقلانية كلاسيكية تتميز بالثبات والإنغلاق والآخر يقوم على أسس عقلانية معاصرة، قوامها الإنفتاح والتغير كما يرى باشلار، ومنه نتساءل؛ هل العقلانية العلمية قيد وإنغلاق أم حرية وإنفتاح؟ وبتعبيرآخر، هل هي مضمون ومحتوى،أم نشاط وفعالية؟
إن إرتباط ميلاد العقل الحديث بالشك الديكارتي وبالنقد الكانطي، لم يمنع فلاسفة هذه المرحلة، أسوة باليونانيين، أن ينظروا إلى العقل نظرة مطلقة ثابتة، غير أن العقل حسب ج.ب فيرنان، يبقى في الأول والأخير عبارة عن ظاهرة بشرية خاضعة لشروط تاريخية تفرض عليه وبالضرورة، التقلب والتغير حسب هذه الشروط، وعليه فإن العقل محايث للتاريخ البشري في جميع مستوياته، وبالتالي لايمكن القول بوجود تصور مطلق للعقل، وفي نفس الطرح يرى محمد أركون أن العقل البشري سيرورة من التطورات، بدءا من العقل القروسطوي اللاهوتي الذي كان يغلب عليه طابع التفسير الديني، مرورا بالعقل الحديث الكلاسيكي، المرتكز على اليقينيات المطلقة، وصولا إلى العقل النسبي الذي يؤمن بالتقدم والتطور.
أما صاحب النظرية النسبية أ.إينشطاين فيؤكد على أهمية البناء الرياضي الخالص في إكتشاف القوانين التي تسمح بفهم الظواهر الطبيعية، فالمبدأ الخلاق حسب تعبيره يوجد في العقل الرياضي.
بناء على هذا، فقد أصبح العقل العلمي المعاصر يتميز بالنشاط والفعالية حسب أولمو وباشلار، فهذا الأخير يعطي الأهمية للحوار بين العقل والتجربة في بناء المعرفة العلمية، فلم يعد بذلك العقل منعزلا في بناء مفاهيمه وطروحاته العلمية، بل لابد من يقين في وجود الواقع في قبضة العقل، ويقين بأن الحجج العقلية المرتبطة بالتجربة هي من صميم لحظاتها. فهذا اليقين المزدوج أساسي لقيام التجربة.
من جهة أخرى، وجه بعض الإبستيمولويين المعاصرين البحث في منحى آخر، حيث فحص رايشنباخ علاقة العقلانية العلمية بالنزعة المثالية، فاستنتج أن كل معرفة تترفع وتتعالى عن الملاحظة والتجربة هي معرفة روحية تأملية، أقرب إلى التصوف منه إلى العلم، لأنها تتعالى عن أهم خاصية في العقلانية العلمية، ألا وهي التجربة. وفي إطار الحديث عن خصائص العقلانية التجريبية، يرى روبير بلانشي أن هذه العقلانية ليست لها نزعة إختبارية تعكس معطيات التجربة بشكل آلي ميكانيكي، كما أنها ليست منظومة من القواعد الثابتة.
إنطلاقا من هذا التعدد في المواقف نخلص إلى أن العقلانية المعاصرة المنفتحة ليست وليدة الصدفة، بل نتيجة لسيرورة من التراكمات والتحولات التي عرفعها التاريخ البشري، مما يفتح المجال أمام طرح إشكالية صحة معايير النظريات العلمية.
المحور الثالث: معايير علمية النظريات العلمية.
لقد أدى تعدد المناهج العلمية والمقاربات المتباينة للموضوع الواحد إلى تعدد معايير صحة النظريات العلمية وكذا تباين مواقف العلماء والابستمولوجيين، فما هي أهم هذه المعايير؟ وماهي أهم الإختلافات الموجودة بينها؟
يرى عالم المناظر الحسن بن الهيثم، أن للنقد وظيفة أساسية لبناء المعرفة العلمية، مؤكدا على أنه ينبغي على كل ناظر في كتب العلماء أن يموقع نفسه كخصم لكل ما ينظر فيه، فلا يتحامل عليه ولا يتسامح معه.
بالإضافة إلى هذا، يوضح دوهايم أن معيار صدق وصلاحية النظرية العلمية يتطلب وجود توافق بين الأحكام والقوانين التجريبية، إذ إن "الإتفاق مع التجربة هو الذي يشكل بالنسبة للنظرية الفيزيائية المعيار الوحيد للحقيقة"، غير أن هذا التحقق التجريبي من وجهة نظر توييلي، لايعطي دلائل قاطعة، مؤكدا على ضرورة تنويع الاختبارات التجريبية، والمقارنة بينها، لأن تأكيدات التجربة تكون جزئية ومعرضة دائما للمراجعة، ومن ثم فالإختبارات المتعددة ضرورية لإخراج النظرية من عزلتها وربطها بنظريات أخرى.
غير أن التجربة بالمعنى الكلاسيكي، لم تعد تمثل منبع النظرية، ولم تعد قيمة النسق تستند على التطابق الحاصل بين معطيات التجربة و نتائج النظرية. فكيف يمكننا القول بعلمية النظرية الفيزيائية؟
جوابا على هذا السؤال يرى إينشتاين، أن البناء الرياضي الخاص هو الذي يمكننا من إكتشاف المفاهيم والقوانين، فالمبدأ الخلاق حسب هذا العالم، يوجد في الرياضيات، أما كارل بوبر فيرى أن معيار صحة النظريات العلمية، هو القابلية للتكذيب، هذه الأخيرة هي التي تميز بين النظرية التجريبية والنظرية اللاتجريبية، فما دمنا لا نستطيع وصف كيف يأتي التنفيذ لنظرية ما، فإنها تعد خارج مجال العلم التجريبي، لكنها تظل غير فارغة من المعنى أو كاذبة، لأن معيار القابلية للتكذيب يمكن أن نطلق عليه القابلية كإختبار آلة لتبيان العيب فيها، ومن ثم فالنظرية التي لا عيب فيها تبقى نظرية غير قابلة للاختبار.
هذه القابلية تمر بخطوات أساسية يحددها بوبر في ما يلي:
1- إتساق النتائج وتماسكها.
2- صورنتها منطقيا ليتبين هل هي علمية أم تيولوجية.
3- مقارنة النظرية قيد البحث مع نظريات أخرى ومعرفة هل حققت الأولى تقدما بالمقارنة مع النظريات الأخرى.
4- القيام بتطبيقات تجريبية على بعض النتائج المستخلصة من تلك النظريات، هذا الإجراء الأخير هو إجراء إستنباطي.
 
نستخلص من هذه المواقف والأطروحات، أن أي نظرية علمية هي حوار دائم بين البناء الرياضي ومعطيات التجربة، لكن هذا الحوار لا يحسم في تركيب بشكل نهائي، فعلاقة النظرية بالتجربة علاقة متحركة متغيرة، والعلم المعاصر لا ينظر للعقل البشري باعتباره إناء أو وعاء يشتمل على مضامين أو أفكار أولية ( أرسطو، ديكارت،لايبنيتز) أو باعتباره مشكلا من مقولات محددة (كانط)، بل باعتباره نشاط وفعالية، ولعل هذا ما يجعل من الصعوبة - كما عبر باشلار- على أي إيبستيمولوجيا أن "تصف بنية نهائية للفكر العلمي..." .

1.مسألة العلمية في العلوم الإنسانية
تــــقــــديــم:
 
هناك شيء من الإجماع لدى الباحثين في مجال العلوم الإنسانية أن موضوع الإنسان قد اعتبر منذ زمن طويل- من التاريخ الفلسفي- محط اهتمام الفلاسفة ومرتعا لتأملاتهم، وكذا نظراتهم الفلسفية المجردة، لكن هذا التصور لمفهوم الإنسان ظل حبيس النظر والتأمل الميتافيزيقي.
من الواضح أن هذا التصور الكلاسيكي لمفهوم الإنسان سيتغير نتيجة التقدم الكبير الذي شهده مجال العلوم الطبيعية، وذلك عبر تحكم الإنسان في الطبيعة والسيطرة عليها بطرق عقلانية، الشيء الذي فرض ضرورة التفكير في إمكانية تأسيس ما نسميه بالعلوم الإنسانية، ودراسة الظواهر الاجتماعية بطرق عقلانية تتخذ من المنهج العلمي نموذجا لها، بهدف تحقيق أكبر قدر من الموضوعية.
ولا شك أن نشأة العلوم الانسانية خلال القرن التاسع عشر ساهمت في ميلاد عدة إشكالات وتساؤلات يمكن تلخيصها في النقاشات التي تشهدها الساحة الفكرية حول القيمة الموضوعية للعلوم الانسانية، ومدى إمكانية تأسيس معرفة موضوعية بالظاهرة الانسانية التي يتداخل فيها عنصري الذات والموضوع في الآن نفسه، وهل تخضع الظاهرة الانسانية في دراستها للفهم أم للتفسير؟ وما هو النموذج العلمي الملائم لهذه الظاهرة وأخيرا ما هي السوسيولوجيا؟ وما هو منهجها وموضوعها؟ كل هذه الإشكالات والتساؤلات ستساهم في ميلاد اتجاهين أو موقفين متمايزين، الأول منهما يسمى بالاتجاه الوضعي أو الطبيعي الذي يستمد جذوره من الموقف الديكارتي الذي يطرح إمكانية دراسة الظاهرة الانسانية دراسة موضوعية وذلك من خلال تشييئها ووضع ذات الدارس وكل ما يرتبط بها بين قوسين، وهذا ما تقوم عليه دراسة الظواهر الفيزيائية، غير أن هذا الموقف الذي استلهم المنهج التجريبي، واعتبر أن الظواهر الانسانية لا تتنافى مع الظواهر الفيزيائية من حيث الشروط المنطقية، واجه انتقادات كثيرة أثارت جدالا حول مسألة تداخل الذات والموضوع، باعتبار أن الفعل الإنساني فعل هادف ومقصود، له غايات وإرادات تحددها الذات.
وفي مقابل هذا الاتجاه نجد موقف الفهم الذاتي التأويلي الذي يقر به ماكس فيبر، والذي يعتبر أن الظاهرة الانسانية هي ظاهرة جد معقدة وبالتالي فتطبيق المنهج التجريبي إزاء هذه الظاهرة صعب المنال.
وإذا كانت الظاهرة الفيزيائية نعتمد في دراستها على التفسير والتنبؤ فإن الفعل الإنساني عكس ذلك، يتخذ وسطا بينهما وبالتالي فهو يخضع للتأويل والفهم الذي يساعدنا على فهم مقاصد ودلالات وغايات الفعل الإنساني التي تحددها الذات، هذه الأخيرة التي تحتل مكانة كبرى عند بعض التيارات الفلسفية من خلال التجربة المعيشية التي عاشتها هذه الذات والتي تتلخص لنا في المعرفة التي نكونها عن هذا العالم بواسطة هذه الذات.
هذا النقاش بين مسألة الفهم والتفسير في الظاهرة الانسانية سيجعل الدارسين يطرحون السؤال حول النموذج العلمي بالنسبة للعلوم الانسانية، ومن هنا سيبرز السؤال حول مدى إمكانية تطبيق المنهج التجريبي لضمان أكبر قدر من الموضوعية في العلوم الانسانية. إن إمكانية تطبيق النموذج العلمي في العلوم الانسانية ستفرض ضرورة التفكير في طبيعة هذه العلوم ومدى صلاحية المنهج فيها.
وإذا واجه هذا الموقف رفضا بسبب مدى تعقيد الظاهرة الانسانية فإنه في المقابل نجد أن بعض التيارات أي تمايز بين كل من الظاهرة الانسانية والظاهرة الفيزيائية، فيما يخص مسألة تدخل الذات، لكن هذه التيارات ترى أنه يجب أن تتوفر هناك شروط إضافة للتحكم في الظاهرة الانسانية والتمكن من دراستها دراسة موضوعية، لكن هذه الدراسة الموضوعية تجمل الفلاسفة الفينومينولوجيين يقفون موقف رفض منها، معتبرين أنها تجزئ الإنسان وتنسى تجربته الذاتية التي تزوده بكل معارفه عن العالم وتعتبر مصدرا لها.
أما السوسيولوجيا كعلم يختص بدراسة الإنسان ككائن اجتماعي باعتباره عضوا في مؤسسة اجتماعية فقد اصطدمت بجملة من الصعوبات وعرفت مجموعة من الإشكاليات سواء على مستوى الموضوع أو المنهج أو النظرية ويرجع ذلك إلى طبيعة الظاهرة الاجتماعية باعتبارها ظاهرة واعية يتداخل فيها عنصر الوعي والإرادة والقصد وهنا يطرح التساؤل عن طبيعة المنهج والنظرية المتبعة في دراسة الظاهرة الاجتماعية، وأمام ذلك تجد السوسيولوجيا نفسها حرجا في الجسم بين خيارين متباينين: الأول هو التماهي التام مع العلوم التجريبية ونقصد هنا اقتباس النموذج العلمي المتبع في العلوم الطبيعية وتطبيقية على الظواهر الاجتماعية الثاني وهو القطيعة التامة مع العلوم التجريبية واعتماد نموذج ملائم لطبيعة الظاهرة الاجتماعية بالشكل الذي يحقق الموضوعية ولا يلغي فاعلية الذات.
ما من شك أن العلوم الانسانية في سعيها المتواصل أن تتحرر من قيود الإرث الفلسفي التأملي حيث ظلت على الرغم من ذلك عاجزة عن استيفاء شرط ما يسمى بالموضوعية ومرد هذا يمكن أن نرجعه لأسباب مبدئية تتصل بطبيعة الظواهر الانسانية المبحوثة ذاتها، كذلك يمكن اعتبار الظاهرة الانسانية، ظاهرة مركبة أو معقدة إن صح القول، حيث أن الظواهر والأفعال الانسانية هي ظواهر واعية إرادية لا تتكرر ولا تخضع للإطراد، من هنا حق لنا أن نتساءل عما إذا كان الإنسان ذاتا للمعرفة، وموضوعا لها في الآن نفسه؟ هل هناك إجماع بين الباحثين في مجال العلوم الانسانية حول القيمة الموضوعية للعلوم الانسانية؟ ما الذي يترتب على استحالة تجرد الباحث في العلوم الانسانية من املاءات اللاوعي وقبليات الحس المشترك وأخيرا ما هي العوائق التي تحول دون تأسيس معرفة موضوعية في العلوم الانسانية؟
لمعالجة هذه التساؤلات وغيرها يدعونا هذا إلى الانفتاح على العديد من التصورات بغية اقتفاء أثر الجواب عنها.
I—الموضوعية في العلوم الانسانية.-
يطرح لوسيان غولدمان إشكالية الفهم الموضوعي للواقع في العلوم الانسانية، حيث يقر هذا الأخير بعجز العلوم الانسانية عن التحرر من عقال الإرث الفلسفي التأملي نظرا لعدم استيفائها شرط الموضوعية ومرد هذا أن الباحث في مجال العلوم الانسانية أثناء معالجته لظاهرة إنسانية يعجز عن التخلص من مواقفه المضمرة وأحكامه القبلية، أي المسبقة ثم نوازعه اللاواعية، أي استحالة تجرد الباحث في العلوم الانسانية من املاءات اللاوعي، وقبليات الحس المشترك، كما يتطرق لوسيان إلى بعض العوائق التي تحول دون تأسيس معرفة موضوعية في العلوم الانسانية، ولتدعيم أطروحته هاته يعزز كما يذيل موقفه بالاستناد إلى بعض الحجج التي تصبو إلى إثبات مذكرته، وذلك من خلال إبرازه لمناحي الاختلاف بين شروط عمل الفيزيائي أو الكيميائي يجد منطلقه في اتفاق فعلي أو ضمني بين سائر الطبقات التي تكون المجتمع المعاصر، حول قيمته وطبيعته ومقصده، كما يرى لوسيان أن المغرفة العلمية هي الأكثر مطابقة للواقع الفيزيائي والأكثر فعالية ونجاعة، وفي هذا السياق لا يمكن غزو الشخصية في قبيل غياب روح النسقية، ثم انعدام الرؤية النافذة، وكذا الغرور والانطباع الانفعالي، وفي أقصى الأحوال غياب النزاهة الفكرية، على النقيض من ذلك نجد بأن وضعية العلوم الانسانية تختلف عن المعرفة التي تشكل أرضية أو أساس العلوم الفيزيائية – الكيميائية، فبدلا من الإجماع الضمني أو الصريح بين أحكام القيمة حول البحث العلمي فإننا نجد في العلوم الانسانية اختلافات جذرية في المواقف من هنا يبرز لنا لوسيان غولدمان انعدام الفهم الموضوعي في واقع العلوم الانسانية ثم استحالة تجرد الباحث في العلوم الانسانية مما هو قبلي أو مواقف ذاتية، لان الباحث يتصدى في غالب الأحيان للوقائع مزودا بمفاهيم قبلية ومقولات مضمرة ولا واعية تسد عليه طريق الفهم الموضوعي بشكل قبلي، في هذا الإطار نجد بأن إيميل دوركهايم يقر بأن الظواهر الاجتماعية في ذاتها هي ظواهر مستقلة عن الذوات الواعية التي تتمثلها وبالتالي يجب دراستها من الخارج، من هنا نستشف أن الإنسان ليس ذاتا للمعرفة وموضوعا لها في الآن نفسه، في هذا النطاق تبرز أو تقر بوفريس رينيه فكرة جوهرية مفادها أن العلوم الانسانية بالرغم من نشأتها، وإرساء أسسها، في القرن 19، في سياق ابيستمولوجي خاص يصغي إلى الارتقاء إلى مستوى تطبيق النموذج الفيزيائي التجريبي على دراسة الإنسان، فإنها عجزت أن تفي بشرط الموضوعية لأسباب مبدئية تتصل أو رهنية إن صح القول- بطبيعة الظواهر الانسانية المبحوثة ذاتها، من هنا يتبين لنا جليا أن الباحثة بوفريس تطرح مشكلة الموضوعية في العلوم الانسانية بين التصور الوضعي والتصور النقدي، حيث ترى بوفريس أن المعرفة التي يكونها الإنسان عن نفسه تبقى دائما، وبعيدا عن أن تكون محايدة، مشبعة بالذاتية، كما أن النظرة التي تشكل علم النفس هي ظاهرة نفسانية، كذا علم الاجتماع هو ظاهرة سوسيولوجية تخص العالم الحديث، وبالتالي يستحيل مبدئيا أن تتمكن العلوم الانسانية من الوصول أو بلوغ الموضوعية المطلقة، أو التخلي عن جزء من أهدافها وغاياتها ثم الاكتفاء بدراسة المظاهر الأولية من الحقيقة أو الواقعة الانسانية.
في هذا الإطار نجد بأن ميشيل نوكويلتقي مع لوسيان غولدمان، حين يقر بأن مسألة العلوم الانسانية، في علاقتها بالعلوم الأخرى، سعيا وراء إبراز خصوصية الظاهرة الانسانية- باعتبارها ظاهرة معقدة وبالتالي متعددة الأبعاد ونقطة لتقاطع مجموعة من العلوم، مما يجعل دراستها أمرا صعبا، كما يعالج ليڤيستروس فكرة جوهرية في هذا السياق مفادها أن مسألة الظاهرة الانسانية وكيفية موضعتها أمام الصعوبة التي تطرحها ثنائية الملاحظ والملاحظ،، وكذا كيفية الحفاظ على خصوصية هذه الظاهرة الانسانية وكيفية تناولها من طرف علوم الإنسان من جهة، ومن طرف الفلسفة من جهة أخرى، على النقيض من ذلك يحاول دوفرين M.Doufrenne أن يعكس وجهة نظر مغايرة تنتصر للإنسان في أبعاده المتميزة بدل التركيز عليه كموضوع مما يؤدي إلى إفقاره، وسلب الخصائص الوجودية التي تضفي عليه طابعه المتفرد، بيد أن جون پياجي في إبستمولوجية العلوم الانسانية (1970) يقدم تصورا متكاملا عن الإشكالات الإبستمولوجية التي تواجهها العلوم الانسانية وتحقيق العلمية في دراستها، حيث يرى بأن وضعية العلوم الانسانية لهي أشد تعقيدا، وذلك لأن الذات التي تلاحظ أو تجرب على ذاتها أو على غيرها من الذوات قد تعرض لها من جهة تحولات صادرة عن الظواهر الملاحظة، بل وبشأن سياق هذه الظواهر، بل وبشأن طبيعتها في ذات الآن صعوبات إضافية بالقياس إلى وضعية العلوم الطبيعية التي يمكن الفصل فيها، بوجه عام بين الذات والموضوع.
يمثل العمل الإجماعي- التفلسف- معالجة فلسفية وبيداغوجية لبعض المفاهيم والقضايا، وتقدم مساهمة
"فرنسوا باستيان" تحليلا لرهانات العلوم الاجتماعية أو الانسانية في ضوء تعقد الموضوع وتداخل المناهج (مفارقة علاقة الذات بالموضوع) حيث تتمثل المفارقة غير القابلة للاختزال لدى الباحث الاجتماعي في كونه لا يستطيع الانفصال كلية عن مجتمعه الذي هو موضوع دراسته، في حين يعتبر هذا الانفصال مبدأ كل جهة علمي، غير أن هذا التوجه الوضعي الذي استلهم المنهج التجريبي، والذي أثبت نجاحه في العلوم التجريبية وقال بإمكانية بناء الظاهرة الانسانية، واجه انتقادات تصب كلها في إثارة إشكال التداخل بين الذات والموضوع وهذا الإشكال هو الذي يجعل كل موضعة، بالمعنى التجريبي، صعبة المنال، إن لم نقل مستحيلة، وفي هذا النطاق تنكشف طبيعة هذا التدخل وما يطرحه يتبين من خلال هذه العناصر أنه لا يمكن الحسم بخصوص موضعة الظاهرة الإنسانية، فالقول بذلك يفيد التماثل بين بنية الذات- الموضوع في العلوم الحقة وبنية علاقة الذات- الموضوع في العلوم الانسانية، وهو تماثل لا يصمد أمام الانتقادات الموجهة له، وما ينتج عن ذلك من تأثير سلبي على مكانتي كل من التفسير والفهم، الشيء الذي يطرح إشكالية يمكن إدراجها على النحو الآتي: - كيف تتحدد وظيفة النظرية العلمية؟
· II- علوم الإنسان بين التفسير والفهم:-
· تحتل عملية التفسير مكانة خاصة في العلوم الحقة، بل يمكن القول إنها تمثل مع التنبؤ النواة الصلبة للعقلنة الطبيعية وترييضها، إنها عملية عقلية تسمح باستنتاج اللاحق من السابق، والظواهر في القوانين باسم الضرورة المنطقية التي لا تسمح فقط بالتفسير بل أيضا بالتنبؤ. فهل يمكن القول بإمكانية التفسير بهذا المعنى في العلوم الانسانية؟
 
للإجابة عن هذا التساؤل وغيره، لابد لنا من أن ننفتح على تصور جيل غاستون غرانجي حيث يطرح هذا الأخير إشكالية الفهم في العلوم الانسانية وعلاقته بالتفسير العلي، حيث تتشكك النظريات العلمية في ميدان العلوم الانسانية، حسب غرانجي، في صورة أبنية عقلية حيث يرى بان نشاط العقل فيها يتراوح بين نموذجين معرفيين التفسير باعتباره كشفا موضوعيا، بوصفه نشاطا عقليا تأويليه يستخلص الدلالات والقيم، فالتفسير من وجهة نظر غرانجي مفاده كشف العلاقات المدروسة تنشأ عنها، وهذا المنهج التفسيري بطبيعة الحال يسلكه أو يسلك مساره العالم الفيزيائي، حيث يعمل جاهدا هذا الأخير على صياغة ثلة من الظواهر المعقدة في منظومة مبسطة من العلاقات تشكل هاته الأخيرة ترسيمة أو خطاطة صورية للظاهرة موضوع الدراسة، ولان كل تفسير سوء هذا سيتجاوز أو يتخطى نطاق العلم ليلتحق بركب الأسطورة والسحر، فهي لا تقف عند حدود التفسير بحيث لا يمكن تفسير الأفعال بل نسعى إلى فهمها، ومعنى هذا أننا نصبو إلى نقل إحساس أو تقدير أو انفعال ما بصورة حدسية، في هذا الصدد نجد بأن علماء النفس وعلماء الإجتماع ينزعون -عموما- إلى اختزال صياغاتهم الصورية للوقائع وردها إلى أوليات مستمدة من طبيعة الواقع المعيش ثم تقديم تأويل يرمي أو يهدف إلى فهم الفعل الإنساني، وبالتالي كان الفهم مشروعا لا محيد عنه ومن تم وجب القول أن الظاهرة الانسانية لا يمكن تفسيرها تفسيرا سببيا بالكشف عن العلاقات الثابتة والقوانين التي تنتظمها، هنا يستند غرانجي بفكرة أساسية مؤداها أن المعرفة أي معرفة الوقائع تتأسس على الفهم، حيث يرى بأن الفهم منهج يتيح إمكانية تأويل الظاهرة الإنسانية ودلالاتها، وعلى الرغم من ذلك نجد بأن غرانجي يكشف لنا عن محدودية منهج الفهم، حينما يستفيض في حديثه، ويقول: "المعرفة التي تتأسس على الفهم فقط هي معرفة مسرفة في مقتضياتها ومطالبها ومقصرة فيها بان واحد" ثم إن الرغبة في فهم جميع الظواهر، تجنح بالمعرفة في متامات الأسطورة والسحر، من هنا يكشف لنا هذا الأخير عن حدود المقاربة التفهيمية وعوائقها الإبستيمولوجية في هذا الصدد يتضح لنا مليا أن غرانجي يصوغ أطروحته حول محدودية منهج الفهم في تمثل الأفعال الإنسانية، معتمدا على تقنيات حجاجية، وذلك لإثبات أطروحته وتعزيزها، كذلك يبرز لنا غرانجي موقف الفهم، ويرى بأن هذا الأخير مهما كان موقف مشروعا لا محيد عنه، فإنه، مع ذلك، يضع عائقا جسيما أمام فعالية العقل في العلوم الإنسانية...
في هذا الصدد نجد بأن جول مونرو يتساءل حول الفهم كمنهج تأويلي وأهميته في استخلاص دلالات الظواهر الإنسانية، على خلاف جيل غاستون غرانجي، يمنح مونرو للفهم قيمة أساسية تتمثل في استخلاص المعاني والدلالات من التجارب الوجودية المباشرة، فالخاصية المميزة لظاهرة الفهم هي البداهة والوضوح، وما يكون موضوع تفهم يكون على قدر من الوضوح وما يكون كافيا ومكتفيا بذاته، فمن المستحيل سيكولوجيا الشك في البداهة بل يتعين التسليم بها، فالبداهة تأخذ شكل معرفة مباشرة حالما عرضت لنا بوصفها بداهة، وكل محاولة نقوم بها لتأسيس البداهة على أساس الاستقراء هي محاولة ستفضي إلى تفويضها فالفهم حسب مونرو هو فعل معرفي مباشر بدون طرائق موضوعية.
لقد اعتمد بوبر على نقد الحتمية التاريخية كما تتجلى في العلوم الاجتماعية، إذ يرى أن النظريات العلمية لا يمكن التحقق من صحتها تجريبيا، ومن تم فإن معيارية علميتها تستمد من قابليتها للتكذيب أو قابليتها للرفض، ومن هنا فمعيار العلم معيار سلبي وليس معيارا إيجابيا في ظل السياق النقدي لمسألة العلمية في العلوم الانسانية نرى بأن جوليان فروند يضعنا في صلب النقاش التاريخي الذي ساد في أواخر القرن التاسع عشر، حول الفروق المنهجية والإبستيمولوجية التي تميز العلوم الدقيقة عن العلوم الانسانية، ولكي تثبت الأنتروبولوجيا- بوصفها علما إنسانيا مقارنة بالعلوم الدقيقة أو بالعلوم الانسانية الأخرى، قيمتها كعلم كان عليها أن تتوجه نحو موضوع شكل بؤرة للعلوم الإنسانية، وهو الثقافة.. بيد أن حداثة وجدّة الأنتروبولوجيا في الميدان لم تمنع علمائها من الاستفادة من المناهج العلمية التي سبقتها ومن ابتكار مناهج وطرق علمية جديدة تلائم موضوعاتها (مالينوڤسكيMalinowski)
يجيب "كلود ليفي ستروس" عن هذا السؤال الذي قد طرحناه سالفا متحفظ نوعا ما، حيث يرى أن تعبيرات العلوم الإنسانية فضفاضة، وتنبؤاتها غير أكيدة، فهي في وضعية إبستمولوجية حرجة تلزمها أن تكون وسط طريق بين التفسير والتنبؤ لأن موضوعها يستعصي على التعريف العلمي الدقيق الذي يسمح بتفسير الظاهرة المحددة، وبالتنبؤ بردود فعلها وتوجهاتها، ليس للعلوم الإنسانية إذن، من خيال آخر، إما أن تحدد موضوعها بشكل دقيق كالعلوم الحقة، فتفقره وآنذاك يمكنها أن تفسره، وإما أنها تحافظ عليه فتبقى في نصف الطريق بين التفسير والتنبؤ، بين المعرفة الخالصة من جهة والفعالية من جهة ثانية، في هذا المضمار يرفض "دلتاي" هيمنة نموذج العلوم الحقة على العلوم الإنسانية بالنسبة له تفهم ولا تفسير: فهي ظاهرة شمولية تخص إنسانا لا يعطى إلا كليا، ظاهرة يتداخل فيها ما هو نفسي مع ما هو اجتماعي، وتتأطر ضمن تاريخ يعتبر متفردا، إن المناهج الموضوعية التي تعتمد على المعايير الخارجية تعجز عن النفاذ إلى المعنى العميق لتجربة كلية تأخذ شكل "كل معيش". إن الفهم والتأويل هما اللذان يقودان إلى النفاذ داخل الحياة الدالة تأسيسا لما سبق نستشف من خلال التوثر القائم بين الفهم والتفسير أن الرهان الحقيقي هو رهان نموذجية العلوم التجريبية بالنسبة للعلوم الانسانية، فإلى أي حد يمكن الاستفادة من هذا النموذج؟ ألا يتعلق الأمر بمشكل زائف؟
· III- مسألة نموذجية العلوم الانسانية:
 
إن الخلاف حول نموذجية العلوم الانسانية بدأ يظهر خلال القرن التاسع عشر عندما بدأت العلوم الطبيعية تستقر، حينما بدأت الدعوة إلى دراسة العلوم الانسانية دراسة موضوعية واختيار النموذج العلمي المناسب لذلك، واعتبار الظواهر الانسانية كجميع الظواهر الفيزيائية يمكن أن نعتمد في دراستها على المنهج العلمي.
ومن هنا بدأت تظهر وجهات نظر متعددة سواء تعلق الأمر بالموضوعات التي تناولتها العلوم الانسانية أو بالمنهج المناسب لها.
وإذا كانت العلوم الفيزيائية تتناول بناء المادة والقوى التي تعمل في هذه المادة، فإن العلوم الانسانية تتناول بناء المجتمع والقوى التي تعمل فيه.
فما هو إذن النموذج العلمي الملائم للعلوم الانسانية؟ وهل يمكننا دراسة الظاهرة الإنسانية بنفس الكيفية التي ندرس بها الظاهرة الفيزيائية؟ أم هناك نموذجا آخر للعلمية مناسب لدراسة هذه الظاهرة، وإذا اعتمدنا المنهج العلمي كنموذج لدراسة الظاهرة الإجتماعية ألا يكون الأمر أصعب مما نتوقع باعتبار أن السلوك أو الفعل الإنساني هو فعل ذو معنى وبالتالي فالظاهرة الانسانية هي ظاهرة معقدة.
يضعنا النص الذي كتبه الفيلسوف والمنطقي المعاصر جان لادريير Jean Ladrière 1921 أمام إمكانيتين في تناول ودراسة الظاهرة الإنسانية، تتمثل الإمكانية الأولى في المنهج الذي يتبعه دوركهايم والذي يستمد جذوره من الفلسفة الديكارتية، ويندرج هذا المنهج في إطار ما يمكن تسميته بالمنهج أو الاتجاه الوضعي أو الطبيعي، هذا الأخير الذي يؤكد على وحدة المنهج بين كل من الظواهر الفيزيائية والظواهر الإنسانية معتبرا أن الشروط المنطقية المتوفرة في الظاهرة الفيزيائية تتوفر كذلك في الظاهرة الإنسانية، وبالتالي فالظاهرة الانسانية يمكن اعتبارها كشيء ودراستها دراسة موضوعية من خلال وضع ذات الباحث وما يرتبط بها من دلالات وقيم...بين قوسين.
في مقابل هذا الاتجاه نجد الاتجاه الذي يقر به الفيلسوف ماكس ڤيبيرWeber Max 1864، والذي يمكن تسميته بمنهج الفهم الذاتي الذي يهدف إلى فهم وتأويل الظاهرة الانسانية أو السلوك الإنساني من أجل الوصول إلى مسار هذا السلوك ونتائجه معتبرا أن كل سلوك هو ببساطة الأمر سلوك هادف، أي أنه يتجه نحو تحقيق أهداف وغايات معينة، ومن هنا يكون لكل سلوك إنساني غايات وأهداف تحددها الذات.
يقف جان لادريير موقف إشكال إزاء كلا التوجهين المعتمدين في دراسة الظاهرة الانسانية معتبرا أننا إذا اعتمدنا التوجه الأول (المنهج الوضعي) ستكون إزاء تشييء الظاهرة الإنسانية، وبالتالي سنجدها من كل ما يرتبط بها من مقاصد ونوايا ودلالات وقيم وغايات التي تتحكم في الفعل الإنساني وتكون موجها له، وفي المقابل إذا اعتمدنا التوجه الثاني (منهج الفهم الذاتي) في دراسة السلوك الإنساني، ألا نكون متقيدين إزاء ذلك المنظور الذاتي وبالتالي نفتقد للموضوعية التي تسعى تحقيقها في كل دراسة.
يقف لادريير موقف تساؤل من كل ذلك ويعتبر أنه بإمكاننا أن نعتمد في دراسة الظاهرة الإنسانية والاجتماعية نموذجا للعلمية يختلف على نظيره في مجال العلوم الفيزيائية دون وضع تمييز بين الظاهرة الفيزيائية والإنسانية، وهذا المنهج يكون ملائما للظاهرة المدروسة، وإذا كان جان لادريير يقر بضرورة إيجاد نموذج للعلمية مناسب للظاهرة المدروسة وتكييفه معها، فإن الفيلسوف الفرنسي إدغار موران Edgar Morin1921 ، يميز بين ضربين في المعرفة الانسانية، الخطاب السوسيولوجي الذي يطمح إلى بلوغ قدر أكبر من الموضوعية من خلال تحرره من الثقل الميتافيزيقي، واعتماده المنهج العلمي، وبالتالي فإن هذا النوع من السوسيولوجيا يحتل الصدارة بالمقارنة مع أنماط الخطاب السوسيولوجي الأخرى، ويتخذ هذا النمط من الخطاب السوسيولوجي النموذج الفيزيائي كنموذج أمثل بالنسبة له، وباعتماده المنهج العلمي، وبالتالي فإن هذا النوع من السوسيولوجيا يمثل الصدارة بالمقارنة من أنماط الخطاب السوسيولوجي الأخرى، ويتخذ هذا النمط من الخطاب السوسيولوجي النموذج الفيزيائي كنموذج أمثل بالنسبة له، وباعتماده المنهج العلمي، فهو يهتم بتحديد القوانين والقواعد التي تؤثر في الظاهرة المدروسة من خلال العلاقات السببية، مستبعدا كل ما يتعلق بشروط الملاحظة وكل ما يرتبط بذات الباحث، أي كل ما هو خارجي بالنسبة للظاهرة المدروسة.
وهناك خطاب سوسيولوجي آخر يتقابل مع النمط الأول من الخطاب السوسيولوجي، وهذا الخطاب يسميه إدغار موران بالسوسيولوجية الإنشائية فكيف يحددها لنا إدغار موران؟ وما مدى الصلاحية الإبستمولوجية للنموذج الفيزيائي في هذا النمط من الخطاب السوسيولوجي والذي سماه بالسوسيولوجيا الإنشائية؟ وما هو الأساس الإبستمولوجي لهذا النوع من السوسيولوجيا؟ وما هو التصور الجديد الذي أعطاه موران من خلال هذا النمط من الخطاب السوسيولوجي؟
يعتبر إدغار موران أن السوسيولوجية الإنشائية هو نمط من أنماط الخطاب السوسيولوجي المعاصر، لكنه لم يتحرر بعد من الثقل الميتافيزيقي والتأمل الأخلاقي، بل أنه لا زال محتفظا بالنظر التأملي في جوهر الموجودات ، فهو يفترض وجود ذوات أو قوى فاعلة تساهم وتؤثر في الظاهرة الاجتماعية، ومن هذا المنطلق فلا يمكن اعتماده على النموذج الفيزيائي وبالتالي على المنهج العلمي مما يجعله يفتقر إلى الموضوعية.
إن هذا النمط من السوسيولوجيا تحضر فيه ذات الباحث بشكل كبير في موضوع البحث، لكن حضور الذات هنا ليس بالمفهوم الميتافيزيقي، فالذات تحضر بكونها أساسا بيولوجيا، هذا التغير في مفهوم الذات الذي دشنت له البيولوجيا يجعل من الإنسان موجودا يضع ذاته وسط عالمه وبالتالي فالإنسان يصبح متضمنا في الظاهرة المدروسة أي أنه يصبح ذاتا وموضوعا في آن واحد، ويتجاوز كل تعال عن عالمه الذي يعيشه .
ويخلص موران إلى أن السوسيولوجيا رغم تشبثها بالعلمية ومحاولة تطلعها للنموذج الفيزيائي فإنها تبقى مرتبطة بالذات حيث لا يمكن عزل الظاهرة أو الموضوع المبحوث ودراسته بصورة تجريبية هذا يعني أنه مهما حاولنا موضعة الظاهرة الاجتماعية فإن ذات الباحث تبقى حاضرة بشكل واع أو بدون وعي في الموضوع المدروس.
لكن هل هذا الوجود لذات الباحث في الظاهرة المدروسة قد يؤثر بشكل سلبي من الناحية الموضوعية؟ وكيف تساهم الذات في تحديد الوضع الإبستمولوجي للعلوم الانسانية؟
يعتبر كل من طولرا ووارنيي أن العلوم الانسانية حديثة النشأة (ق19) وأن مجالها اعقد من مجال العلوم الطبيعية، إذ أن هذه الأخيرة نعتمد في دراستها على التجربة الدقيقة الشيء الذي يجعلنا نخلص إلى نتائج يقينية، أما بالنسبة للعلوم الانسانية فإننا قد نجد بعض الصعوبات في ذلك، ومنه فإن حضور الذات داخل الظاهرة الانسانية أو حضورها كذات وموضوع في نفس الآن أمر يسهل علينا التعامل معها ودراستها، ذلك لان الذات تكون على علم كامل بكل ما يحيط بها وما يصيبها أحيانا من تناقض ومن تغيرات مفاجئة وتلقائية، ولذلك فإن الابستمولوجيا المعاصرة تركز بشكل كبير على حضور الذات في دراسة الظاهرة الانسانية، وذلك بهدف الإحاطة بشكل كامل بالموضوع .
يعتبر الفيلسوف موريس مرلوپونتي من خلال كتابه " فينومينولوجيا الروح" أن للتجربة الذاتية أهمية كبرى في دراسة الظاهرة الانسانية بحيث أن كل معرفة يتوفر عليها الفرد ويكونها عن العالم فهي معرفة ناتجة عن احتكاك الذات بهذا العالم ومدى تفاعلها داخله، هذا الأخير الذي يختلف من شخص لآخر حسب التجربة الفردية، ويخلص هذا الفيلسوف إلى أن اعتماد المنهج التجريبي في دراسة الظاهرة الانسانية هو حذف ونسيان للعالم المعيش، وللتجربة الذاتية ولذلك ينبغي العودة إلى الإنسان باعتباره مولدا للمعنى ويعيش في عالم رفقة الغير.
إن هذا النقاش الإبستمولوجي حول نموذجية العلوم الانسانية وحول مدى صلاحية المنهج العلمي في دراسة الظاهرة الانسانية وكذا تداخل الذات والموضوع في دراسة الفعل الإنساني، فرض ضرورة اتخاذ السوسيولوجيا والتعريف بها وتحديد منهجها وموضوعها للإحاطة بشكل أكبر بالظاهرة الانسانية، ومعرفة الصعوبات التي يواجهها دارسها.
VI- نموذج السوسيولوجيا:
يمكن تصنيف العلوم إلى صنفين علوم طبيعية موضوعها الطبيعة كمادة أو كظاهرة جامدة أو كظاهرة حية وعلوم اجتماعية موضوعها الإنسان كفرد أو كعضو في جماعة أي علاقته بالآخرين وفي حالة اندماجه بالمؤسسات الاجتماعية التي يتأثر بها ويؤثر فيها وهذا الميدان يختص به علم الاجتماع باعتباره الدراسة المنسقة التي تدرس الإنسان ككائن اجتماعي لاكتشاف حقائق جديدة تكون قابلة للتحقيق من صحتها ويعبر عنها بواسطة قوانين. إلا أن الحديث عن علم الاجتماع كعلم قائم بذاته أي ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين يطرح مجموعة من الإشكاليات سواء على مستوى بناء الموضوع أو على مستوى تحديد المنهج أو على مستوى المكانة التي تحتلها النظرية في علم الاجتماع، وتندرج هذه الإشكاليات حول إمكانية عملية العلوم الاجتماعية أو استحالتها ويمكن صياغتها في الأسئلة التالية:
· ما هي طبيعة الظاهرة الاجتماعية؟ وهل يمكن أن يكون الإنسان ذاتا وموضوعا في نفس الآن؟
· ما هو المنهج المتبع في دراسة الظواهر الاجتماعية؟ هل يصبح الحديث عن التفسير كأس الدقة العلمية أم أن وظيفة علم الاجتماع تنحصر في فهم الظواهر لا في تفسيرها؟
· ما هي طبيعة النظرية السوسيولوجية؟ وهل يمكن الحديث عن نظرية شاملة في علم الاجتماع؟
· إلى أي حد يمكن تحقيق الموضوعية في علم الاجتماع وهل يستقيم الحديث عن خطاب علمي في دراسة الواقع الاجتماعي؟
 
أ‌- موضوع علم الاجتماع:
إن الظاهرة الاجتماعية تختلف عن الظاهرة الطبيعية المتميزة بالثبات وبالوجود الخارجي المستقل عن الإنسان، فهي ظاهرة معقدة يتداخل أكثر من عامل في تحديدها، كما أنها ظاهرة واعية يتدخل فيها عنصر الوعي البشري ويؤثر فيها الشيء الذي كان وراء تأخر العلوم الاجتماعية، إلا أن الأمر يعتبر موضوع نقاش لدى علماء الاجتماع فريمون آرون يأخذ بعين الاعتبار خصوصية الظاهرة الاجتماعية معتبرا أن أهم ما يميز علماء الاجتماع هو صعوبة تحديد موضوعهم إلا أنه يرى أن علم الاجتماع كعلم قائم بذاته يجب أن يتحرى الدقة والضبط العلمي كما يجب أن يحدد الظواهر التي تشكل موضوعه الخاص وتميزه عن باقي العلوم الأخرى كالعائلة والطبقة الاجتماعية والعلاقات بين أقسام الواقع السياسي والاقتصادي...وهذا ما أكده عالم الاجتماع الفرنسي إميل دور كايم حيث حاول إعطاء علم الاجتماع الطابع الخاص الذي يميزه وذلك من خلال تحديد معنى الظاهرة الاجتماعية كموضوع خاص بعلم الاجتماع، فدور كايم يرى أنه قبل البحث عن المنهج الذي يلائم دراسة الوقائع الاجتماعية يجب معرفة هذه الوقائع والتعامل معها كأشياء منفصلة عنا كأفراد واعين، كما يرى أن الظواهر الاجتماعية تتميز على السواء وليس للفرد الحق في اتباع هذا النظام الاجتماعي أو الخروج عليه، وأن المجتمع قد وضع الجزاء لكل من ينحرف سلوكه عما اقتضته طبيعة الحياة الاجتماعية، إلا أن موقف دور كايم من الظواهر الاجتماعية كأشياء مستقلة عن الذات الواعية قد أثار انتقادات كثيرة من طرف علماء الاجتماع مثل لوسيان غولدمان الذي ناقش تصور دور كايم وانتقد موقفه حول طبيعة بناء الظاهرة الاجتماعية معتبرا أن التعامل مع الظاهرة الاجتماعية كشيء يصعب تحقيقه من الناحية الإبستمولوجية نظرا لخصوصية هذه الظاهرة ولاستحالة تجرد الباحث في علم الاجتماع من المفاهيم القبلية والإملاءات اللاواعية.
هكذا وانطلاقا مما سبق نجد تباينا واضحا في ضوء إشكالية الموضوع في علم الاجتماع فهناك من يقول بإمكانية تشييء الظاهرة كما هو الشأن في العلوم الطبيعية وهناك من يجد صعوبة في تحديد الظاهرة الاجتماعية بطريقة منهجية دقيقة نظرا لتداخل الذات بالموضوع في دراسة الواقع الاجتماعي الشيء الذي ينعكس بطريقة مباشرة على إمكانية تطبيق المنهج العلمي في العلوم الاجتماعية.
ب: منهج علم الاجتماع.
لقد تبلور المنهج العلمي وتجدر في البحوث الفيزيائية والطبيعية قبل أن ينتقل إلى البحوث الاجتماعية لينتشر على أوسع نطاق، حيث بات أداة لفهم واقع المجتمعات وجسر وعلاج لمشاكلها وذلك بفضل محطاته التقنية التي من خلالها يتعامل الباحث مع الواقع كواقع أي كما هو لا كما ينبغي أن يكون ملاحظة أو تجربة أو مقارنة أو مقارنة أو استقراء فتعميم والمعجم الفلسفي العربي عرف المنهج بأنه "الطريق الواضح في التعبير عن شيء أو في عمل شيء تعليم شيء طبقا لقوانين معينة وبنظام معين بغية الوصول إلى غاية معينة" ويمكن القول بوجه عام أن المنهج أو المناهج هو الطريقة التي يسلكها الباحث للإجابة عن الأسئلة التي تثيرها المشكلة موضوع البحث، إلا أن تطبيق المنهج في البحث الاجتماعي يعتبر موضع نقاش بين علماء الاجتماع مما يفسر تعدد المناهج واختلافها وهنا مارسيل موس يرى أن المواضع تتعدد في علم الاجتماع بقدر ما تتعدد الموضوعات التي يدرسها الباحث الاجتماعي، فبالرغم من أن دوركايم حاول وضع المنهج الذي ينبغي لعلم الاجتماع أن يتبعه ألا وهو المنهج الوضعي فإنه من غير الممكن وضع صياغة نهائية أو منهج قار في علم الاجتماع ولحل إشكالية المنهج في علم الاجتماع نجد جون لادريير يقدم تصور إبستمولوجي يصرح فيه الاحتمالات الممكنة لحل هذه الإشكالية وذلك من خلال إمكانية تكوين نموذج جديد للعملية خاص بالعلوم الاجتماعية مادام أن باب تاريخ المعرفة العلمية لم يغلق وأن التاريخ لازال ينتظر من العلوم الاجتماعية خاصة والعلوم الإنسانية عامة إغناءه بتجربتها ومنهجها، وإذا كانت العلوم الطبيعية تطورت عبر اعتماد المنهج الرياضي فلا يعني هذا ضرورة انطباق هذا المنهج على العلوم الاجتماعية واعتباره منهج نهائي ومطلق بل يمكن للعلوم الاجتماعية أن تشكل نموذجا ثانيا للمعرفة من خلال مناهج وأدوات أصيلة للتحليل والبحث. ويمكن اعتبار المنهج التفهمي كنموذج ثاني للعملية في علم الاجتماع مع ماكس فيبر الذي يعتبر من أكبر علماء الألمان الذين أسهموا في إنشاء علم الاجتماع من خلال دراسته للأفعال والسلوكات الإنسانية بشكل يختلف عن دراسة الظواهر الطبيعية وهنا يأخذ فيبر بعين الاعتبار موقع الذات العارفة في دراسة الظواهر الاجتماعية باعتبارها ظواهر غائية ومحدودة بهدف مقصودة وبحوافز ممكنة وتقبل أن تكون موضوع تأويل تفهمي. وماكس فيبر في هذه السوسيولوجيا التفهمية يفترض أنه بإمكاننا أن نجد في ذواتنا دوافع كل فرد إنساني وبالتالي فمهمة السوسيولوجيا هي الفهم بواسطة تأويل الفعل الاجتماعي لتمكن بعد ذلك من تفسير تطورات وتأثيرات هذا الفعل بطريقة علية ولا نقصد بالعلية من تشييء الظواهر بل تفهم المعنى الذي يعطيه الإنسان لسلوكه. وفي مقابل هذا المنهج التفهمي الذي يقوم على الفهم والتأويل نجد مع إيان كريب منهج مغاير يقوم على التحليل والتفسير في دراسة الفعل الاجتماعي وهناك نوعين من التفسير حسب إيان كريب تفسير آلي يفسر الظاهرة الاجتماعية بالرجوع إلى أسبابها الفاعلة أي بالرجوع إلى الشرط اللازم كحدوث الظاهرة المدروسة وتفسير غائي يأخذ بعين الاعتبار النوايا والغايات في تفسير أفعال الفاعلين فالإنسان لا يقوم بالفعل ولا يتخذ قرار إلا وفق حسابات ومقاصد معينة.
بوجه عام يمكن القول أن هناك مقاربات متعددة وتصورات مختلفة تندرج في إطار النقاش الإبستمولوجي المعاصر حول إمكانية اعتماد المنهج التفهمي أو المنهج التفسيري فهناك من أكد على أهمية الذات في بناء المعرفة وهناك من فصل الظاهرة عن إطارها الذاتي إلا أن هناك موقف ثالث مع جان كلود بابييه يجمع بين الاتجاهين ويضع السوسيولوجيا في وضعية وسط بين الفهم والتفسير.
هكذا يمكن القول ومن جانب آخر أن محاولة تحديد مناهج العلوم الاجتماعية بالرغم من اختلافها وممارستها في البحث السوسيولوجي هي أولا وأخيرا طريقة للأخذ بالتفكير في التعريف بالواقع الاجتماعي. وعليه وبالجملة فإن مناهج العلوم الاجتماعية هي ضرورة حياتية بالنسبة للمجتمعات وأداة للعلاج والإصلاح والتطوير سواء على مستوى الفكر أو على مستوى الواقع الاجتماعي.
ج- النظرية في علم الاجتماع.
تعتبر النظرية وحدة أساسية في نسق التفكير العلمي، إذ لا وجود لعلم بغير نظريات علمية ولا يمكن أن يتطور بدون تنظيرات علمية. فالنظرية بمعناها العلمي مقولات ومفاهيم تكون في علاقة جدلية مع الواقع تتطور به ويتطور بها ويكون الواقع هو المحك العلمي لتأكيد مصداقيتها وعلميتها فهي "بناء تصوري يبنيه الفكر ليربط بين مبادئ ونتائج معينة" وإجمالا يمكن القول بأن النظرية هي ذلك الإطار التصوري القادر على تفسير عالم الظواهر والعلاقات بغاية البحث عن العلل والأسباب وفهم الواقع الاجتماعي. وفي مجال السوسيولوجيا نجد أن النظرية الاجتماعية بالرغم من التقدم الذي عرفته فهي تبقى قاصرة على الإحاطة بالظواهر الاجتماعية فقدرتها على التفسير والتنبؤ أقل مصداقية وصرامة من حال النظرية في العلوم الطبيعية ومن هنا نتساءل عن طبيعة النظرية السوسيولوجية وأشكالها.. بل وإلى أي حد يمكن تحقيق الموضوعية في العلوم الإنسانية؟
لقد عرف علم الاجتماع نظريات سوسيولوجية متعددة وأنتوني غدنزيري أن مجال النظرية في علم الاجتماع هو مجال خصب وأن الطريقة التي تتم بها دراسة العالم الاجتماعي تختلف من عالم اجتماع إلى آخر فإذا اهتم ماركس بدور القضايا الاقتصادية في تفسير المجتمع فإن ماكس فيبر أخذ بعين الاعتبار دور الذات في تفسير السلوك الاجتماعي أما دوركايم الذي كان له أثر واضح في تطور النظرية السوسيولوجية فقد تعامل مع الواقعة الاجتماعية كشيء بعيدا عن كل الآراء الشخصية. هكذا نجد أن لكل من ماركس وماكس فيبر ودوركايم زوايا مختلفة الشيء الذي يفسر ظهور نظريات اجتماعية متباينة ومن أهمها حسب أنتوني غدنز المدرسة الوظيفية، نظرية الفعل الاجتماعي ثم الفاعلية الرمزية. وإذا أردنا أن نلقي نظرة حول هذه التوجهات النظرية لمعرفة خصائصها وحدودها يمكن أن نقول أن المدرسة الوظيفية أو التحليل الوظيفي يستند إلى فكرة الكل الذي يتألف من أجزاء. كل جزء يقوم بأداء دور وهو معتمد في هذا الأداء على غيره من الأجزاء الأخرى ومن هنا يقوم التكامل والتساند الوظيفي بين الأجزاء بعضها البعض أو بين الأجزاء والكل لتحقيق توازن هذا الكل واستقراره ومن ثم استمراره. ويعد دوركايم رائد المدرسة الوظيفية فهو يمثل المجتمع بالكائن العضوي ويرى أن أجزاء المجتمع تتكامل وتترابط كما هو الحال بالنسبة لأعضاء الجسم البشري لهذا يجب أن ننظر إلى الظواهر في إطار التفاعل والترابط بدلا من النظائر إليها كظواهر منفصلة، أي مدى إسهام أي عنصر اجتماعي أو ثقافي في بقاء المجتمع واستمراره وتكامله واستمراره ونأخذ كمثال هنا أن دور القلب في استمرار حياة الكائن العضوي شبيه بدور كل تكوينات المجتمع في استمراره ودوامه وكذا استقراره وتوازنه باعتبار أن التوازن الاجتماعي هو الحالة الطبيعية للمجتمع.
في اتجاه آخر يمكن أن نقول أنع إذا كانت المدرسة الوظيفية تنطلق من دور البنى والأنساق الاجتماعية في تحقيق التوازن الاجتماعي فإن نظرية الفعل الاجتماعي تؤكد دور الفعل والتفاعل بين أعضاء المجتمع في تكوين هذه البنى الاجتماعية وماكس فيبر في تعريفه للفعل الاجتماعي يؤكد على مستويين أو اتجاهين لفهم السلوك الاجتماعي وهما المستوى الفردي والمستوى الجمعي بمعنى فهم الفعل الاجتماعي من وجهة نظر الفرد صاحب هذا السلوك ومن وجهة نظر الفرد كعضو في الجماعة، فالفعل لا يصبح اجتماعيا إلا إذا ارتبط المعنى الذاتي الذي يعطيه الفرد للفعل بسلوك الأفراد الآخرين. وهنا تركز نظرية الفعل الاجتماعي على الأسلوب الذي يتفاعل به الأفراد فيما بينهم من جهة وفيما بينهم وبين المجتمع من جهة أخرى وعلى الدور الذي يلعبه الفعل الاجتماعي في تكوين البنى الاجتماعية. وقد تطور هذا التوقف بصورة منهجية على يد المدرسة التفاعلية الرمزية مع الفيلسوف الأمريكي ميد من خلال تأكيدها على اللغة والرمز باعتبار أن اللغة هي الوسيلة التي تمكننا من معرفة ذواتنا كما يرانا الآخرون وأن الرمز هو الأساس الذي تقوم عليه مجموع عمليات التفاعل بين الأفراد وهذا التفاعل يتم عن طريق تبادل رموز وإيماءات شفوية وغير شفوية متواضع عليها من طرف مجتمع معين. هكذا يمكن القول أن كل من المدرسة الوظيفية ونظرية الفعل الاجتماعي والتفاعلية الرمزية لها منظورها الخاص في دراسة المجتمع يختلف بشكل أو بآخر عن النظريات الأخرى وهذا الاختلاف حسب أنتوني غدنز لا يعبر عن مواطن الضعف في علم الاجتماع بل هو دليل على خصوبة النظريات السوسيولوجية وحيويتها ومهما اختلفت هذه النظريات فإن علماء الاجتماع يتفقون على أن الباحث يجب أن يضع حدا لآرائه الشخصية وأن يتعامل مع الظواهر بشكل موضوعي لكن هذا لا يعني أن علم الاجتماع هو جهد فكري تجريدي بل يرتبط ارتباطا وثيقا بالمجتمع وبالمواقف التي يواجهها الفرد في حياته. وإجمالا يمكن القول أن العلاقة بين النظريات السوسيولوجية هي علاقة ترابط وتكامل فميرتون عندما يتحدث عن التاريخ المعاصر للنظريات السوسيولوجية يتحدث عنه من توجهين مختلفين الأول ينطلق من بناء نظريات شاملة عن طريق صياغة قوانين سوسيولوجية وتعميمها على الظواهر الاجتماعية دون الاهتمام بالملاحظات الجزئية أو المستويات الصغرى من الواقع الاجتماعي والثاني يعتمد على بحوث جزئية حول وقائع مخصصة والتأكد من صحتها عن طريق الملاحظة والاختبار. هكذا نجد أن ميرتون يلخص تاريخ النظرية السوسيولوجية في اتجاهين هما السوسيولوجية الشمولية والنظرية الاختبارية وكل من هذين التوجهين يعطينا نظرة عن طبيعة النظرية السوسيولوجية وكذا طبيعة علم الاجتماع باعتباره يجد صعوبة كبيرة في تطوير نظرية شاملة وقارة وأمام هذا التعدد النظري نجد إيان كرين يفكر في النظرية الاجتماعية ضمن تصور إبستمولوجي ينظر إليها من خلال أربعة أبعاد: بعد معرفي بوصفها أداة لمعرفة العالم الاجتماعي وعاطفي تتدخل فيها التجربة الشخصية للمنظر الاجتماعي باعتباره إنسان إضافة إلى كونه عالم اجتماع يؤثر في الواقع الاجتماعي ويتأثر به مما ينعكس على طبيعة تصوره للواقع ثم تأملي بوصفها جزء من الحياة تعكس ما يوجد خارج المجتمع وداخله وأخيرا بعد معياري لا تقتصر على ما هو كائن بل على ما يجب أن يكون. وكل هذه الأبعاد الأربعة تساهم في بناء النظرية السوسيولوجية وذلك لفهم واستكشاف مناحي الحياة. وفي نفس السياق نجد بيار أنصار يحاول بدوره توضيح الجدل القائم حول صحة علمية العلوم الاجتماعية وصحة النظريات والنتائج المتوصل إليها. من خلال التمييز بين ثلاثة أبعاد في النظرية السوسيولوجية وهي البعد الإبستمولوجي والبعد النظري والبعد المنهجي أي من خلال معرفة الشروط العلمية لإنتاج المعارف والنظريات العلمية ومدى صحة محتواها النظري وتقنياتها المنهجية.
بالرغم من التقدم الذي عرفته النظرية الاجتماعية فإنها تبقى قاصرة على الإحاطة بالظواهر الاجتماعية موضوع البحث فقدرتها على التفسير والتنبؤ أقل مصداقية وصرامة وبالتالي أقل يقينية من حال النظرية في العلوم الطبيعية بل هناك من يعتبر النظرية في العلوم الاجتماعية مجرد تقليد نظري لمفهوم النظرية في العلوم الحقة ومثل هذا القول لا يطعن في الصفة العلمية للنظريات الاجتماعية ولا في صحة النسبية لحقائقها التي تبقى مقتصرة على الظواهر المدروسة وأزمنتها وأمكنتها وسواء كانت النظرية في ميدان العلوم الاجتماعية تفسيرا أو تفهما فإنها تظل محاولة لتكوين صورة أو نموذج عقلي للواقع الاجتماعي المعقد بطبيعته.
· ״- تخــــريج عـــــام-״-
 
رهــــانــات
بناء على ما سبق يمكن القول أن المعرفة العلمية بالإنسان شكلت مكسبا حضاريا جعل الإنسان يصبو إلى التعرف على أبعاد وجوده الاجتماعي والنفسي وكذا التاريخي، كما يرمي إلى بناء حقيقة علاقته مع ذاته ومع الغير والعالم. كما لعبت المعرفة دورا أساسيا أو جوهريا إن صح التعبير في تحرير الإنسان وتخليصه من بعض الأوهام ثم كسر المألوف والخروج عن المعتاد أي تحطيم زجاجة الظلال والدغمائية، خصوصا مع تبني نموذج العلوم التجريبية الذي أثبت نجاحه، بيد أن تبني النموذج يطرح سؤال إمكانية استيعاب الإنسان فعليا داخل نظرية علمية هنا يتبادر إلى أذهاننا بعض التساؤلات لا يمكن طرحها في هذا السياق على المنوال التالي
ألا يمكن القول إن معرفة الإنسان بذاته وبغيره تنقلت من القياس والتنبؤ؟ وإذا كان العلم الموضوعي قد تجاهل الإنسان ونسي المعيش، فهل نعتبر هذا النسيان أو التجاهل مبررا كافيا لرفض العلم التجريبي ومناهجه؟ هل نتحفظ بشأنه أم نطلبه بدعوى قدرته على الفهم والتفسير؟
إن مجتمعنا اليوم، هو في حاجة أكثر من أي وق مضى إلى أن يعرف نفسه علميا وموضوعيا، لكن ألا تواجه هذه الحاجة الملحة إلى اليوم، عوائق ثقافية وإيديولوجية؟ ما مكانة العلوم الانسانية في ثقافتنا؟ أين تتجلى صور ومظاهر هذه العلوم؟ هل يمكننا أن نستنتج معرفة علمية ببنية مجتمعنا المغربي؟.
لائحة المـراجــــع المعتمدة
أهم المراجع باللغة العربية
· مباهج الفلسفة
· منار الفلسفة
· في رحاب الفلسفة
 
السنة الثانية سلك البكالوريا- مسلك الآداب والعلوم الانسانية
· د.محمد سعيد فرح، ما...علم الاجتماع
· ذ.عبد السلام مصباحي، المنهج العلمي في البحث الاجتماعي
· د. محمد عاطف غيث، دراسات في تاريخ التفكير واتجاهات النظرية في علم الاجتماع
· فوكو مشال،الكلمات والأشياء، ترجمة سالم يفوت، بيروت 1990.
· كلود ليفي ستراوس، الانتربولوجية البنيوية، طبعة 1996.
· صلاح قنصوة، الموضوعية في العلوم الانسانية، رسالة الدكتوراه.
 
 
 
أهم المراجع باللغة الفرنسية
· Foucault Michel, les mots et les choses, ed Gall 1966
· Edurkheim, Les règles de Méthode Sociologique, Sexième édition, 1912.
· Jean Piaget, Epistémologie des sciences de l’homme, ed Gall 1970.
 
 
 
الحقيقة
 
 
 
توطئة :
الحقيقة كمفهوم تتجاذبه مجموعة من الأقطاب الفلسفية( عقلانية، تجريبية، علمية...)وأكثر ما خلفه الاشتغال حول المفهوم هو التباين وعدم الاستقرار على نتائج واحدة، ففي اللغة تشير الحقيقة إلى"ما أقر في الاستعمال على أصل وضعه ،والمجاز ما كان بضد ذلك ، وحقيقة الشيء خلاصه وكنهه" – حسب الجرجاني في التعريفات- وحسب ابن سينا فهي"موافقة ما في الأعيان لما في الأذهان" أما بالنسبة لأبي حامد الغزالي" فحقائق الأمور هي التي ينكشف فيها المعلوم انكشافا ولا يبقى معها ريب ولا يقاربها إمكان الغلط والوهم" كما جاء في المنقذ من الضلال.
وفي الاصطلاح الفلسفي كما حدده لالاند في معجمه هي" خاصية ماهو حق ، وهي القضية الصادقة وما تمت البرهنة عليه ، والحقيقة بمعنى أعم هي الواقع".
من خلال هذه التعريفات يظنه أن مفهوم الحقيقة هو مجال ملتبس، تختلف أبعاد تحديده وفق طبيعة المرجع والمجال التداولي.
الإشكال
إن الالتباس الذي يحيط بمفهوم الحقيقة تزداد وطئته داخل السياق الفلسفي ، لتشابكها مع باقي الحقول المفاهيمية والمعرفية : فهل الحقيقة معطى أم بناء؟ وما معيارها؟ وكيف تتحدد بالنظر إليها كقيمة
المحور الأول : الحقيقة والرأي.
موقف الفارابي :
الرأي بالنسبة للفارابي هو خاص بالعوام ، أي أنهم يقتاتون معارفهم من ما هو شائع و عام و متداول كالخطابة و الشعر وحفظ الأخبار واللسان...، وهي لا تؤسس لمعاني معقولة ، غير أنه بعد ذلك تشتاق النفوس إلى الأخذ بأسباب الأمور في الطبيعيات والرياضيات وليحصل اليقين فيها وجب إتباع الطرق البرهانية ، وهذا النحو من المعارف خاص بالعوام .
موقف ديكارت:
ينتبه ديكارت إلى أن الآراء الشائعة التي تداولها أفهامنا تعود في أساسها إلى عدم الانتباه الذي نبديه أول ما نقيم يقيننا الصلب عليها ، باعتبارها معارف وعلوم .
ولتجاوز التغليط والتضليل الذي تعمل على إيقاعنا فيه دوما يعيد ديكارت في هذه المعارف من وجهة نظر أسسها معتمدا في ذلك على الشك المنهجي الذي يروم امتحان أسس المعارف.
يقول ديكارت" أنا أفكر إذن أنا موجود" فالذات تتحدد في أهم مميزاتها ألا وهي التفكير ومادام الشك عملية تفكيرية في العمق فأن الشك الديكارتي يطمح إلى بناء معارف يقينية لا تتحصل من خلال الحواس كآراء تغلط وتضلل بل كمعرفة تهدي إلى اليقين ، فالمعرفة العقلية التأملية هي أساس قواعد المنهج.
موقف ليبنتز:
إذا كان ديكارت فد أبدى تحفظا في إشارته إلى الآراء ، فلأن ليبنتز يراهن عليها كثيرا في بناء المعارف . فالرأي له القدرة على القيام بدور ثوري في تاريخ الأفكار وتطور العقل البشري، وهنا يدلل ليبنتز بكوبرنيك الذي كان وحيدا في رأيه . إشادة ليبنتز بالرأي الذي يفضي إلى الاحتمال ربما له ما يبرره ، فداخل التيارات الفلسفية المعاصرة قد تم تجاوز مبدأ الوحدة و الذي طالما شكل قطب الرحى للفلسفة المثالية وعوض بمبدأ الكثرة الذي يقول بتعدد التفاسير وتجاوز الإطلاقية ، أي نسبية الحقيقة ومرونتها وتعدد أوجهها .
موقف كانط :
في الحس المشترك ، غالبا ما توصف الحقيقة على أنها تبيان لرأي ما مما يظهر نوعا من الترادف بين الاثنين، غير أن كانط يحدث تمفصلا بين كل من الحقيقة والرأي . هـــــــذا الأخير هو انطباع شخصي وحالة ذهنية ذاتية تتمثل في الاعتقاد بصحة قول ما ، هذا التحديد في تصور كانط يبقى بعيدا وغير موضوعي وإن كان يعد معرفة ، فحتى يصير الرأي حقيقة يقينية يجب أن تربطه بها صلة على شكل قانون يقيني ، لأنه في حالة غياب أي ارتباط تبقى المسألة مجرد لعبة خيالية وكنه هذا الارتباط هو الكونية والضرورة ، فالضروري يلزم أن يكون معروفا بشكل قبلي و من تم يحصل اليقين التام الذي يقود إلى الحقيقة، غير أنه في الرياضيات من العبث تكوين آراء فالأحكام هنا تصدر عن العقل الخالص .
موقف غاستون باشلار:
يميز باشلار بين المعرفة العلمية والمعرفة الناتجة عن الآراء المسبقة ، التي تقوم على الإعتقادات الرائجة عند جمهور الناس . حيث أن المعرفة العلمية محكومة بهاجس التجاوز والتقدم والمراجعة لكل المعتقدات التي تحصلت لدينا" إن معرفة الواقع هي بمتابة تسليط الضوء يترك بعض الظلال" والممارسة العلمية من خلال اجتهادها في تحسين مستوى منهجها وباقي أدواتها اللازمة في مسار تجاوزها للأخطاء ومراجعتها للمعتقدات وتمظهراتها :
إن الرأي يفكر تفكيرا ناقصا ، بل إنه لا يفكر .
إن الرأي مرتبط بالمنفعة والفائدة الآنية رغم تأسسها على التناقض .
· الرأي عائق بين الباحث العلمي و الحقيقة ، لأنه يتخذ صورة معرفة لكنها زائفة وتستبطن كل التمثلات الخاطئة والتلقائية.
 
إن العلم هو غزو العقل لدائرة اللاعقل ، وتاريخه هو تاريخ انتصار للمعقولية والعقلانية لأنه " لا شيء في العلم يسير بديهيا من تلقاء ذاته... بل إن كل شيء فيه منشأ ومبني ".
المحور الثاني : معايير الحقيقة
موقف ديكارت :
يميز ديكارت بين سبيلين نحو الحقيقة وهما الحدس والاستنباط ، الأول هو الوصول إلى البداهة الشاملة المحققة لكل مطالب الذهن اليقظ ، من وضوح وبساطة وإقصاء لكل معطيات الحس وتركيبات المخيلة . أم الاستنباط فهو حدس غير مباشر ينطلق من مقدمات يقينية أو مسلمات متأسسة على الحدوس تنتقل من حد إلى حد بحركة متصلة(الاستدلالات) حتى يصل الاستنباط الى غايته وهو الحدس المركب ، لذلك فإن الحركة العقلية مبدأها حدس ومنتهاها حدس .
موقف ليبنتز :
إذا كان ديكارت قد تحدث على معياري الوضوح والتمايز على أساس أن الفكرة الواضح هي التي تدرك بداهة ودون وساطة ولا يتطرق الشك إلى صدقها ، نجد ليبنتز ينتقد هذا التصور الديكارتي ويرى مقابل ذلك أن الحقيقة تعتمد المنطق والبرهان قصد الفصل بين ما هو حقيقي و ما هو غير ذلك ، بمعنى أن لا نقبل أي شيء يكون فيه خلل على مستوى المادة والصورة ، وذلك الفصل لا يكون إلا بتقدير درجة الاحتمال الموصلة الى اليقين . وأساس هذه النتيجة لدى ليبنتز هي نظريات "المونادات" ، فالعالم هو مجموعة وقائع ذرية منفصلة بعضها عن بعض ، وهي غير مكتفية بذاتها بمعنى أنها حتى تظهر تحتاج الى بعضها البعض.
موقف سبينوزا :
يرى باروخ سبينوزا من داخل التيار العقلاني أنه هناك تلازم حتمي بين الفكرة الصحيحة والاعتقاد بصدقيتها الى درجة اليقين ، وهذا بفعل حيوية التفكير وملكة الفهم ، وبالتالي استحالة إقرار سمة اليقيني على الأفكار الخاطئة ، خصوصا بين الفرد وذاته ، فالفكرة الصادقة لها الوضوح ما يمنع عنها كل مغالطة لذات .
وهذا ما يجعل الحقيقة تستلهم معياريتها الخاصة من ذاتها ، وهذا شرط ضروري حتى لا تصبح في مستوى واحد مع الأفكار الخاطئة اذا ما كان التأسيس للقيمة من خلال المطابقة مع الواقع الخارجي .
موقف ديفيد هيوم :
ينطلق هيوم من ملاحظة أن الفلسفة كما مورست ووفق ما انتهت إليه ، لا تشكل معرفة حقيقية واضحة لأنها لم تهتم إلا بالأشياء البعيدة عن الواقع الحسي المباشر : الله ، الروح ، العلية... ، هي موضوعات تم تناولها بشكل موغل في التجريد والغموض ، لدى لا يجب على الفلسفة أن تقوم بتحليل شامل لقدرات الفهم البشري من أجل تشخيص إمكاناته في علاقته بهذه الموضوعات .
من خلال هذه الأفكار التي توضح وجهة هيوم في إطار مهمته النقدية سيميز في موضوعات العقل البشري بين  :
موضوعات تتأسس على العلاقة بين أفكار محددة ودقيقة .
موضوعات أخرى تقوم على العلاقات بين الوقائع .
الموضوعات الأولى تدرسها العلوم الرياضية فتعبر عنها قضايا رياضية ، أما الثانية فلا تدرسها العلم التجريبة والأخلاقية وحدها بل هي تشكل موضوع حياتنا العملية ، ليبقى معيار الحقيقة عند هيوم متفرعا إلى :
· حقائق تستند على أساس تجريبي يضمن يقينها بالإضافة إلى مبدأ عدم التناقض المنطقي الذي تقوم عليه ، نموذج ذلك المعرفة الرياضية 4 + 5 = 9 *حقيقة تقوم على الشرط التجريبي فقط ، لا تخضع لمبدأ عدم التناقض (الشمس ستشرق غدا) .
 
موقف إمانويل كانط :
يتحدث كانط عن كونية المعبار المؤسس للحقيقة بتفريع الإشكال إلى طرحين :
1- هل هناك معيار كوني ومادي للحقيقة ؟
2- هل هناك معيار كوني وصوري للحقيقة ؟
 
في تصور كانط من غير الممكن أن يوجد معيار مادي وكوني للحقيقة لأن القول بذلك يقتضي عدم التمييز بين الموضوعات ، وهذا نوع من العبث أن نتجاوز كل اختلاف بينها .
في مقابل ذلك إذا كان الأمر يتعلق بمعايير صورية وكونية فمن اليسير أن نقر بجواز ذلك لأن الحقيقة الصورية تكمن في مطابقة المعرفة لذاتها ،ومن تمت يكون المعييار الكوني الصوري ليس شيئا غير المعيار المنطقي اأي القانون الكلي للفهم و العقل .
موقف فتجنشتاين :
ضد أي نزوع مثالي ، أهتم الفلاسفة التحليليون ورواد الوضعية المنطقية بمسألة تحليل اللغة وأنه لا توجد مشكلات بقدر ما هناك سوء فهم اللغة .الأمر الذي سيحدو بفتجنشتاين إلى جعل المنطق الرياضي الآلة العمدة في التحليل ، فمعيار صدق الفكرة وبطلانها هو مدى قابليتها للتحقق تجريبيا ، مركزا بشكل كبير على تحليل البناء المنطقي للغة القضايا ، والهدف من التحليل هو الوصول إلى الدقة و الوضوح وتجاوز الإبهام و الغموض ، وتخليص اللغة من الشوائب الميتافيزيقية .
فالقضايا الكاذبة أو الفارغة من المعنى هي التي لا تعبر عن أشياء واقعية يمكن الإحالة عليها أي أن بنيتها التركيبية لا تسعفنا ألى أي دلالة ممكنة (مثلا : الأفكار الخضراء تنام غاضبة) .
موقف فتجنشتاين قد يبدو مغريا على مستوى التحليل غير أنه سرعان ما اعتبر تحليلا مهزوزا . فرغم الاعتراف بالأهمية التي تلعبها التجربة في تمحيص الأفكار ، فهذا الموقف يبقى تعسفيا خصوصا أنه يعتبر القضايا الوجدانية والعاطفية والمواقف الشعورية ... قضايا ميتافيزيقية خاوية من المعنى ، وفي هذا إفقار للواقعية واختزال لاختلاف الموضوعات وإفراغها من منطقها الخاص .
المحور الثالث : الحقيقة كقيمة
موقف كانط :
إن الميول أو المصالح أو السياقات أو الظروف لا أهمية لها في إعتبار التصور الأخلاقي المطلق الذي يحدد به كانط مفهوم الواجب ، فالقول الحقيقة والتمسك بها واجب يتعين التاسيس له وإقامته على عقد قانوني مثين ، من هنا يصبغ كانط فهمه للحقيقة بطابع أخلاقي يتشكل في أبعاد مطلقة يجب الالتزام بها ، لأن القوانين المشرعة بناء على نصوص ملزمة و الواجب القانوني يستند في عمقه على الواجب الأخلاقي الذي يرتبط بالإرادة و الإلتزام .
فالفعل/السلوك نابع من كونه غاية في ذاته بغض النظر عن النتائج ، ووسيلة لا تخضع للمزايدات و الظروف .
فكانط يربط بين الحقيقة و أبعاد عملية وسلوكية دون أن يكتفي باستثمارها المصطلحي فقط في مسار اشتغاله المعرفي ، ويحيل على السؤال الذي ينبغي أن تسترد به كل مبادرة سلوك (ماذا لو فعل الناس جميعهم هذا السلوك؟) .من هنا يظهر البعد الغائي و الوظيفي الذ يتناول منه كانط مفهوم الحقيقة ، وكذا باعتبارها ارتباطا باليومي و القانوني من أجل تحقيق السلام الدائم .
موقف نيتشه :
في مقابل هذا الإتجاه يؤسس فريديرك نيتشه اتجاها جذريا للحقيقة ومتوخيا البحث عن غايتها و أصلها ، إن الحقيقة كما هي ليست أكثرمن أوهام ثبتت صحتها في معركة الصراع.
إن قيمة الحفيقة يجب أن تكون مبنية على الغرائز وتثوير لها وليس على العقل كما أسس لها سقراط وأفلاطون ، الذين أحدثا طلاقا بين الحياة والفكر ، لفد أسسا لحقيقة في معناها الضيق
تنشد ضد البقاء و السلم و التعايش مع الآخرين ، في شكل استيعارات وتشبيهات وتجميلات شعرية بلاغية ، صارت إلزاما على المجتمع .
في تصور نيتسه مصدر الحقيقة هو ذلك العود ال أبدي للعصر الهيليني التراجيدي ، حيث الإقبال على الحياة ب آلامها و آمالها ، وحيث تسود الطقوس الديونيزوسية ملغية الوجه الأبولوني للحياة ، إنها تأسس للأنسان الأعلى ، ورغبة في التفوق و إرادة القوة ...
موقف وليام جيمس :
فلسفته كانت ثورة على المطلق والتأملي و المجرد . فقيمة الحقيقة هي قدرتها على تحقيق نتائج و تأثيرات في الواقع ، و بالنسبة لجيمس قد تكون تلك نتائج مباشرة كما هو في الواقع المادي ، وقد تكون غير مباشرة بمعنى غير فعالة بشكل مباشركحديث وليام جيمس عن تأثير الإيمان بالله في الفرد بحيث ينحت داخله مجموعة من القيم التي باكتسابها تسود قيم من قبيل الخير و الفضيلة .
موقف كيركيكارد :
الحقيقة لها قيمة أخلاقية إنها فضيلة على الطريقة السقراطية قبل أن تكون مجرد معرفة ، فهي لا تنكشف في العقل ولا تدرك في الاستدلال وإنما تولد في الحياة وتعاش بالمعاناة .
الحقيقة ليست شيء ثابت إنها حوار و اختلاف وهي ذاتية لأنها لا تتكرر في كل واحد منا ، إنها أخلاق وفضيلة وليست قضية معرفية وغاية مذهبية بعيدة عن شروط ووجود الإنسان .
موقف مارتن هايديجر :
إن الحقيقة المكتفية بذاتها ليس بوسعها تجاوز العوائق التي تحول دون تحققها ذلك أن الحقيقة كمجال تعانق الخطأ و الوهم ، بل إن الحقيقة في صميمها تستقر اللاحقيقة في دروب التيه .إن النظرة إلى الشيء تحول الشيء إلى مجرد مظهر ، والفكرة الميتافيزيقية للحقيقة تقتصرعلى إقامة علاقة حيوية أو تطابق مع الواهر الملاحظة ، لكنها بهذا تغفل الظاهرة الأصلية وهي ما سماها هايديجر " السر" ، ذلك أن الإنسان لا يستشعر بكينونته التائهة في سديم الأوهام أو المستمسك بالحقائق الزائفة ، لهذا كان الوعي بحالة التيهان هو أولى الخطوات نحو الحقيقة لأن هذه الإخيرة هي الفعل الديناميكي الذي يجعل الأشياء تنبثق على ضوء يقظة فكرنا ليفهم الوجود ، كما أن الحقيقة هي كشف الحجاب الذي يخرج الوجود من النسيان ، ولا أحد يمتلك هذه الحقيقة وإن كنا نسير عاى ضوئها .
من هنا تتبدى أهمية الحرية كقدرة بفضلها ننفتح عن الأشياء ويكشف لنل الوجود ، والوصول للأشياء ليس ممكنا إلا لأننا نملك ملكة الكشف وهي الحقيقة التي تعصمنا التيه .
موقف إيريك فايل :
إذا كان كل خطاب يدعي تضمن الحقيقة أو يقاربها ، وإذا كانت الفلسفة كمعرفة اتخذت من الحقيقة غايتها وأقصى مطالبها فإن غيابها كقيمة عليا ضرورية فإن نتيجته لا تكون هي الخطأ ، بل عاقبة هذا الغياب هو العنف أي الخصم اللذود للمعنى و للإتساق المنطقي والحجاجي . يكون أثر العنف على جهتين : جهة سلبية الفعل و اللغة، ثم جهة الرؤية السطحية والقاصرة على طرح الأسئلة الكاشفة للجوانب المعتمة والمغيبة .
كما أنه لا يمكن الفصل بين الخطاب ومنتجه ، لأنه ترجمة لذاتية المنتج وبهذا تنتفي الدعوة الكلاسيكية التي مفادها : مطابقة الفكر للواقع ، لأن الأحق بهذه المطابقة هو الإنسان مع فكره أي مع التعقل .
الدولة
 
محاور الدرس
1) مشروعية الدولة و غاياتها.
2) طبيعة السلطة السياسية.
3) الدولة بين الحق و العنف.
الدولة
تقديم :
تعتبر الدولة أهم مؤسسة تسهر على تسيير المجتمع و تدبير شؤونه ؛وهي بذلك أشمل تنظيم
يعكس مجموعة أفراد المجتمع.ويتجلى هذا التنظيم في عدد من المؤسسات الإدارية و القانونية والسياسية و الإقتصادية التي تتطابق مع متطلبات المجتمع. إن وجود الدولة نابع من قصور المجتمع عن تسيير شؤونه في غياب هذه المؤسسة التي تحفظ وجوده و تضمن
استمراريته.
لكن بالرغم من هذه الأهمية التي تشغلها مسألة الدولة ؛يبقى سؤال ماهي الدولة غامضا. وهذا الغموض نابع من الأدوار المعقدة التي تلعبها الدولة والتناقضات الواضحة التي ترافقها .وإذا كانت الغاية من وجود الدولة هي تنظيم أمور المجتمع فهل يقف دورها عند مسألة التنظيم؟ هل يمكن الحديث عن حياد الدولة؟ ثم كيف يكون وجود الدولة مشروعا.؟
يمكن معالجة هذه الاشكالات من خلال المحاور التالية :
|- المحور الأول : مشروعية الدولة وغاياتها
1- غاية الدولة تحقيق السلم .( نص هوبز)
 
لقد جعلت الطبيعة الناس أحرارا و متساويين ؛ غير أن هذا التساوي لا يتحقق مع حالة الطبيعة التي تقوم على اساس الحرب الدائمة والفوضى و الخوف ،وهذا ما يؤدي إلى فناء الجنس البشري .ولذلك كان من الضروري ان يبحث الإنسان عما يساعده على تحقيق الأمن والإستقرار والسلام .لقد اعتبر هوبز حالة الطبيعة حالة حروب و نزاعات بين الأفراد وهي ما سماها بحرب الكل ضد الكل ، لذلك كان لزاما وقف استشراء العنف والإنتقال بالتجمع البشري الى مجتمع الدولة المنظمة . والوسيلة الوحيدة لتحقيق هذا الإنتقال هو التعاقد الإجتماعي الذي يضمن السلم والأمن بوجود حاكم يكون خارج هذا العقد حيث يتنازل الأفراد برضاهم عن بعض حقوقهم الطبيعية لفائدة الحاكم قصد تحقيق المنفعة العامة . وهذا التوافق بين الشعب و الحاكم ادى الى نشوء الدولة . والحاكم في نظر هوبز لا يمكن ان ياتي بتصرف يخالف المصلحة العامة لانه بعيد عن الوقوع في الخطأ و بالتالي يفرض تصور هوبز الخضوع التام لهذا الحاكم .
2- غاية الدولة هي الحرية.( نص اسبينوزا)
 
يشير اسبينوزا في هذا النص الى أن الغاية التي انشئت من أجلها الدولة هي حماية حرية الأفراد و سلامتهم وفسح المجال أمام طاقاتهم و قدراتهم البدنية و العقلية والروحية .إن تحقيق هذه الأهداف (الأمن،الحرية ...) يقتضي تنازل الفرد عن حقه في أن يسلك كما يشاء .ومقابل هذا التنازل يتمتع الأفراد بحرية كاملة في التعبير عن آرائهم و أفكارهم مع بقائهم متمتعين بهذا الحق مادام تفكيرهم قائما على مبادىء العقل واحترام الأخرين و ايضا ما دام الفرد لم يقم باي فعل من شانه الحاق الضرر بالدولة.
3- الدولة تجسيد للعقل.(هيغل).
 
ينطلق هيجل من محاولة إبراز قصور التقليد الفلسفي السياسي التعاقدي بجعل غاية الدولة تقف في حدود تحقيق الأمن والحرية والملكية الخاصة .إن الدولة غاية في حد ذاتها , باعتبارها نظاما أخلاقيا يكون في احترامه احتراما للعقل باعتبار الدولة تجسدا للعقل، لذلك كان من الواجب الإنخراط في الدولة؛ فلا وجود لحرية الأفراد في غياب حرية الدولة فمنها يستقي الأفراد حريتهم .
إن اقتصار دور الدولة على تحقيق غايات خارجية (السلم ،الملكية الخاصة،الحرية....) يجعل الإنتماء الى الدولة مسالة اختيارية والحال أن علاقة الفرد بالدولة أوثق واوطد.فمصير الفرد ان يعيش في حياة جماعية كلية . هكذا تختفي النزعة الفردية في التصور الهيجيلي للدولة والذي يجعل لها سلطة مطلقة تسحق الفرد تحتها كما أنها ذات سيادة وروح كليتين.
ملحق: مشروعية سلطة الدولة(نص ماكس فيبر)
يستعرض ماكس فيبر في بداية الفصل الثاني من كتابه"العالم والسياسي"لنظرية في خصائص مشروعية السلطة في المجتمعات ؛ حيث اعتبر ان الدولة هي المعبر الفعلي عن علاقات الهيمنة وذلك وفق نموذج سياسي معين ؛ إذ تتنوع أشكال الممارسة السياسية بتنوع البعد التاريخي للمجتمعات .وفي هذا الصدد يمكن النظر مع فيبر الى تاريخ الدول /السلط /المشروعيات بماهي تعبير عن السلطة كمؤسسة حاكمة وقائمة في التاريخ . واولى هذه السلط ؛ تلك التي يمثلها"الأمس الأزلي" من خلال الاحتكام إلى العادات و التقاليد .وهذا ما يبرر ذلك الاحترام و التقديس الذي يحف تلك الأعراف السائدة في هذا التحمع القبلي أو الاجتماعي ؛ حيث تبرز هذه السلطة التقليدية في شخص الأب الأكبر او السيد . أما ثاني هذه السلط؛ فتلك المبنية على المزايا الشخصية لفرد ما لكونه يتمتع بكارزمية تجيد لفت الإنتباه إليه مادام يتمتع بقدرات خارقة تجعله ملهما وبطلا في أعين من يحيطون به ؛ مما يكسبه هالة من الوقار والاحترام والثقة تجعل منه زعيما لهذا التجمع البشري ..وهذا النوع من السلط هو الذي مارسه الانبياء ؛ أو قائد الحزب أو الديماغوجي الكبير .واخيرا تلك السلطة التي تفرض نفسها في إطار فضيلة المشروعية ؛ بمعنى تلك السلطة التي تؤمن بصلاحية النظام السياسي القائم من خلال الايمان بمشروعه وكفاءته واحتكامه لقواعد عقلانية ؛ او لانها سلطة قائمة على مبدأ الخضوع والا متثال للواجبات و الإلزامات المطابقة لقوانين النظام القائم ؛ وهذه السلطة هي التي يمثلها "خادم الدولة الحديثة".
إن دوافع احتكام الناس إلى السلطة منبعه خوف الناس من الممسكين بزمام السلطة؛ أو ذلك الأمل الذي يحيا في كل فرد بالجزاء الذي قد يحصل عليه سواء دنيويا أو في العالم الأخر . ويمكن القول أن تبرير مثل هذه التمثلات يكتسي اهمية كبرى بالنسبة لبنية السيطرة ؛ بل ومن الأكيد أن مصادفة مثل هذه النماذج في الواقع يعد أمرا نادرا جدا ؛ومع ذلك لم يعد اليوم ممكنا الحديث باستعراض كل تفاصيل هذه النماذج إلا بدمجها في إطار النظرية العامة للدولة.
||-المحور الثاني: طبيعة السلطة السياسية.
1-السياسة بما هي صراع(نص مكيافيللي)
تعتبر السلطة السياسية شكلا من أشكال التنظيمات التي تنظم حياتنا الاجتماعية والسياسية وذلك بوسائل وطرق مختلفة وطبائع متعددة، فلا يمكن تصور حياة اجتماعية منظمة دون وجود سلطة سياسية وراءها.و يعد مكيافلي من الأوائل الذين فكروا في إشكالية السلطة وطبيعتها داخل الدولة بعد أن تم استقلال الدولة الأوربية عن سلطة الكنيسة؛ وهو ما يصطلح عليه بنموذج الدولة الحديثة التي أصبحت ترتبط بشخص الأمير وقدراته في استخدام كل الوسائل الممكنة المشروعة وغير المشروعة ، القانونية والغير القانونية ،بتحقيق الوحدة و إرساء القوانين.
فما يذهب إليه مكيافلي في كتابه الأمير،كيف للأمير أن يحكم ؟ وأن يحفظ حياته وحياة الناس معه داخل الدولة ؟ فالدولة حسب مكيافلي غير منفصلة عن الأمير الذي يحكمها، فهما شيء واحد.
لهذا نجد مكيافلي يقدم مجموعة من النصائح للأمير من أجل توطيد سلطته السياسية وذلك عبر استغلال الفضائل الحميدة والرذائل وتوظيف الوسائل المتاحة و لكن شريطة ألا يفقد الأمير حب شعبه له لأنه قد يحتاج هذا الحب في وقت الشدائد،وهذا ما يجعل الأمير يتعامل وسط الناس بحيطة و حذر حيث يرى مكيافلي أنه على الأمير أن يكون ثعلبا وأسدا في نفس الوقت فكيف للحاكم ان يكون مثل ذلك؟
إن هذا الاعتبار يعني أن هناك طريقتين في ضبط الحكم ، الطريقة الأولى و كما يشير إليها مكيافلي هي الطريقة القانونية والتي تعتمد أو تستند إلى ماهو قانوني. أما الطريقة الثانية فهي طريقة القوة و التي من خلالها يستطيع الأمير إرهاب وتخويف الأعداء، لهذا على الأمير ان يعرف كيف يحكم ، وكيف يتصرف انطلاقا من هاتين الطريقتين؟ فأن يكون ثعلبا معناه ان يعرف كيف يحمي نفسه من الوقوع في الفخاخ و أن يكون أسدا معناه أن يكون شديد القوة و الجهامة حتى يخيف الآخرين.
فممارسة السياسة حسب هذا الطرح تكون بحب الطبائع البشرية، فالأمير يحكم بوفاء وإخلاص مع وجود الناس الأخيار، وطبعا ليس كل الناس مثل ذلك، فمنهم الأشرار وهؤلاء يستوجب معهم نوعا من السلطة التي تحول دون هذا الشر، فمن أراد أن يكون ثعلبا من اجل أن يخدع الناس قد يجابه بخداع اكبر منه ويسقط في فخ قد يكون وهو الذي نصبه بنفسه.
فإلى أي حد يمكن القول معه أن السياسة هي نتاج الصراع والقوة؟
2-السياسة بما هي اعتدال(نص ابن خلدون)
إن ما ينطلق منه ابن خلدون في تصوره لطبيعة السلطة السياسية قد يختلف تماما عن ما ذهب إليه مكيافلي في تصوره السالف الذكر، فما مضمون تصور ابن خلدون للسلطة؟
في تحليل ابن خلدون لمفهوم الدولة وكيف ينبغي للدولة ان تكون وما يجب ان تقوم عليه العلاقة بين السلطان والرعايا،يذهب إلى انه لا يمكن للرعية ان تستغني عن السلطان ولا للسلطان أن يستغني عن الرعية، فالعلاقة جدلية بينهما فالسلطان هو من له رعية، والرعية هي من لها سلطان. وهذه العلاقة هي نموذج السياسة المثلى التي تقوم على الاعتدال،وإذا كانت هذه الملكة( الاعتدال) تقوم على الرفق والحكمة حصل المقصود بين السلطان ورعيته .أما إذا كان السلطان على بطش وعقاب فسدت هذه الملكة وحل الذل والمكر محل هذا الرفق، فحسن الملكة بين السلطان ورعيته هو التوسط و الاعتدال، بمعنى لا إفراط في الشجاعة والكرم حتى التهور وبالتالي الانحلال ، ولا إفراط في الجبن و البلادة حتى الجمود. فهذا يتنافى و الصفات الإنسانية حسب ابن خلدون؛ فالحاكم والسلطان هو من يحكم رعاياه باعتدال و توسط وليس الدخول معه في صراع وتحايل ومكر وخداع .
3-فصل السلط و استقلالها(نص مونتيسكيو)
يذهب مونتسكيو في كتابه" روح القوانين" الى التمييز بين ثلاث وظائف أساسية للدولة وهي : السلطة التشريعية- السلطة التنفيذية- السلطة القضائية.فالأولى متمثلة في البرلمان وهي التي تشرع القوانين داخل الحياة في الدولة.أما الثانية تتمثل في الحكومة والتي تكون بتنفيذ تلك القوانين , كما تعمل أيضا على توفير شروط الأمن للمواطنين.أما النوع الثالث فيتجلى دوره في تطبيق تلك القوانين وممارستها و هذا النوع الأخير كما يقول مونتسكيو هو الكفيل بضمان الأمن و الحرية. لهذا يذهب مونتسكيو الى الفصل بين هذه السلط الذي من أجله يتأتى جو الأمن والحرية والمساواة و أن تداخل هذه السلط حسب مونتسكيو قد يؤدي إلى الجور والظلم وإهدار حقوق المواطنين وسلب حرياتهم. ولذلك وجب استقلال كل من السلطة التشريعية والسلطة القضائية عن السلطة التنفيذية بحيث لا يجوز لهذه الأخيرة أن تصدر أحكاما كما لا يجوز لها أن تعرقل الأحكام التي أصدرها القضاء أو الحكومة.
ونفس الأمر بالنسبة للسلطة القضائية بألا تتدخل في اختصاصات السلطة التنفيذية وأيضا نفس الأمر بالنسبة للسلطة القضائية مع السلطة التشريعية بمعنى ألا يكون المشرع قاضيا،فهذا قد يؤدي حسب مونتسكيو إلى تعذر قيام العدالة والمساواة والتي قد تضيع معها كل القوانين والمراسيم من جهة ، ثم الأحكام –التي هي من اختصاص القضاء –من جهة ثانية. بهذا وجب أن يستقل القضاء عن السلطة التشريعية حتى نتجنب الظلم و الطغيان كما يوضح مونتسكيو.وهذا لا يعني الانفصال المطلق والتام بين هذه السلط كما يدعو مونتسكيو، بل إن هناك في الحقيقة تعاون وتعاضد فيما بينها.فكل واحدة من هذه السلط تكمل الأخرى فالسلطة التشريعية أو البرلمان هي الرافد الأساسي الذي يستند إليه القضاء في إصدار الأحكام ،وهذه الأحكام بالضرورة تحتاج إلى تنفيذ والذي يتولى هذه المهمة هو الحكومة أو السلطة التنفيذية.
من هنا يمكن القول على أن التكامل بين السلط طبيعي ومقبول وإن كنا قد أكدنا مع مونتسكيو على ضرورة الفصل والاستقلال وعدم تداخل إحدى هذه السلط في مجال الأخرى الذي قد يؤدي الى ضياع الحقوق . بالإضافة إلى كل هذا يجب على الدولة ان توفر لمواطنيها حقا آخر يرتبط في الواقع ارتباطا وثيقا بحق الحرية، ألا وهو حق الأمن والرعاية ضد الأخطار الخارجية.
ملحق: الدولة مجموعة من الأجهزة( نص ألتوسير)
طرح تجديد الفكر الماركسي إشكالا نظريا فيم يخص مسألتين : الأولى تتعلق بأن كل محاولات التجديد التي لحقت الماركسية اتهمت بالمراجعة ؛ أو اتهمت بتحريف أصول الماركسية.والثانية تتعلق بأن مسألة طرح الماركسية من جديد في المجتمع بعيد عن لحظة ماركس بعشرات السنين؛ معناه إعادة النظر أو على الأقل تكييف الفكر الماركسي مع معطيات العصر. وفي هذا الصدد يحضر لوي ألتوسير كأهم منظر للنظرية الماركسية .وفي هذا النص يكشف ألتوسير عن الأبعاد الأيديولوجية الأجهزة الدولة مستثمرا في ذلك العدة المفاهيمية لماركس من خلال استحضار مفهوم الصراع والهيمنة والتحكم والمراقبة والقمع والعنف. ومن هذا المنظور يميزالتوسير بين نوعين من الأجهزة التي تحكم بها الدولة ؛ النوع الأول يرتبط بجهاز عياني يتمثل في الجيش والشرطة والسجون ؛ حيث يمثل جهازا عنيفا تتم بواسطته قمع كل أشكال الانحراف والتظاهر ؛ أي أن الدور المنوط بهذا الجهاز هو شل حركة المجتمع نحو الثورة .أما النوع الثاني فيرتبط بجهاز اخر أكثر تكتما تسرب من خلاله الدولة إيديولوجيتها الخاصة وفق الشروط والظروف التي تسمح لها بذلك ؛وفي هذا الإطار يمكن إدراج كل مؤسسات الدولة : مؤسسة دينية ، مدرسية، قانونية، إعلامية...
إن كل هذه المؤسسات تمارس الدور المكمل لما تقوم به أجهزة الدولة القامعة،التي و إن كانت تمارس العنف المادي، فإن هذه المؤسسات الأخيرة تمارس نوعا من التعمية و التعنيف الايديولوجي من خلال ما تمارسه من إكراه فكري؛ بل وأن هذه السلطة التي تمتلكها تبقى في كل المجتمعات متخفية لكونها إما تخاطب الجانب الوجداني أو الإلزامي(الدين، القانون) في الإنسان؛ ومن تم، فهذه الأشكال الإيديولوجية لابد وأن تتكامل فيما بينها لتنتج شكلا قمعيا للدولة.
ملحق: السلطة ليست مجموعة أجهزة ( نص ميشيل فوكو)
يمكن القول على سبيل افتراضي أن التصور الفوكوي لطبيعة السلطة السياسية يختلف عدة ونتائج عن التصور الألتوسيري لأشكال أجهزة الدولة وممارستها لفعل القمع .وهنا يجب أن نشير إلى ان فوكو ينطلق من فرضية تقول أن الإستراتيجيات و علاقات القوى المتعددة التي تتداخل فيما بينها هي التي تخلق سلطة الدولة ومؤسساتها .ومن هذا المنطلق ، فإن السلطة عند فوكو لا تعبر عن شكل متعال عن مجال اشتغالها ، بل عن شكل محايث يطلق على وضعية استراتيجية معقدة في مجتمع معين .
إن التصور الكلاسيكي للسلطة ظل محصورا في مجموع الأجهزة و المؤسسات التي تمكن من إخضاع المواطنين داخل دولة معينة سواء عن طريق العنف أو عن طريق القانون. لكن فوكو سوف يرفض هذا التصور بدعوى أن الانطلاق من فرضية سيادة الدولة في إطار الشرعية و الهيمنة معناه الوصول إلى الشكل النهائي للسلطة، وعليه، فإن الذي يهم ،حسب فوكو، هو البحث عن أشكال تغلغل وتواجد وتصارع مجموعة من القوى داخل مجتمع ما لتفرز شكلا مهيمنا ما. يقول :"يبدو لي أن السلطة تعني بادئ ذي بدء علاقات القوى المتعددة التي تكون محايثة الذي تعمل فيه(....) إنها الحركة التي تحول تلك القوى و تزيد من حدتها وتقلب موازينها بفعل الصراعات التي لا تنقطع". ولا يخفى ان القول بحتمية الصراع معناه التوسل بخطط واستراتيجيات تضمن دوام المنافسة و الصراع مع الخصم من أجل الهيمنة. فإذن ما السلطة؟يجيب فوكو بقوله "يجب تحليل السلطة كشيء متحرك ، وبالأحرى كشيء لا يمكنه الاشتغال إلا عن طريق التسلسل ، فهي ليست محلية وليست بيد أحد ، بل تشتغل في إطار شبكة ، ومن تم( تضمن) حركة الأفراد بجعلهم مستعدين للخضوع أو ممارسة السلطة ." والقول بشبكية السلطة معناه الإقرار بعدم جدوى البحث عن السلطة في النقط المركزية للدولة كما تمثلها المؤسسات ، بل من الضروري الالتجاء إلى أكثر النقط الهامشية لأنها أكثر فاعلية .ومن هذا المنظور ، يلح فوكو على اعتبار السلطة نوعا من المعرفة الإستراتيجية الموجًهة والموجَهة ، فمن جهة لا تشتغل السلطة إلا على نحو معرفة ، والمعرفة هي التي تضمن سيادة السلطة .ولهذا يمكن القول أن السلطة متواجدة في كل مكان وزمان نظرا لقدرتها على التولد في كل لحظة ؛ إذ بمجرد ما تنبع معرفة ما (علمية أو غير علمية) لابد وأن تتمظهر في شكل سلطة معينة بالغة التعقيد لدرجة يصعب تتبع أصول نشوئها .
|||- المحور الثالث : الدولة بين الحق والعنف:
· 1 مشروعية العنف( ماكس فيبر)
 
يعبر كتاب "العالم والسياسي" لماكس فيبر عن إشكالية جدلية يحياها المجتمع المعاصر ؛ بين تدخل العلم في شؤون المجتمع ومحاولات تغييره نحو الأحسن وبين رؤية السياسي الذي يمارس نوعا من الهيمنة في إطار من المشروعية.
إذن كيف يمكن تحديد مظاهر تسييس كل مناحي الحياة الاجتماعية وجعلها خاضعة لهذا النموذج السياسي أو ذاك ؟
إن السياسة عند فيبر وإن كانت تحيل في دلالاتها على تمظهرات كثيرة ترتبط بوسائل التدبير والتحكم , فإنها تحيل بشكل أساسي على مفهوم الدولة كقيادة سياسية لتجمع بشري في جغرافية معينة.لكن كيف يمكن للدولة أن تسوس أمور الشعب ووفق أي أدوات ؟
يقول فيبر على لسان تروتسكي أن وسيلة الدولة المثلى هي العنف كضامن وحيد لهيمنة الدولة.غير أن هذا العنف وإن كان ليس وسيلة الدولة الوحيدة ، إلا أنه أكثر أسلحتها نجاعة في قيادة المجتمع ولممارسة السلطة ، مادام أن تاريخ البشرية كشف عن محاولات التعنيف لضمان السلم الاجتماعي . من هذا المنطلق يرى فيبر أن السياسي يتوق إلى السلطة ، إما لأنها وسيلة لتحقيق غايات مثالية أو أنانية و إما لذاتها من أجل إشباع الشعور بالفخر الذاتي والرغبة في الوصول إلى السلطة وامتلاكها، بل وإن الاحتفاظ بها يعني بالضرورة أن الدولة /السلطة تعتمد على علاقة أساسية تربط بها هيمنة الإنسان على الإنسان من خلال العنف المشروع، ومن تم يقول فيبر"لا يمكن أن توجد الدولة إلا بشرط خضوع الناس المهيمن عليهم إلى السلطة"
يمكن القول إذن أن الدولة من هذا المنظور هي المالكة الوحيدة لحق ممارسة العنف داخل تجمع سياسي معين كونها تمتلك وسائل متعددة لممارسة السلطة.
2- الدولة هي نتاج الصراع بين الطبقات ( فريدريك إنجلز )
 
لا يمكن النظر إلى الفكر الماركسي إلا من داخل علاقاته المتشنجة مع فلسفة هيغل . والواقع أن ماركس أخد عن هيغل في كثير من أطروحاته دون أن يمنعه ذلك من إعادة النظر في التصور الهيغيلي للتاريخ والدولة. إذ إذا كان هيغل قد أقر بأن التاريخ أو الروح المطلق قد انتهى مع الدولة البروسية معبرا عن انصهار العقل في الواقع والواقع في العقل، فإن مثل هذا التصور لا يخفي عن نفسه البعد التبريري والاختزالي للتاريخ ، وربما هذا ما يبرر قلب ماركس للجدل الهيغلي بجعله يسير على قدميه بعد أن كان يسير على رأسه.فإذن كيف يحضر مفهوم الدولة عند كل من ماركس وانجلز؟ وما علاقة تطور التاريخ بالدولة؟
إن الدولة في نظر إنجلز ليست هي الصورة المطلقة لظهور العقل في التاريخ وفي الدولة , بل إنها نتيجة تصارع قوى عديدة داخل هذا المجتمع أو ذاك في مراحل تطوره.وهذا يعني تماشيا مع التصور الماركسي ، أن التناقض والصراع هو المحدد الأول والأخير في تمفصل طبقات المجتمع تبعا للمصالح الاقتصادية لكل طبقة، ومن هنا يمكن فهم أساس قيام الدولة كطرف للمصالحة بين الأطراف المتنازعة ، ومن تم تنصب نفسها فوق المجتمع.
ولهذا السبب يمكن فهم حاجة كل المجتمعات إلى الدولة ، إذ إن كل إفرازات المجتمع الإيديولوجية والدموية بين الأفراد والطبقات تحتاج كلها إلى جهاز سلطة لكبح تعارضاتها وجعلها في مستوى مقبول.لكن لا ينبغي ان نفهم من هنا ان الدولة طرف محايد في معادلة الصراع، بل هي دوما تتشكل من الطبقة الأقوى في المجتمع أي تلك الطبقة التي تسود وتهيمن اقتصاديا ، مما يضمن لها أن تسود سياسيا .وهذا يعني ، حسب انجلز، لم توجد في يوم من الأيام إلا عندما تطور الميدان الاقتصادي وفرض تنظيم المجتمع وفقا لوسائل الإنتاج والاستغلال .
 
العنف
 
محاور الدرس
1) أشكال العنف.
2) العنف في التاريخ.
3) العنف و المشروعية.
العنف
 
تقديم المفهوم:
يبدو أن مظاهر العنف كثيرة، فهو يمارس بأشكال متنوعة. هناك العنف الفزيائي من ذلك مثلا القتل و الاغتيال، لكن هناك العنف السيكولوجي أو الأخلاقي، مثل التعذيب عن طريق العزل. كما يوجد العنف الاقتصادي من خلال استغلال الطبقات أو البلدان الضعيفة. مثلما، أن هناك عنف الأنظمة التوتاليتارية ذو الأهداف السياسية و عنف العنصرية... إلخ و اللائحة طويلة إلى درجة تدفع إلى إثارة السؤال عما إذا كان هذا التعدد في صور العنف و أشكاله يعبر عن واقع ثابت أم أن استعمال مفهوم وحيد لا يعكس الإختلافات بين مظاهره ليس من الناحية الكمية فحسب. و إنما أيضا الجوهرية. إنه يوجد في كل مكان. و يمكن استعماله كموضوع للبروباغندا و إلا كعنصر من عناصر تاكتيك للوصول إلى السلطة و المحافظة عليها. إذا أدى العنف إلى تدمير الوجود برمته أو جزء منه، فإن العنف المنجز قد يكون أداة في خدمة مشروع يمكن ألا يكون عقلانيا، لكن شروط استعماله تبدو قابلة للعقلنة.
يمكن أن نسلم بصفة أولية أن العنف يوجد كلما كان هناك إلحاق للأذى بالغير بصفة جسدية أو نفسية، سواء أخذنا الغير كفرد أم كجماعة أو مجموعة بشرية.
إذا اعتبرنا هذا التعريف جيدا يجب أن نتصور العنف كواقعة تارخية و يتحدد بإعتباره كمحرك أو دينامو للتاريخ من وجهة نظر معينة، و يقوم على استخدام القوة بشكل غير مشروع لسبب من الأسباب. فكيف يمكن مراقبة العنف و التحكم فيه إذا كان يجب أن نبدأ بقبول حضوره الجذري في الإنسان؟
لقد أنتجت البشرية على مدى التاريخ آليات و وسائل للحد من العنف حيث يعتبر الدين و الثقافة كعنصرين كابحين للعنف بشكل معنوي و أخلاقي، على أن أهم تقنية للتحكم في العنف تتمثل في التنظيم السياسي للمجتمع ينبني فيه هذا الأخير في صورة مؤسسات حديثة تجتث العنف و تجعل استخدامه حكرا على جهاز الدولة. و في هذا السياق تبرز الديموقراطية كنظام يتطلع إلى القضاء على العنف و تدبير الخلافات و الصراعات السياسية بكيفية حضارية تقوم على قوة القانون و ليس على قانون القوة: فإلى أي حد نجحت الدولة الحديثة في القضاء على العنف؟ و هل من حق الفرد أو الجماعة ممارسة العنف من أجل فرض ما يعتقد أنه حق و عدل و خير؟
المحور الأول:
أشكال العنف: ما طبيعة العنف؟
أفرز التاريخ البشري أشكالا متعددة من العنف، يمكن أن نميز ضمنهما بين نوعين، هما: العنف الجسدي و العنف الرمزي. كلاهما يمارس بطرق و وسائل متعددة تتطور باستمرار بقدر تطور العلم و التقنية. و ليس بديهيا أن تكون هذه الأشكال دائما ظاهرة، ذلك ن أن أن العنف يتحقق أيضا من خلال أشكال متخفية مثلما هو الأمر في << نقص التغذية>> كما يشير إلى ذلك الفيلسوف الفرنسي إيف ميشو. يرى هذا الأخير أن إنتاج وسائل العنف يشمل << وسائل التسليح الفردي كما يشمل وسائل التخريب الجماعي>>.
و بما أن هذه الوسائل أصبحت في متناول الكل: أفرادا، جماعات، دولا، فإن العنف يصير أكثر فتكا. كما أنه أضحى أكثر اتصالا بالإعلام، على اعتبار أن هذا الأخير يسخره عن طريق نشره أو السكوت عنه. و يخلص هذا الفيلسوف إلى أن << تطبيق التقدم التقني و العلمي على استعمال العنف و على كيفية تدبيره يمكننا من فهم.
أ- الفعالية المضاعفة التي تم التوصل إليها فيما يخص أشكال التحطيم و التخريب . فإبادة مجموعة بشرية ما. و إبادة مزروعات، و تهديد حياة الملايين من الناس تتطلب وسائل و تنظيما لم يسبق له مثيل.
ب- من حيث إن العنف أصبح قابلا للحساب و التحكم فإنه يمكن أن يحقق مردودية حيث أصبح من الممكن فرض السيطرة بواسطة التعذيب و القمع و التهديد به>>. فهل معنى هذا أن العنف هو ما يشكل ماهية الإنسان؟ هل الإنسان كائن عنيف بطبعه؟ هل يوجد العنف في طبيعة الإنسان؟ هذا السؤال يطرح نفسه بالنظرإلى قدم الظاهرة و استمرارها عبر التاريخ البشري، و هو يتعلق بما إذا كان الإنسان شغوفا بالتدمير؟ من يجيب الفيلسوف و عالم الإجتماع و المحلل النفساني الألماني إيريك فروم عن هذا السؤال بالقول:<< إن دراسة بعض الظواهر الإجتماعية و الطقوس الشعائرية القديمة قد توحي بأن النزعة التدميرية لها جدورها النظرية في طبيعة الإنسان . إلا أن التحليل المعمق لدلالات هذه الظاهرة ، يثبت أن كل الممارسات التي تؤدي إلى التدمير ليست ناتجة بالضرورة عن < شغف بالتدمير> . بالتالي فإن التدمير ليس سلوكا ينتج بصفة عملية عن غريزة تدميرية توجد في طبيعة الإنسان بقدر ما ينتج عن دوافع ونزعات ليس من الضروري أن تكون طبيعية وذات علاقة بالممارسات والشعائر الطقوسية الدينية . يترتب عن ذلك أن الطبيعة البشرية ليست هي التي تولد العنف وإنما هناك < طاقة تدميرية كامنة تغديها بعض الظروف الخارجية والأحداث المفاجئة هي التي تدفع به إلى الظهور> .
وأما المقصود بالعنف الرمزي فهو مختلف أشكال العنف غير الفيزيائي القائمة على الحاق الأذى بالغير بواسطة الكلام أو اللغة أو التربية أو العنف الذهني ، وهو يقوم على جعل المتلقي يتقبل هذا العنف <<اللطيف>> مثال ذلك العنف الرمزي الذي تقوم به الإديولوجيا من حيث هو عنف لطيف وغير محسوس . يعرف عالم الإجتماع الفرنسي المعاصر بيير بورديو هذا الشكل من العنف بالقول أنه هو ذلك الذي < يمارس على فاعل اجتماعي ما بموافقته > وبلغة أخرى < فإن الفاعلين الإجتماعيين يعرفون الإكراهات المسلطة عليهم وهم حتى في الحالات التي يكنون فيها خاضعين لحتميات يساهمون في إنتاج المفعول الذي يمارس عليهم نوعا من التحديد و الإكراه> و بالنظر إلى أن هذا العنف رمزي فإنه يمارس بوسائل رمزية، أي التواصل و تلقين المعرفة.
المحور الثاني:
العنف في التاريخ: كيف يتولد العنف في التاريخ البشري؟
يتحدد وجود كل مجتمع بشري – حسب ماركس- بوجود صراع بين طبقتين اجتماعيتين، الأولى تمتلك وسائل الإنتاج و الأرض و الثانية لا تمتلكها.
و ذلك منذ أقدم المجتمعات البشرية و أكثرها بدائية إلى المجتمعات الرأسمالية المتطورة . و هكذا ، فإن صراع الطبقات الإجتماعية يمكن أن يتخذ أشكالا فردية لا واعية عند الأفراد أنفسهم، كما قد يتخذ طابع صراع نقابي أو سياسي أو إيديولوجي واضح المعالم.
كتب الفيلسوف الألماني كارل ماركس في هذا السياق السابق: <<نلاحظ أنه منذ العصور التاريخية الأولى كان المجتمع في كل مكان مقسما إلى طبقات متمايزة ... ففي روما القديمة كان هناك سادة و فرسان، وأقنان و عبيد، و في العصور الوسطى كان هناك سادة و شرفاء، و سادة الحرف، و الحرفيون العاديون و أقنان، كما أن هناك داخل كل طبقة من هذه الطبقات سلم تراتبي خاص>> و قد أصبح الصراع الطبقي في المجتمع الرأسمالي بين البرجوازية و البروليتاريا.
و بالمقابل يرى المفكر الفرنسي روني جرار أن أساس العنف هو تنافس الرغبات ، و ذلك أن الرغبات الإنسانية تخضع لقانون المحاكاة،أي كرغبات في ما يرغب به الأخرون،<<كلما كانت رغبة الأخرين (في شـيء ما) قوية و شديدة كانت رغبتي أنا أيضا قوية و شديدة (فيه). ينتج عن ذلك احتمال اندلاع العنف.
وهكذا فإن الصراع الإنساني يتولد عن صراع أو تنافس بين الرغبات. و إذا صح أن الرغبات تتشكل و تتطور من خلال المحاكاة، فإن العنف سيكون معديا من خلال انتشاره في الجماعة من فرد إلى أخر. و دواء هذا المرض المعدي هو القتل.
و هذا الطرح يرجع بنا إلى تصور الفيلسوف الأنجليزي الحديث طوماس هوبز حول جذور العنف الذي يعتقد فيه أن مصدر هذا الاخير ثلاثي، و يتمثل في: التنافس، الحذر ، الكبرياء، و هي أسباب توجد في الطبيعة الإنسانية. الأول يجعل الهجوم وسيلة لتحقيق((المنفعة))، الثاني وسيلة ((للأمن)) و الثالث وسيلة لحماية ((السمعة)).
على أن العنف له صلة أيضا بالتقديس و بالحقيقة، فهو يشكل إلى جانبهما << الأركان الثلاثة لكل تراث مشكّل و مشكّل للكينونة الجماعية>> كما سماها المفكر العربي محمد أركون الذي يشرح هذه العلاقة على نحو ما يلي:<< الجماعة مستعدة دوما للعنف من أجل الدفاع عن حقيقتها المقدسة. الإنسان بحاجة إلى عنف، و تقديس، و إلى حقيقة لكي يعيش و لكي يجد له معنى على الأرض. العنف مرتبط بالتقديس و التقديس مرتبط بالعنف و كلاهما مرتبطان بالحقيقة أو ما يعتقد أنه الحقيقة. و الحقيقة مقدسة و تستحق بالنسبة لأصحابها، أن يسفك من أجلها دم >>.
المحور الثالث:
العنف و المشروعية: هل يمكن الإقرار بمشروعية العنف من زاوية الحق و القانون و العدالة؟
يرى عالم الإجتماع الألماني ماكس فيبر أن جوهر السلطة هو ممارسة العنف، و أنها وحدها تملك الحق و المشروعية في استعماله. من أين ينبع هذا الحق أو المشروعية؟ إنهما يرتدان إلى التعاقد الإجتماعي الذي بموجبه يتنازل الشعب للدولة عن حق استعمال العنف على أساس نظام سياسي حديث يتميز بتقسيم السلط و مراقبتها لبعضها و بإجراء انتخبات بصورة منتظمة من أجل تشكيل هذه السلطة. و بالتالي يصبح العنف مرتبطا بالدولة الديموقراطية الحديثة التي تضبط العنف و تحتكر استعماله. و يستشهد م.فيبر في هذا الصدد بقولة تروتسكي : << الدولة هي كل جهاز(حكم) مؤسس على العنف>> و هذه هي ميزة عصرنا الحالي، بحيث أنه لا يحق لأي كان استعمال العنف إلا عندما تسمح الدولة بذلك . فهذه الأخيرة << تقوم على أساس استعمال العنف المشروع >> و ستكون السياسة هي ((مجموع الجهود المبذولة من أجل المشاركة في السلطة أو من أجل التأثير على توزيع السلطة)).
لكن هل استخدام العنف حق مشروع لكل أشكال الدولة بما فيها الدولة الاستبدادية أم هو حق فقط للدولة القائمة على أساس ديموقراطي حديث؟
الإجابة عن هذا السؤال بالقول: إن عنف الدولة لا يكون مشروعا إلا عندما تكون هذه الدولة قائمة على أساس مشروع أي على التمثيلية، الإنتخابات، الحريات العامة، التعدديةالسياسية، و تداول السلط، و فصل السلطة. لكن يفترض هنا ان العنف هو الوسيلة الوحيدة للقضاء على العنف أي مواجهة القوة بالقوة. و ضد هذه الفكرة يطرح غاندي ((المفكر)) و الزعيم الهندي الشهير أن العنف رذيلة، و إذا كان العنف قانونا حيوانيا، فإن اللاعنف هو القانون الذي يحكم البشر. و يعرف هذا الأخير على نحو ما يلي:((الغياب التام للإرادة السيئة تجاه كل ما يحيى)) إنسانا كان أم حيوانا أم نباتا، << هو إرادة طيبة تجاه كل ما يحيى>> الصداقة ستكون حلا لمشكلة العنف، إذا أصبحت عامة بين الأفراد و الأمم. و ذلك ليس فيه تخلّ عن الصراع الإنساني، بل على العكس من ذلك فاللاعنف مناهض للشر لكن بوسائل الخير. إن القوة الحقيقية بهذا المعنى هي قوة الروح التي تستطيع أن تنجح في جعل اللاعنف ينتصر على العنف و السلام على الحرب و القوة الروحية على القوة الفزيائية.
 
 
 
 
 
 
 
 
العنف
 
 
لم تشتهر الفلسفة بشيء أكثر من اشتهارها بالسؤال, كونه الممارسة الفكرية التي يقوم عليها التفلسف أو جوهر الفكر الفلسفي.
هذا السؤال يلقي بنا نحو موضوع قديم متجدد في الفكر الفلسفي هو العنف ووضعه تحت منطق السؤال والنقد رغبة منا في معرفة أشكاله وعلاقته بالتاريخ, وكشف مدى مشروعيته.
ولتحقيق هذه الرؤية المعرفية يجدر بنا تحقيق نوع من التراكم المعرفي والمنهجي حول هذا المفهوم الذي ارتبط بوجود الإنسان.
يطرح هذا الموضوع إشكالا مركزيا يتأطر في إشكالية العنف هذه الوضعية المشكلة تتفرع عنها مجموعة من الأسئلة المحورية نجملها فيما يلي :
· ما هي طبيعة العنف ؟
· ماهي أشكاله ومظاهره ؟
· كيف يتولد العنف في تاريخ البشرية ؟
· هل يمكن الإقرار بمشروعية العنف من زاوية الحق والقانون والعدالة ؟
 
قبل الإجابة عن هذه التساؤلات المطروحة لابد من الإشارة إلى بعض الملاحظات التي تعتبر عتبات أساسية لفهم الموضوع.
إن درس الفلسفة هو درس تفكيري , ومن تم تتبلور ضرورة انجازه بطرق و أساليب تطابق روحه وماهيته, روح مادته الفلسفية كفاياته التربوية, فمادام الإنتاج المعرفي الفلسفي وأهداف تدريسه يتسمان بالسمة التفكيرية فإنه يصبح ضروريا تعليم الفلسفة وتعلمها بطرق وأساليب تتحدد بتلك السمة نفسها.
إذ هناك إجماع لدى المشتغلين بالتعليم الفلسفي على أن طريقة إنجاز درس في الفلسفة يقتضي تصور بيداغوجي شامل للعملية التعلمية الفلسفية من طرح إشكالي وتحليل للنصوص المعتمدة في الكتاب المدرسي, ومناقشة هذه النصوص وانتقادها من هذا المنطلق كان لزاما علينا تعريف موضوع العنف واستخراج مواقف وآراء الفلاسفة من خلال الكتب المدرسية الثلاث, زيادة على ذلك نقدم بعض التصورات النظرية والفلسفية التي يطرحها فلاسفة ومفكرون في تعاملهم مع ظاهرة العنف لأجل منح الدرس نوع من المناقشة والتحليل على أن هذه العملية تركناها في نهاية كل محور.
فقد اتخذ العنف أشكالا متنوعة ومتعددة عبر تاريخ البشرية, حيث كان عنفا عضليا تجسد في صراع الإنسان ضد الطبيعة. وغدا عنفا رمزيا وثقافيا له عدة صور وطبائع.
هذه الصورة توضح لنا تلازم العنف للإنسان عبر التاريخ, ومن هنا تأتي صعوبة التخلص منه أو تجاوزه رغم كل الأشواط و المراحل الردعية التي عرفها من أجل ضبطه و تقنينه.
تعريف العنف :
نجد تعريف العنف من الناحية اللغوية : عنف (العُنْف) بالضم ضد الرفق، تقول منه: عَنُفَ عليه بالضم (عُنْفاً)، و(عَنُفَ) به أيضاً و(التعنيف) التعيير واللوم (الرازى 666هـ) ويتضح من التعريف اللغوي أن العنف لم يقتصر على الإيذاء الجسدي بل هو شامل للإيذاء الجسدي واللفظي على حد سواء.
أما من الناحية الإصطلاحية : العنف هو أي سلوك موجه بهدف إيذاء شخص أو أشخاص آخرين لا يرغبون فى ذلك ويحاولون تفاديه .(1) ولقد أسهب الباحثون في تحديد مفهوم العنف كل من زاويته الخاصة.
و لعل أبرز تعريف أعطي للعنف, هو تعريف باربرا ويتمر : " العنف خطاب أو فعل مؤذ أو مدمر يقوم به فرد أو جماعة ضد أخرى . (2)" بمعنى آخر العنف هو كل تعسف في استخدام القوة, أي الخروج عن الإطار المحدد والمتداول عليه. و حيث يعرفه جميل صليبا، في معجمه الشهير:"المعجم الفلسفي"، بكونه فعل مضاد للرفق، ومرادف للشدة والقسوة. والعنيف هو المتصف بالعنف. فكل فعل يخالف طبيعة الشيء، ويكون مفروضاً عليه، من خارج فهو، بمعنى ما، فعل عنيف. والعنيف هو أيضاً القوي الذي تشتد صورته بازدياد الموانع التي تعترض سبيله كالريح العاصفة، والثورة الجارفة. و العنيف من الميول:«الهوى الشديد الذي تتقهقر أمامه الإرادة، وتزداد سورته حتى تجعله مسيطراً على جميع جوانب النفي، والعنيف من الرجال هو الذي لا يعامل غيره بالرفق، ولا تعرف الرحمة سبيلاً إلى قلبه».
وجملة القول إن العنف هو استخدام القوة استخداماً غير مشروع، أو غير مطابق للقانون.
أما في معجم «قاموس علم الاجتماع»، فإن العنف يظهر عندما يكون ثمة فقدان «للوعي لدى أفراد معينين أو في جماعات ناقصة المجتمعية. وبهذه الصفة يمكن وصفه بالسلوك«اللاعقلاني». في حين يرى بول فولكي في قاموسه التربوي أن العنف هو اللجوء غير المشروع إلى القوة، سواء للدفاع عن حقوق الفرد، أو عن حقوق الغير«كما أن العنف لا يتمظهر بحدة إلا في وجود الفرد/المراهق في مجموعة ما».
أما أندري لالاند فقد ركز على تحديد مفهوم العنف في أحد جزئياته الهامة، إنه عبارة عن«فعل، أو عن كلمة عنيفة». وهذا ما يدخل في نطاق العنف الرمزي…فأول سلوك عنيف هو الذي يبتدئ بالكلام ثم ينتهي بالفعل. وهكذا فتحديدات العنف تعددت واختلفت، إلا أن الجميع يقرُّ على أنه سلوك لا عقلاني، مؤذي، غير متسامح.
إن كلمة عنف تستعمل في مجالات مختلفة، وعلى عدة مستويات متباينة، و بحسب استراتجيات تعريفية متنوعة. إن العنف، في أول الأمر، وقبل كل شيء، هو ظاهرة يصعب تعريفها بدقة. وإذا رجعنا إلى المراجع الفلسفية و الأنثربولوجية، تجد أن العنف صعب التعريف، ولا يوجد تعريف واحد يعمل به باعتباره كذلك. فإذا نحن بحثنا، على سبيل المثال، في القواميس، و هي جزء من الحياة الاجتماعية، سنجد أن كلمة "عنف" تستعمل في حقول دلالية واسعة: "العنف" ضد الرفق؛ و نقول الأخذ بالعنف حين يأخذ المرء الشيء بالعنف؛ وتستعمل الكلمة بمعنى الإكراه؛ وهناك العنفوان بمعنى الشباب والقوة الخ، كما في الصحاح في اللغة للجوهري. ويأتي صاحب تاج العروس بنفس الدلالات، مستشهدا بالجوهري وغيره، ويزيد عليها الشدة و "العنفة"، و اعتناف الأمر بإنكاره. وهذه مجرد أمثلة فقط حيث يقترن العنف بالصرامة والألم والإيلام والزجر أو القمع، مثلا في الوعظ والتربية كما عند أبي حامد الغزالي في الإحياء؛ أو الإنهاك واستنفاذ القوة (في حالة الفرار من العدو حيث يجوز استنفاذ قوة الفرس)؛ واستعمال العنف من أجل النجاة من الخطر (الرازي). (3))
.وفي هذه الحالة تقترن الكلمة بالخطر والموت والأوجاع. وقد استعمل الرازي أيضا كلمة عنف للحديث عن الضغط والأوجاع التي يسببها خروج الجنين أو (المولود) من الرحم. (4)
وإذا كان الجوهري و الزبيدي يستخدمان كلمتا عنف ورفق في سياق الكلام عن ركوب الخيل، أي في سياق ترويضها وتمرينها على الخدمة والطاعة، فإن بعض فلاسفة المسلمين يستعملونها في مجال العلاقات بين الناس، وخاصة في مجالي الحرب والسياسة. فالرازي يذهب، مرة أخرى، إلى أن اللجوء إلى العنف يكون عادلا بصفة عامة حين يكون المرء أو الجماعة مهددة بخطر؛ ويذهب ابن سينا إلى أن للعنف معنى إيجابيا حين يستعمله الحاكم للحد من انتشار الفساد في الرعية (5).
أما استعمال العنف في الجهاد سواء في الفتوحات أو في الدفاع عن الأمة ضد عدو خارجي أو داخلي فهو مشروع عند علماء الإسلام. و من المعلوم، أخيرا، أن استعمال العنف وارد في التربية، وهو أيضا وارد ومطلوب في التربية الصوفية (كجهاد ضد النفس "الأمّارة بالسوء").
كيفما كان الحال، فإننا نرى من خلال هذه الأمثلة أن كلمة عنف و ما يدور حولها من مرادفات ترتبط بكل مجالات الحياة، سواء الفردية أو الجماعية، العائلية أو القبلية أو السياسية أو الدينية.
إن تعدد المجالات الدلالية للمفردات التي تترجم "عنف" شيء معروف حتى بالنسبة للغات أخرى، فكلمة (Violence) بالفرنسية أو بالإنجليزية أو ( (GEWALT بالألمانية لها معاني يتعذر حصرها في معنى واحد، كما لاحظ ذلك، عن حق، بعض الباحثين (فرنسواز إريتي وإتيان باليبار، على سبيل المثال). فنحن أمام عدة تعريفات تختلف بحسب اختلاف استخداماتها و مقارباتها المؤطرة (بكسر الراء). و هو ما يجعلنا نقول، إننا أمام عدة مقاربات للعنف و لسنا أمام مقاربة واحدة و وحيدة. و كل مقاربة تعكس إدراكا معينا و أسلوبا في التشخيص و الاقتراح.
فهناك مقاربة تحدد العنف في استخدام وسائل الضغط التي تحد أو تعدم إمكانية الغير في الاختيار، بل وتعدم حتى إمكانيته في الهروب، أو في الانعتاق، أو في رفض الوضعية التي تفرض عليه.
وإذا كان مفهوم العنف قد عرف اختلافا و تمايزا على المستوى الإشكالي, فإن نفس الشيء انعكس على مواقف وتصورات الفلاسفة و المفكرين الاجتماعيين وغيرهم.
هكذا سنقف على كل موقف وتصور كل فيلسوف من خلال الكتب المدرسية, وذلك من خلال المحاور الثلاث الأساسية:
1 – أشكال ومظاهر العنف.
2 – العنف في التاريخ.
3 – مشروعية العنف.
 
ففيما يخص المحور الأول نجد المواقف الآتية :
يتناول ايف ميشو أشكال العنف من حيث درجاته وتطوره عبر التاريخ, حيث يعرض إشكالا متعددة من العنف من نقص التغذية وهو أخف أشكال العنف إلى الإعدام الأكثر ضراوة.
وتعرض كذلك لبعض تمظهراته المختلفة كالعنصرية والاضطهاد والحروب الاستعمارية والأنظمة العسكرية والبوليسية.
ويوضح أن تكنولوجيا الوسائل لا تقتصر من تطورها على التسليح الفردي و لكن على وسائل التخريب الجماعي أيضا التي تتداول بين الدول.
كما يشير إلى أن العنف ملازم بالإعلام الذي يعمل على نشره أو تهذيبه أو السكوت عنها كالإرهاب والتهديدات الدبلوماسية.
في حين نرى أن بييربورديو يحدد أشكال العنف في العنف غير المادي والعنف غير المرئي, الصامت والسري من إلحاق الأذى عبر وسائل عدة كاللغة والتربية والإيديولوجيا.
والعنف الرمزي وهوعنف يمارس على فئة أو أفراد بالاتفاق والتواطؤ وبالتالي فهو سلسلة من الإكراهات التي تمارس عبر قنوات عدة تصبح فيها هذه الممارسة العنيفة شرعية من الناحية الاجتماعية وأي نشاط تربوي هو موضوعيا نوع من العنف الرمزي وذلك بوصفه عنف لطيف وغير محسوس.(الكتاب المدرسي المناهج).
ويعرض لورينتز موقفين فيما يخص تفسير النزعة العدوانية لدى الإنسان فالموقف الأول يقوم على فكرة أن العدوانية الإنسانية هي فطرية لارتباط الإنسان بالنوع الحيواني واشتراكه معه في الصفة العدوانية من أجل الحفاظ على البقاء. أما الموقف الثاني فيبين أن النزعة العدوانية عنه الإنسان هي نزعة مكتسبة أي أنه يكتسبها من العالم الخارجي ومن احتكاكه واندماجه مع الآخرين.
ويؤكد لورينتز أن عدوانية الإنسان هي مكتسبة وفي نفس الوقت فطرية لارتباط الإنسان بالحيوان.
في حين يقوم لنا فون كلوزفيتش مفهوم جديد لمعنى الحرب,فالحرب هي فعل une acte من أفعال القوة التي تسعى إلى إرغام الخصم على الخضوع والسيطرة والهيمنة عليه, لهذا فإنها توظف كل العلوم والصنائع في إنتاج وسائل وآليات حربية تكرس القوة كفعل عنيف.
ففكرة كلوزفيتش هي أن الحرب فعل مؤذ وعنيف يستخدم القوة كذريعة للسيطرة والهيمنة, إلى جانب هذا يشير إلى أن الحروب التي تعرفها الشعوب المتحضرة هي أقل عنفا من الحروب التي عرفتها الشعوب المتوحشة, وهذا راجع إلى حالة الاجتماعية والتطورات التي عرفتها هذه المجتمعات.(الكتاب المدرسي الرحاب).
يعالج ايريك فروم أشكال العنف ضمن تصور فلسفي وسوسيولوجي معاصر, وذلك من خلال استحضار مجموعة من الظواهر الاجتماعية وبعض الشعائر الدينية لدى مجموعة من الشعوب القديمة من أجل تبيان أن العرض الأساس من هذه الظواهر الاجتماعية ليس هدفها التدمير.
لأنها لا تحمل أي نزعة تدميرية بقدر ما تجسد رغبة فرد أو جماعة في العيش وتأكيد وحدتها.
في حين يعرض فرويد تصوره لمسألة العنف وشكلها الأساسي في إعطاء الإنسان أهمية كبيرة وذلك في بعده اللاوعي والمتمثل في الغرائز والأهواء و الميولات التي يرغب فيها هذا الإنسان.
ويقسم فرويد النزوع العدواني لدى الإنسان إلى قسمين : الأول نزوع فردي يتمثل في الغرائز الفطرية والطبيعية لدى الإنسان, والثاني نزوع عدواني جماعي يتجسد في الهجرات والغزوات, مما يخلق تهديدا يؤدي إلى الدمار و الانهيار.(الكتاب المدرسي المنار). وهكذا يتضح لنا بأن العنف تتنوع أشكاله من العدوان إلى الاستغلال والاستعمار و من الاشغال المتعبة إلى الاقتتال الفردي والجماعي والغزوات والهجرات. لكن تبقى العدوانية والحرب هما أبرز هذه الأشكال.
لكن مع التطور الذي عرفته المجتمعات ظهرت نظريات أخرى تفسر العنف خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية.
النظرية الأولى تقرن العنف بالأخذ. فالعنف حسبها شيء طبيعي يفسر بحاجة الإنسان. و كانت الحاجات الأولى التي نظر لها المنظرون هي الحاجة للطعام، والحاجة الثانية هي حاجة الجنس، و الحاجة الثالثة هي الحاجة للاطمئنان. والعنف، حسب هذه النظرية، هو منع الغير من تلبية حاجاته وسد الطريق أمامه. و كان العنف في مظهره المعروف، أي الحرب، يصنف ويفهم كنوع من الصيد، وكأنه تطور لأحد أشكال الصيد. فيصبح الدافع إلى العنف هو الدافع البيولوجي، حتى تمنع الأخر من الأخذ: أخذ الغذاء أو النساء. فيصبح التنظير للعنف قائما على أساس بيولوجي. لكن مشكل هذه النظرية هو أن الدافع البيولوجي لا يمكنه أن يفسر الحرب، ولا يمكن أن يفسر الأخذ، سواء بالنسبة للطعام أو بالنسبة للجنس. فإذا كان الأخذ من أجل الجنس فقط، فإنه لا يفسر لنا تعدد الزوجات أو الحظايا. فهناك عامل آخر يجب البحث عنه. فلماذا يتعدى الأخذ من أجل الجنس القدرة التناسلية أحيانا؟ فيتعدى عدد الزوجات أو الحظايا العدد العادي ليحصل التناسل، وهو زوجة أو زوجتين أو حظيتن، ولكن ليست عشرين من الحظايا. فالمعروف في تلك المجتمعات أن تعدد الحظايا والزوجات أصبحت له معاني ودلالات أخرى غير تلك الدلالات والمعاني التناسلية. كما أن الأخذ من أجل الغذاء لا يفسر العطاء. فإذا كان العنف (الحرب) يفسر الأخذ، فهذا لا يفسر أنك تتحارب حتى تكدس الموارد الغذائية ثم تعطي ! و لا يمكن فهم هذا انطلاقا من نظرية لتلبية الحاجيات، بل يظهر هذا السلوك كاختيار مناقض للمبدأ الذي يحكمه. فالنظرية البيولوجية لا تفسر هذه العلاقات. وكان (لوروا كورهان) هو ممثل هذه النظرية حتى وفاته. و لا تنفي محدودية هذه النظرية الفائدة الكبيرة التي كانت لها، لأنها ساعدت، بقوة، على تصنيف الإنسان ككائن له حاجيات يحاول أن يلبيها بالشغل، أو بالحرب، أو باختراع الآلات. و كان هذا مهما، على كل المستويات. وطبعا، يمكن لهذا الانتقاد الذي انتقدته، أن يصدق على كل التوجهات الانتفاعية، بما فيها الانتفاعية الاقتصادية في تفسير العنف.
أما النظرية الثانية، فهي نظرية الأخذ والعطاء، أو نظرية التبادل. وهي نظرية قديمة. فقديما قيل ولا يزال يقال: إذا حضرت التجارة غابت الحرب. و قد عرفت هذه النظرية إغناءا كبيرا مع (كلود ليفي ستروس). و تتميز نظرية التبادل باستحضار بعد أساسي، كان غائبا في النظرية الأولى. فمشكلة (لوروا كورهان) والبيولوجيين هي أنهم لا يعتبرون ولا يرون، أن ظاهرة الأخذ هي دائما ظاهرة مقننة، وكونها كذلك يعني أنها محكومة بتقنين اجتماعي، وليس فقط بمبدأ تلبية الحاجة، سواء كانت حاجة إلى الغذاء أو إلى النساء، وخصوصا في الحالة الثانية. بنى (ليفي ستروس) نظريته للتبادل على مبدأ منع الزواج من المقربات /منع زواج المحارم. وهذا المبدأ، في نظره مبدأ إيجابي لأنه حين يمنع الشخص من الزواج من أخته،مثلا، فإنه يدفعه إلى تزويجها بآخر. وبالتالي يضمن هذا المبدأ التبادل، ويدفع في اتجاهه. فإذا كان المجتمع مبنيا على التبادل، فإن هذا الأخير يصبح هو أساس التجمعات البشرية. غير أن المشكل الأساسي هو أن نظرية التبادل لا تكفي لتفسير ما يجري في تلك المجتمعات، لأنها تحاول أن تبني أسس المجتمع على القاعدة، فقط. علما بأنه عندما تتأمل التبادل تجد أن التبادل نفسه يأخذ أوجها أخرى، بما فيها الحرب. فمثلا، من أجل الحرب يتم التفكير في تبادل الأزواج بين مجموعات قبلية كبيرة. فيصبح التبادل نفسه وسيلة من وسائل الإعداد للحرب، يصبح إستراتيجية حربية. فقانونيا وشرعيا، القاعدة هي المبدأ وهي الدافعة إلى التبادل، لكنها عمليا واجتماعيا، تفتح عدة مجالات، بما فيها مجالات التهييء للحرب و ممارسة العنف. فقانونيا، يمكن أن يقال: قانونيا، لابد من منع الزواج من المقربات حتى يكون التبادل ممكنا، لكن مقابل هذا، يمكن أن تقول، عندما كان التبادل ممكنا، أصبح من الممكن [أيضا] سوسيولوجيا و تاريخيا، أن تقوم بتبادل تحالفي من أجل الحرب. فالقاعدة تفتح التبادل، لكن التبادل نفسه ليس القاعدة الوحيدة للسيرورة التاريخية والسوسيولوجية للمجتمعات. فالتبادل كقاعدة، يمكن، أيضا، تاريخا و سوسيولوجيا، من أشياء تتعدى القاعدة؛ فالقاعدة تمكن من التبادل؛ والتبادل يمكن من الحرب. لهذا، يمكن القول: إن الشيء كقانون يجعل التبادل ممكنا، إذا رأيته من زاوية الجدلية التاريخية يعطي عكسه، يعطي الحرب بدلا من السلم، وتصبح الحرب والسلم شيئان ممكنان انطلاقا من قاعدة واحدة. و تكون الرسالة هي كالتالي: إذا أردت أن تتفتح و تغتني و تضمن التبادل، فلابد من أن تكبح رغبتك وشهوتك، و أن تحد من إرادتك. و هذا، يرجعنا إلى كلام آخر، هو أن التبادل باعتباره كبحا للشهوة، يمكن من بناء المجتمع والثقافة، و لكنه لا يضمن السلم. فالكبح يعطي إمكانية بناء الثقافة، ولكنه بناء يمكن أن يؤدي إلى عكس ما حددته القاعدة. وهذه هي الجدلية المفتوحة التي تحدثت عنها. فإذن، لا يمكن للعنف أن يعرف إلا بعكسه، انطلاقا من خطوط و حدود فاصلة، تعمل أيضا، كنقط اتصال تحرسها قواعد. لا يمكن للعنف أن يعرف إلا كوضعية نسبية مقارنة بالسلم إذا أخذناه، مثلا بوجه من وجوهه المركزية (الحرب). ونفس الشيء يصدق على السلم. فيصبحان (العنف والسلم) مخدومين ببعضهما البعض في طبيعتهما و هويتهما. كل مفهوم مخدوم بضده؛ و هذه هي الجدلية المفتوحة التي تجعلك تعرّف الشيء بضده، و لكن انطلاقا من عدم الإقرار بوجود حدود قبلية و فاصلة بينهما (الشيء و ضده)، إذ عليك أن تعترف بأن ذلك التعريف, هو تعريف قاعدي للعلاقة الجامعة بين الحدين. و عندما تفتح ذلك التعريف على التكوينات الاجتماعية التي جعلته ممكنا، فلا محالة أنك تعترف، في الأخير، أن السلم والعنف وجهان لبعضهما البعض. فكل واحد منهما يحمل الآخر في أحشائه. لهذا يمكنك أن تفسر كيف أن وصفك للآخر بالعنيف فيه عنف، أيضا، بل أكثر من هذا، يمكن القول إن جدلية العنف لا تقوم فقط على هذه التمييزات بين العنف و السلم كتبادل، بل تقوم على تمفصل آخر لا يقل أهمية في تحديد ملامح هذه الجدلية و هو تمفصل عنف داخلي/ عنف خارجي، أي عنف يتحدد انطلاقا من الدينامية الداخلية للجماعة، و آخر يتحدد انطلاقا من علاقة الجماعة بجماعة أخرى...
إضافة لهذين النظريتين ذو الرؤية الأنثروبولوجية للعنف , فإن هناك نظريات أخرى منذ العهد اليوناني إلى الآن.
أطروحة هيراقليط :
يرى هيراقليط أن العنف ضروري للعالم بل إنه أصل العالم و مبدأه، فلا شيئ يكون أو يولد بدون عنف ، فهو محرك العالم و محرك صيرورته ، فلكي يولد أي شيئ يجب أن يحذف شيئ آخر و يرفض ويقصى، يقول هيراقليط" الحرب أب كل شيئ و ملك كل الأشياء " الشدرة 53 . وبهذا المعنى فالعنف منتج ومخصب و ليس مدمرا و غير منتج، إنه بهذا المعنى الموت الذي يحمل في أحشائه الحياة .
لكن التصور الهيراقليطي يتميز بكونه ينسحب على الوجود برمته ولا يختص بالإنسان وحده ،تصور ينظر إلى العنف موضوعيا وليس ذاتيا.(6)
أطروحة فرويد:
أما بالنسبة لفرويد يطرح العنف بصفته الذاتية، أي كسلوك إنساني وبالأساس كرغبة تدميرية أو "ليبيدو سالب " يقول لاكان بهذا الخصوص " الليبيدو السالب الذي يعيد الإشعاع من جديد للمفهوم الهيراقليطي للاتوافق ". يؤكد فرويد على أن العنف و التدمير نزعة طبيعية في الإنسان تتعايش مع نزعة مناقضة لها يسميها نزعة الإيروس أو نزعة الحياة التي تدفع إلى الإبداع و الخلق لدى الإنسان .هده العدوانية أولية وأصيلة لدى الإنسان و غير محولة ثقافيا لدى الإنسان " إنها ليست دلك العدوان الذي يصدر كرد فعل عندما لا تتحقق رغباتنا ونحس بالإحباط جراء دلك . بل هي نزعة تلقائية لكل كائن عضوي نحو المستوى صفر أي نحو الموت، إذن فالكائن الحي مجهز بشكل فطري بالعنف.
لكن هدا التفسير غير كاف، فالعنف وإن كان طبيعيا في الإنسان، و يمكن تفسيره عقلانيا فهل يمكن تبريره عقلانيا في نفس الآن ؟ بمعنى آخر هل هو عقلاني؟ هل هو صادر عن العقل ؟ كما أننا يمكن أن نطرح السؤال هل هو فعلا فطري و أساسي أم أنه تابع لسبب آخر هو مصدره ؟ إنه ثانوي بالنسبة لسبب أساسي .(7)
أطروحة إيريك فروم:
العنف ليس معطى طبيعي أساسي ،فعلم الأعصاب وعلم النفس الحيواني يبينان هده الحقيقة كما يؤكد على دلك عالم النفس الأمريكي( فروم ) ، إذ أن الحيوانات لا تكون عنيفة إلا في حالات معينة :
أ‌- عندما تعمل على الحفاظ على حياتها أو للصراع من أجل الغداء. وفي هده الحالة يكون العنف وسيلة فقط و ليس غاية .
ب‌- في حالة تعرضها للهجوم مع انعدام إمكانية الهرب بالنسبة إليها . وبهذا فالعنف هنا حالة دفاعية من أجل الحفاظ على الحياة . وبدلك فالعنف في هده الحالة نتيجة و ليس سببا ، ثانويا و ليس رئيسيا.
ت‌- العنف بين نفس النوع لا يؤدي إلى قتل الخصم ،وليس هناك تعذيب أو تدمير ،بل فقط تهديد يلعب دور التحذير فقط .
فالعنف في كل هاته الحالات وسيلة وليس هدفا وليست له أية قيمة في ذاته.(8)
أطروحة ستانلي ميلغرام:
كما استنتج عالم النفس الأمريكي ستانلي ميلغرام. من خلال تجربته الشهيرة حول (حدود الخضوع للسلطة) " على الرغم من أن النزعات العدوانية طبيعية لدى الإنسان، فلم تكن لها أية علاقة بسلوك المشتركين في التجربة ،بنفس الشكل الذي يحدد السلوك العنيف للجندي في الحرب، أو ربابنة الطائرات العسكرية الذين يطلقون وابلا من قنابل النابالم على القرى الفيتنامية... فالجندي يقتل بدافع الواجب: واجب الخضوع للأوامر العسكرية.فتعذيب الضحايا لا يجد مبرره في النزوعات العدوانية لدى الجنود ، ولكن من لأنهم مندمجون في بنية اجتماعية هم عاجزون عن الإستقلال عنها،متورطون فيها بشكل يتجاوز قدرتهم على الإنفلات منها ".(9)
كما أن العنف في هده الحالة مبرر لدى من يقوم به ، بل محتاج إلى تبريره : سواءا تحت راية حب الوطن، الواجب، النتائج في حالة رفض القيام بما يطلب منه...إلخ .
وقد بينت تجربة (حدود الخضوع للسلطة) أن الأشخاص الدين ينتمون لأصول اجتماعية محضوضة و الدين يحضون باعتراف اجتماعي معرفي ( دبلومات جامعية مثلا...) رفضوا الخضوع لأوامر القائمين على التجربة وإعطاء الأوامر لإطلاق الشحنات الكهربائية القوية والتي قد تؤدي إلى الموت، فقد كانت لهم الإمكانيات و بالتالي القدرة على الرفض، أي كانت لهم القدرة على مواجهة البنية الإجتماعية الضاغطة.
ما تعلمنا إياه تجربة "ميلغرام" ,هو أن الظروف التاريخية و الإجتماعية محدد أساسي لظهور العنف ،وبالتالي فيكفي نزع جذور العنف الإجتماعية لكي نجتث العنف من أساسه ، مما يطرح السؤال : كيف نقضي على العنف؟ وما هي الوسائل للقضاء على العنف ؟ وهل يمكن أن نلجأ للعنف كوسيلة لاجتثاث العنف وتحييده ؟ بمعنى آخر هل يمكن أن نستعمل العنف للوصول إلى أهداف يحددها العقل ذاته، ؟ أن يكون العنف في خدمة العقل. أي في خدمة إقامة عالم أكثر إنسانية ،وأكثر عدالة .(10)
أما المحور الثاني فإن تصورات المفكرين لعلاقة العنف بالتاريخ جاءت بالشكل الأتي:
تبرز فكرة العنف عنه كارل ماركس في الصراع الطبقي عبر تضارب مصالح طبقة بورجوازية مالكة لوسائل الإنتاج, وطبقة أخرى مهيمن عليها لا تملك سوى جهدها العضلي.
ويرى ماركس أن هاتين الطبقتين كانت في صراع دائم تقضي إحداهما على الأخرى أو ينتفيان معا. وأنه منذ العصور القديمة كان المجتمع مقسم إلى طبقات متمايزة حسب سلم تراتيبي, وحتى المجتمع البورجوازي نفسه لم يأتي بالجديد وإنما خلق ظروفا جديدة للاضطهاد. أما روني جيرار فيرجع نشأة المجتمعات إلى صراع الرغبات وتصادمها, وبالتحول من حالة الصراع والعنف إلى حالة السلام يكون المجتمع قدم بآلية التضحية (كبش الفداء) الذي حول الوسيلة لمنع تصاعد العنف الذي سببه التنافس المتسم بالتقليد.(الكتاب المدرسي المباهج).
يعرض فريدريك انجلز دور العنف في التاريخ البشري, ويرى أنه ليس هو محرك التاريخ ويقدم لنا العلاقة التي تجمع بين العنف الاقتصادي والعنف السياسي, إذ يرى أن هناك عنف اقتصادي وعنف سياسي, ويؤكد أن العنف الاقتصادي هو الذي يحدد العنف السياسي لأنه هو الذي يؤدي إلى تطور المجتمع.
ففريدريك انجلز يؤكد ارتباط العنف بتطور النظام الاجتماعي والاقتصادي.
يقوم التصور الفرويدي لمسألة العنف على النظرة التالية, أن الحق ما هو إلا نتاج للعنف, فإذا كان ينظر إلى الحق والعنف على أنهما متعارضين, فإن النظرة التاريخية التحليلية مع فرويد تؤكد أن الحق نشأ مع العنف وبأنهما غر متناقضين فالحق أو القانون حسب فرويد ضرورة أساسية تصحح العلاقات بين الناس, فالناس يتحدون فيما بينهم من أجل التعايش و التساكن (الكتاب المدرسي الرحاب).
يرجع هوبز العنف في الطبيعة الإنسانية إلى ثلاثة مصادر هي التنافس,الكبرياء, ثم الحذر كوسائل يلجأ إليها الإنسان قصد تحقيق المصلحة والمنفعة.
ويخلص هوبز إلى أن لهذه المصادر غايات تنشدها, فغاية التنافس هي إرادة السيادة على الآخرين, وأن غاية البحث عن الأمن هو الدفاع عن مكب السيادة, وغاية الكبرياء هو تجنب الاحتقار.
ويتجاوز هوبز النظرة التقليدية للحرب والتي يكون القتال فيها فعليا إذ تظهر حرب خفية تتوارى عنه وجود السلطة وبالتالي فالإنسان في حالة استعداد دائم للحرب.
ينطلق فارنييه وتولرا من تصور انتروبولوجي نقدي لأشكال النزعات سواء أكانت داخلية أو خارجية على أنها تخضع لتقنين من حيث الأهداف والوسائل, والثانية يستباح فيها كل شيء على أنه قول قاصر, إذ نتجت الشواهد التاريخية تؤكد هذا التصور (الحروب الداخلية الأوروبية).
وينتهي فارنيه في تحليل لإشكالية العنف إلى أن النزعات المسلحة ليست هدفا بل هي نتاج للتوتر الاجتماعي .(الكتاب المدرسي المنار).
يتضح لنا أن العنف لعب دورا أساسيا في التاريخ, إن على مستوى تنظيم العلاقات الاجتماعية وتوزيع الخيرات وتحديد وضبط الأدوار حيث أن أثر العنف يظهر بكل وضوح على مستوى التطور الاقتصادي, وأيضا في نشأة فكرة الحق. ومن هذا فإننا سنقوم بالوقوف على كل من تنظيرات روني جيرار وتوماس هوبز و كارل ماكس لمعرفة علاقة العنف بالتاريخ البشري.
ترتكز نظرية روني جيرارعلى حدس رئيسي: وهو أن الرغبات الإنسانية هي رغبات تخضع لقانون المحاكاة، أي أنها رغبات محاكاتية، أو بمعنى آخر أنها رغبات تتجه نحو موضوعات يرغب فيها الناس الآخرون أيضا. وكلما كانت رغبة الآخرين قوية وشديدة كانت رغبة الأنا أيضا قوية وشديدة. وفي خضم هذا التنازع يمكن أن يأتي حين تكون فيه رغبة الآخر في الشيء أهم بالنسبة من الموضوع المرغوب فيه نفسه: وعندئذ يصبح التنافس صراعا شخصيا وتتنامى احتمالات اندلاع عنف مفتوح. إن الصراع الإنساني هو بالأساس نتاج للتنافس. لدى الحيوانات نجد أن الصراعات الناتجة عن التنافس، كالتنافس الجنسي مثلا، تجد حلها، على وجه العموم، عن طريق فرض علاقات سيطرة: فالحيوان الأضعف يخضع للحيوان الأقوى، وينتج عن ذلك استتباب نظام تراتبي مستقر إلى حد ما. أما لدى بني الإنسان فالأمر لا يسير بالطريقة نفسها: ذلك أن الناس لا يخضعون تلقائيا. بل يقومون بأعمال عنف لا تنتهي داخل النوع. وهكذا يمارسون الانتقام المؤجل ويجعلون منه، عبر التقليد والمحاكاة، قضية الجماعة. إن العنف الإنساني إذن عنف معدي: فهو ينتشر في الجماعة من فرد لفرد. وهذا ما يسمى «أزمة المحاكاة» والتي يمكن أن تؤدي إلى قيام مذابح جماعية. وإذا ما نظرنا إلى هذه المسألة من وجهة نظر التطور، فإنها لن تبدو سمة ملائمة أو جيدة. بالفعل فعلماء المستحاثات البشرية paléoanthropologues Les يفترضون اليوم أن العديد من المجموعات الإنسانية أو القبل إنسانية ربما تكون قد اختفت فقط نتيجة للعنف الممارس بين بني البشر. وربما كانت استمرارية الجنس البشري وبقاءه مهددين لو لم تكن هناك ميكانيزمات وإواليات لإيقاف دورة الانتقام أو الأزمة العنفية.
وتنظيرات روني جيرار للعنف ثلاثة جوانب :
الجانب الأول هو التنظير لدور العنف في التاريخ وفي سيرورة المجتمعات. وإذا أردنا أن نلطف العبارة فلنقل "سيرورات "، لأنه يصعب على أي كان أن يرصد في نظرية عامة دور العنف تاريخيا وفي المجتمعات الإنسانية. وعلى كل حال، ركز روني جيرار، في هذا المجال أبحاثه، على ما هو معروف ومؤرخ له في مجتمعات عتيقة، وخصوصا في الحضارة اليونانية. وهنا تبقى أمثلته محدودة بالمجال الحضاري المرجعي لنظريته، أما بالنسبة للمجتمعات الأخرى البعيدة عن هذا المجال الحضاري و المختلفة عنه و التي درست من طرف الأنثربولوجيين، فإن نظرية روني جيرار تبقى محدودة. و قد بينت كيف أن تلك الأبحاث الأنثربولوجية تفند الفرضية القائلة بالعنف البدائي المعمم، و كيف أنها ترى أن لا أساس لها من الصحة. (11)
الجانب الثاني: هو دفاع النظرية عن وجود العنف وحضوره في جميع المجتمعات والثقافات. و هذا، طبعا، أمر بديهي. و يمكن تلخيص أطروحة روني جيرار، على هذا المستوى، كما يلي: يسود في البداية، داخل الجماعة عنف معمم ودائم، لهذا فهو من صنف العنف الداخلي، أي ذلك العنف الذي يسكن في النفسية الفردية و الجماعية. ثم تظهر عادة التضحية بشخص ( عادة ما يكون أجنبيا أو غريبا أو أسيرا) تنسب له الجماعة جميع المساوئ والشرور، و جميع الخروقات التي يعرفها المجتمع، و التي يعتقد الناس أنها تهدد كيان المجتمع ( عبر تهديدها للمعتقدات والممارسات المتداولة والمقدسة)، إضافة إلى هذه الخروقات، قد تلصق الجماعة بذلك الشخص الكوارث والأهوال، كالأمراض والمجاعات، و الفياضانات، و الزلازل، و الانهزامات الخ. فيطرد المجتمع ذلك الشخص من المجتمع وينفيه أو يقتله...
يتعود الناس لا شعوريا على هذه "اللعبة" تعودا تاما، و يتم، في زمان ما، استبدال الضحية البشرية بأضحية من الحيوان المدجن، و هو عند روني جيرار "كبش الفداء" أو الذبيحة
أو كما يسميها جيرار الأضحية ويجب التمييز، هنا، بين "لعبة" الأضحية الموجودة والشائعة سواء في الثقافات القديمة أو الجديدة، وبين رصد تكوينها كما تم و كما يأتي به جيرار. و هو ما يطرح إشكالات و تخمينات يصعب على الباحث قبولها كما تطرقت إلى ذلك. (12)
الجانب الثالث: وهو الخاص بكيفية تعامل الثقافات مع مشكل العنف. وهنا نتفق مع جيرار على أن الدين هو المؤسسة الأولى ذات الأهمية القصوى في هذا المجال. فالدين هو أساسا تعامل مع العنف، حيث يوجهه إلى الأضحية أو القربان، وفي نفس الوقت يجعل الإنسان يعترف بذنب العنف ويخترع مؤسسات تبعده منه (العنف). وينبع هذا الطرح من أطروحات فرويد. و يذهب جيرار إلى أن هناك "لعبة" لأن المؤسسة الدينية التي تلعب الدور الأهم في هذا المجال هي مؤسسة الأضحية وتقديم الأضحية استعمال للعنف، و لكنه، في نفس الوقت، "يلعب به" كما نقول في العامية المغربية، فيعدمه ويرسم طرقا أخرى للقوة الكامنة فيه، غير الطرق التي تؤدي إلى تخريب الثقافة والمجتمع. و يتعرف جيرار في المسرح التراجيدي وفنون أدبية أخرى على نفس الدينامية التي تعرف عليها في التضحية بالأضحية الخ. لكن هناك عدة مشاكل يخلقها هذا الطرح. (13)
أما مفهوم العنف عند (هوبز) فيرتبط بما يطلق عليه (حرب الجميع ضد الجميع)، وهو يزعم ان هذه الحرب، التي تعكس الحالة المعيارية للطبيعة البشرية، تساعدنا على فهم تعبير (العنف) على حقيقته، ولكي يدعم (حتميته) هذه، فهو يضع فرضيات أربعة يقترحها لتفسير العنف. ويستشف من هذه الفرضيات، الطابع السيكولوجي في نموذج ( هوبز)، إذ يمكن للباحث أن يتلمس ملامح السيكولوجيا، في مفهوم العنف عند هذا الفيلسوف. وهذه الفرضيات هي كالآتي :
الفرضية الأولى: أن سلوك الناس إنما تحركه مجموعة من الرغبات تكون مشتركة بينهم جميعا.
الفرضية الثانية: يمكن أن توصف هذه الرغبات، بأنها رغبات (مستبدة) ولا هوادة فيها، وهي إما أن تظهر كبدائل عن (حاجات بيولوجية) جامحة، أو أن عمليات إشباعها تعمل على تجديدها تلقائيا.
الفرضية الثالثة: ان مصادر إشباع هذه الرغبات (الحاجات)، ترتبط عادة وفي الغالب بموارد (محدودة)، بما يجعل فرص إشباعها غير متاحة للجميع وبشكل مطلق.
الفرضية الرابعة: ان حالتي (الرغبة/الحاجة) و(قلة الموارد/الندرة)، تفرض تنافسا دائما بين الناس، بما يجعل (القوة) ضرورة" كبعد ثالث لحسم نتيجة التنافس، حيث ان هذه القوة، غير قابلة للاحتكار من طرف ما، وبما يكفي لفرض همينته على الطرف الاخر بصورة (دائمة)، فان عدم استقرار (التنافس بين الناس)، سيكون هو الحالة المرجحة، بما يعرض كل واحد منهم لمخاطر حرب الجميع ضد الجميع. (14)
بينما وجد (ماركس) أن العنف هو سمة للحالة الاجتماعية التي أفسدها الاستئثار بوسائل الإنتاج، فالتنافس بين الناس ذو أصل اجتماعي، يتعلق بملكية وسائل الإنتاج، لذلك فإن الصراع ليس بين الجميع ضد الجميع كما ذهب هوبز وإنما هو صراع بين الطبقات (15)
وجدير بالذكر إن اهتمام (ماركس) قد انصب على العنف الثوري والذي يقع بين الأنظمة الاجتماعية والحضارية، وخلال تناوله للصراع ربط (ماركس) بين كل من التغير والصراع والعنف مؤكداً الدور الإيجابي الذي يؤديه العنف في حركة التاريخ، فالصراع يشير إلى وجود خلل في البنى الاجتماعية، أما العنف فهو شرط أساسي لتجاوز هذا الخلل ولإحداث التغيير فهو (مولد كل مجتمع قديم يحمل في طياته مجتمعاً جديداً كما أنه الأداة التي تحل بواسطتها الحركة الاجتماعية مكانها وتحطم أشكالاً سياسية جامدة وميتة) (16)
إن النموذج الماركسي، رغم طرحه بنية مشابهة لما تطرحه نماذج (هوبز) و (فرويد)، على الأقل فيما يتعلق بالمراحل البدائية (ما قبل التاريخ)، حيث (الندرة) و(الحاجات) المتجانسة و(التنافس) الجامح، هي نفسها عند ماركس كما عند الأخرين، إلا أن (ماركس) يطرح نموذجه بقدر عال من التفاؤل وهو ينأى به عن حتميته. إذ أن (العنف) عنده ليس من صلب الطبيعة ومفروغ منه، وعلى العكس من هذا فهو عنده سمة"، تفرضها الحالة (الاجتماعية) التي أفسدها (الاستئثار بوسائل الإنتاج). وهكذا فان (التنافس) تفرضه محددات اجتماعية، يمكن السيطرة عليها عندما يتم تغيير (علاقات الإنتاج)، وحيث أن التنافس بين الناس، يعبرعن نفسه من خلال (قواعد مؤسساتية)، ترتبط بمكافأة العمل (الأجور)، وتحديد الربح (فائض القيمة) وتملك وسائل الإنتاج، فان الحديث عن (حرب الجميع ضد الجميع)، ينبغي أن يستعرض عنه بالحديث عن (الصراع الطبقي). ويرى ( ماركس ) انه عندما يتم حسم هذا الصراع، بنزع الملكية من المالكين السابقين، فان (العنف) الذي أدمى البشرية منذ مرحلة (ما قبل التاريخ الإنساني)، سيختفي عندما تختفي أسبابه. ولعل الرؤية الماركسية لظاهرة العنف، النابذة لحتميته والموحية بالتفاؤل في التعاطي معه، تقترب في هاتين السمتين (حصرا)، مع الكثير من المدارس السيكولوجية الأخرى، سواء منها التقليدية أو المعاصرة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فان أصحاب الاتجاهات (السلوكية) ينظرون للعنف بعدّه مشاكل خارجية ترتبط بتاريخ التعزيز الشخصي للسلوك.
أما المحور الثالث والأخير فمواقف الفلاسفة حول مشروعية العنف كانت كما يلي :
يرى ماكس فيبر بضرورة احتكار الدولة للعنف, باعتباره شرطا أساسيا لبقائها والمحافظة على النظام, لكن هذا العنف الذي تمارسه الدولة يبقى وسيلة فقط من أجل الحفاظ على الأمن العام والنظام.
لكن إلى جانب العنف, فالدولة تلجأ إلى وسائل أخرى سلمية مثل الإقناع والتفاوض والحوار.
يرى غاندي أن اللاعنف لا يقتصر على غياب الإرادة السيئة اتجاه كل ما يحيا, بل يتعداه إلى الإرادة الطيبة اتجاه كل ما يحيا وهذا هو في نظره هو اللاعنف الفعال.
وحدد غاندي السمة الأساسية للعنف في النية العنيفة أي الرغبة في إلحاق الأذى وقد لاحظ أن العنف لم يفد الإنسانية في شيء, و دعا إلى الجمع بين الحب ومعارضة الشر, فهو ليس تخليا عن الصراع ضد الشر بل العكس كفاح وصراع فعال ضده. .(الكتاب المدرسي المباهج).
يرى كانط أن التمرد والعصيان جريمة في الحكم الجمهوري, ويستند القول لديه على السلطة المطلقة للدولة التي تضمن أساس الحكم واستمراريته, ويذهب إلى أبعد من ذلك أن سلطة الحاكم لامشروطة, حتى ولم تم خرق القانون وفقدان السلطة المشروعة في نظر الرعية, فذلك لا يمنع للرعايا حق المعارضة ومواجهة عنف بعنف مضاد وسبب ذلك وجود دستور يمنع حق الشعب في التشريع.
في حين يقدم ايريك فايل تصور خاص حول علاقة الفلسفة والعنف إذ يعتبر أن العنف ليس له معنى بالنسبة للفلسفة وأنه يمثل مشكلة للفلسفة, هذه الأخيرة لا تمثل أي مشكل للعنف.
فالفلسفة توجد دائما مادام هناك عنف قائم وهنا يجد الإنسان نفسه في وضعية الاختبار, إما أن يختار العنف المدمر أو الخطاب المتماسك والمعقول. والفلسفة بذلك تختار اللاعنف (الكتاب المدرسي الرحاب).
حدد ماكس فيبر ثلاث أنماط للسلطة التي يمكن من خلالها ممارسة العنف الشرعي تتمثل الأول في السلطة التقليدية التي تقوم على التقاليد المقدسة التاريخية التي درج الناس على احترامها وطاعتها, والثانية السلطة الكارزمية التي يتفرد بها شخص ما ويحض بثقة الجماهير نتيجة تجمع عدة صفات في شخصه, وقد يكون زعيم أمة, أو زعيم حزب سياسي كبير أو خطيب مشهور.
أما الثالثة فهي السلطة التي تقوم على الشرعية والصلاحية القائمة على العقلانية أي السلطة المبنية على الطاعة التي تؤدي الواجبات المطابقة للوضع القائم.
في حين يوضح رالف لنتون أن المنازعات التي تحدث بين الناس لا تتخذ الجماعة إجراءات للحد منها إلا قبل أن يستفحل أمرها.
وبفضلها يتم الحد أو التقليل من أعمال العنف, وتعتمد في صياغتها لدرجة كبيرة على موقف المجتمع إزاء الإساءة المرتكبة, إذ هناك من المجتمعات ترى في العنف وسيلة لفك النزاعات بشرط ألا يؤدي إلى أذى بالغ ( التركيز على النزاهة), في حين ترفض مجتمعات اللجوء تماما إلى العنف.
ينطلق جوليان فروند في شرحه لمشروعية العنف عند ماكس فيبرمن أن الدولة ما هي إلا تجمع سياسي واحتكار للعنف المادي المشروع.
إضافة إلى هذه الميزة النوعية فإن لها سمات أخرى مثل عقلنة القانون وفصل السلط, وإنشاء سلطة هدفها ضبط الأمن العام, كما أنها تعتمد على إرادة عقلانية تسمح لها التدخل في ميادين عدة كالتربية والصحة.
كما أن استخدام العنف المشروع كان من حق تجمعات سياسية أخرى مثل الأسرة...
فلم يكن عبر العصور لأي تنظيم سياسي الدقة المؤسسية للتنظيم السياسي لدى الدولة الحديثة. (الكتاب المدرسي المنار).
هكذا نجد بأن العنف تتأسس مشروعيته إذا كان يؤسس اللاعنف ويضمنه, وذلك عبر عدة وسائل كالحوار مثلا...الخ
إذ هناك علاقة تبادلية بين الحوار والعنف، بمعنى أنه كلما كان الحوار نشطاً وإيجابياً كلما قلت نزعات العنف، وكلما انسدت قنوات الحوار أو ضاقت أو تقلصت لما ازدادت نزعات العنف.
إذن فالأصل أن العنف مرفوض وحيث شرع إنما شرع لإزالة العنف والقضاء عليه، هذا في سياق المجتمع وفيما يتعلق بالعنف الداخلي بين أفراده، أما عندما تتعرض أي جماعة لعنف خارجي يستهدف وجودها أو أرضها أو أي من حقوقها فقد اعتبر العنف وسيلة من وسائل رد ذلك العدوان وضمان عدم تكراره.
هكذا علينا أن لا ننسى، أيضا، أنه إذا كان إشكال العنف، بالنسبة لبعض الفلاسفة، و إلى زمن قريب، إشكالا تنتهي معالجته بالتفاؤل، إذ اعتقدوا في إمكانية التخلص منه والقضاء عليه. فإنه علينا الاعتراف بأن هذا إشكال شائك جدا، لأن التشخيصات الأنثربولوجية تسير في اتجاه تأكيد استحالة التفاؤل بخصوص هذا الموضوع.
فإذا أخذنا مثلا، تطاحن الأنا والآخر، في نظرية هوبز، فإن هذا التطاحن يصبح مكونا من مكونات الطبيعة. ويكون الخروج من حالة الطبيعة إلى حالة المدنية بالقضاء على العنف أو بالحد منه. و في هذا الإطار، تمارس الدولة حسب منظوره عنفا أقوى من عنف الفاعلين، لأنه عنف متفق عليه. و قد تطورت هذه النظرية لتعكس طموحا للخروج من حالة العنف، وترسم الدولة كمثال للمجتمع و كتركيب أعلى، يجسد العقل في التاريخ، و تفرض فيه الجدلية حدودا على العنف باسم العقل. وطبعا، فالرجوع إلى هوبز وليس إلى هيغل يبقى العنف ظاهرة مفتوحة ومعقدة. ومن الأحسن التفكير فيه بجدلية مفتوحة ولا متناهية، وليس بجدلية تنتهي بالانسجام التام، أو بنوع من التفاؤل الذي لا تستطيع الأنثربولوجيا قبوله. (17)
يقدم غاندي نفسه طوال حياته كـ"طالب للحقيقة". فمن خلال طلبه هذا اقتنع بأن درب اللاعنف وحده يمكن أن يقود إلى اكتشافها – حتى آل به الأمرُ إلى التأكيد أن اللاعنف هو التعبير عن حقيقة الإنسان. ففي نظره، عندما يحقق الإنسان فريضة اللاعنف في حياته فإنه يتمِّم إنسانيته بوصفه كائنًا عاقلاً و روحيًّا, لهذا فإن اللاَّعنف هو مطلب للروح ينفتح على التعالي والعالمية. (18)
وأمام مأساة العنف، ولاإنسانيَّته، و عبثيته، تبين عدم جدواه ، بدافع الواقعية إن لم يكن بدافع الحكمة، لأننا نستوعي بداهة اللاعنف.
وفي النزاعات التي تجزِّئ البشر والجماعات وتؤلِّبهم بعضهم على بعض، ليس العنف جزءًا من الحل، بل هو جزء من المشكلة. لا، ليس العنف هو الحل، بل هو المشكلة. فكيف يمكن، بناءً على ذلك، حل مشكلة العنف؟ ما بيَّنه لنا غاندي هو أن اللاعنف هو قطعًا الحل الأفضل لمشكلة العنف.
إن "لا" اللاعنف ليست لا نافية: إذ ليس المراد منها نفي واقعية العنف. و"لا" اللاعنف ليست لا إذعان: إذ ليس المراد منها الإذعان لظلم العنف. "لا" اللاعنف هي لا مقاومة: فالمراد منها هو مقاومة العنف.
ليس بمقدور العنف إلاَّ أن يهدم الجسور ويرفع الجدران. أما اللاعنف فيدعونا إلى تقويض الجدران وبناء الجسور. لكن بناء الجسور، لسوء الحظ، أصعب من بناء الجدران.
لكن غاندي بيَّن لنا أن العنف ليس قضاءً محتومًا. إذا شئنا، فإن في اللاعنف شفاءً للإنسانية من مرض العنف (19)
فالذي يستعمل العنف و ينجح فيه من خلال وصوله إلى أهدافه يصبح بالنسبة إليه وسيلة دائمة لحل مشاكله ويتحول بسهولة من وسيلة إلى هدف ،ويتحول إلى سجين لوسائله، فكل الأنظمة السياسية التي عرفها العالم الحديث والتي تم فيها الوصول إلى السلطة بالعنف انتهت إلى ممارسة الحكم من خلال العنف وانتهت بطريقة عنيفة إلا استثناءات قليلة جدا تحكمت فيها ظروف تاريخية ساهمت في الخروج من دائرة العنف الجهنمية. وكما يقول ليون تروتسكي " عليك أن تزرع الحبوب الجيدة إدا أردت أتحصل على حبوب جيدة ،(20) و" الهدف في الوسيلة كما الشجرة في البدرة" كما عبر عن ذلك المهاتما غاندي.
و حدد كانط الإنسان باعتباره غاية في ذاته ويمتلك قيمة مطلقة ،وبالتالي كرامة و احتراما، فلا يكمن للإنسان أن يكون له سعر ولا يمكن أن يكون وسيلة لغاية أخرى خارجة عنه ، الأشياء تمتلك سعرا أما الإنسان فيمتلك كرامة . وعندما نعذب الإنسان من أجل الإعتراف أو مدنا بمعلومات نكون قد استعملناه كوسيلة من أجل الحصول على المعلومات ، وبالتالي سحبنا منه ما يجعله أنسانا أي كرامته و حريته و إرادته . فالعنف في النهاية هو المس بحرمة الإنسان الجسدية و النفسية و الوجدانية ضدا على حريته و كرامته. (21)
لقد أصبح العنف في مطلع الألفية الثالثة جزءا منا وبعدا من أبعادنا، كما أن تذوق العنف جماليا لم يعد بالأمر الشاذ، ناهيك عن أن الإبداع الفني وجد في العنف ضالته، ومجالا من أخصب المجالات والموضوعات ربحية. ولأن العنف أداتي.. فإن كل تقدم علمي وتكنولوجي يبدو وكأنه ألتحم بمسيرة العنف.
والعنف في العالم المعاصر لم يعد دليلا علي همجية السلوك الإنساني أو تخلف المعرفة الإنسانية، بل أصبح إبداعيا، يتطلب درجة عالية من الابتكار المدمر، كما يستلزم درجة متقدمة من التفكير العقلاني.
ويبدو أن خصوصية عصرنا هي التي أبرزت هذا الكم الرهيب من العنف الكوني : العنف الذي ينتقل من الحقيقة الي المجاز، من الواقع الي الصورة. وكما لاحظ عالم الاجتماع الفرنسي " بيير بورديو " أن القوى المهيمنة بوسائلها المعلنة أو الخفية " الميديا " تمارس الزيف وكافة أشكال العنف الرمزي عن طريق ثقافة الصورة ، وهي الأخطر في عصرنا. أن ثقافة الصورة تتلاعب بالعقول، وتشكل الوعي المسطح، وتحول المجتمعات والبشر إلى مجرد دمى في يد القوى الخفية والآلهة الجدد للإعلام. (22)
وعبارة "إن كان يدمي، فسيقودنا الي مكانه". هي وصف مختزل لميل وسائل الإعلام الي تقديم العنف بطريقة تثير المشاعر، سواء كانت تلك القصص تستحق ان تكون أخبارا أو حتى تتميز باتجاهات دالة أم لا.
فقد تضافر كل من "العنف الترفيهي" و"العنف الإخباري" علي إغراقنا في دوامة العنف. والمقصود بالعنف الترفيهي هو ذلك الذي يظهر في البرامج الترفيهية كالمسلسلات والأفلام وتستخدمه شركات الإنتاج بهدف جذب المشاهد من خلال الإثارة ودغدغة الأحاسيس السطحية كما يصفها البعض.
وكم كان الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه مصيبا حين قال : انه لأمر مرعب حقا ان ينتقم المرء بنفسه لمبدأه الخاص. فما يحصل الآن من أعمال عنف ليس إلا انتقاما، في كل ما يضمر الانتقام من معان: فرد ينتقم من الجماعة، جماعة تنتقم من السلطة، سلطة تنتقم من الأعداء(المعارضين ) ولم يعد الالتجاء إلى العنف قادرا علي إنهاء العنف نفسه.
صحيح أن الأفكار الكبيرة التي رسمت إطارا فلسفيا للعنف انتهت مثلما انتهى جزء من التاريخ، القديم والحديث، لكن انتهاءها لم يعن أبدا انتهاء العنف في صورته اليومية أو الملموسة والمفترضة: العنف الذي تحتكره السلطة، العنف الذي يحرق الأيدي التي تمارس العنف بدورها. العنف الحقيقي الذي يحرر، العنف المزيف الذي يلغي صورة الآخر.
غيران الطابع الإشكالي والنقدي للفلسفة يحتمان إعادة النظر في كل شئ، وفي كل قضايا الحياة، وبالتالي إخضاعها للمساءلة. والفلسفة، كذلك التزام لأنها اندماج وانصهار في كل ما من شأنه أن يساهم في صيرورة الحياة، من أجل الانطلاق بها الي فضاء أرحب وأوسع.
من هذا المنطلق، لا تزال الفلسفة تقف ضد جميع ضروب العنف , هذا الأخير يجهض حركية الحياة ويقضي علي طموح الإنسان في بلوغ الغايات النبيلة. والفلسفة تحارب العنف ليس لأنه مجرد سلوك فردي ينحصر في أخذ ثأر أو إنزال عقوبة أو قصاص، ولكنها تحاربه لان العنف - كما يقول ايف ميشو يوجد "عندما يحطم واحد أو عدد من الفاعلين شخصا آخر، مباشرة أو بصفة غير مباشرة، دفعة واحدة أو بالتدريج، أو يمسهم في كيانهم الجسمي أو النفسي، أو في ممتلكاتهم، أو في انتماءاتهم الثقافية أو الرمزية المختلفة. (23)"
والفيلسوف ضد العنف لأنه، كما يقول (إريك فايل) "سلوك لا عقلي يهدف إلى النيل من كرامة الإنسان ومن إنسانيته. إن الفلسفة ضد العنف لأنه يقوم على كل الأفكار السلبية التي تحاربها كالتسلط والظلم والبؤس والشقاء والحرمان.... الخ (24).
 
ولان العنف ، اليوم، أصبح سلوكا ممنهجا يهدف إلى إخفاء أبعاده وخلفياته وبالتالي إخفاء أساليبه وآلياته، أو كما يقول "ميشو": "إن ما يميز العنف المعاصر عن أشكال العنف التي عرفها التاريخ، هو التدخل المزدوج للتكنولوجيا والعقلنة في إنتاجه"..... فان ذلك ما يجعل العنف سلوكا لاعقلانيا أنتجه العقل. (25)
إن خطر العنف، في أن الوسيلة تغلب الغاية. فضلا عن أن الغاية لم تعد تتناسب مع الوسائل المستخدمة، ونجاح العنف معناه إدخال ممارسة العنف في صلب الجسم الاجتماعي والسياسي ككل، مما يعني عدم العودة للوضعية السابقة. إن ممارسة العنف، مثل كل فعل آخر، من شأنها أن تغير العالم، لكن التبدل الأكثر ترجيحا سيكون تبدلا في اتجاه عالم أكثر عنفا ودموية.
إن رهان فهم العنف ما يزال قائما بقوة, و دور الفلسفة الأساسي, هو الاستمرار في إدانة العنف في جميع أشكاله بوصفه تهديدا للعقل والمعنى, وضد الخطاب بالتالي ضد الترابط الاجتماعي للإنسان.
 
 
الحق و العدالة
 
محاور الدرس
1) الحق بين الطبيعي و الوضعي.
2) العدالة كأساس للحق.
3) العدالة بين الإنصاف و المساواة.
 
· الدلالات .
 
تعد العدالة واحدة من أكثر الموضوعات قدسية وشيوعا في السلوك الاجتماعي، ويمكن أن تتخذ وجوها متضاربة جدا حتى ضمن المجتمع الواحد.
فمن الناحية التاريخية، يعود إنسان وادي الرافدين أقدم مشرعي أحكام العدالة، ÿÿ إذ أن اÿÿ1604;شرائع العراقية القديمة تسبق أقدم ما هو معروف منن شرائع وقوانين في سائر الحضارات الأخرى، كالفرعونية والإغريقية والرومانية بعشرات القرون، فقد وضع الإنسان العراقي القديم تصوراته لموضوع العدالة والظلم في صميم نظرته للآلهة والكون والإنسان. فارتبطت العدالة بالنظام مثلما ارتبطت قيم الخير كلها به، وارتبطت بنشاطات الحياة المختلفة، فقد عدها إلها للحق والعدل، ومزيلا للغموض وكاشفا للحقائق، فإله العدل هو إله المعرفة نفسه، فكان العراقيون يحتفلون في العشرين من كل شهر بعيد مكرس لإله العدالة " شمس " الذي أنجب ولدين هما " كيتو " و " ميستاو " أي العدالة والحق.
غير أن هذه التمثلات ظلت خدمة للإله من طرف الإنسان، أما فكرة " أن العدالة شيء عن حق كل إنسان " فلم تأخذ في التبلور إلا في الألف الثاني ق.م، وهو الألف الذي ظهرت فيه شرائع حمورابي. إذ يذكر هذا الملك البابلي الذي تولى الحكم خلال المدة ( 1792- 1752) ق.م. في مقدمة شريعته : " إن الآلهة أرسلته ليوطد العدل في الأرض، وليزيل الشر والفساد بين البشر، ولينهي استعباد القوي للضعيف، ولكي يعلو العدل كالشمس، وينير البلاد من أجل خير البشر، ويجعل الخير فيضا وكثرة".
بعد ذلك أصبحت هذه المشكلة الأخلاقية بعناصرها الاستفهامية نقطة وحاولت الخوض في ماهية العدالة وغايتها وأساليب تحقيقها عمليا، ومن هنا جاءت تعددية أشكاها : العدالة الطبيعية، العدالة القانونية ، العدالة الاقتصادية، العدالة الاجتماعية...إلخ.
وإذا كان الاهتمام الفلسفي في مراحله الأولى قد اهتم وركز على المجالين الأنطلوجي، فإن الفلسفة الحديثة والمعاصرة ستفكر في مفهوم العدالة والحق من زاوية سياسية، قانونية، أخلاقية .
أما مفهوم الحق فإنه يشير من الناحية اللغوية إلى اليقين والاستقامة والثبات، غير أن تنازله بشكل إجرائي وربطه بالممارسة العملية، يعطيه مكانة في اهتمامات الفكر الفلسفي الحديث والمعاصر فقد اعتبره" لالاند، في معجمه الفلسفي : معيارا أو قاعدة قانونية أخلاقية، تؤطر علاقات الأفراد فيما بينهم داخل مجتمع سياسي منظم، وذلك أن تنظيم الحياة في المجتمع حسب " كانط" هي التي تفرض " وجود تحكيم عادل ومنصف يطبق على المجتمع ".
وإذا أردنا تحديد بعض الأصول النظرية والتاريخية التي كان لها الفضل في تناول مفهوم الحق نشير إلى تراث بعض الحضارات القديمة وتعاليم الديانات الكبرى، وتطور الفلسفة السياسية والأخلاقية في أوربا مثل: نظريات العقد الاجتماعي، فلسفة عصر الأنوار، بالإضافة إلى صدور إعلانات ووثائق تاريخية إثر حدوث ثورات اجتماعية كبرى مثل : ثورة 1648، الثورة الفرنسية 1789، صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948...إلخ.
ويقترن مفهوم الحق بالعدالة، حيث لا يمكن الحديث عن أحدهما دون استحضار الآخر، الشيء الذي يدفعنا إلى الدخول في حقل استفهامي واسع نحدد بعض تساؤلاته كالتالي :
· هل العدالة فطرية وذات جذور في طبيعة الإنسان؟ أم أنها مكتسب حضاري ناتج عن المجتمع ؟ أي عن التعاقد الضمني بين الأفراد بهدف تنظيم التعايش الاجتماعي ؟.
· وإذا كانت العدالة هي تجسيد للقواعد القانونية والمعايير الأخلاقية بما هي" قيمة أخلاقية يتحدد بموجب هذه القواعد والمعايير، حيث لا يمكن الحديث عنه بمعزل عن أشكال تجسيداته داخل الدولة، فما هي علاقة الحق بالعدالة ؟ وهل يكفي القانون لضمان الحق والعدالة ؟.
 
المحور الأول : الحق بين الطبيعي والوضعي .
يؤكد الفيلسوف الإنجليزي TH ( 1588-1679) إلى كون الحق الطبيعي، يتجلى في الحرية التي يتمتع بها كل إنسان، ومادام كل إنسان يهدف إلى تحقيق مصالحه وأهدافه فإن النتيجة المترتبة عن ذلك هي نشوب حرب الجميع ضد الجميع.
فالحق الطبيعي بهذا المعنى هو حرية التصرف والفعل، وغياب الحواجز الخارجية ، التي تمنع الإنسان من فعل ما يريده، ويمكن أن تميز بين الحق والقانون هنا، إذ أن الحق يكمن في حرية القيام بفعل أو الامتناع عنه، في حين يعد القانون إلزاما بأحدهما - أما القيام بالفشل أو الامتناع عنه- إذ يختلفان بالقوة التي يختلف بها الإلزام عن الحرية.
إن أهواء الناس ميولاتهم المتناقضة والمتضاربة من شأنها أن تؤدي بالمجتمع الإنساني إلى العودة إلى حالة الفوضى التي كانت سائدة في حالة الطبيعة، فيقدر ما يحافظ كل واحد منا على حق القيام بما يريد بقدر ما نكون في حالة حرب، إن الحق يقتضي حسب هوبز وضع حد لحالة كانت سائدة في حالة " حرب الكل ضد الكل " وبناء على ذلك فإن العقل الإنساني بناء على قانون طبيعي أكشف قاعدة ضرورة التنازل عن الحرية المطلقة وتعايش الإنسان مع غيره حفاظا على سلامته وأمنه في إطار توافق اجتماعي .
وينطلق سبينوزا ( ق17) من نفس التصور الذي بنى عليه هوبز أطروحته: ( السمك الكبير يأكل السمك الصغير) أي أن قانون القوة يسير على جميع الموجودات والكاتبات حيث القوي يأكل الضعيف، وفي كتابه "رسالة اللاهوت والسياسة"، الذي درس فيه المجتمع المدني وأشكال الأنظمة وأسس المجتمع المدني، يرى أن الحق الطبيعي هو حق لا يخضع لأية ضوابط إلا ضوابط الذات، وتبعا لذلك يكون الكل موجود طبيعي حق مطلق على كل ما يوجد تحت سيطرته، ومن ثم يكون الحق بالنسبة للذات مطابقا لقدرتها.
إن سبينوزا وإن كان يبدو ظاهريا مع هوبز في موقفه ، إلا انه يلتقي معه في نفس التصور لحالة الطبيعة، إلا أن سبينوزا العقلاني يستبعد أن تكون هناك سلطة خارجية، لها القدرة على وصف حالة الطبيعة ، إلا سلطة العقل، وللتخلي عن حالة العنف والحرب يجب أن يتنازل الفرد في الحق الطبيعي عن طريق تعاهد حاسم.
إن الحق الطبيعي ليس له حدود، سوى حدود ذلك الشخص الذي يمارس ذلك الحق، لكن استمرار هذا الوضع و تشبت كل فرد بحقه الطبيعي سيؤدي إلى تعارض الحقوق والنهاية ستكون مأساوية، لهذا يرى سبينوزا أن العقل هو الذي يميزنا عن باقي الكائنات، هكذا فإن التعاقد السليم هو ذلك الذي ينبني على العقل والغاية من التعاقد هو الخروج من حالة العنف والقوة إلى حالة السلم والأمن والتعاقد بصفة عامة تحتم على الذات التحلي عن كبريائها وليحل ما هو أخلاقي محل ما هو غريزي،فحالة المجتمع أو حالة التمدن كما يسميها روسو (1712-1778) تجعل الإنسان يضمر ما هو أعظم، وهي الحرية الأخلاقية وأعراف الجماعة وبالتالي يكون الانتقال من حالة الطبيعة إلى حالة المدينة وهو انتقال من حق القوة إلى قوة الحق، أي من الاحتكام إلى القوة الطبيعية الفيزيائية إلى القوة القانونية التشريعية والأخلاقية، والقوة المشروعة في نظر روسو هي قوة الحق، لأن حالة التمدن التي يتحدث عنها تضمن للإنسان نفس الحقوق والواجبات، ومعها تنتهي الحقوق الإنسانية فيتم إقرار العدالة عن طريق عقد القوانين والاتفاقات التي تجمع بين الشمولية وكونية الإدارة وشمولية وكونية الموضوع.
وضمن نظرة عامة للسيادة أرسى روسو قواعد الاجتماع المدني على أساس الحرية والمساواة وتكريس حالة المدنية من خلال انتقال الإنسان من كائن حيواني إلى كائن إنساني ، فإذا كان العقد الاجتماعي قد أفقد الإنسان حريته الطبيعية الغير محدودة، إلا انه أكسبه ملكية جميع ما يقتنيه.
لكن إذا كان الحق يروم إلى العدل فإن القانون لا يرقى دائما إلى هذا المستوى لذلك فما هو قانوني أو مؤسساتي لا يكون بالضرورة حقا، هنا يطرح علاقة العدالة بالحق، كيف يمكن الاحتكام إلى الحق لتحديد ما هو عادل ؟
المحور الثاني : العدالة كأساس للحق.
يظهر مفهوم العدالة مرتبطا بمفاهيم أخرى خصوصا في المجتمع، وارتباطها بحقوق الإنسان وبالأخلاق ومن ثمة تطرح التساؤلات التالية نسفها : هل هناك فعلا عدالة ؟ أم أن العدالة مجرد مثال يصعب حقيقة الوصول إليه ؟ هل العدالة قيمة مطلقة أم نسبية ؟ و أخيرا ما هو البعد الأخلاقي للعدالة باعتبارها قيمة ؟
لقد كان السوفسطائيون من أوائل من عالجوا إشكالية العدالة، فكانوا يعتبرون الفرد مقياس كل شيء وعلى هذا الأساس اعتقدوا أن العدالة غير موجودة أو على الأرجح إنها مفهوم غامض وقيمة لا يؤمن بها الضعفاء، وقد أتت الأطروحة الأفلاطونية لتصحح الفكر السوفسطائي، علما أن أفلاطون لايؤمن بالمفهوم الديمقراطي للعدالة، حيث أكد أفلاطون بصريح العبارة أن العبيد واهمون حينما يعتقدون في المساواة لأن العدالة لا يمكنها أن تكون كذلك أبدا لأن الناس خلقوا غير متساويين بطبعهم، ومن ثمة فإن العدالة تتجسد عمليا في المجتمع إذا انصرف كل واحد إلى ما هو مؤهل له بطبعه، فيجب أن يكون التقسيم الطبقي للمجتمع متطابقا مع تقسيم قوى النفس، القوة الشهوانية، القوة الغضبية، والقوة العاقلة، والحكمة تقتضي أن تخضع القوتان الشهوانية والغضبية إلى القوة العاقلة لتصل القوة الغضبية إلى فضيلتها التي تتجلى في الشجاعة .
إن قيمة العدالة هي التي توجه قوى النفس وتضمن تراتبيتها باعتبارها فضيلة الفضائل، وعلى غرار ذلك لا يمكن أن تضمن مدينة مثالية في نظر أفلاطون دون أن يضم المجتمع ثلاث طبقات ( علاوة على طبقة العبد ) وهي : طبقة العامة وطبقة الجند وطبقة الحكام، وهم الفلاسفة الذين عليهم الانصراف إلى إدراك العدالة كقيمة عليا ترتبط بعالم المثل.
أما أرسطو وإن كان هدفه محاربة الفكر السوفسطائي، إلا أنه يختلف مع أفلاطون في تمثله للعدالة، حيث يرى أرسطو أن العدالة تتمثل نظريا في الوسط الذهبي ( لا إفراط ولا تفريط ) الذي يستطيع وحده أن يضمن الفضيلة، وعلى هذا تتأسس العدالة العملية التي تتجلى في توزيع الثروات بين الأفراد بطريقة رياضية تناسبية، بمعنى أن العدالة تقتضي أن يتقاسم الأفراد بينهم بطريقة عادلة الصالح والطالح، كما تتجلى في سن قوانين كفيلة بضمان الأمن والسكينة لسكان المدينة وتقوم العلاقات بين أفراد المجتمع على صداقة حقيقية ومثالية، لأن المؤسسة والقوانين لا يمكن أن تكون مصدرا للعدالة ما لم تكن مؤسسة على الطبيعة، ولن تكون هناك عدالة ما لم توجد طبيعة صانعة لها، من هنا ضرورة الفصل بين العدالة والمنفعة وهو فصل يؤسس لفضيلة مبنية على الحب والاحترام كأساس للحق، وفي هذا الصدد نجد " شيشرون " cioceron يؤكد أن هناك معيار أساسي للتمييز بين القوانين حيث يقول : " فلكي نميز قانونا حسنا عن آخر قبيح لا نتوفر عن قاعدة غير طبيعية "، وسيكون من باب الحماقة الاعتقاد بأن هذه التمييزات تقوم على الحب والإخاء، فأساس الفضائل هو حب الناس هو أساس الحق ومتى قام الحق على الطبيعة الخيرة للإنسان كان ملزما.
ويعتبر سبينوزا من الفلاسفة الذين تبنوا أطروحة الحق الطبيعي ودعا على تأسيس الحق الديمقراطي، وأكد أن هذا الحق يتلخص في أن لكل موجود حق مطلق في البقاء على وضعه، وليس هناك فرق بين الإنسان والكائنات الأخرى، فلذا كل الحق في أن يتصرف وفق ما تشتهيه وتمليه عليه طبيعته، فمن هو بطبعه ميال إلى " منطق الشهوة " يتصرف وفق هذا المنطق ( الغاية تبرر الوسيلة ) ومن ينزع بطبعه نحو " منطق العقل " فإنه يتصرف وفق هذا النزوع، لكن لكي يعيش الناس في وفاق وأمان كان لزاما عليهم أن سعوا إلى التوحد في نظام واحد، وذلك من خلال الخضوع لمنطق العقل وحده، وبالتالي كبح جماح الشهوة وهذا أمر لا يتناقض مع الحق الطبيعي باعتبار العقل جزءا منه، وسبينوزا ينظر للعدالة باعتبارها تتضمن حق كل واحد في الحفاظ على حياته ومصلحته بالتساوي.
كما تعتبر فكرة الحق الطبيعي القاعدة المطلقة لكل تشريع والنواة الحقيقية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان وقد شكل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مرجعا دوليا لما يحتويه من حقوق لا يجوز التصرف فيها ويتوخى منه أن يكون معيارا مشتركا تقيس به كافة الشعوب والأمم منجزاتها قصد التأسيس والاعتراف بحقوق الإنسان و.........، المبنية على العدالة والمساواة وعلى الرغم من الانتقادات الموجهة للإعلان العالمي الإنسان وما يتضمنه من حقوق لا يجب محاكمتها باسم تجريديتها وباسم ما هو كائن إذ تبقى هذه الحقوق على مثاليتها المعيار الذي تحاكم من خلاله الحقوق الفعلية المتاحة في الدول المعاصرة وتبقى هذه الحقوق المثال الذي تسعى الإنسانية إلى تحقيقه على أرض الواقع عبر إزالة كل العراقيل المناوئة لها
وإذا أردنا تناول قيمة العدالة كأساس الحق من منظور ليبرالي فلا يمكننا أن نمر دون التطرق لأطروحة فريديريك فون هايك الذي عرف السلوك العادل بأنه سلوك يكفل الحق في منظومة قانونية ، شرعية ، في إطار مجتمع تسوده الحرية حيث لا تعكس العدالة دلالتها إلى في نظام شرعي فالقانون الذي يستند على قواعد العدالة له مقاما استثنائيا لا يجعل الناس يرغبون في أن يحمل إسما مميزا فحسب بل يدفعهم أيضا إلى تمييزه بوضوح عن تشريعات أخرى تسمى قوانين ولعل مبرر ذلك يكمن في أنه لو شئنا الحفاظ على مجتمع تسوده الحرية فإن ذلك القسم من الحقوق الذي يقوم على القواعد العادلة هو وحده الكفيل بأن يكون ملزما للمواطنين ومفروضا على الجميع.
وفي نفس السياق يؤكد الآن أن الحق لن يكون عادلا ما لم يتم الاعتراف به من طرف السلطة القائمة ، إن عدالته مبنية على الاعتراف به وإلا حصل العكس حيث القوة تؤسس لحق طبيعي ، لكنه غير عادل ويدعم الآن موقفه ، هذا بأمثلة بسيطة من الواقع المعيش ، فحيازة ساعة ووجودها في جيب اللص ليس في أمر الملكية مطلقا ، ويؤكد الآن على المساواة كأساس للحق حيث ابتكر الحق ضد اللامساواة والقوانين العادلة هي التي يكون الجميع أمامها سواسية ، سواء كانوا رجالا أو نساء أو أطفالا أو مرضى أو جهالا أما أولئك الذين يقولون حسب الآن أن اللامساواة من طبيعة الأشياء فهم يقولون قولا بئيسا .
المحور الثالث : العدالة بين المساواة والإنصاف.
تدور الإشكالية العامة لهذا المحور حول تساؤل أساسي هو كالتالي: إذا كانت العدالة تهدف إلى خلق المساواة في المجتمع ، فهل بإمكانها إنصاف جميع أفراده؟
وللإجابة على هذه الإشكالية لا بد من مقاربة بعض المواقف الفلسفية التي تناولتها عبر تاريخ الفلسفة .
يرى أفلاطون(424-348ق.م) أن العدالة تتحدد باعتبارها فضيلة تنضاف إلى فضائل ثلاث هي: الاعتدال والشجاعة والحكمة ، فالعدالة حسب هذا الأخير هي أن يؤدي كل فرد الوظيفة المناسبة لقواه العقلية والجسدية والنفسية ، فهي (أي العدالة) تتحقق على مستوى النفوس حيث يحدث انسجام بين القوى الشهوانية والعقلية لدى الإنسان فالضامن الوحيد لتحقيق الفضيلة والعدالة هو الدولة التي تملك سلطة القانون والحكمة وتبعا لذلك فإن الوظائف التي تستدعي قدرات عقلية وانسجام الغرائز مع العقل ستكون من نصيب الحكماء والفلاسفة لأنهم هم القادرون على تحقيق الحق والعدالة
الشيء الذي سيختلف معه أرسطو( 384-322ق.م ) فالعدالة بالنسبة إليه لم تعد صفة من صفات النفس بل فضيلة مدنية والعدالة قد تلحقها أخطاء لذلك فإن الإنصاف وحده يصلح قوانين العدالة فالعدالة بالنسبة لأرسطو تقوم على مبدأين هما : المساواة والإنصاف : أي منح الأفراد ما يستحقونه بغض النظر عن القانون.
ما يمكن استنتاجه من خلال نموذج أفلاطون وأرسطو هو أهمية العقل النظري في تحديد الممارسة سواء عند أفلاطون في تصوره للعدالة من منظور رؤيته للخلاص أو عند
أرسطو في تصوره للحياة السعيدة فالحكيم الذي يكرس حياته للتأمل كان يخص بالتقدير والاحترام وينظر إليه كنموذج لأنه يمثل الطريق إلى تحقيق العدالة وتكريس الحق.
أما دافيد هيوم ( 1711-1776م) وهو (من رواد المدرسة التجريبية ) فإن العدالة بالنسبة إليه تفقد معناها عندما تكون غير ذات نفع، ويدعو إلى التصرف أكثر إنصافا من أجل مصلحة ما، حيث ما وجدت مصلحة وجدت العدالة مادام الإنسان يميل بطبيعتها إلى تحقيقها.
وهناك من يذهب إلى السخرية من العدالة لاستحالة تحقيقها، أما الإنصاف فيتحقق بفعل العرف الذي يعتبر بمثابة الأساس الروحي لسلطته وسببا في القبول به، هذا ما عبر عنه أحد المفكرين يدعى باسكال.
وابتداءا من الستينات وبداية التسعينات من القرن الماضي ستعرف نظرية العدالة كإنصاف انتشارا كبيرا.
وقد حاول " جون راولس " تطوير نظرية أرسطو فيما يتعلق بالعدالة، من خلال نقده للفلسفة النفعية وذلك من خلال إعطائه قيمة كبرى لفكرة الإنصاف في المجتمع متنكرا للمفاهيم البراغماتية للحق والعدالة التي كرستها فلسفة : الإنسان حر في تحقيق منافعه الخاصة ولو على حساب الآخرين.
ويعني الإنصاف بالنسبة لراولس،إعطاء كل فرد في المجتمع حق الاستفادة بالتساوي من الحقوق الأساسية واعتبر أن اللامساواة مقبولة عقليا على أرضية تكافؤ الفرص التي تسمح للأفراد بلوغ مراتب ووظائف عليا في المجتمع، هكذا يحكم راولس على المؤسسات السياسية والاجتماعية هل هي عادلة ؟ أم ليس كذلك ؟.
يظهر إذن أن الإنصاف باعتباره الضامن الوحيد للمساواة بين الأفراد فيما بينهم أساسي لتحقيق العدالة، ذلك أن هذه الأخيرة " يمكن أن تقع في أخطاء وتنحرف " وبالتالي فإن هذه القاعدة عندما تغدو مرجعية شمولية، آنذاك يتحقق الحق شرطا أساسيا لتحقيق العدالة ؟.
هذه النتيجة يمكن استنتاجها على أرضية نقد القانون الوضعي الذي يكون في أغلب الأحوال بعيدا كل البعد عن الحق والعدالة والمساواة بين الأفراد والجماعات، أي أن القانون الوضعي لا يكون دائما مرجعية للدفاع عن الفرد والجماعة ضد الدولة، فحتى يتسنى للحق أن يشتغل فعليا كقيمة مشتركة من أجل العدالة والمساواة والحرية، بين مختلف جماعات المجتمع الواحد، أو بين مختلف المجتمعات وحتى يمكن أن يكون بمثابة حس مشترك للحوار والتواصل، يعني أن يظهر كإطار مرجعي شمولي تكمله الحياة الاجتماعية للناس.
العدالة أساس الحياة الراقية، ولتحقيقها على الإنسان الالتزام بمبادئها القائمة على الحرية والمساواة واحترام حقوق الأفراد السياسية.
وذلك لا يعني البقاء في حالة الطبيعة، كما صورها هوبز، ولكن المسألة تقتضي الاحتكام إلى معايير تنسجم وطبيعة الإنسان ككائن متميز، عاقل، واع، منتج، فالظلم رافق الإنسان منذ بداياته، ظلم الطبيعة، وظلم البشر للبشر...، خصوصا عند ظهور الملكية التي أدت إلى استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، ولعل حلم الإنسان لتحقيق العدالة ليس وليد اليوم، ولكنه ضارب في تاريخ البشرية، نصادف في مساره ما يسمى قوانين حمورابي التي ستبلور مبدأ العدالة حق لكل إنسان.
فالتاريخ البشري يمكن النظر إليه بوصفه تاريخ الظلم وتاريخ الصراعات الدامية من اجل فرض معيار موحد للعدالة ولعل اختلاف المواقف والاتجاهات الفلسفية التي تناولت هذا الإشكال تعكس ذلك الرهان.
 
 
الواجب
 
محاور الدرس
1) الواجب و الإكراه.
2) الوعي الأخلاقي.
3) الواجب و المجتمع.
 
 
 
تقديم:
يتنزل مفهوم الواجب من الفلسفة الأخلاقية منزلة القطب من الرحى، فهو أحد المقولات الأساس التي انبنى عليها التفكير الفلسفي في الشق الأخلاقي إلى جانب أخرى من قيبل: السعادة و الحرية، و اللتان تتداخلان بدورهما مع الواجب، لتشكلا في نهاية المطاف نسقا منتظما، تتداخل معاني كل مفهوم في الآخر، بل قد لا يستقيم مفهوم دون الآخر، و لا تكتمل الصورة الدلالية لواحد إلا بالرجوع إل&ÿÿ610;هم ÿÿ0;ميعا.
غير أن الناظر المتمعن في مفهوم الواجب لواجد هو نفسه يتراوح ما بين عدة مقاربات و تصورات راجعة هي إلى اختلاف زوايا نظر كل فيلسوف، و محلل نفسي، و عالم اجتماع، و اختلاف زوايا النظر ينصرف هو الآخر غلأى مجمل المفاهيم التي تشكل حجر الزاوية لكل مجال على حدة، ثم عائد كذلك إلى اختلاف المقدمات المُتأسس عليها منهج التحليل، ورغم ما يمكن أي يسجل حولها من اختلاف فهو لا يعني تعارض الأطروحات و إنما تحيك في ثوب واحد و هو مقاربة مفهوم الواجب الأخلاقي باعتباره مفهوما إنسانيا محضا، فتجد الفيسلوف ينظر فيه من جهة معناه التجريدي و التأسيسي، و عالم النفي من جهى تأثيره في الفرد و وجدانه، و عالم الاجتماع من جهة تأثير المجتمع في تمثل الواجب و تطبيقه. و لما كانت الحال هي كذلك، وجب النظر و الوقوف للحديث عن الواجب الأخلاقي كمفهوم فلسفي محض.
دلالات الواجب:
· في الحس المشترك:
 
يتخذ الواجب الأخلاقي في المعنى البسيط والمتداول عند العامة من الناس بأنه: تلك القدرة على التحكم في التصرفات، و ذلك الآمر الداخلي الذي يتحكم في وجدان الأفراد و يحُول دون إتيانهم تصرفات مشينة يمجها المجتمع ويقذح في مرتكبها، و انتفاء الواجب الأخلاقي عن الفرد يجعل منه حديثا للانتقاص و الاستهزاء والقدح، إنه مرادف على السمت الحسن و الصيت الطيب عند الناس، و لما كان هذا المعنى هو الشائع عند الناس فإنهم يربطونه بطبيعة التربية التي يتلقها الفرد داخل الأسرة، و في الوقت الذي تكون فيه التربية الأسرية ناقصة تنعكس و ترد سلبا على الفرد. فهل يصدق هذا المعنى على المعاجم اللغوية؟
· في اللسان العربي و اللسان الفرنسي:
 
يتخذ معنى الواجب في اللسان العربي عدة معان، نستقيها من المعاجم العربية، و من أهمها على الإطلاق معجم لسان العرب لابن منظور فيقول عن كلمة واجب: وَجَبَ الشيءُ يَجِبُ وُجوباً أَي لزمَ. وأَوجَبهُ هو، وأَوجَبَه اللّه، واسْتَوْجَبَه أَي اسْتَحَقَّه؛ يقال: وَجَبَ الشيءُ يَجِبُ وُجوباً إِذا ثَبَتَ، ولزِمَ. ونَفَذ. يقال: وجب البيعُ يَجِبُ وجوباً، وأَوْجَبَه إِيجاباً أَي لَزِمَ. إذن فمعنى الواجب هو: اللزوم و الثبات، أي أنه القدرة على الامتثال الدائم للناهي و الوازع الأخلاقي. إن كان هذا هو معنى الواجب في اللغة العربية فما معناه غي اللغة الفرنسية؟
أما في اللسان الفرنسي نجد مثلا معجم MICRO ROBERT: يقابل كلمة واجب بDEVOIR بمعنى: الواجب أو الإجبار الأخلاقي العام، و نقول تصرف التصرف الشخص عن طريق الواجب. كما ننعت شخصا ما بأنه رجل واجب؛ أي أنه يحترم ما تمليه الضرورة الأخلاقية. فهل تتوافق هذه الدلالات اللغوية و المعنى الفلسفي للمفهوم؟
· في الدلالة الفلسفية:
 
يعرف صاحب كتاب المعجم التقني و الفلسفي لالاند أن الواجب هو: الوجوب الأخلاقي الذاتي الذي يرتكز على النداء الباطني بمعزل و منأى و مبعد عن أي قاعدة خارجية كالدين و القانون، مكا أ،ه ينصرف إلى الامتثال الالزامي الذي يتأسس سلطة قهرية خارجية، و من ثمة يلتقي هذا المعنى مع الدلالات التي تطرقنا إليها في الدلالى اللغوية.
غير أن هذه التحديدات اللغوية و الفلسفية لا تنفي النظر في المواقف التي ثورت المفهوم و تحدثت عنه بوضوح التحدث، مستشكلين الموضوع الاستشكال، و متسائلين:
Ø هل الواجب الأخلاقي إرادة حرة أم أنه ضرب من القهر و الإكراه؟
 
Ø فإن كان إرادة حرة فعلى ماذا ينبني؟ و إن كان ميسما من الإكراه فكيف ذلك؟
 
Ø ما هي العلاقة الممكن إيجادها بين الوعي الأخلاقي و الواجب؟
 
Ø على ماذا يتأسس الوعي الأخلاقي؟
 
Ø هل الواجب الأخلاقي يحكمه ضمير الفرد أم ضمير المجتمع؟
 
Ø كيف يتدخل المجتمع في بناء الوعي بالواجب الأخلاقي؟
 
Ø هل الواجب الأخلاقي يتأسس على معطى فردي؟
 
المحور الأول: الواجب و الإكراه
تمهيد:
لئن كان للإنسان الحرية التامة في ممارسة حقوقه، فإن الأمر يختلف أشد الاختلاف حينما يتعلق الأمر بالواجب حيث يضيق مجال الحرية والاختيار ويصبح الإكراه الميسم الأساس، سواء مورس بشكل ذاتي (=الضمير) أو خارجي(= القانون، المجتمع). إذ الراجح أن يكون الواجب على شكل إلزام يفترض القيام به أو الإحجام عنه حتى وإن تعارض مع مصلحة الفرد ونوازعه الخاصة.
يتضح من ذلك أن الواجب لا يكاد ينفصل عن الإكراه. بل إن العلاقة بينهما علاقة تضايف إن لم نقل تماه، لكن ألا يمكن أن يصدر الواجب عن محض اختيار خالص إرادة حرة بعيدا عن الإجبار والإلزام؟
vموقف كانط.
عالج كانط مسألة الواجب بشكل عام في كتبه ومقالاته الأخلاقية[1] معالجة دقيقة كان الهدف منها التأسيس الفعلي والكوني لمفهوم الفعل الأخلاقي من حيث هو ضرورة عقلية نابعة من ذات إنسانية تتمتع بنوع من الحرية والاستقلال الذاتي [2]autonomie. معنى ذلك أن كل عاقل لا بد أن يقتنع ويقبل بالفعل الأخلاقي على شكل واجب ـ حتى وإن تعارض مع ميولاته الذاتية ـ مادامت الغاية هي تحقيق أكبر حرية إنسانية طبقا للقوانين ،بحيث يمكن لحرية كل واحد أن تتعايش مع حرية الآخرين. هذه المقولة تستمد قوتها من كون احترام القانون الأخلاقي الذي يحكم الجميع ضرورة لا محيد عنها حتى يتمكن الشخص من التعايش مع الجميع تحت مظلة المساواة أمام القانون. والمرجع الأساس الذي يجب أن ينطلق منه الجميع ـ حسب كانط ـ هو العقل لأنه كوني بالنسبة للجميع. والحكم الأخلاقي إذ يصدر عن الإرادة الخيرة الحرة ـ التي مصدرها العقل هي الأخرى ـ فهو أيضا يمكن توصيفه بالكوني. الإرادة تلك يجب أن تكون غاية في ذاتها تفترض أن يكون الواجب الأخلاقي هو الآخر خال من كل غاية منفعية وبالتالي غاية في ذاته. بهذه الوصفة يمكن أن يكون الإكراه الذي يفرضه العقل على الشخص نابعا من حرية ذاتية مبنية على الاقتناع، بحيث يكون الإلزام داخليا وذاتيا قائم النية الحسنة والخالصة.
الإكراه بهذا المعنى يصبح فعلا من أفعل الإرادة. إنه إكراه حر[3] يتخذ صفة الآمر القطعي المطلق والخال من الغائية. بمعنى انه يتميز عن الأمر الأخلاقي الشرطي الذي تعبر عنه عبارة "افعل كذا لتنال كذا"(مثل : لا تسرق كي لا تدخل السجن) الذي لا يصنفه كانط في خانة الأفعال الأخلاقية لما فيه من مساومة وابتذال يسلبان الفعل الأخلاقي غايته النبيلة. كما أن الأوامر الأخلاقية غير مشروطة بأية نتائج أو ميول، بل لها بداهة مباشرة، لدرجة أن الإرادة تعرف أن عليها أن تخضع لهذه الأوامر[4]، وهذه الأوامر ذات صبغة كونية شمولية هي التي تؤسس لمعنى الواجب عند كانط وفق القواعد التالية:
1. تصرف بحيث تجعل من قاعدة فعلك قانونا لنفسك ولسائر الناس.
2. تصرف دائما وفق الطريقة التي تجعلك تعتبر الإنسانية، في شخصك وفي غيرك، غاية مطلقة لا وسيلة بأي حال من الأحوال.
3. تصرف معتبرا إرادتك مشرعا لتشريع كوني.
 
اهتجس كانط بهاجس الكونية وهو يبني فلسفته النقدية بشكل عام. لذلك وضع قوانينا تتسع رقعتها لتشمل الإنسان كمفهوم، أي الإنسان في صيغته المطلقة، مركزا على العقل والإرادة لطابعهما الكوني والمشترك. فالعقل العملي إلى جانب الإرادة هما المشرعين لمفهوم الواجب، الذي هو إكراه، من حيث هو فعل خاضع للعقل، وللحرية، لأن مصدره الإرادة فهل يمكن تصور إرادة بدون حرية؟ أليس في هذه الحرية ما يجعل إتيان الفعل الأخلاق نابع من رغبة الإنسان في أن ينال استحسان الآخرين (المجتمع)؟
vموقف دوركهايم.
الجواب على هذا الإشكال يجد مقدماته النظرية عند عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركهايم حيث يرى، هو، أنه بالإضافة إلى الطابع الإلزامي الذي يسم الواجب، ثمة رغبة و ميل نحو انجاز الفعل الأخلاقي الخير. الواجب بهذا المعنى محط رغبة[5]، ما دام الإنسان خير بطبعه كما يقول روسو، وليس فقط محض إلزام كما يرى كانط. إننا نشعر بنوع من اللذة لا مثيل لها عند ممارستنا للواجب، بسبب أنه واجب[6].
لم يعد الواجب مع دوركهايم مجرد معطى متعالي خالص وإنما هو مرتبط بتجربة الذات في علاقتها بالأخر. التجربة تلك تبين أن المجتمع يرفض نظامه الأخلاقي فرضا مما يجعلنا نتساءل عن قيمة الإرادة الصانعة للفعل الأخلاقي في ظل مجتمع يفتقر إلى الحرية. في خضم هذا التضارب يرى دوركهايم أنه ليس هناك "فعل أخلاقي خالص تم القيام به على أنه واجب، بل يكون من الضروري دوما أن يظهر هذا الفعل على أنه جيد ومستحسن بشكل ما. وعلى العكس من ذلك يبدو أنه لا توجد موضوعات مرغوب فيها بشكل خالص، لأنها تتطلب دوما قدرا من المجهود الشخصي"[7].
vموقف هيجل.
على الضفة الأخرى، يرى هيجل أن الأطروحة الكانطية مجرد نزعة صورية[8] تفتقر إلى التجلي والتجسد في الواقع. الواجب مع هيجل ذو طابع مؤسساتي وغايته هي إقامة الدولة القوية التي يبتدئ بناؤها من الفرد الذي ينصهر في الكل، بلغة صاحب الفينومنولوجيا " يجب على الفرد الذي يؤدي واجبه أن يحقق مصلحته الشخصية أو إشباعه وأن يتحول الشأن العام إلى شأن خاص بفعل وضعيته داخل الدولة[9]. يعنى هذا الكلام أن المصلحة الخاصة تنصهر ضمن المصلحة العامة بحيث يضمن الفرد حمايتها. "فالفرد ـ يقول هيجل ـ الخاضع للواجبات سيجد في تحقيقها حمايته لشخصه ولملكيته باعتباره مواطنا، وتقديرا لمنفعته وإشباعا لماهيته الجوهرية، واعتزازا بكونه عضوا في هذا الكل"[10]. وبذلك يغدو الواجب مرتبطا بالدولة لا بالذات في وجودها الخالص. لكن سؤلا سؤالا بطرح نفسه في هذا السياق: أليس ثمة واجبات تخرج عن هذا التصنيف؟
vموقف هيوم.
من هذا المنطلق، كان هيوم يميز بين هذا الواجب الناتج عن ميل طبيعي نحو الخير ( حب الأطفال) بمعزل عن أي شعور بالإلزام أو أي اعتبار لمنفعة عامة أو خاصة[11] ،وبين ذاك الذي يصدر عن إحساس بالإلزام لا غير، لأنه يمثل ضرورات المجتمع البشري التي تمثل كابحا للغرائز والميول الذاتية الجامحة (حب التملك). بهذا المعنى يصبح الإلزام والإكراه ضرورة لحفظ البقاء واستمرار الحياة الاجتماعية وإلا عمت الفوضى.
vموقف غويو ونيتشه.
على النقيض من ذلك يرى غويو أن الفعل الأخلاقي لا يجب أن يصدر عن إلزام و لا عنة خوف من أي جزاء أو عقاب. إنما يكون هو فعلا تأسيسا لمسار الحياة الذي لا ينتهي، و لغايات حددتها الطبيعة الإنسانية بوصفها فاعلية مطلقة نحو الحياة. لكن الواجب الأخلاقي من وجهة النظر الطبيعية هاته التي ليس فيها شيء غيبي، يرتد إلى القانون الطبيعي الشامل[12] ، فمصدره هو الشعور الفياض "بأننا عشنا و أننا أدينا مهمتنا ... و سوف تستمر الحياة بعدنا، من دوننا، و لكن لعل لنا بعض الفضل في هذا الاستمرار". و المنحى نفسه يتخذه نيتشه حين يؤسس الأخلاق على مبدإ الحياة بوصفها إندفاع خلاق محض. إذ الفعل الأخلاقي عند نيتشه ما يخدم الحياة ما يزيد من قوتها و ليس ما يضعف الحياة و يزيد من محدوديتها. هكذا هو الخير و الشر عند نيتشه.
 
 
 
¨ المحور الثاني: الوعي الأخلاقي
 
تمهيد:
 
تتمفصل كل النصوص التي سنأتي على تحليل مواقف أصحابها في إشكالية أساس لنا ان نصوغها كالآتي: ماهي العلاقة الممكن إيجادها بين كل من الواجب والوعي الأخلاقي؟ فمنهم النازع إلى التأكيد على ان الترابط والتلازم ميسم العلاقة بين الواجب والوعي الأخلاقي فلا ينفك الواحد منهم يتأسس على الآخر التأسيس، وذلك موقف الفيلسوف إريك فايل، ومنهم الذي حذا بموقفه حذو الرافض المنتقد لاطرواحات الفلاسفة السابقين عليه والمؤكدين على تاثير المحيط الخارجي في أخلاق الواحد منا، ليثبت هو أحقية القاعدة كمبدأ مؤسس للأخلاق هو ذا موقف الفيلسوف فرونسو برنطانو،وهذا مفكر إسلامي آخر يرى في العقل المرشد والمدل في كل فعل أخلاقي، فلا مناصة للإنسان حتى يتسنى له العيش ضمن جماعة يطبعها التماسك والوحدة غير الإقتداء بالعقل، من هنا يكون الاكتساب خاصية الخلق[13].تتعدد المواقف وتختلف فمن خارج الفلسفة يدلو أحد المحللين النفسيين بدلوه في مجال ظل منذ زمن غير يسير حكر التفكير الفلسفي، ليثبت هو على أن النفس الإنسانية في ثلاثيتها(الأنا le moi،الأنا الأعلى le sur-moi،الهو le ça تتضمن كل محدد أخلاقي وهو الدور المنوط بالأنا الأعلى، بخلاف هذه المواقف يقدم لنا هاينز كينتشتاينر تصورا آخر يجد قاعدته المركزية ولبنته الأساس في الوعي التاريخي، إذ يقدم لنا هو المنحى التاريخي الذي قطعته الأخلاق، ويمكن تقسيمه إلى شقين كبيرين، الأول هو قبل نشوء الفرد الحر المستقل وفيها كان الوعي الأخلاقي مرتبط أشد الإرتباط بالأطر الخارجية، أما الشق الثاني فهو المتعلق ببزوغ الفرد المستقل والحر[14].إذا كان ذلك كذلك فمع روسو سيتم إرجاع الوعي الاخلاقي إلى ما هو فطري، إذ الفرد ينزع بطريقة هي أقرب إلى الغريزة منها إلى شيء آخر نحو الخير ويتجه.
 
ربما، وعلى الضد من كل هذه المواقف التي يقدمها لنا الفكر الفلسفي يرسم لنا الموقف النتشوي معالم الوعي الأخلاقي في أصله الأول، حيث للوعي الأخلاقي صلة ربط مع العنف الممارس على المدين.[15]
 
vموقف إريك فايل.
 
ينحو صاحب النص إلى التقريرمفاده ان الأخلاق بما هي مجال يضم بين ثناياها مفهوم الواجب le devoir فهي تلازم العقل تلازما جدليا فلا فرقة بينهم ولا خصام.فكل أمر نابع من العقل هو بالضرورة أخلاقي إذ أن كل انحياز إلى العقل­يقول فايل­ينتج عنه التأسيس الحقيقي والحق للمبدأالأخلاقي.
 
وتاكيد فايل لأطروحته ­تلازم العقل والأخلاق­جاء انطلاقا من عرضه لمجموعة منطلقات وإواليات:
 
٭تعارض العقل والنزوة.
 
٭لابد لما هو خاص ان ينفتح على أفق ما هو كوني وشمولي.
 
٭الذات بما هي ذات إنسانية وجب عليها الإنضواء تحت لواء ما هو كوني.
 
٭نفي صفة الموضوع على الإنسان أو قابلية توسيله.
 
٭الإقرار بعاقلية الكائن الإنساني.
 
٭حرية التصرف الأخلاقي.
 
٭ملازمة الحرية للعقل.
 
من خلال هذه المنطلقات التي عضها علينا فايل يخلص إلى نتيجة وهي أن الإنسان في تغليبه لميسم العقل من جهة اولى، وفي انفلاته من بوثقةة ما هو خاص من جهة ثانية، وفي كونه كائن حر ذو اختيار من جهة ثالثة، متى انحاز إلى العقل فإن المبدأ الاخلاقي يكون قد تم تأسيسه بالفعل.
 
 
 
vموقف فرنتس برونتانو.
 
قبل تطرق الفيلسوف إلى أطروحته عمل بادئ ذي بدء على عرض موقف الفلاسفة السابقين وذلك بغية دحضها، أما الموقف فجاء على الشكل الآتي: أن الوعي الأخلاقي حسب الفلاسفة القدماء يصدر عن تلك العلاقة الموجودة بين الفعل الأخلاقي والمحيط الذي يزود الفرد بمجموع الاوامر والواجبات، متوجهين إليه بالقول: "يجب عليك"، والتي يستبطنها بدوره ويتمثلها بطريقة يضفي عليها نوعا من الشرعية.
 
تجاوز فرنتس برونتانو لموقف الفلاسفة السابقين هو تجاوز الرأي القائل بأن الأخلاق تجد قاعدتها الأساس في الإلزامات الصادرة عن إرادة خارجية ليعةضها بمقولة القاعدة، ضاربا لذلك مثال العلاقة المنطقية الموجودة بين المقدمات والنتائج .، إذ هي علاقة تفرضها القاعدة.
 
vموقف ابن امسكويه.
 
يبدأ صاحب النص بتقديم تعريف للخلق[16] إذ شق منه مرده إلى ما هو طبيعي لنفس غير الناطقة فيه الكلمة الفصل، أما الشق الآخر فهو المستفاد من العادة والتدلريب والعقل بالنسبة إليه القائد والمسير، إنه الدليل والمرشد. من هذا المنطلق هناك من الناس من ينحاز إلى الرأي القائل بطبيعية الأخلاق ، ومنهم من يرى عكس ذلك؛ أي أن الأخلاق تكتسب وتلقن أنطلاقا من العادة.أما فيما يتعلق بموقف ابن مسكويه فإنه يسير في نفس مسار الموقف الثاني لحجيته، إذ لامجال للإنسان إلا الإقتداء بالعقل "النفس الناطقة" المؤسس لكل فعل أخلاقي، حتى يتسنى له العيش ضمن منظومة يكتسيها طابع العقل والعقلانية، إذ في الحالة المعاكسة التي نترك فيها الفرد يعيش بمقتضى هواه لن يتحصل منه غير الطباع الذميمة واللاإنسانية.
 
 
 
vموقف سيغموند فرويد.
 
محاولة فرويد في هذا النص تكمن في الإجابة عن الإشكال الآتي: ما العلاقة الممكنة بين الضمير الأخلاقي والسلطة الخارجية من عادات وأعراف وتقاليد وسلطة الأب؟
 
إجابة فرويد عن الإشكال لن يخرج عن الخطاطة العامة التي يرسمها للجهاز النفسي عامةة حيث يقسم الأخير إلى ثلاث هيئات: الأنا، والأنا الأعلى،والهو؛ يمثل الأنا الأعلى مجمل العادات والتقاليد والسلطالخارجية التي يستبطنها الفرد إذ تصبح هي العامل الأول والأخير في الحكم على الأشياء، أما الأنا فدوره كامن في إيجاد نقطة الإتزان بين الأنا الأعلى والهو، حيث أن الأخير يحمل بين طياته كل ما يتمثله الفرد من غرائز والأخص بالذكر هنا غريزة الجنس.من هذا المنطلق يكون الحديث عن الضمير الأخلاقي متوقف عن الانا الأعلى كسلطة خارجية بها نقيم الأشياء.
 
إذن الأخلاق بالنسبة التحليل النفسي لم تعد معلقة في سماء الحرية التي يدعي الفرد امتلاكها بقدر ما أن الأخلاق أصبحت جزء من كل(العالم الخارجي).
 
v موقف هاينز كينتشتاينر.
 
ينطلق صاحب النص في إطارا معالجته لمشكلة الضمير الأخلاقي من مقدمة مفادها أن هذا الأخير هو ذا منحى تاريخي تطوري فلا ينفك يتقدم ويتطور من حالة إلى حالة أخرى وهو مرتبط بالمحددات السوسيو اجتماعية ولاانفصال له عنها. يقول كينتشتاينر "للوعي الأخلاقي تاريخ"، بأي معنى هو كذلك؟ وأي تاريخ هو؟
 
يؤرخ كينتشتاينر للوعي التاريخي من موقع أوروبا جغرافيا، من زاوية الإصلاح الديني للقرن الثامن عشر و التاسع عشر عقائديا، ومن منظور كانط معرفيا وفلسفيا.إن الوعي التاريخي ارتبط في نشئته الأولى بما هو خارجي لا يكون للفرد فيه أي مجال أو فسحة للحرية بل يتقيد بها التقيد، أما المرحلة الثانية فهي التي سيعمل فيها الفرد على القطع مع كل السلط الخارجية قطعا ليصبح مسؤولا عن أفعاله.من هذا المنطلق يظهر لنا أن الوعي الاخلاقي هو جزء من بنية وعي تاريخي منفتح ومتطور.
 
vموقف جان جاك روسو.
 
عمل روسو في هذا النص على التأكيد بفطرية الضمير الأخلاقي، فالإنسان سواء في تقييمه للأشياء والحكم على الآخرين من جهة أولى والحكم عاى الآخرين من جهة ثانية يكون فيه منطلق أحكامه نابع من مجمل الأحاسيس الفطرية التي يمتاز بها الفرد أما الأحاسيس فيسردها لنا روسو كالآتي : حب الذات والخوف من الألم والموت والرغبة في العيش السعيد. غير أن ها لايعني بأن الفرد الإنساني يظل حبيس ذاته وما تنتجه من أحاسيس داخله، فمروض عليه هو العيش ضمن جماعات معينة تكفل له باقي حاجياته التي يعجز عن تحقيقها بمفرده، وعيشه هذا معع الغير ينشأعنه النسق المتكامل للأخلاق والذي ينهل منه الوعي الإنساني.على أن لانفهم من ذلك أن الوعي ذو مصدر خارجي تمثله عادات المجتمع وأعرافه، وإنما هو غريزة كامنة داخل الإنسان.
 
 
 
¨   المحور الثالث: الواجب و المجتمع
 
 
 
تمهيد:
 
إن العلاقة التي يمكن افتراض تحديدها بين النظام الأخلاقي و المجتمع من جهة أولى، و الوعي الفردي من جهة ثانية، كممارسة تتحدد وفق نمط معين من التوجيهات، بما هي أفعال تنطرح في قالب من النهج العملي، لهي بحق ٍّ علاقة تتسم بالتفاوت و التباين و الاختلاف، و ليس يستغرب من أحد إن وجد الأنظار عند الذين تحدثوا في الواجب الأخلاقي من جهة تأسيسه و تنميته، إذ نزع بعضهم إلى أنه مؤسس على عقيدة المجتمع الذي يبث عبر مؤسساته أنماطا معينة من السلوكات الأخلاقية بما فيها الواجب، فإن تفسيرات أخرى تطمئن إلى القول بضرورة الانعتاق من السلطة الأخلاقية للمجتمع، و تجاوزها و بناء الوعي الأخلاقي على الإرادة الفردية. بيد أن الواجب الأخلاقي فردي محض. و من ثمة جاز لنا أن نطرح التساؤلات التالية:
 
· كيف يتدخل المجتمع في بناء الوعي بالواجب الأخلاقي؟
· ما هي مختلف تمثلات الواجب الأخلاقي؟
· هل الواجب الأخلاقي يتأسس على معطى فردي؟
· هل يجب أن يخضع الإنسان لكل ما تمليه عليه الجماعة (المجتمع)؟
· و في إشكالية جامعة مانعة نتساءل:
· هل الواجب الأخلاقي يحكمه ضمير الفرد أم ضمير المجتمع؟
 
vموقف دوركايم.
لعل الباحث في مجال السوسيولوجيا و الداراسات التي تعنى بكشف البنى المتحكمة في المتجتمع لسيجد بأن دوركايم واحد من اولئك الذين اغنوا مجال علم الاجتماع بمباحث غزيرة. و من أهمها على الإطلاق دراسته للتربية الأخلاقية و الكيفية التي يعمل بها المجتمع في بناء الوعي الأخلاقي بين الأفراد، فأسس لما يسمى بمفهوم التنشئة الاجتماعية[17].
إن المجتمع يشكل سلطة معنوية تتحكم في وجدان الأفراد، و يكون نظرتهم لمختلف أنماط السلوك داخله، و من ثمة فالمجتمع يمارس نوعا من القهر و الجبر على الأفراد إذ هو الذي يرسم لهم معالم الامتثال للواجب الأخلاقي و النظم الأخلاقية عموما، و لما كانت الحال كذلك لأن الأفراد يُسلب منهم الوعي بالفعل الأخلاقي، لأنه لم يكن نابعا من إرادة حرة و واعية و انما عن ضمير و وعي جمعيين هما المتحكمان في سلوكيات الأفراد. و بالتالي فالمجتمع سلطة إلزامية "و التي يجب أن نخضع لها لأنها تحكمنا و تربطنا بغايات تتجاوزنا"[18].
و من ثمة فالمجتمع يتعالى على الإرادات الفردية، و يفرض السلوكيات التي يجب أن يكون بما فيها السلوكيات الأخلاقية لأن المجتمع "قوة أخلاقية كبيرة"[19]. فيحقق الأفراد غاية المجتمع لا غاية ذواتهم و الانصات لصوته الآمر لأن "تلك المشاعر التي تملي علينا سلوكنا بلهجة آمرة صارمة و ضميرنا الأخلاقي لم ينتج إلا عن المجتمع و لايعبر إلا عنه"[20].
vموقف هنري برغسون.
رغم تعدد الإرادات التي نلحظها عيانيا داخل المجتمعات، و بحسب الوظائف التي تشغلها، و رغم ما قد يلاحظ أن الأفراد يجسدون و يعبرون عن قناعات راسخة فيهم، فإنهم يعبرون عنها في شكل قهري و سلطوي يتعالى على الارادات الحرة، أي أنها تعبر عن سلطة خارجة عنهم " لأننا كنا نشعر بوجود ضغط عظيم يكمن وراء بتصرفاتهم و بواسطتها، و سنعرف فيما بعد أن الأمر يتعلق بالمجتمع"[21].
و بالتالي فإن تلك السلطة التي عبرها نتجرك أخلاقيا تسير وفق نوع من الانضباط -خدمة للصالح العام- الذي يقضي التضحية في سبيل الوطن " كما أن المجتمع هو الذي يرسم للفرد مناهج حياته اليومية"[22].
و إن كان برغسون لا ينكر ما للمجتمع من قدرة تعسفية ماورائية تمارس على الأفراد فيما يخص تصرفاتهم الأخلاقية، فإنه يدعو بالمقابل إلى ضرورة الانعتاق من هذه السلطة الأخلاقية المتعالية، و طلب ما سماه بالواجب الأخلاقي الكوني الذي يتعدى و يتجاوز الأخلاق المنغلقة التي يكرسها المجتمع، لأن هذا الأخير يرسخ أخلاقا تتماشى و الأفراد المكونين للمجتمع الواحد، و الأخلاق الكونية تنفتح على الشمولي و على الإنسان ككل بصرف النظر عن انتمائه المجتمعي لأن لدينا " واجبات نحو الإنسان من حيث هو إنسان"[23].
vموقف فريدريك انجلز.
يقدم انجلز المفكر الماركسي الاشتراكي طرحا مهما حول مسألة الواجب الأخلاقي، إذ يعتبر أن النظريات الأخلاقية ليست قانونا يتعالى عن التاريخ و عن المجريات الاجتماعية، بل بناؤها و العمل بها رهين بالمتغيرات التي تطال المجتمعات الانسانية داخل مختبر التاريخ، هذه التغيرات التي تسير و الايقاع الاقتصادي و الصراع الطبقي، و يطالها التغير و الفساد و تختلف " فإن كانت السرقة في لحظة تاريخية معينة رذيلة يمجها المجتمع ففي مجتمع ليس فيه، أية أسباب تدعو للسرقة ...كم سيعرض الواعظ الأخلاقي للسخرية عندما يدعو علنا إلى الحقيقة الخالدة: ينبغي عليك ألا تسرق!"[24].
إذن، فكل لحظة تاريخية تنتج عن متطلبات المجنمع فيها، و دعواتها الأخلاقية تعبر عن مصالح طبقة بعينها ضدا على طبقة أخرى، إنها مسألة الصراع كما يتحدث عنها ماركس بجلاء، باعتبار أن الصراع الطبقي هو المحرك الوحدي للتاريخ من الامتلاك و الاستغلال، ‘نه استغلال طبقة أقوى لطبقة أخرى أضعف.و لا مناص من القول "الأخلاق بدورها تخضع بدون شك لفكرة التقدم"[25].
v موقف ماكس فيبر.
 
ينصرف عالم الاجتماع ماكس فيبر في حديثه عن الواجب الأخلاقي و الأخلاق عموما إلى القول بأن الأخلاق في مجملها تنقسم الى نمطين اثنين: نمط أول موسوم بأخلاق الاقتناع ذات المظهر المثالي و المتعالي التي يكون فيها الفرد غير متحمل لأية مسؤولية، و إنما هي مركونة إلى المؤثرات و العوامل الخارجية التي لا يتدخل فيها الفرد، و إنما نتطرح فيه بتأثير الأبعاد الدينية، بما هي صوت متعال يصدر أوامره، حيث إن " أخلاقية الاقتناع لن ترجع المسؤولية إلى الفاعل، بل إلى العالم المحيط و إلى حماقة البشر و إلى مشيئة الله الذي خلق الناس على بهذه الصورة"[26].
 
و نمط ثان من الأخلاق هو ما كناه بأخلاق المسؤولية، التي تصدر من الذات الفردية و تتأسس على الوعي الفردي الحر، إذ "نحن مسؤولون عن النتائج التي تمكن توقعها لأفعالنا"، و لا ترجع المسؤولية إلى بعد خارجي قسري، لا علاقة لهذه الأخلاق بالقدر أو بالحظ، من ثمة "سيقول الفرد: إن هذه النتائج ترجع إلى مسؤولية فعلي الخاص"[27].
 
vموقف جون راولز.
 
إن جون راولز صاحب نظرية العدالة في الفكر السياسي المعاصر، ينصرف في حديثه عن الواجب الأخلاقي إلى الحديث عن الواجب باعتباره نمطا من التضامن الي يبنه و يؤسسه الجيل السابق للجيل اللاحق، حتى يتسطيع الجيل ألول أن يوفر كل إمكانيات العيش الرغيد و المريح، إن " الأجيال السابقة تتحمل على كاهلها أعباء كثيرة تصب في صالح الأجيال اللاحقة"[28]. و بالتالي فكل جيل يتحمل على عاتقه ضرورة تأمين المستقبل الذي لا يجعل الجيل اللاحق في حالة من الضياع و التشتت.
 
و كثيرة هي المناحي التي ينبثق منها هذا الواجب الأخلاقي بما هو تضامن بين الأجيال، لكن يظهر بلملح بارز في المجال الإقتصادي، إذ الاقتصاد هو المحرك الوحيد للتاريخ، و عدم القدرة على امتلاكه لا يجعل الحياة رغيدة و مريحة، و هذا التضامن هو خدمة للمجتمع عموما و تقسيم الثروات بشكل عادل، و من أجل أن "يكون المجتمع قد أدى واجبه في العدالة"[29].
 
خاتمة
 
انطلاقا مما سبق التطرق إليه من مواقف نجد أن الواجب الأخلاقي مفهوم يترواح بين عدة أنظار و مواقف متابينة لا تتعارض و أكثر مما تكون صورة بانورامية حوله، فمنهم من جعل رحج أن الواجب إرادة حرة و مطلقة في مقابل رأي معاكس اديرى التقيض، و طرح آخر يجعل من الواجب الأخلاقي رهين سلطة من السلط قد تكون نفسية أو دينية أو غير ذلك، و نظر آخر يجعل من الواجب الأخلاقي لحظة من لحظات القهر الذي يمارسه المجتمع على الأفراد، أو فضاء يستشرف الواجب الكوني المنفتح كما برغسون.
 
 
السعادة
 
محاور الدرس
1) تمثلات السعادة.
2) البحث عن السعادة.
3) السعادة و الواجب.
 
تـقـديـــم:
ليس يخفى، أن الفلسفة تنقسم إلى ثلاثة مباحث كبرى وهي : مبحث المعرفة ومبحث الانطولوجيا ومبحث القيم . ويطرح كل واحد من هذه المباحث جملة مفاهيم وإشكالات. ومن بين جملة تلكم المفاهيم التي يطرحها مبحث القيم، نلفي مفهوم" السعادة ". فما هي دلالة هذا المفهوم ؟
الدلالة المتداولة:
يتباين الناس في تمثلهم للسعادة، فمنهم من يرى السعادة في الصحة ، ومنهم من يراها في المال، ومنهم من يراها في الصداقة، ومنهم من يراها في راحة البال، ومنهم من يراها في تلبية كاملة للرغبات، وتحقيق المتعة في شتى أشكالها … والعلة في اختلاف الناس في تمثلهم للسعادة هو جانب النقص الذي يعاني منه كل إنسان، فالفقير يرى السعادة في المال، والمريض يرى السعادة في الصحة، والأعزب يرى السعادة في الزواج وهكذا…
هذا، ويلفت الانتباه في تمثلات الناس للسعادة، أنه يغلب عليها الجانب المادي الذي يقترن بما هو إرضاء للحواس.
الدلالة اللغوية :
أ‌-     لسان العرب : ابن منظور   
 
    جاء في" لسان العرب" : سعد السعد بمعنى اليمن، وهو نقيض النحس. والسعود خلاف النحوسة، والسعادة خلاف الشقاوة . ونقول سعد يسعد سعدا وسعادة فهو سعيد ، نقيض شقي والجمع سعداء .
 
 
 
ويشتق من نفس الجدر ثلاثة ألفاض تشترك في نفس المعنى وهي : الساعد والسعدان والسعد.
فلفظ الساعد يدل أولا، على ساعد الإنسان أو الطير أو القبيلة : فساعدا الإنسان ذراعاه ، وساعدا الطائر جناحاه ،وساعد القبيلة رئيسها. ويدل ثانيا، على مجرى المياه ، فسعيد المزرعة نهرها الذي يسقها. ويدل ثالثا ، على مخرج اللبن في الناقة . أما لفظ السعدان فيدل على نبات ذي شوك من أطيب مراعي الإبل. وأما لفظ السعد فيدل على الطيب ذي الرائحة الزكية.
إن ما يمكن استنتاجه من هاته الدلالات هو :
أولا : اقتران السعادة بالإرضاء و الارتواء. فالنهر الذي يسقي المزرعة يرويها، ولبن الناقة يروي ويشبع صغيرها، ومنبت شوك النخل يشبع جوع الإبل، والطيب يشبع النفس برائحته العطرة.
ثانيا : اقترانها بالعضوين اللذين يدبران الجسد، وهما: الساعدان.
ومن هنا يكتسب اليمن دلالتين :
الأولى : تشير إلى ما هو مادي محسوس، وتتمثل في الإرضاء والإشباع.
الثانية : تومئ إلى ما هو عقلي، وتتمثل في التدبير، فعمدة المدينة وساعدها هو رئيسها وعقلها المدبر لشؤونها والمسير لها نحو ما هو أفضل لها. ولا يمكن في هذا السياق تصور سعادة بدون تعاون واجتماع.
يتضح من كل ما سبق، أن التعريف اللغوي للسعادة قد وسع من دلالتها، بشكل جعلها تنفتح على عنصر لا مادي، من طبيعة عقلية واجتماعية وسياسية تتعلق بالتفكير والتدبير.
الدلالة الفلسفية :
أ- المعجم الفلسفي : جميل صليبا [1]
السعادة هي الرضا التام بما تناله النفس من الخير. والفرق بينها وبين اللذة أن السعادة حالة خاصة بالإنسان، وأن رضا النفس بها تام. إذ من شرط السعادة أن تكون ميول النفس كلها راضية مرضية، وأن يكون رضاها بما حصلت عليه من الخير تاما ودائما. في حين أن" اللذة " حالة مشتركة بين الإنسان والحيوان، وأن رضا النفس بها مؤقت .
وإذا كانت السعادة هي حالة إرضاء وإشباع وارتياح تام للرغبات يتسم بالثبات، فانه متى سمت إلى مستوى الرضا الروحي ونعيم التأمل والنظر، أصبحت غبطة . و إن كانت هذه أسمى وأدوم.
وللفلاسفة في حقيقة السعادة آراء مختلفة: فمنهم من يقول إن السعادة هي في إتباع الفضيلة (أفلاطون)، ومنهم من يقول إنها في الاستمتاع بالملذات الحسية المدرسة (القورينائية)، أما أرسطو فانه يوحد الخير الأعلى و السعادة ، ويجعل اللذة شرطا ضروريا للسعادة لا شرطا كافيا. وعين الأمر يقول به أبيقور الذي اعتبر اللذة هي غاية الحياة ، وان كان هو يقيم فروقا بين اللذات. أما الرواقيون فإنهم يرجعون السعادة إلى الفعل الموافق للعقل، وهي- أي السعادة- في نظرهم غير ممتنعة عن الحكم ، وان كان طريقها محفوفا بالألم .
ب‌- موسوعة لالاند الفلسفية : أندريه لالاند [2]
السعادة هي حالة رضا تام تستأثر بمجامع الوعي .
السعادة هي إرضاء كل الميول وإشباعها.
    يتبدى لنا من كل ما سبق، أن مفهوم السعادة تتداخل فيه دلالات متباينة قاموسية وفلسفية وتمثلية .كما يلوح لنا أن هذا المفهوم تتقاطع فيه حقول مختلفة بيولوجية واجتماعية وسياسية وميتافيزيقية وسيكولوجية . فضلا عن أنه يتاخم جملة من المفاهيم الفلسفية الأساسية:  كاللذة و الألم والفضيلة والخير الأعلى والعقل والنفس والسياسة والعدالة والخيال و الفطرة و المحاكاة و الواجب والغير       و الإرادة …
 
 
 
  هذا، ويطرح مفهوم السعادة جملة من الإشكالات من أهمها : ما هي السعادة؟ هل طلب السعادة غاية كل الناس ؟ ولماذا ؟ هل نطلب السعادة من أجل ذاتها أم من أجل أشياء أخرى ؟ ولماذا؟هل يمكن تحقيق السعادة ؟ وبأية وسائل ؟ ما هي علاقة السعادة بالواجب ، هل هي علاقة تكامل أم علاقة    إعاقة ؟ بمعنى أخر هل تكمن السعادة أساسا في أن نفعل ما نريد أم في انصياعنا للواجب والقانون  ؟  هل السعادة واجب نحو الذات أم نحو الغير أم هما معا ؟
 
 
 
كل هذه الإشكالات التي أثارها مفهوم السعادة و أخرى، سنحاول التعرف على إجابتها من خلال نصوص بعض الفلاسفة الذين تناولوا هذا المفهوم تحديدا واستشكالا…
المحور الأول : تمثلات السعادة
تـقــديــــم :
      يختلف الناس و الفلاسفة على السواء في تمثلهم للسعادة. فالعوام يربطونها بالثروة و الجاه       و النفوذ  و تحقيق المتعة في شتى أشكالها و عموما يمكن القول أن التمثل العامي للسعادة يهيمن عليه المعنى المادي الذي يرى في السعادة ضربا من ضروب المتعة الجسدية. أما الفلاسفة فهم أيضا يختلفون في تمثلهم للسعادة ،فمنهم من يراها في علاقتها بالفضيلة و التأمل العقلي و منهم(فلاسفة الإسلام) من حاول التوفيق بين التأمل العقلي و ما هو ديني أي السعادة الاخروية ، و هناك من يرى أن كل هذه التمثلات حسية و جزئية ، أما عندما نتحدث عن مفهوم السعادة نكون محتاجين إلى " كل مطلق ". و هناك من الفلاسفة من يعتبرها فردية و منهم من يعتبر أن السعادة لا تكون إلا داخل     دولة . و آخرون يقولون بأنه من المستحيل أن نستدل على وجود السعادة بل يجب أن نعمل على تحصيلها فهي ممارسة .
 
 
 
أمام هذا التعدد في تمثل السعادة نجد انه لابد من طرح بعض الإشكالات :    
هل السعادة ممكنة ؟
 
· هل يمكن أن نستدل على وجودها ؟
 
هل هي غاية كل الناس ؟
هل يمكن بلوغها ،و بأية وسائل ؟
هل نطلبها من اجل ذاتها أم من اجل أشياء أخرى ؟
الموقف الأرسطي :
       إن الغاية من السياسة باعتبارها ،هي تحقيق الخير الأسمى الذي هو السعادة  و هذا النعت للخير الأسمى بالسعادة يشترك فيه كل من العامي و الفيلسوف  «فالعامي كالناس المستنيرين يسمي هدا الخير الأسمى سعادة»[3] إلا انه و على الرغم من هدا الاتفاق فإننا نجد أن هناك بونا شاسعا في تمثل المفهوم بين العامي و الفيلسوف و« انقسام الآراء هذا مرده إلى الاختلاف بشان طبيعة السعادة و أصلها» [4] فمتمثلات السعادة لدى الطبائع العامية تختلف من شخص لآخر فالمريض يراها في اكتساب الصحة ، والمعوز في اكتساب المال  و العاشق يراها في الزواج من معشوقته . « إنها ليست إلا شيئا نافعا     و مطلوبا لأشياء أخرى غير ذاتها» .[5] 
 
    أما الفيلسوف فهو يرى عكس ذلك فالسعادة عنده هي غاية بل غاية الغايات و هي تطلب لذاتها  «ينبغي وضع السعادة بين الأشياء التي تختار من اجل ذاتها إذ هي قائمة بذاتها» [6] و كل الأشياء الأخرى إنما تطلب كوسيلة لتحقيقها« كل ما يمكن تصوره إنما يطلب من اجل ما عداه إلا السعادة إذ هي غاية بحد   ذاتها » [7]
 
 
 
    وعموما يمكن القول أن التمثل العامي يختلف عن تمثل الحكماء دلك أن التمثل العامي يغلب المعنى المادي الذي يرى في السعادة ضربا من ضروب المتعة و اللذة لدلك يرى أرسطو انه« لا يوجد    ..إلا ثلاثة صنوف من العيشة يمكن على الخصوص تمييزها .أولها هده العيشة التي تكلمنا عليها انفا (عيشة العوام) ،ثم العيشة السياسية أو العمومية ،و أخيرا العيشة التأملية و العقلية»  و يرتبط بكل نوع من هده العيش ثلاث أنواع من السعادة، فأما  العيشة الحسية وهي سعادة اللذة الجسدية ، لذة الطعام والشراب والجنس وهي لذة يشترك فيها الإنسان والحيوان ، وهي سعادة وقتية ولو طلبت لذاتها لأدى ذلك الإسراف فيها ، ثم إلى فقد الإحساس باللذة ثم تنتهي إلى الألم والمرض ، فتحققها ليس من السعادة بشيء ، أما الثانية فهي السعادة السياسية مطلوبة من الكثير من الناس ، ولكنهم ما يلبثوا أن يشعروا بالتعاسة عندما يفقدوا مراكزهم ، ويعرفوا أن الناس كانوا يعظمونهم لأجل الوظائف التي يمثلونها وليس لأشخاصهم ، كأن هذه السعادة وقتية وهي متوقفة على الناس يمنحونها ويسلبونها وفقاً للمركز الشخصي لا للقيمة الذاتية ، إذاً هي ليس خير في حد ذاتها وليس دائمة فقد يعقبها الإهمال والتحقير . السعادة الثالثة هي السعادة العقلية فهي التي ترمي إلى تحقيق الفضيلة باعتبار أنها العمل بمقتضى الحكمة ، والحكمة ملكة عقلية تكتسب بالتمرين والتعود على طلب الحق والخير الصحيح وفضائل الحكمة عملية ونظرية ، وتبين لنا الحكمة العملية أن الفضيلة قوة تكتسبها عن طريق ممارسة أعمال تتوفر فيها الإرادة الحرة والمعرفة والنزوع إلى الخير . وإذا بحثنا عن الفضائل نجد أنها تقع في الوسط ما بين المغالاة " الإفراط " والتقصير "التفريط " مثل الشجاعة وسط بين رذيلتين هما التهور والجبن ، والكرم وسط بين الإسراف والبخل والعدل وسط بين المحاباة والظلم ، وتحكم العقل والإرادة في تعيين الفضيلة يتم عن طريقهما الممارسة الواقعية للفضيلة ، فإذا عود الإنسان نفسه أن يتلمس الفضيلة دائماً ويقوم بها فإنها تصبح طبيعة فيه يتجه إليها من دون تردد وبذلك تتحقق له السعادة . 
 
موقف ابن مسكويه :
يحاول ابن مسكويه تقديم التمثلات السائدة عن السعادة لدى كل من الحكماء و العوام و هو اد يُفصل في هدا فيقول إن الحكماء من أمثال فيتاغورس و بقراط و أفلاطون لما قسموا السعادة جعلوها كلها في قوى النفس ،أي القوى الثلاث : القوة الغضبية،القوة الشهوانية ،و القوة العاقلة القوة الشهوانية التي تحرك الإنسان إلى ما يشتهيه أو يجذبه من الملذات والخيرات. والقوة الغضبية التي تحركه إلى "الغضب" عدوانا أو دفاعا أو نجدة. والقوة الناطقة العاقلة وهي التي يحصل بها التمييز والروية والتفكر. ولكل من هذه القوى فضيلتها: ففضيلة النفس الشهوانية العفة، وفضيلة النفس الغضبية النجدة، وفضيلة النفس العاقلة الحكمة. ومن اعتدال هذه الفضائل الثلاث ومن نسبة بعضها إلى بعض تحدث فضيلة رابعة هي كمالها وتمامها وهي العدالة و اجمعوا على أن« هده الفضائل هي كافية في السعادة و لا يحتاج معها إلى غيرها من فضائل البدن و ما هو خارج البدن»[8] و بالتالي فالسعادة عندهم هي سعادة نفس و« سائر الأشياء الخارجة عنها ،فليست عندهم بقادحة في السعادة البتة»[9]
أما الرواقيون فجعلوا السعادة في النفس غير مكتملة إذا لم تقترن بالجسد أو حتى ما هو خارج الجسد هدا بخلاف المحققين من الحكماء الدين لا يربطون السعادة بما هو خارج الجسد فيعتبرونها تابثة لا تتغير و لا يلحقها زوال و لاتغيير .
أما العامة فتختلف طبائعهم في تمثل السعادة بحسب حاجياتهم ،فالمريض يراها في اكتساب الصحة ، والمعوز في اكتساب المال والغريب في العودة لوطنه و عموما يمكن القول إن التمثل العامي للسعادة يهيمن عليه المعنى المادي الذي يرى في السعادة ضربا من ضروب المتعة و اللذة . و الحكماء يرون أن كل هذه التمثلات سعادة و لكن شريطة أن تكون «عند الحاجة و في الوقت الذي يجب و كما يجب و عند من يجب، فهده سعادات كلها، و ما كان منها يراد لشيء أخر ؛فلذلك الشيء أحق باسم السعادة »[10] فالمريض مثلا يجد السعادة فيما يحتاج إليه و هي الصحة .
موقف الفارابي :
لما كان المقصود من الوجود الإنساني بلوغ السعادة عن طريق إدراك المعقولات او المبادئ التي يتاسس عليها وجود الكون و الإنسان ثم كانت هده المعقولات لدى جميع الناس أصحاب الفطر السليمة و التي « يسعون بها نحو أمور و افعلا مشتركة لهم ؛ ثم بعد دلك يتفاوتون و يختلفون فتصير لهم فطر تخص كل واحد و كل طائفة »[11] لزم عن اختلاف الفطر عدم قدرة كل إنسان على أن يعلم من تلقاء نفسه السعادة و لا ان يعملها ،فوجب بدلك ضرورة وجود معلم أو مرشد يرشده إلى الكيفية التي تمكنه من ان يجعل السعادة غايته ثم « يعلم الأشياء التي ينبغي أن يعملها حتى ينال بها السعادة»[12] و تبعا لاختلاف الفطر جب على المعلم أن يسلك طرقا مختلفة باختلاف الطوائف و الأمم ،فقد يتم ذلك بطرقة نظرية خالصة (الخاصة) أو بطريقة تعتمد على المحاكاة كفن للتبليغ و التخييل (العامة).
الموقف الأفلاطوني :
ليست السعادة حسب أفلاطون شأنا شخصيّا بقدر ما هي قضيّة تتعلّق بالمدينة ككلّ وبالتّالي لا يمكن تحقيق الكمال إلاّ في مدينة محكمة التّنظيم. «إننا لم نستهدف في تأسيس دولتنا جلب السعادة الكاملة لفئة معينة من المواطنين و إنما كان هدفنا أن نكفل اكبر قدر ممكن من السعادة للدولة بأسرها »[13] السٌعادة بالنٌسبة لأفلاطون عندئذ هي سعادة المدينة ككلٌ والتي تتحقٌق بالانسجام بين جميع أطرافها وشرائحها، فكما يجب أن يوجد انسجام في الفرد بين النٌفس العاقلة والنٌفس الغضبيٌة والنٌفس الشهوانية. فإنٌ المدينة كذلك يجب أن تنقسم إلى حرٌاس يسيٌرون شؤونها العامٌة وجنود يسهرون على الأمن ورعيٌة تقوم بالأعمال الأخرى الضٌروريٌة مثل الفلاحة والصٌناعة….إلخ. أما إذا لم يحترموا هدا النظام فإننا « نحض حراسنا و حماتنا بالوعد أو نرغمهم بالوعيد كما نفعل مع غيرهم من المواطنين على أن يؤدوا على خير وجه ما يصلحون من الوظائف»[14] فبدلك تتحقق العدالة و تزدهر الدولة و بازدهار هده الأخيرة« وعندما تزدهر الدولة بأسرها... نترك لمكل طبقة أن تتمع بالسعادة على قدر ما تؤهلها لذلك الطبيعة » [15]
الموقف الكانطي :
      يحاول كانط في كتابه " أسس ميتافيزيقا الأخلاق " و بالضبط في النص الماثل أمامنا أن يحدد العلاقة التي تربط السعادة بالعقل و الخيال . بمعنى هل نتمثل السعادة بالعقل أم بالخيال. و كمحاولة للإجابة عن هدا السؤال يرى كانط أن تصور السعادة لا يمكن أن يكون بالعقل بل بالخيال،كيف ذلك ؟       إن "جميع العناصر التي تؤلف تصور السعادة ..لزم أن تستعار من التجربة " إما عندما نتحدث عن مفهوم السعادة نكون محتاجين إلى " كل مطلق " ما معنى ذلك؟
 
 
 
    إن أمر السعادة ينصب على الوسائل الضرورية لانجاز هده الغاية ،ذلك لأنه ينجم تحليليا من الغاية التي يسعى إليها الإرادة ،تبعا للصيغة التي غدت قولا مأثورا :من يروم الغاية ،يروم الوسائل (تبعا  للعقل)اللازمة للوصول إليها و التي هي في مقدوره و بالتالي فجميع العناصر التي تؤلف تصور السعادة هي في جملتها عناصر تجريبية ،أي انه يلزم أن تشتق من التجربة . أما عندما نريد أن نتحدث عن فكرة السعادة فإننا نحتاج إلى كل مطلق ،إلا أننا نجد انه من المستحيل للإنسان ككائن متناه ،محدود بحدود التجربة « أن يكون لنفسه تصورا محددا لما يبغيه هنا على الحقيقة »[16] هل يريد حياة طويلة ؟ فمن يضمن له إلا تكون شقاءا طويلا و بالتالي فمن الصعب عليه أن حدد كيف يكون   سعيدا . فليس ثمة في هذا الشأن أمر يمكنه أن يقرر بالمعنى الدقيق للكلمة أن نفعل ما يجعلنا سعداء « دلكم لان السعادة هي مثل أعلى لا للعقل بل للخيال»[17]  فلا يمكن انطلاقا من نتائج هي في الواقع لامتناهية أن نعطي تحديدا للسعادة .   
 
موقف ( إميل شارتي) ألان :
يعتبر ألان أن الأمل في السعادة هو السعادة ،ألان أن الأمل في السعادة لا يعني أن ننتظر السعادة لتأتي الينا و صوبنا ،ولا يعني كذلك استحالة الحصول عليها او بلوغها ،و لا انها وهم ،بل يعني هدا أن " نعمل على تحصيلها الآن[18] دلك أن « السعادة ليست شيئا نطارده بل هي شيء نتملكه ،و خارج هدا التملك فهي ليست سوى لفظ» [19] إلا أن هدا التملك للسعادة مشروط بالرغبة في أن نكون سعداء ،لدلك يجب على المرء « أن يطلب سعادته و أن يصنعها »[20] إن ألان يؤكد هنا وخاصة في كتابه "PROPOS SUR LE BONHEUR" ان السعادة لا تتوقف على العالم الخارجي او المحيط بالشخص و إنما يتوقف على الشخص ذاته أي أن فعل السعادة لا يتحقق إلا بالإرادة .دلك أن تحقيق السعادة لا يتأتى إلا بالصراع ضد المعيقات التي تحول دون ذلك و لا يجب الاعتراف بالهزيمة طالما لم نتجاوز هذه المعيقات .*[21]
 
 
المحورالثاني : البحث عن السعادة.
تـقــديــــم :
يطرح هذا المحور الثاني من درس السعادة،إشكالين اثنين رئيسيين وهما : بأي شكل تكون السعادة ممكنة ؟ أو بعبارة أخرى هل يمكن تحقيق السعادة ؟ وإذا كان الجواب بالاجاب ، فما السبيل إلى تحقيقها ؟ وعن هذين الإشكالين الرئيسيين تتفرع جملة من الإشكالات الفرعية : هل تحقيق لذاتنا كفيل بتحصيلنا السعادة ؟ وهل كل اللذات تحقق لنا السعادة ؟ ما علاقة السعادة بالزمن ؟ هل السعادة أمر دائم أم أمل عابر ؟ وما علاقتها بالفنون والذوق؟…
موقف سينكا :
يطرح سينكا في هذا النص إشكال ماهي الكيفية أو الوسيلة التي من خلالها يمكننا تحقيق الحياة السعيدة ؟ فإذا كانت السعادة هي مبتغى الناس أجمعين في هذه الحياة ، فما هي الكيفية التي بواسطتها نستطيع أن نحصلها؟ بيد أنه لاحظ أنه بمجرد ما يطرح هذا السؤال حتى تختلط علينا الأمور. وحتى يزول هذا الخلط على الإنسان- في نظر سينكا- أن يحدد هدفه بكل دقة، ثم بعد ذلك ينظر في كل الاتجاهات عن السبيل الكفيل بأن يقوده إلى تحقيق هدفه بأقصى سرعة، هذا الطريق أو السبيل الذي ينبغي أن يكون مستقيما حتى نتمكن من أن نعرف كل يوم كم تقدمنا وكم اقترفنا من هدفنا ، هذا الهدف الذي تدفعنا نحوه الرغبة اللازمة لطبيعتنا. و حتى نتمكن من اختيار الطريق المستقيم الذي وحده سيقودنا إلى تحقيق هدفنا علينا أن نستعين بإنسان خبير أو مرشد حكيم يكون سبق له وأن اختبر الهدف الذي نقصده . هذا ، ويحذرنا سينكا عند عزمنا السفر بحثا عن السعادة أن نسلك الطريق الأكثر استعمالا. إذ هو الأكثر تضليلا ،وما هذا السبيل الأكثر استعمالا إلا طريق أو سبيل العامة,بل بالضد من ذلك، علينا أن نبتعد عن طريق المحاكاة ،أي الاستقلال عن الطريق الذي تتبعه العام في تحصيل السعادة وإتباع طريق" العقل". [22]
موقف أبيقور :
إن المتأمل في هذا النص بأجل نظر وأدقه، يتبدى له أن أبيقور يطرح فيه قضية السعادة في علاقتها بمبدأ اللذة .هذه القضية التي يمكن صوغها في اشكلين اثنين وهما: هل تحقيق لذاتنا كفيل بتحصيلنا السعادة ؟ وهل كل اللذات تحقق لنا السعادة ؟
يجيب أبيقور عن الإشكال الأول بالا جاب فيقول : " إن اللذة هي مبدأ الحياة السعيدة وغايتها ". بمعنى أخر أن تحقيقنا للذاتنا، وتجنبنا للألم- كما سيذكر في موضع آخر من النص-هو ما يجعلنا سعداء . وبهذا تكون السعادة عند أبيقور هي:" لذة تلحق النفس والجسد ". لكن، دون أن يعني هذا أن كل ا لذات تحقق لنا السعادة - من وجهة نظر أبيقور- . إذ من الذات ما يكون مفعولها عكسيا ، بمعنى أنه عوض أن تحقق لنا السعادة تتسبب لنا في الألم . والعكس صحيح ، فمن الآلام ما يكون وراء الصبر عليها تحصيل لذة أعظم. ومن هنا فلا ينبغي علينا أن نبحث عن كل اللذات وبالمقابل علينا ألا نتجنب كل ألآلام . هذا، ويشدد المذهب الأبيقوري على فضيلة القناعة ،أي أن نقنع بما نملك وان كان قليلا . إذ المتعة التي نجدها في تناول الطعام البسيط، ليست أقل من تلك التي نجدها في المآدب الفاخرة، بشرط أن يزول ألألم المتولد عن الحاجة . فقليل من خبز الشعير والماء يجعنا نشعر بلذة عظيمة إذا كانت الحاجة إليهما شديدة. والى جانب تشديده على فضيلة القناعة يؤكد أبيقور على العيش البسيط، دونما أن يعني ذلك التقشف. فالقناعة و العيشة البسيطة لهما أفضل ما يضمن لنا الصحة الجيدة ، وما ييسر لنا الاستجابة لمتطلبات الحياة الضرورية، كما أنهما يجعلننا عند وجودنا أمام ما لذ وطاب من الأكل، قادرين على التمتع بذلك حق التمتع. فتناول ما لذ وطاب من الأكل يوميا ينقص من لذة تمتعنا به. فضلا عن أن تشبثنا بفضيلة القناعة والعيشة البسيطة يجعلننا لا نخشى تقلبات الدهر .[23]
موقف شوبنهاور:
يطرح شوبنهاور في هذا النص إشكالين وهما : ما هو الأصل في هذا العالم؟ أهو الألم و العذاب أم المتعة و الإشباع ؟ وهل السعادة أمر دائم أم أمل عابر ؟
يعتبر شوبنهاور أن حقيقة هذا العالم أو ماهيته هي الألم والعذاب و الحرمان ، أي أن الأصل في الحياة هو الألم والحرمان أم الإشباع و البهجة فهما ليسا سوى أمل عابر أمام الألم والعذاب والشقاء الدائمين. وشوبنهاور ينعت هذه السعادة غير الدائمة العابرة اللحظية بالسعادة" السالبة" ، لأنه سرعان ما يعقبها :"إما شرا مستجدا وإما فتورا وانتظارا" لسعادة لحظية عابرة أخرى .وإذا كان الأمر هكذا، فان هذا ما يفسر لنا عدم اكترتنا بما لدينا من ممتلكات وامتيازات ،لأن السعادة التي تمنحنا إياها ليست سوى إعفاءا لنا من بعض العذابات. ويدلل شوبنهاور على أطروحته بالفن وبخاصة الشعر، حيث نجد موضوع القصيدة الملحمية أو المأساوية لا يمكن أن يكون سوى شجارا أو جهدا أو معركة . وهذه المواضيع كلها تمثل الألم والشقاء الذي يتحمله الإنسان في سبيل تحقيقه سعادة سالبة، أي سعادة لحظية عابرة.
ومن كل ما سبق، نخلص إلى أن الأصل في الحياة بحسب شوبنهاور هو الألم والشقاء، وأن السعادة هي مجرد لحظات عابرة ، تتخلل بين الفينة و الأخرى هذا المسير من الألم والعذاب الذي يحكم حياتنا كلها.[24]
موقف دافيد هيوم :
يعالج دافيد هيوم في هذا النص إشكال علاقة السعادة بالفنون والذوق .إذ يميز هو بين نوعين من الرهافة :" رهافة الإحساس" و"رهافة الذوق".
فالأفراد الذين لهم رهافة في الإحساس يكونون بالغي الحساسية تجاه عوارض الحياة وحوادثها، فأنت تجدهم فرحين بالحياة مقبلين عليها كلما كان هناك أي حدث طيب يمسهم . وبالضد من ذلك شديدي التألم عندما يمسهم ما يحزنهم. وعين الانفعالات التي يحس بها من لديه رهافة الإحساس عند مصادفته لحدث طيب أو لحدث مؤلم، يشعر بها من لديه "رهافة الذوق"، عند مصادفته كل جمال أو قبح أو تشوه . فلما نقدم له قصيدة شعرية أو لوحة فنية، فان رهافة ذوقه تجعل كل جوارحه ترتعش أمام ما يقدم له ، فيتذوق جمال الخطوط التي خطتها يد الرسام، ويتذوق الكلمات التي كتبها الشاعر. وبالمقابل نجده يشعر بالاشمئزاز أمام كل ما ليس بجميل، أمام كل فعل تم انجازه بدون دقة. وبالجملة، فحتى نحصل السعادة - بحسب هيوم – علينا" تهذيب ذوقنا" ليكون راقيا، حتى نتمكن من اختيار وفهم الفنون الأكثر نبلا التي ستشعرنا بالسعادة ، سواء كانت شعرا أو نثرا أو موسيقى أو رسما .[25]
المحور الثالث׃ السعادة و الواجب .
تـقــديــــم :
إن الإنسان باعتباره كائن طبيعي- اجتماعي كان لزاما عليه الدخول إلى القيم الأخلاقية،لكي يتحرر من دوافعه الغريزية وما يمكن أن يترتب عنها من عنف تجاه الآخرين. فبالإضافة إلى ازدواجية الطبيعي والاجتماعي التي تشكل حقيقة الإنسان هناك ازدواجية ثانية تطبع وجوده الأخلاقي هي ازدواجية الإلزام و الإلتزام،إلزامية أخلاقيه تفرضها قيم المجتمع ,والتزام أخلاقي يستمد مبادئه من وعي الإنسان.
من داخل جدلية الإلزام و الإلتزام يطمح الإنسان إلى خلق توازن لبلوغ السعادة باعتبارها الغاية القصوى للفعل الإنساني المتجه نحو تجسيد قيم أخلاقية فردية وجماعية،وتحديد الواجبات التي على كل فرد القيام بها سواء نحو ذاته أم تجاه الغير.وإذا كان الأمر كذلك فان السعادة تبنى داخل علاقات إنسانيه يتشابك فيها واجب إسعاد الذات بواجب إسعاد الغير مما يحفزنا على طرح التساؤلات التالية׃
ما هي علاقة السعادة بالواجب ،هل هي علاقة تكامل أو علاقة إعاقة؟
بمعنى آخر، هل يكمن أساس السعادة في فعل ما نريد،أم في الانصياع للواجب و القانون،طبيعيا كان أو أخلاقيا؟
وإذا كانت هناك علاقة بين السعادة والواجب فهل السعادة واجب نحو الذات أم نحو الغير, أم هما معا؟
وفي الختام كيف يمكن بلوغ السعادة في ظل تمفصلاتها مع مفاهيم الواجب والغير والإرادة؟
موقف ابكتيت :
للإجابة عن هده التساؤلات يمكن الاستئناس بأحد المواقف الفكرية التي حاولت ربط السعادة بالواجب والإرادة والمتمثلة في الفيلسوف الرواقي "ابيكتيت" epectète » ( 125-50) الذي يعتبر من أهم أعلام الفلسفة الرواقية التي ظهرت في نفس الفترة التي ظهرت فيها الأبيقورية وكانت معارضة لها. تنطلق هذه المدرسة من فكرة أن في الطبيعة قانون و عقل و الإنسان جزء من هذه الطبيعة و هنا العقل.وإذا استنتجنا من هنه الفكرة في نظرية المعرفة نتائجها الأخلاقية نجد هنه المدرسة تدعو الإنسان إلى أن يحيا وفق هنه الطيعة إذا أراد إدراك السعادة و تجنب الشقاء، وإلا سيكون متمردا على
القانون الطبيعي.
ويتعرف الإنسان على قانون سيرته في هنه الحياة بالرجوع إلى ميوله الأساسية التي وضعتها الطبيعة فيه لتدله على ما يريد. والميل الأول هو حب البقاء الذي يهديه لتمييز ما يوافقه وما يضاده. و الأبيقورية في نظرهم على ضلال حين رأت أن الميل الأول طلب اللـنة، فما اللذة و الألم إلا عرض ينشأ حين يحصل الإنسان على ما يوافق طبيعته أو بضادها لذلك تنقلب اللذة ألما وشرا إن ظلت لذتها دون النظر إلى مدى مطابقتها للقانون الطبيعي و الإرادة الكلية،ففي تلك المطابقة وحدها الحكمة والخير والفضيلة والسعادة.ولعل ابكتيت لايخرج عن تعاليم مدرسته،فهو يرى على غرارها أن الطريق الموصل إلى السعادة هو الخضوع للقانون الطبيعي و الإردة الكلية التي هي مبدأ كل ما يحدث.ففي العالم أشياء تتوقف علينا وأشياء خارجة عن إرادتنا، فكلما تحركنا في دائرة الأفعال التي تخصنا توصلنا إلى السعادة، في حين يؤدي التحرك خارج هنه الدائرة أو التطلع إلى الأشياء الخارجة عن إرادتنا أو التي توجد تحت سيطرة الغير إلى الإاضطراب والشكوى ،وبالتالي إلى التعاسة. [26]
إن مايجلب للناس التعاسة ليست الأشياء في ذاتها بل الآراء التي لديهم عنها، فالموت حسب ابيكتيت ليس شرا وألما في ذاته ولو كان كذلك لبدا لسقراط كذلك.بل إن الشر يكمن في الرأي الذي لدينا عن الموت بأنه شر وألم فذاك هو الشر أما الموت في ذاته،مطابق للقانون الطبيعي و الإرادة الكلية.فكل الأشياء العرضية كالموت وغيره ليس متعلقا بإرادتنا وليس خيرا أو شرا بالذات بل متعلقا بالإرادة الكلية والقانون الطبيعي،فمن الحماقة أن نهلع لمرض أو نحزن لنكبة وما هذه الإانفعالات لمجدية لدفع هذه الأخطار بل من الواجب أن نعتصم بإرادتنا الفردية ونحتفظ بحريتنا لنرتفع بأنفسنا فوق كل شيء لانخاف،لانحزن بل نقبل كل مايصبنا من رزايا.فمن واجب الإنسان إذا أرادا أن يحيا سعيدا وبإمكانه ذلك أن يعمل على مطابقة إرادته الفردية مع الإرادة الكلية.
موقف كانط :
إذا كانت الرواقية في شخص ابيكبيت قد رأت أن الطريق الموصل إلى السعادة هو الخضوع للقانون الطبيعي، فان "إيمانويل كانط"﴿1724-1804﴾يرى أن هذا القانون أخلاقيا وليس طبيعيا،عقليا وليس مستمدا من الميول الأساسية عند الإنسان.فالسعادة عنده لا يمكن أن تكون مستقلة عن القانون الأخلاقي وعن مبدأ الواجب،لأن ميدان الأخلاق والذي تعتبر السعادة غايته ليس ميدانا لتحليل العواطف الإنسانية كما ذهب إلى ذلك دفيد هيوم،وإلا لكانت المبادئ الأخلاقية مبادئ متنازع عليها. [27]كما أنه لايمكن أن يكون مستمدا من الميول ا لأساسية التي وضعتها الطبيعة في الإنسان كما ذهب إلى ذلك ابيكتيت. معنى هذا أن للأخلاق أصول عامة شامله وصادقة في كل زمان ومكان .ولكن ما الذي يدفعنا لأن نخضع لهذه المبادئ الأخلاقية؟ يجب كانط: «مامن منفعة تدفعني إلى هذا إذ لو كان الأمر كذلك لما أمكن قيام أمر أخلاقي مطلق.». [28]لأن مبدأ الأخلاقية مستقل تمام الاستقلال عن طبيعتنا الحسية فهو مستمد من الصورة الخالصة للعقل دون الاستعانة بالحساسية.كما أن الإنسان نظرا لتميزه بالعقل في غير حاجة إلى الفلسفة أو العلم لفعل ما يجب عليه القيام به،ففي تجربة الصراع بين الضمير والأهواء ينبثق المبدأ العقلي للواجب الذي يلزم لإنسان بتطبيق القانون لإخلاقي حتى ولو تعارض مع ميولا ته ومنطلق هذا الواجب هو الإرادة الخيرة، إذلا قيمة للفضائل بدون هذالإرادة.
من هذا المنطلق صرح كانط أن السعادة باعتبارها كل مطلق مركب من مجموعة من الرغبات يصعب تحقيقه أو تعريفها،لإن جميع العناصر التي تؤلفها هي في جملتها مستعارة من التجربة مما يجعلها مفهوما للخيال وليس للعقل.في حين نجد الإنسان لكونه كائن متناه عاجز عن تحقيق تصور محدد لما يريد.لكن لو انتقلنا من تصور يشرط السعادة بتحقيق رغبة ما أو إقصائها إلى تصور يجعل منها غاية تبنى داخل مجال العلاقات الإنسانية ويجعله منها أيضا موجها لتصرفاته سواء نحو ذاته أم نحو الغير،لأمكن الأمل فيها متى كنا مؤهلين لها بقانون أخلاقي.الشيء الذي يحيلنا على طرح مجموعة من التساؤلات يمكن صياغتها على الشكل التالي:هل السعادة واجب نحو الذات أم نحو الغير،أم هما معا؟وكيف يمكن إسعاد ذاتي وإسعاد الغير؟وما علاقة السعادة بالرغبة و الإرادة؟
موقف راسل و ألان  :
إن الإجابة عن هذا التساؤلات تقتضي منا التمييز بين موقفين،موقف يرى أن الإهتمام بالغير بمودة تلقائية للتعرف عليه وفهم خصوصيته وتفرده يشكلان مصدر إسعاد الغير؛وبالتالي سعادة الذات؛وهو" لبرتراند راسل"وموقف آخر يرى أن السعادة ممكنة عندما تتوفر لدى الإنسان إرادة طلبها،غير أنها لايمكن أن تتجه للغير دون الإلتزام بإسعاد الذات أولا،وهو"ألان" بالنسبة لراسل يدافع عن حق كل إنسان في السعادة، دون أن يكون ذالك على حساب الآخرين، لكن من زاوية أن السعادة الحقيقية لا تكمن في أنواع الموضات والهوايات و التي تعد بمثابة هروب من الواقع بل تنبثق من فكرة التضحية بالذات التي يفرضها الإحساس بالواجب ، بوصفه أمرا أخلاقيا مطلقا وملزما كما ذهب إلى ذالك كان كانط. لهذا تراه- مثلا- يقف على مظاهر الإحراج الذي يطرحه مشكل الواجب الأسري تجاه الأبناء من صرامة وعناية من جهة،ومن جهة أخرى الحرص على المعاملة الطيبة بغية إفساح المجال أمام المشاعر الإنسانية من عطف وحب وسعادة، ولعل هذا الموقف يتضامن مع نظرته للفلسفة التي جعل مهمتها تناول المنطق الخالص و الرموز والتركيبات ولا تعنى بالتشريع لما هو واقعي. ففي عالم الكيانات و العلاقات المنطقية المجردة تنزوي الفلسفة و العقل بعيدا عن تقلبات الشهوة و الانفعال. فراسل يطرد العقل من مجال الأخلاق وهذا ما جعله عندما يتحدث عن سعادة الغير يقول: "* ربما كان حب كثير من الناس تلقائيا وبدون مجهود، أعظم مصادر السعادة الشخصية"* معنى هذا أن الآخر يجب أن يكون محبوبا وليس مقبولا على مضض. في المقابل نجد ألان إميل شارتي يصرح بإمكانية السعادة إذا توفرت للإنسان إرادة طلبها،فمن السهل على المرء أن يكون مستاء، و من السهل عليه أيضا أن يرفض ما تقدمه الحياة من عطايا، لكن بالمقابل من السهل عليه أن يصنع من أشياء قليلة وبسيطة مظاهر السعادة التي يلتمسها في علاقته ب الآخر. بذلك يناشدنا آلان بعدم الاستسلام عند مواجهة الصعوبات وألا نعترف بالهزيمة قبل مواجهة ومقاومة نبذل فيها أقصى ما نملك من القوة. فالسعادة لا توجد هناك بل مرتبطة برغبتنا وإرادتنا. فمن الواجب علينا أن نصنعها ونناضل من أجلها ونعلم الآخرين فن الحياة السعيدة وذلك بعدم التحدث أمامهم عن تعاستنا. فالشقاء واليأس منتشران في الهواء الذي نستنشقه جميعا، هذا يعني أن السعادة واجبة نحو الذات لأن سعادتنا تعني مباشرة سعادة الغير و تعاستنا تعني تعاسة الغير.[29]
إن رفض السعادة حسب ألان هو السبب فيما تعرفه الإنسانية من مآس وحروب، فهذه الجثث و الخراب و التبذير، و التقوقع هي من أفعال أناس لم يعرفوا في حياتهم قط، كيف يكونوا سعداء، ولا يطيقون رؤية كل من حاول أن يكون سعيد. فنحن مدينون بالاعتراف و التتويج، لأولئك الذين تغلبوا على هذه السموم وعملوا على تنقية جو الحياة الاجتماعية. لتصبح السعادة في نهاية المطاف قيمة أخلاقية توجه تصرفات الإنسان في علاقته بذاته وبالآخر.
إذا كان كل من برتراند راسل و آلان قد تحدثا عن السعادة بوصفها غاية تبنى داخل مجالات العلاقات الإنسانية، فإن الفيلسوف المؤمن يؤمن بوجود سعادة أخروية تمثل لذة بلا عناء وكمالا بلا نقصان. ولعل الغزالي لم يحدثنا عن هذا التصور في كتابه" المنقذ من الضلال"حيث يحاول تكييف ثوابت العقيدة الإسلامية مع التجربة الصوفية المتحررة من ظاهر النص في مقاربته لمفهوم السعادة.
إن الشرط الأساسي لتحصيل السعادة عند الغزالي هو قطع علاقة القلب بالدنيا، و كف النفس عن الهوى، ومجاهدة الجسد لكبح رغباته، ثم المواظبة على العزلة و الخلوة والإعراض عن شواغل الحياة التي تشوش صفوة الخلوة وتقليد الأنبياء في المواظبة على العبادات، لأن السعادة تحصل بالقلب وليس بالعقل.
خاتــــــمـــــة :
يسمح النقاش الفلسفي حول مفهوم السعادة أولا بوضعه داخل المجال الأخلاقي القيمي بدلا من النظر إليه من زاوية شخصية فردية ،و ثانيا بادراك تعقيد و لبس هذا المفهوم حتى و إن كان الجميع متفق على أن السعادة هي الغاية القصوى الموجهة لكل سلوك أو فعل إنساني .كما يسمح هذا النقاش بادراك تمفصلات هذا المفهوم مع مفاهيم أخرى كمفهوم الرغبة و الإرادة و الحرية ،و أخيرا وضع هذا المفهوم في اطار العلاقات الأساسية لتصبح السعادة قيمة أخلاقية يلتزم فيها الإنسان بواجب إسعاد ذاته وواجب إسعاد الغير .
 
 
محاور الدرس
1) الحرية و الحتمية.
2) حرية الإرادة.
3) الحرية و القانون.
 
الحرية
مــقـدمــــة:
يعتبر مفهوم الحرية من اكثر المفردات اللغوية جمالية ووجدانية، لذا استحقت اتخاذها شعارا للحركات الثورية و قوى التحرر و الأحزاب السياسية و العديد من الدول و منظمات حقوق الإنسان في العالم، بوصفها قيمة إنسانية سامية تنطوي على مزيج من العناصر الأخلاقية والاجتماعية والوجدانية والجمالية. غير أنها من بين أكثر المصطلحات اللغوية والفلسفية إشكالية؛ فقد تعددت التعاريف الفلسفية التي أعطيت لها، إلى حد لا نكاد نقع فيه على تعريف جامع مانع لها. بيد أن فهمها و تحديد ماهيتها ليس بالأمر المستحيل إذا أمكنا لنا النفاد إلى العالم الذي توظف فيه، ألا و هو عالم الإنسان، باعتبارها حاجة إنسانية أصيلة و جزءا مكونا لشخصية كل إنسان، إن لم نقل أنها كل شخصيته. و كمحاولة منا للدخول إلى عالمها و الوقوف على ماهيتها، نقول أن الحرية تعني عند البعض غياب القيود و القدرة على فعل ما لا ينبغي فعله، و قد تعني مجرد الوعي بما يتحكم فينا من ضرورات و حتميات و أخدها بعين الاعتبار حين القيام بسلوك معين، كما قد تعني التحرر و الوعي بما يتحكم فينا و السعي إلى التحرر منه؛ ذلك أن سيادة هذا المفهوم في معناه الأول و الثاني، هو الذي يفسر الاعتقاد في تميز الظاهرة الإنسانية كيفيا(نوعيا) عن باقي الظواهر الطبيعية. و هو ما يفسر في نفس الوقت، رفض الانتقال بدراستها من المجال الفلسفي إلى المجال العلمي بفعل تفردها و خصوبتها و عدم قابليتها للتجريب عليها. و هي تبعا لذلك لا تخضع لقانون محدد أو حتمية مضبوطة.
و قبل أن نغوص في ثنايا هذا المفهوم، لا بأس أن نعرج على الفلسفة اليونانية - سيما و نحن نعالج مفهوم الحرية من الناحية الفلسفية- ثم نلقي الضوء، بعد ذلك، وبعجالة، على نفس المفهوم كما قاربه الفلاسفة المسلمون.
لقد تناول فلاسفة اليونان مفهوم الحرية بمعان مختلفة؛ فالسفسطائيون كانوا يعتبرون أن الإنسان الحر، هو الذي يسلك وفقا للطبيعة، أما غير الحر فهو من يخضع للقانون. أما سقراط - الذي فضل الموت على التنازل عن أفكاره و حريته، والذي قادته أفكاره و إيمانه بحرية التعبير إلى محاكمته المشهورة كما نعلم – فقد اعتبر أن الحرية تعني "فعل الأفضل" و هذا يفترض البحث، وبلا كلل، عن الأحسن، فاتخذت الحرية معنى التصميم الأخلاقي وفقا لمعايير الخير. و أما عند أفلاطون فتعني "وجود الخير" و الخير هو الفضيلة، والخير محض ويراد لذاته، و الحر هو الذي يتوجه فعله نحو الخير. و مع ظهور أرسطو سيبدأ المعنى الأدق للحرية في الظهور، إذ يربطها بالاختيار:
" إن الاختيار ليس عن المعرفة وحدها بل أيضا عن الإرادة ...و الاختيار هو اجتماع العقل مع الإرادة معا".
أما عند الفلاسفة المسلمين فقد ارتبط الحديث عن الحرية بالحديث عن القدر و "الجبر و الاختيار"، و فيما إذا كان الإنسان مخيرا أو مسيرا. و غير خاف، الحيز الذي أخده هذا الموضوع من نقاش الفرق الكلامية على اختلافها ( المعتزلة، الأشاعرة، المرجئة ...)و التي تراوحت آراء روادها، بين قائل بان الإنسان مجبر على أفعاله، و قائل بان الإنسان ليس مجبرا و بان له قوة و استطاعة، بها يفعل ما اختار فعله، وغيرها من المواقف التي دونتها لنا أقلام الأولين.
هكذا نستطيع الجزم بان مفهوم الحرية طرح و لازال يطرح صعوبات جمة أمام الفلاسفة حين محاولة تعريفه، إلا أننا سنحاول فيما سيأتي من محاور تقديم مواقف و إجابات البعض منهم عن الأسئلة التالية:
· أن نكون أحرارا هل معناه أن نفعل ما يحلو لنا؟ أم أن نتحرر من التبعية لقوانين الطبيعة؟
 
أم أن نتصرف وفقا للعقل أو ضده؟ هل معناه التحرر من قوانين الدولة أم الخضوع لها؟
· هل للحرية علاقة بالأخلاق أم أنها مستقلة عنها معارضة لها؟ ثم كيف تسمح القيم الأخلاقية بتحرر الإنسان و هي في ذاتها تقنين لتصرفاته؟
· ما علاقة الحرية بالإرادة؟ و هل يسمح العيش داخل جماعة (دولة) بالقول بحرية الفرد؟
 
1. الحرية والحتمية:
 
من البديهي أن الحديث عن الحرية لا يستقيم إلا بالحديث عن نقيضها، المتمثل في "الحتمية"، عملا بالقولة الشهيرة" الأشياء تعرف بأضدادها". لذلك سنحاول، بادئ ذي بدء، التعرف على هذا النقيض قبل بيان مواقف الفلاسفة بخصوص مفهوم الحرية.
لقد نشأ مفهوم الحتمية كنقيض لمفاهيم ومبادئ اعتقد أنها هي التي تحكم العالم، كالصدفة والعشوائية والفوضى وغياب النظام والاعتقاد في خضوع العالم إلى قوى غيبية لا سبيل إلى معرفتها أو التحكم فيها على الأقل( هو ما عبر عنه بالجبرية). ويقصد بالحتمية الاعتقاد بأن الظواهر تخضع في نشوئها وتطورها وزوالها، لعوامل مادية مضبوطة يمكن معرفتها والتحكم
فيها. وعلى أساس هذا المبدأ نشأ العلم وأمكن بالتالي تفسير عدد من الظواهر والتحكم فيها وتوقع حدوثها، وهو ما دفع كلود برنار إلى القول بـ "أن العلم حتمي وذلك بالبداهة، ولولاها لما أمكن أن يكون". فكان من الطبيعي أن يوجه تصور من هذا النوع، المحاولات الأولى لنقل الظاهرة الإنسانية، من حقل التناول الفلسفي إلى حقل التناول العلمي؛ فالفرد في مسار نموه وتطوره يخضع لحتميات يمكن معرفتها ومن تم التحكم فيها، وهو الرأي الذي اتفق عليه مجموعة من الفلاسفة والعلماء رغم اختلافهم في جزئياته، من بينهم جون واطسون،مؤسس المدرسة السلوكية، الذي اعتقد أن بإمكانه أن يصنع من الطفل الشخص الذي يريد. و سيجموند فرويد رائد التحليل النفسي الذي اعتبر أن الفرد يخضع لحتميات سيكولوجية، تتمثل في الأثر الحاسم للطفولة في تكوين الشخصية وتحديد استجاباتها في كل المراحل اللاحقة.
وهي أمثلة فقط قد نضيف إليها الموقف السوسيولوجي ومواقف أخرى، أجمعت جميعها على خضوع الفرد لحتميات تقوده – رغما عنه – في الحياة وتوجه سلوكه وتتحكم في إرادته. من هنا تأتي مشروعية استحضار المقاربة الفلسفية الرافضة لكل محاولات إخضاع الإنسان لمناهج لا تتلاءم مع خصوصيته،والداعية إلى النظر إليه في بعده الحي، المتغير، والمتجدد باستمرار.
لن نجزم بأننا سنتناول كل المواقف الفلسفية التي قاربت مفهوم الحرية في علاقتها بالحتمية، ولكن حسبنا أن نبرز آراء البعض منها، خصوصا الذين يحسب لهم إسهامهم الواضح في تناول هذا الموضوع أكثر من غيرهم، الأمر يتعلق بكل من ابن رشد ، سبينوزا، كانط و ميرلوبونتي.
يعتبر ما أتى به أبو الوليد ابن رشد، في معرض حديثه عن مسألة الجبر والاختيار، بمثابة حل، يروم فظ التشابك والاختلاف الذي كان السمة الطاغية على نقاش الفرق الكلامية، ويبين تهافت مواقفها التي تباينت بين الجبرية التي لم تكن ترى في الإنسان سوى كائنا مجبرا على أفعاله، والمعتزلة التي قالت بحريته وشددت عليها، وفرقة الاشاعرة التي جمعت بين الموقفين فيما عرف بنظرية "الكسب". وتكمن جدة موقف ابن رشد في إقراره بحرية الإنسان في إتيان أفعاله، خيرها وشرها وباقي الأضداد الأخرى، مع عدم نكرانه للحتمية التي تتجلى، في اعتقاده، في خضوع الإنسان لقوانين الطبيعة وقوى الجسد المخلوقان من طرف الله.
أما باروخ سبينوزا فيبدأ حديثه عن هذا الموضوع، برفضه التمييز بين الإرادة والعقل، معتبرا أن الإرادة ما هي إلا ميل العقل إلى قبول ما يروقه من المعاني، واستبعاد ما لا يروقه؛ فما يسمى بالفعل الإرادي هو فكرة تتبث نفسها أو تنفيها، وما يسمى بالتوقف عن الحكم هو حالة عدم إدراك الفكرة على نحو مطابق. وبما أن الأشياء، في اعتقاده دائما، معينة بما في الطبيعة الإلهية من ضرورة الوجود والفعل، لم يكن في الطبيعة ممكنات، ولم يكن في النفس إرادة حرة، فالنفس معينة إلى فعل معين بعلة، هي بدورها معينة بعلة وهكذا إلى غير نهاية. إن سبينوزا، بهذا المعنى، يعتبر الحرية، أو بالأحرى الشعور بالحرية مجرد خطأ ناشئ مما في غير المطابقة من نقص وغموض؛ فالناس يعتقدون أنهم أحرار لأنهم يجهلون العلل التي تدفعهم إلى أفعالهم، كما يظن الطفل الخائف انه حر في أن يهرب، ويظن السكران انه يصدر عن حرية تامة، فإذا ما تاب إلى رشده عرف خطأه. مضيفا أنه لو كان الحجر يفكر، لاعتقد بدوره أنه إنما يسقط إلى الأرض بإرادة حرة. وبذلك تكون الحرية الإنسانية خاضعة لمنطق الأسباب والمسببات الذي ليس سوى منطق الحتمية.
ينطلق ايمانويل كانط في معرض تناوله لمفهوم الحرية، من فكرة تبدو له من المسلمات والبديهيات، مفادها أن الحرية خاصية الموجودات العاقلة بالإجمال؛ فهذه الموجودات لا تعمل إلا مع فكرة الحرية. غير أن أي محاولة من العقل لتفسير إمكان الحرية تبوء بالفشل، على اعتبار أنها معارضة لطبيعة العقل من حيث أن علمنا محصور في نطاق العالم المحسوس وأن الشعور الباطن لا يدرك سوى ظواهر معينة بسوابقها، وهذه المحاولة معارضة لطبيعة الحرية نفسها من حيث أن تفسيرها يعني ردها إلى شروط وهي علية غير مشروطة. كما ينص كانط على التعامل مع الإنسان باعتباره غاية، لا باعتباره وسيلة، ذلك لأن ما يعتبر غاية في ذاته ، هو كل ما يستمد قيمته من ذاته، ويستمتع بالتالي بالاستقلال الذاتي الذي يعني استقلال الإرادة. يقتضي هذا المبدأ بان يختار كل فرد بحرية الأهداف والغايات التي يريد تحقيقها بعيدا عن قانون التسلسل السببي الذي يتحكم في الظواهر الطبيعية.
أما إذا انتقلنا إلى نظرية موريس ميرلوبونتي في الحرية، فسنجد أن صاحب" فينومينولوجيا الإدراك"، يشترك مع غيره من فلاسفة الوجودية في القول بان الحرية هي صميم الوجود الإنساني، إلا انه يختلف عنهم في القول بان مجرد حضور الذات أمام نفسها ينطوي هو نفسه على الحرية، إذ أن الوعي ليس سوى تلك المقدرة على الإفلات من كل قيد أو حد، بمجرد التفكير في هذا القيد أو هذا الحد. فالذات تمتلك القدرة على أن تعلو بالفكر على كل قيود خارجية قد تتصور نفسها أسيرة لها. وتبعا لذلك فإن الوعي أو الشعور- فيما يقول – هو بطبيعته انفصال ومفارقة وحرية، لأنه ينطوي في صميمه على حركة مستمرة تنفصل فيها الذات عن الواقع، بفعل تلك الحرية، التي هي في جوهرها، قدرة مباشرة على التحرر من شتى الحدود والقيود. إلا أن ما ينبغي الإشارة إليه في هذا الإطار، هو أن ميرلوبونتي يرفض الحرية المطلقة، بل يعتبر أن الحرية التي تظل حرة بالضرورة، لا تفترق مطلقا عن الحتمية نفسها، مبررا قوله بأننا لو سلمنا بوجود مثل هذه الحرية فسيكون من العسير علينا أن نفهم معنى الالتزام engagement [ما نحققه في الحاضر لابد من أن يندرج في المستقبل محققا في الوقت نفسه شيئا يظل محفوظا، فإذا ما جاءت اللحظة التالية أفادت مما سبقها من لحظات].
ينحو بنا عبد الله العروي منحى آخر في مقاربته لهذا المفهوم، فالحرية في اعتقاده غير متعالية عن الواقع، كما اعتبرها البعض، بل محايثة له، اتخذت قديما طابعا بسيطا ومختزلا بحكم القيود والضوابط التي عرفتها الأشكال التقليدية للمجتمعات، والتي لم تكن تسمح سوى بهامش ضئيل من الحرية. أما في الآونة الراهنة فالحرية لم تعد معطى جاهزا يملكه الفرد مسبقا، بل هو عملية تحرير مستمرة، تحتك بعمليات تحريرية أخرى تخوض معها نفس التجربة لكن بأشكال مختلفة بحكم فرادة الذات وخصوصياتها.
2. الحرية والإرادة:
 
لقد سبق وأشرنا إلى أن الحرية حاجة فطرية لدى الإنسان، جوهرها الاتساق والتوازن الذاتي للشخصية الإنسانية؛ فالناس ولدوا من بطونهم أحرارا، لذا فهي ليست كسبا يحرزه المرء بجهده الخاص، وإن كان الحفاظ عليها يستدعي بذل قصارى الجهد لمواجهة التهديدات المستمرة الهادفة للنيل منها. وعليه فجميع الناس يدركون معنى الحرية، رغم تفاوت مقدار حيازتهم لها. وكلما تعمق وعيهم بها، ازدادوا نزوعا إليها، وذادوا عنها وضحوا في سبيلها. إن شعورنا بالحرية يبدأ منذ اللحظة التي نقدر فيها على الاختيار بين ما نريد ( الإرادة) وما لا نريد، فامتلاكنا القدرة على الاختيار بالقبول أو الرفض، يؤكد امتلاكنا للحرية. لكن هل يعني امتلاكنا للإرادة، أننا أحرار في تقرير شؤون الحياة المختلفة؟ وهل الإرادة شرط للحرية؟ ثم إلى أي حد تصدق مقولة سارتر"نحن مجبرون على الحرية" (رغما عن إرادتنا)؟
نبدأ الخوض في هذا الموضوع، بإدراج تصور فلسفي إسلامي يمثله أبو بكر محمد ابن باجة، الذي لم يشكل استثناءا للقاعدة، على اعتبار أن تناوله لمشكل الحرية يندرج، بدوره، في إطار مسألة الجبر والاختيار، التي كما اشرنا سابقا، شكلت موضوع نقاش الفلاسفة المسلمين بمختلف مشاربهم ومواقفهم. لقد ميز ابن باجة في أفعال الإنسان بين، تلك التي يختارها عن إرادة (الإرادة الكائنة عن روية)، وهو يسميها أفعالا إنسانية، لأنها خاضعة للفكر، يحركها ما يوجد في النفس من رأي أو اعتقاد، ويسبقها تدبير وترتيب، وبين الأفعال البهيمية التي يتقدمها في النفس، الانفعال النفساني فقط، بمعنى أنها مجرد ردود أفعال آلية ، ميكانيكية، خالية من كل تدبير مسبق، وغير مؤسسة على تفكير قبلي؛ فكسر إنسان لعود خدشه لمجرد أنه خدشه، يعتبر فعلا بهيميا. أما كسره لئلا يخدش غيره، أو عن روية توجب كسره، فذلك فعل إنساني.
بعيدا عن موقف ابن باجة، يمكن أن نقول أن ج. ب. سارتر هو فيلسوف الحرية بامتياز، وكيف لا وهو قد نصب نفسه منذ البداية خصما لذودا لكل لون من ألوان الجبرية. لقد رفض هذا الفيلسوف في كل من كتابيه " الوجود والعدم" و" نقد العقل الجدلي" شتى المحاولات المبذولة في سبيل الهبوط بالإنسان إلى المستوى البيولوجي الصرف. فالحرية هي نسيج الوجود الإنساني، والشرط الأول للعقل هو الحرية: "إن الإنسان حر، الإنسان حرية... الإنسان محكوم عليه أن يكون حرا، محكوم عليه لأنه لم يخلق نفسه وهو مع ذلك حر لأنه متى ألقي به في العالم، فإنه يكون مسؤولا عن كل ما يفعله". هكذا يتحكم الإنسان –حسب سارتر- في ذاته وهويته وحياته، في ضوء ما يختاره لنفسه بإرادته ووفقا لإمكاناته.
مع فيلسوف ألمانيا الأشهر،إيمانويل كانط، سنتحدث عن اصطلاح، سلطان الإرادة، الذي هو المبدأ الأسمى للأخلاق،والذي يحافظ على كرامة الإنسان. فالإرادة هي مصدر الأمر الأخلاقي المطلق والإنسان الموجود في العالم العقلي، حيث أن إرادة الإنسان الموجود في العالم الحسي، تخضع لإرادة الإنسان الموجود في العالم العقلي، والذي هو في النهاية إنسان واحد. فصورة الحرية التي نستطيع أن نفكر فيها دون أن نعرفها، ليست فقط مما يتطلبه إحساسنا بالواجب، إذ تتمشى هذه الصورة مع سيطرة مبدأ السببية على العالم الظاهري. فالإنسان من حيث هو كائن ظاهري في ذاته، فإنه حر، فهو لا يستطيع أن يعرف ماذا تكون حريته تلك، بيد أنه يعلم أنه حر. إن إرادة حرة وخاضعة ،في نفس الوقت، للقانون الأخلاقي هي –في نظر كانط – شيء واحد.
إلا أن ما توصل إليه كانط، يزعم أرثور شوبنهاور أنه يستطيع تجاوزه والكشف عن الطبيعة الحقيقية للشيء في ذاته. فهو يعتقد عن طريق حدس مباشر أنه اخترق ستار الظواهر ووجد الشيء في ذاته. وهذا الشيء في ذاته هو الإرادة؛ فالحقيقة الواقعية النهائية ،هي الإرادة، لان الذهن ما هو إلا تجل للإرادة، التي تجعل نفسها متفردة ومختلفة فيك، وفي، وفي أشخاص آخرين منفصلين، وفي أشياء عالمنا الظاهر وفقا لمبدأ العلة الكافية. إن هذه الإرادة حرة، لأنه لا شيء يمكن أن يحدها أو يقيدها، ونحن في عالم الإرادة يطابق كل منا الآخر ويطابق الطبيعة بأسرها.
أما فريديريك نيتشه، الذي تأثر كثيرا بأفكار شوبنهاور- خصوصا في بداياته الأولى- فقد رفض الأحكام الأخلاقية النابعة من التعاليم المسيحية، معتبرا أنها سيئة وأنها أكدت، تأكيدا زائفا على الحب والشفقة والتعاطف، وأطاحت ،في المقابل، بالمثل والقيم اليونانية القديمة التي اعتبرها أكثر صدقا وأكثر تناسبا مع الإنسان الأعلى. فهذه الأخلاق – بالمعنى الأول – مفسدة تماما للإنسان الحديث الذي يجب أن يكون "روحا حرة" ويتبث وجوده ويعتمد على نفسه ويستجيب لإرادته. لقد ظل نيتشه، بوجه عام، يعتقد بان الحقيقة القصوى للعالم هي الإرادة، ومثله الأعلى الأخلاقي والاجتماعي هو " الرجل الأوربي" الجيد، الموهوب بروح حرة، والذي يتحرى الحقيقة بلا خوف، ويكشف عن الادعاءات الكاذبة والخرافات، ولذلك نجده قد أهدى كتابه "إنساني مفرط في الإنسانية" إلى ذكرى فولتير الذي رأى فيه نموذج الروح الحرة التي لا تقيدها عادات، ولا تسلك إلا وفق إرادتها الحرة. يقول صاحب " هكذا تكلم زاردشت" على لسان هذا الأخير: " حرا تسمي نفسك، أريد أن أسمع هاجسك المسيطر، لا أن تقول لي بأنك قد خلعت النير عن كاهلك، وهل أنت ممن يستحق أن يخلع النير عن كاهله، لأنهم كثر أولائك الذين فقدوا أي قيمة لهم عندما تحرروا من عبوديتهم".
من جهة أخرى، عمل ألكسيس دوطوكفيل على تتبع علاقة الحرية بالإرادة، في ظل مجتمع ديمقراطي ( المجتمع الأمريكي من خلال كتابه: الديمقراطية في أمريكا)، فتوصل إلى استنتاج في شكل سؤال نبلوره على الشكل التالي: هل تعني المساواة في الحقوق السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية... تحرر الإنسان وحصوله على حريته النابعة من إرادته؟
يعتبر دوطوكفيل أن المساواة تفضي إلى اتجاهين اثنين: إما الاستقلال المباشر للأفراد والذي قد تنجم عنه حالات من الفوضى، وإما أن يجد الأفراد أنفسهم –بعد مدة طويلة ورتيبة لكنها آمنة – يتجهون نحو العبودية، والتي هي عبودية لا تدرك بسهولة، ولكنها تعاش.
وقبل أن نترك دوطوكفيل الذي يعد مونتسكيو الثاني، لابأس أن نورد تعبيرا مجازيا له يشبه فيه الحرية بالهواء، يقول: " يظهر لي أن الحرية تشغل في عالم السياسة الموقع الذي يشغله الهواء في العالم" بمعنى أن الحرية هي هواء نتنفسه، وغيابها نحس به مثلما نحس بالاختناق عند نقص الهواء.
3. الحرية والقانون:
 
لما كان الإنسان قد ولد وله الحق الكامل في الحرية والتمتع بلا قيود بجميع حقوق ومزايا قانون الطبيعة ، في مساواة مع أي شخص آخر، فإن له بالطبيعة الحق، ليس في المحافظة على حريته هذه فحسب، بل أيضا في أن يحاكم الآخرين، إن هم قاموا بخرق هذا القانون ومعاقبتهم بما يعتقد أن جريمتهم تستحقه من عقاب. من هنا وُجد المجتمع السياسي، حيث تنازل كل فرد عن سلطته الطبيعية وسلمها إلى المجتمع في جميع الحالات التي لا ينكر عليه فيها حق الالتجاء إلى القانون الذي يضعه المجتمع لحمايته.
هكذا، وبعد أن كان الأفراد يحكمون على أفعالهم وسلوكاتهم حكما شخصيا، أصبح المجتمع هو الحكم الذي يحكم على أساس قواعد قائمة- قانون- تطبق على جميع الأطراف، فصرنا نتحدث منذئذ عن الحرية في إطار المسؤولية، أو عن الحرية المقننة، أي الخاضعة لترسانة من القوانين التي تبين الحدود التي لا ينبغي تجاوزها والمسالك التي يمكن للفرد أن يسلك وفقها، لذلك يحق لنا أن نتساءل:
· هل بإمكاننا الجمع بين الحرية، بما هي إرادة واختيار، والقانون، بما هو إلزام؟
· كيف نستسيغ أن يفقد الإنسان راضيا حريته المطلقة، ويقبل الخضوع لحكم القانون؟
· ثم ألا يمكن أن يعثر الإنسان داخل الحرية المقننة، على ما هو أفضل له من العيش داخل الحرية المطلقة؟
 
لا يعول صاحب " اللوفياتان" ، توماس هوبس، كثيرا على القانون، فهو يعتقد أن كينونة الحرية في الإنسان هي الدافع أساسي لإعمال حريته وليس القانون، مضيفا أنه إذا لم يكن الإنسان حرا بحق وحقيقة، فليس هناك موضع للإدعاء بأن هذا الإنسان يكون حرا فقط عندما يكون تحت نظام قانوني معين... إذ تبقى الحرية عند هوبس نصا يمتلك معنى واسعا، ولكنه مشروط بعدم وجود موانع لإحراز ما يرغب فيه الإنسان، فالإرادة أو الرغبة لوحدها لا تكفي لإطلاق معنى الحرية. وهوبس كغيره من رواد الفكر السياسي الغربي، يؤمن بأن حرية الإنسان تنتهي عند حرية الآخرين، فقد رفض الحرية الزائدة غير المقيدة، إذ أكد بأن الحرية ليست الحرية الحقيقية لأنها خارجة عن السيطرة، بالأحرى سيكون الإنسان مستعبدا من خلال سيادة حالة من الخوف المطرد المستمر. إن المصالح الشخصية الخاصة وحتى الحياة نفسها ستكون عرضة للرعب والذعر، من قبل الآخرين أثناء إعمالهم لحرياتهم. فالحرية المطلقة تقود إلى فقدان مطلق للحرية الحقيقية.
غير بعيد عما توصل إليه هوبس، يعرف مونتسكيو الحرية بقوله: " أن يقدر المرء على أن يعمل ما ينبغي عليه أن يريد، وألا يكره على عمل ما لا ينبغي أن يريد". هي الحق في أن يعمل المرء ما تجيزه القوانين العادلة، فإذا كان للمواطن أن يعمل ما ينهى عنه، كان لغيره نفس هذا الحق، فتتلاشى الحرية. يربط مونتسكيو إذن الحرية بالقانون، وهو ربط نابع من خلفيته القانونية، بحكم أنه مؤلف كتاب " روح القوانين" الذي كان له تأثير غير قليل في تطور دستور فرنسا، وقد اشتهر عنه قوله، أن المملكة التي توجدها الحرب، تحتاج إلى حرب لتحافظ على كيانها. فالحرية بهذا المعنى ستظل محافظة على تعريفها القديم المتمثل في أن يفعل الإنسان ما يشاء وأن يستجيب لنداءاته الداخلية الحرة، مع تذكيره بدون انقطاع بألا يخرج فعله هذا عن الإطار القانوني للدولة. ان موقف مونتسكيو هذا سيلاقي دعما ومساندة من طرف بنيامين كونستانت الذي يعتبر بأن الحرية هي الاستمتاع الهادئ بالاستقلال الفردي، فالكل يحلم بحرية هادئة بعيدة عن المصاعب والمشاق، لكن المصاعب هي جزء من الحياة وتكوينها، لأننا لا نعرف قيمة الحرية إذا لم نضعها فوق المحك، وكونستانت وضع بالفعل حريته في المحك، حينما نفاه نابليون بونابرت أحد عشر عاما، جراء معارضته لتصرفاته. فهو رغم إشادته بوجود قانون ينظم العلاقات بين الأفراد داخل المجتمع، رفض أن يصبح هذا القانون نفسه أداة في يد واحدة، تتصرف فيه وفق ميولاتها ونزواتها الخاصة دونما اكتراث بمطالب وآراء أفراد الشعب أو من ينوب عنهم.
أما المفكر المغربي الكبير عبد الله العروي، فلن يتناول مفهوم الحرية بشكل نظري صرف، بل سيحاول البحث عن تجليات وتمظهرات هذا المفهوم داخل المجتمع وداخل الحياة السياسية، مميزا بين الأشكال التقليدية التي كانت تسمح بنوع محدود من التحرر بفعل الحواجز التي كانت تجابه بها الفرد أينما حل وارتحل، والتي هي من نوع عائلي أو طائفي أو قانوني أو شرعي، وإذا حاول تخطي أي من هذه الحواجز، واجه صراعا قلما يخرج منه سالما مع ممثلي كل نوع من أنواع الحواجز المذكورة. أما الأشكال الحديثة للفعل الحر فهي تتخذ طابع عملية تحرير مستمرة تدخل في صراعات متعددة مع كل الهيئات التي تمثل القانون، ينتج عنه تقلص أو تمدد لحرية الفرد. فالحرية حسب العروي مرتبطة أشد ما يكون الارتباط بمستوى تقدم الطبقة أو المجتمع الذي ينتمي إليه الفرد. من جهة أخرى يعتبر صاحب " مفهوم العقل" أن الحديث عن الحرية لا يستقيم خارج إطار الدولة التي تنصب نفسها كضامن لحريات أفرادها، وهي نقطة يلتقي فيها مع هيغل الذي اعتبر الدولة أداة لعقلنة المجتمع وإحدى أبرز تجليات تحقق العقل في التاريخ.
وفي ارتباط بالممارسة السياسية، التي يتجسد فيها مفهوم الحرية بشكل أوضح، تحاول حنا أردنت تأسيس الحرية، في إطار قانوني ينظم العلاقات بين الحاكم والمحكومين وتجنب الخوض في هذا المفهوم باعتباره مسألة باطنية. ذلك أن اعتبار الحرية حقا يشترك فيه جميع الناس، يفترض توفر نظام سياسي وقوانين ينظمان هذه الحرية، ويحددان مجال تعايش الحريات. أما الحديث عن حرية داخلية، فهو حديث ملتبس وغير واضح. إن الحرية، حسب أرندت، مجالها الحقيقي والوحيد هو المجال السياسي، لما يوفره من إمكانات الفعل والكلام، والحرية بطبعها لا تمارس بشكل فعلي وملموس، إلا عندما يحتك الفرد بالآخرين، إن على مستوى التنقل أو التعبير أو غيرها، فتلك هي إذن الحرية الحقيقية والفعلية في اعتقاد صاحبة " وضع الإنسان المعاصر".
خاتمة:
يبدو لنا ، من كل ما تقدم على أن مفهوم الحرية مفهوم زئبقي، كلما اعتقدنا أننا قبضنا عليه، يعود ليفلت من جديد ، فإذا كنا نتفق مع جول لكي، على أن الحرية هي القدرة على التصرف بأفكارنا وسلكها في نظام غير محتوم، و أنها هي الحقيقة الأولى السابقة على كل حقيقة، فإننا نتفق أكثر مع ميرلوبونتي الذي يرى بأن هناك تفاعلا مستمرا وتداخلا متصلا، بين الذات التي تتصرف من جهة وبين المواقف – أو الظروف- التي تجد نفسها إزاءها من جهة أخرى. وقد يستحيل في بعض الأحيان أن نحد نصيب الحرية ونصيب الظروف في كل فعل من الأفعال التي تقوم بها الذات الإنسانية. فالحرية الإنسانية، في اعتقاده كما في اعتقادنا، ليست حرية مطلقة، بل هي دائما حرية مجاهدة liberté militante .
 
 
 
 
 
 
 
2- الحرية
 
 
 
 
مقـدمة :
إن الإنسان لهو في الأصل موجود طبيعي و لكنه بين كائنات الطبيعة جميعا أشدها حنينا إلى التخلص من جبرية الظواهر، و أقواها نزعا نحو التحرر من أسر الضرورة، و على الرغم أن الإنسان هو الموجود الوحيد الذي لا يكاد يكف عن تكذيب شهادة شعوره، واضعا وجود نفسه موضع تساؤل و من هنا فإننا ما نكاد نتحدث عن مشكلة الحرية حتى يتملكنا دوار عقلي عنيف فإننا نعرف أن هذه المشكلة هي مشكلة صراعه مع الطبيعة و المجتمع و الماضي و الله نفسه.و قد حاول الإنسان أن يحطم هؤلاء الأغيار حتى يثبت لنفسه أنه حر فكم يلبث أن و جد نفسه وحيدا لا تستند حريته إلى شيء. ثم خيل إليه أن لديه من الإرادة ما يستطيع معه أن يبرهن عمليا على حريته فسرعان ما وقع فريسة لإرادة الفناء التي هي قضاء على كل إرادة.
و لكن ماذا عسى أن تكون هذه الحرية التي أراد الإنسان أن يجعل منها بداية مطلقه أو
خلقا من العدم؟ أ تكون هذه القدرة البشرية الفائقة مجرد تفسير عن نزوع الإنسان نحو الألوهية؟ أم هل تكون الحرية مجرد صدا عقلي لذلك النزوع الوجداني الذي ترفع الإنسان إلى أن ينشد القدرة المطلقة ؟ أم هل نقول إن الحرية هي منحة خبيثة توقعنا في الشر والهوى دون أن يكون في وسعنا يوما أن نتنازل عنها؟ و بتعبير آخر هل الإنسان حر فيما يأتيه و ما يصدر عنه من أفعال أم أنه خاضع لقوى خارجية أو داخلية لا يعلم منها شيئا ؟ و بالتالي هل يتحمل الإنسان مسؤولية أفعاله أم أنه قاصر تسقط عنه المسؤولية مادام ناصفا للقانون و الضرورة شأنه شأن الأشياء الفسيحة ؟ و من هذا هل الإنسان مخير أم مسير؟ و ماذا يعني أن يكون الإنسان حرا؟ أفي إتيان ما يريد أو في الامتناع عن تحقيق دوافعه أم في الجمود و الخمول و الفتور؟ أو ما علاقة الحرية بالإرادة؟ و إذا كان الإنسان كائنا حرا إجتماعيا يعيش داخل دولة تحكمها القوانين في علاقة الحرية بالدولة وبالتالي ما علاقتها بالقانون؟ هل الدولة ترسيخ لحرية الفرد من خلال تصنعه من حقوق وما تفرض عليه من قوانين وواجبات؟أليس في القوانين المفروضة عليه قضاء على حريته و إلغاء لمفهوم الحرية؟ ألا تكون الدولة تقييدا أو استعبادا لنا؟وإذا سلمنا بالحرية داخل الدولة مادامت تضمن لنا حقوقنا :فما هو الحد المشروع الذي ينبغي أن تتوفق عليه سيادة الفرد نفسه؟ و أين تبدأ سلطة المجتمع؟ و ما هو القدر الذي ينبغي أن نعهد به إلى الفردية؟ و القدر الذي الذي ينبغي أن نعهد به إلى المجتمع في صميم سيادتنا البشرية؟
I - الحرية و الحتمية :
الواقع أن الحرية لا يمكن أن تفهم إلا في ضوء نقيضها ،لأنها لو كانت مطلقة لأصبحت كلمة جوفاء لا تعني شيئا و لا تدل على أي شيء . حقا إن بعض الفلاسفة يأبى أن ننسب إلى الحرية مفهوما سلبيا لأنه لا يريد أن تكون الحرية مجرد إنكار للضرورة و لكن من المؤكد أن فهم الضرورة قد يساعدنا على تحديد معنى الحرية، و قد ظهرت الضرورة عند اليونان أول ما ظهرت على صورة فكرة القدر، فترددت في المأساة اليونانية باعتبارها تلك الضرورة التي لا يمكن للإنسان أن يخضع لها ولكن اليونان تصوروا الضرورة على نحوين فقالوا أولا بوجود ضرورة عمياء يخضع لها الآلهة والناس و الكائنات على حد سواء وقالوا ثانيا توجد ضرورة أخرى يقتضيها القانون الأخلاقي الذي يخضع له المرء حتى يسير في حياته سيرا مستقيما .
فإذا ما نظرنا إلى مذاهب فلاسفة اليونان، نجد أن الضرورة قد ظهرت عند ليوكبس الذي قال : يوجد قانون يسبب انفصال الذرات من الخليط الأول و انحدارها من الكون من أجل تكوين الأشياء كما ظهرت عند أفلاطون الذي جعل من الضرورة آلهة تحت مركز العالم كما وردت عند أفلاطون في أسطور الإرER الذي تجعل الكون يدور حول محور من الضرورة ثم ظهر هذا التعارض بين الضرورة والحرية بشكل واضح عند مفكري اليونان حينما ناصر الأبيقوريون الحرية بينما نادى الرواقيون بالضرورة.
1 - العقل بين الجبر و الاختيار
 
لقد تحول التفكير في الحرية داخل الثقافات الإسلامية إلى التفكير في علاقة في علاقة الفعل الإنساني بالفعل الإلهي و قد شكل هذا الموضوع أحد أهم النقاشات التي عرفها علم الكلام . فالجبرية قالت بان الإنسان موجد لأفعاله وخالق لها إذ لو افترضنا أن الإنسان موجد لأفعاله و خالقا لها، فقد سلمنا بان ثمة أفعال لاتجري على مشيئة الله و اختياره، و قلنا يوجد خالق ثان غير الله بيد أن الحرية تقدم لها نصيرا بين مفكري الإسلام في شخص المعتزلة الذين ذهبوا إلى أن الإنسان خالق لأفعاله لان القول بعكس ذلك يبطل التكليف بهدم الدين أم الأشاعرة فقد حاولوا الجمع بين الموقفين ماسمي بنظرية الكسب.
ولما اشتد الخلاف في الإسلام بين أنصار الحرية و خصومها ظهر محاولات جديدة بقصد التوفيق بين القول بإرادة حرة و القول بالقضاء و والقدر يقول ابن رشد (إن الله خلق لنا قوى نقدر بها أن نكتسب أشياء هي عبارة عن أضداد، و لكن اكتساب تلك الأشياء لا يتحقق لنا إلى بمواتات أسباب سخرها الله لنا من خارج فالأفعال المشوبة إلينا تتم بالأمرين معا أعني بإرادتنا و بالأسباب الخارجية) حتى إن ابن رشد سلم بحرية إرادتنا لكنه لا يذكرون وجود الضرورة أصلا يقول : إذا و رد علينا أمر مشتها من خارج اشتهيناه بالضرورة من غير اختيار و تحركنا إليه. تكون إرادتنا الباطنية معلولة للأسباب الخارجية ليس إلا توكيدا للنظرية القائلة بالقضاء و العدل بهذا يضحي ابن رشد بالحرية لحساب حريته لا هوتية.
2- الحرية و الحتمية
 
في إطار إشكال علاقة الحرية الإنسانية مع الحتمية و الضرورة ينفي اسينوزا الحرية على الفعل الإنساني وعن كافة الأشياء الأخرى و يعتبر المخلوقات جميعها محددة بعلل خارجية بمعنى أنها خاضعة لمنطق الحتمية. و هي لايعدم حجة يدافع بها عن رأيه : لنتصور مثلا حجرا متدحرجا بقوة خارجية يستمر بعدها هذا الحجر في حركته رغم توقف القوة الدافعة له و هذا الاستمرار هو فعل إكراه بسبب العلة الخارجية. وهب أن هذا الحجر قادر على التفكير ففي هذه الحالة سيعتقد أنه حر في إرادة التحرك لأنه لا يعي سوء الجهد الذي يبذله له و يجهل تماما العلل الخارجية التي تتحكم في فعله حقيقة يقول اسينوزا : عن النفس لا تنطوي على أية إرادة حرة أو مطلقة بل هي مجبورة على أن تريد هذا أو ذاك بمقتضى علة هي أيضا مشروط بعلة أخرى، و هذه العلة محددة بدور علة أخرى و هكذا إلى مالا نهاية. و هكذا كل ما يحدث في الوجود يرجع في نهاية الأمر إلى تلك العلة الأخرى أي انه يصدر ضرورة عن طبيعة الله المطلقة بيد أن اسبينوزا يقول في موضع إن الإنسان الحر هو ذلك الذي يعمل وفقا لمناهج العقل، فلا يكون سلوكه ناجم عن الخوف من الموت، بل يكون مبعثه الرغبة في الخير رغبة مباشرة و معنى هذا إن اسبينوزا يقول بنوع من الجبرية الخلقية.
أما كانط فيعتبر الحرية خاضعة لنوع من أنواع السلبية ألازماني يقول على القدرة على تأسيس حالة ما تأسيسها ذاتيا و هكذا تكون الحرية عن فكرة متعالية عن التجربة و إذا كان سبب الحرية لازما بنا فإن السبب الطبيعي حسب كانط يقوم على الترابط المنطقي بين السابق و اللاحق و من الجدير بالملاحظة عند كانط الإشارة إلى أن الحرية بالمفهوم العلمي تعني الاستقلال في الحكم عن إكراهات ميول الحساسية. حسب كانط إذن إننا خاضعون لقوانين الضرورة في جانبنا الذي يخضع للزمان و يتحقق في عالم التجربة و بذلك فإن أفعالنا مرتبطة ارتباطا ضروريا لما قد تقدمها. و في وسعنا أن نقرر أننا أحرار في طابعنا الخلقي حسنا كان أم رديئا، و نحن الذين نخلق بأنفسنا هذا الطابع الخلقي بفعل حر حال على الزمان بل قد تكون ذاتنا الحقيقية المعقولة هي التي تريد أن تكون خيرة أو شريرة بفعل لا زماني،فتجيئ حياتنا الزمنية فتكون بمثابة تغير مرئي عن ذلك لاجتياز الأصلي الذي تحققه الذات المتعالية. و هكذا يقرر كانط أننا أحرار مجبرون فنحن أحرار إذا نضرنا إلى ذاتنا المتعالية على الزمان و نحن مجبرون إذا نظرنا إلى ذاتنا التي تتحقق في الزمان.
و في الفلسفة المعاصرة يرفض ميرلوبونتي فكرة الحرية المطلقة كما تصورها سارتر كما يرفض فكرة الحتميات الطبيعية و النفسية و الاجتماعية المعتمدة في العلوم الإنسانية . فالإنسان كائن موضوعي موجود في العالم ومع الآخرين و وجودهم معطى تلقائي محكوم بعوامل تاريخية و نفسية و اجتماعية لكنه في خضم هذه الإكراهات و العوامل المترابطة يستطيع تغيير تجاه حياته، كما يستطيع أن يمنحها معنى بشكل حر و إرادي، إنها عوامل ليست ضرورة حتمية بل عرضية يمكنها أن تحدث أو لا تحدث.
و يذهب العروي إلى أن أغلب العلماء الطبيعيين يتكون في مبدأ الحرية الإنسانية و يعتبرون أن الشعور الذاتي بها يخفي جميلا مؤقتا بالدوافع الحقيقية لاختيارات البشر، إذا كان العلم في بداية العهد الحديث اعتبر وسيلة لتحرير الإنسان من قيود الطبيعة فإن التجربة أظهرت في هذا القرن أن العلم قد يخدم الحرية كما يحاصرها و يقضي عليها.
П الحرية و الإرادة :
 
 
 
1- حرية الإرادة
 
تتحدد الحرية في مدلولها العام ، بأنها الفعل الإنساني الغير المقيد ، أما في لسان العرب فإن الحرية معناها التحرر و الحرية هي ضد العبودية ، أما في الميدان الفلسفي ، فتعتبر الحرية من أقدم المشكلات الفلسفية و أعقدها ، إذ تصدى لها الفلاسفة اليونان ، ومازالت مركز الاهتمام الفلاسفة و مفكري اليوم .
وقد ارتبط هذا المفهوم اشد الارتباط ،بمفهوم الإرادة باعتبارها شرط للحرية وفي هذا الصدد يقول بوسوية " كلما بحنث في أعماق قلبي عن السبب الذي دفعني إلى الفعل لن أجد فيه غير إرادتي ، ومن هذا المنطلق تطرح مجموعة من التساؤلات :
· هل يمكن نسبة الحرية إلى إرادتنا أم أن الحرية في غنى عنها؟
· هل الإرادة شرط للحرية ؟
· ماذا نعني بالإرادة ؟
 
لقد اعتبرت المدرسة العقلية بقيادة ديكارت ، أن المعرفة هي المجال الحقيقي الذي تستطيع فيه الإرادة الحرة ، أن تختار فيه الحرية ، وأن تصدر أحكامها ، وهكذا فإن ما يعصم من الوقوع في الخطأ هو حرية الإرادة و الاختيار و حسن استعمالها ، ومن هذا فإن ديكارت من خلال نصه الإرادة هي حرية الاختيار " المقتطف من كتابه التأملات .يرى أن هناك فكرة أساسية مفادها أن الأحكام التي نصدرها عن الأشياء ،تكون معقولة كلما كانت الإرادة حرة وهذه الإرادة تكون سابقة عن الفعل بعيدا عن المؤثرات و الضغوطات الخارجية .
 
إذا كانت المدرسة العقلية قد اعتبرت أن مجال المعرفة هو مجال ممارسة الإرادة الحرة ،فإن المدرسة الأخلاقية النقدية مع كانط اعتبرت أن مجال الوحيد الذي يمكن التكلم فيه عن إرادة حرة هو مجال الأخلاق ،وفي هذا السياق نجده يقول : "إن الإنسان بوصفه كائنا عاقلا يستطيع اعتمادا على إرادته الحرة ، وضع القواعد العقلية للعقل الإنساني و الخضوع لهذه القواعد " وهذا مايتضح من خلال نصه "الإرادة الحرة " المقتطف من كتابه " أسس ميتافيزيقيا الأخلاق " الذي يرى فيه أن الحديث عن وجود إرادة حرة ، لا يستقيم إلا خارج دائرة الرغبات و الميولات و هو بذالك يقصي البعد الحسي الغريزي من مجال الفعل الإنساني جماليا كان أو أخلاقيا. مثله مثل – شوبنهاور - الذي يرى أن كل إنسان في هذا العالم له إرادة في العيش غير عقلانية، لأنها تسند إلى رغبات و طموحات نفسية و لمعالجة هذه الإرادة النفسية في العيش، لابد من وجود أخلاق تدعو إلى الشفقة و نكران الذات و تطالبا بالعدل للتوفيق بين أنانيتها و أنانية الآخرين.
 
اما في القرن 18 و في إطار علاقة الحرية  بالإرادة في ظل مجتمع ديمقراطي فنجد أليكسيس دوطوفكيل يعتبر أن حق الإنسان في الحرية كحقه في الحياة، فبقدر ما عنده من إرادة  بقدر ما عنده من حرية  وهذا ما نجده في كتابه – الديمقراطية في أمريكا -حيث إن المساواة تبعد الفرد عن العبودية ليتمتع بإرادة حرة و آمنة، فالإرادة هي التي تدفعه لممارسة حريته السياسية داخل المؤسسات الاجتماعية         و الاقتصادية و السياسية، بعيدا عن الضغوطات التي  تفرض عليه من الخارج، و لذلك  فإن أليكسيس يميز بين نوعين من الحرية : 
 
· الحرية النسبية : هو الخلاص من القسر و الإكراه الإجتماعي، و الحر هو الذي يأتمر بما أمره القانون، و يمتنع عما نهى عنه و الغرض في ذلك هو ضمان الاعتراف بحقوق الغير و احترام حرياتهم الإرادية، و هو الطريق الآمن و الأطول نحو العبودية .
· الحرية المطلقة: هو حق الفرد في الاستقلال عن الجماعة التي انخرط فيها، و قد يدفعه هذا الاستقلال نحو الفوضى و التجرد بشكل مفاجئ.
 
إذا انتقلنا إلى الفلسفة الوجودية، فإن الحرية قد احتلت مركز الصدارة في فلسفة جون بول سارتر، فهو يرى أن الإنسان ليس حرا فقط بل هو الحرية نفسها فالحرية ليست صفة تضاف إلى الطبيعة الإنسانية، و ليس خاصية من خصائصها بل هي نسيج الوجود الإنساني و في هذا السياق يقول : ليس الوجود شيء يقدم إلي بل أنا أهب الوجود إلى نفسي. و يتأكد هذا الموقف من خلال نصه- الإرادة شرط للحرية-المقتطف من كتاب الوجود و العدم يرى أن الإنسان هو الذي يصنع ماهيته و صفاته بنفسه، فالفرد قادر على صنع ماهيته حسب إرادته الحرة، دون أن تكون لظروف خارجية أو لأي قوة تأثير على حريته،وسارتر أكد حرية الفرد و قدرته على اختيار أفعاله بنفسه، لان الوجود سابق على ماهيته.
.لقد ارتبط مفهوم الحرية في الفكر الإسلامي بمسألة الجبر و الاختيار، و هذا ما نجده عند ابن باجة حيث يميز بين نوعين من الأفعال:
· أفعال اختيارية مرتبطة بالإنسان أي أن الفعل الإنساني هو فعل إرادي واختياري، و هو الذي يحدد بنيته الشخصية فيساعده ذلك على الرؤية و التفكير السليمين و الإصابة في الآراء و الأحكام و أخرى إصرارية مرتبطة بالحيوان أو ما يسميها ابن باجة بالأفعال البهيمية لأن الإنسان كائن عاقل و هذا ما يميزه عن باقي الكائنات أما إذا عدنا إلى الكتاب المقرر و ألقينا نظرة على نصه المقتطف من كتابه– تدبيير المتوحد- يتضح أن الفعل الإنساني حسب ابن باجة هو فعل اختياري و هذه ميزة تميزه عن باقي الكائنات.و المقصود بالاختيار – الإرادة - الكائنة في نفسه فالحيوان يتقدم فعله عما يروج في نفسه من أفعال و لذلك فان ابن باجة يرى أن الإنسان يحمل في نفسه ميزتين أساسيتين :
· أفعال بهيمية  : المتمثلة في اللاإرادية كهروبه من أمر مفزع.
· أفعال إنسانية : و المتمثل في الأفعال التي تساهم في إبعاد الأذى عن الغير و هي إرادية.
 
2- إرادة الحياة
 
لقد جاءت أفكار نيتشه معادية لأفكار كانط شوبنهاور و رفض أخلاقيتهما الداعية إلى الشفقة و نكران الذات فحياة الإنسان تصير إرتكاسية حينما يهيمن على نشاطها عامل السلب و النفي و الإنكار فيكون في حاجة إلى التعلق بأوهام تقدم ذاتها في صورة قيم و مثل عليا مفارقة، يتخذها كأقنعة و كمبررات يعلن باسمها الجهاد ضد الحياة و الحرب ضد الوجود و هذا ما يجعل القوى الإرتكاسية تنتصر فيه القوى الفاعلة و إذا أخدنا نص إرادة الحياة المقتطف من كتابة جينالوجيا الأخلاق يميز نيتشه فيه بين نمطين من الإرادة:
· إرادة إنكارية :
و هي تقوم على تبخيس الحياة فيها وهي صادرة عن حياة مرضية أصابها الوهن و الضعف و العياء فلم تعد بقادرة على توكيد الحياة لأنها مليئة بالمفارقات و التناقضات ، و مصدرا للشر و الألم ، و لهذا أصبحت خالية من القيم ولم تعد تستحق أن تعايش .
· إرادة توكيدية :
و هي صادرة عن حياة قوية و سليمة، تتمتع بصحة جيدة و لهذا فهي منفتحة إلى الحياة وتسعى إلى توكيدها بكل اختلافاتها وتناقضاتها بكل آلامها و أفراحها دون نقص و بدون أدنى شعور بالدونية والخطيئة وهو الحل من أجل الانتقال من إرادة الضعيف إلى إرادة القوي بالمعنى النيتشاوي من أجل إقامة علاقة مع الحياة و الوجود.
V- الحرية والقانون
شكلت العلاقة بين الحرية والقانون واحدة من القضايا التي اهتمت بها الفلسفة منذ البدايات الأولى لهذه الأخيرة،خاصة إذا ما نحن استحضرنا ذلك الارتباط القوي بين الفلسفة والمدينة اليونانية ككيان قانوني تمارس فيه الحقوق التي تضمنها المواطنة بكامل الحرية في ضوء سلطة تسهر على تدبير الاختلافات بين المواطنين،فلا غرابة إذن أن ترفع الفلسفة مفهوم الحرية إلى مستوى المفهوم الفلسفي، لتجعل منه إشكالا فلسفيا خصصت له حيزا كبيرا من مجهودها الفكري سمته بالفلسفة السياسية.
ولهذا الاهتمام ما يفسره وذلك بالنظر إلى الطبيعة السياسية للإنسان التي تحتم عليه التنازل عن مجموعة من الحريات قص تحصيل حريات أخرى يضمنها القانون، لكن القانون من هذه الزاوية بالذات يعتبر مقيدا للحرية، إذ ما معنى أن أكون حرا إذا كنت ملزما بالتخلي عن جزء من حريتي الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل:ما طبيعة العلاقة التي تربط الحرية بالقانون؟هل القانون ضامن للحرية أم أنه ضد الحرية؟ بعبارة أوضح نقول: هل الحرية والقانون متعارضان أم أنهما منسجمان؟
يجيبنا توماس هوبس عن هذا السؤال في كتابه "المواطن"بالتأكيد على ضرورة توحد الحرية بالقانون، بحيث يمسي القانون هو الضامن للحرية،وهو الأمر الذي يتم من خلال تنازل الجميع عن حقهم في ممارسة القوة لصالح شخص واحد مقابل أن يصبح هذا الأخير ممثلا للقانون، ومعلوم أن هوبس كان من المؤسسين لفكرة المجتمع المدني باعتباره مجتمع الحرية المدنية التي يلجأ إليها الإنسان بعد خيبة أمله في حريته الطبيعية، فهوبس يقيم تمييزا بين الحرية الطبيعية والحرية داخل المجتمع المدني، في الحالة الأولى يكون الفرد حرا بشكل مطلق فلا حدود تعيق ممارسته لكامل حريته، لكن هذه الحرية حسب هوبس غير مجدية لأنها بقدر ما تضمن للفرد الحق في ممارسة الحرية بشكل مطلق بقدر ما تمنح للآخرين الحق في التعدي والتطاول على هذه الحرية، لذلك يدعم هوبس الحالة الثانية، أي الحرية المقننة والمحمية بالقانون هذا الأخير الذي يضعه المجتمع في إطار مشروع سياسي.
فكيف يمكننا أن نتصور الحرية على المستوى المجتمعي والحياة السياسية؟
ذلك هو السؤال الذي حاول عبد الله العروي الإجابة عنه في نصه المقتطف "مفهوم الحرية"من خلال رصده لتمظهرات الحرية في تجربتها الواقعية الأولى باعتبارها تجربة الإمكان والاستطاعة بالمعنى المادي، أي القدرة على فعل ما نرغب فيه.بيد أن هذه الاستطاعة تمسي داخل المجتمع مطالبة بأن تقنن بواسطة القانون فيصبح معنى الحرية ها هنا هو السماح للفرد بالقيام بما يسمح به القانون، أي ما لا يعرضه للعقاب.هكذا تعني الحرية حسب العروي "مجموع الحقوق المعترف بها للفرد ومجموع القدرات التي يتمتع بها".
ومعنى هذا أن الحرية تقترن بالقانون وأي محاولة لتجاوز حدود هذا الأخير تؤدي إلى الدخول في صراع مع ممثلي القانون مما يسفر عن اتساع حرية الفرد أو تقلصها.لذلك يؤكد العروي على ارتباط مستوى الحرية بمستوى الجماعة والطبقة التي ينتمي إليها الفرد، كما يبين صاحب النص أنه من الصعب تحديد معيار لدرجة الحرية داخل المجتمع، لذلك يصبح مفهوم الحرية أكثر زئبقية عندما يدخل مضمار الحياة المجتمعية والسياسية.لذلك فحضور الدولة مهم لتنظيم العلاقات داخل المجتمع.
ولابد من التأكيد على أن مفهوم الحرية عند العروي يرتبط بمفهومي الدولة والعقل، فوجود الحرية يفترض بالضرورة وجود الدولة التي تحتكم إلى القوانين الموضوعة بطريقة عقلانية، ويستوحي العروي تصوره هذا من الفلسفة السياسية عند هيجل عندما يتحدث هذا الأخير عن علاقة الفرد بالدولة حيث تنصهر حرية الفرد في قوانين الدولة وتأسس هذه الأخيرة كضمان للحرية.
في هذا ألإطار أي علاقة الحرية بالقانون يطالعنا نص الفيلسوفة الألمانية حنا أراندت" ما الثقافة " الذي تتناول فيه مفهوم الحرية من خلال ربطه بالمجال السياسي، وبالضبط من خلال ممارسة الفرد لحريته بشكل فعلي داخل الحياة اليومية، آنذاك فقط يمكن للفرد أن يشعر بحريته من خلال احتكاكه بالعالم الخارجي ودخوله في علاقات مع أفراد المجتمع هذا الأخير الذي تحكمه القوانين، ولا يمكن لشعور الفرد الداخلي بالحرية أن يمكنه من لمس المعنى الحقيقي للحرية، فهذه الأخيرة لا تتحقق إلا داخل الحياة العامة المنظمة سياسيا. كما تؤكد أراندت على أن الحرية لا تتحقق داخل المجتمعات الاستبدادية لأنها تمنع ظهور الحياة العامة والتي تعتبرها أراندت شرط أساسي لتحقيق الحرية التي يمارسها الأفراد على مستوى الواقع. فلوجود الحرية لابد من وجود نظام سياسي تحكمه قوانين تعمل على تنظيم الحياة العامة.
هذا الموقف دافع عنه قبلا مونتسكيو حين قال بالنظام السياسي الديمقراطي الذي يسمح للأفراد بالقيام بما يريدون في ظل شروط يضعها القانون، فالقوانين هي التي تنظم العلاقات داخل المجتمع وتضمن الحريات، وهذا النمط من الحرية يوجد داخل الحكومات المعتدلة التي تقوم على مبدأ الجمهورية، هذه الأخيرة تقوم بدورها على الفضيلة، فغايتها هي ضمان الخير الأسمى للمجتمع، وهذا هو الشكل الذي من شأنه حسب مونتسكيو أن يضمن لنا الحرية، إلى جانب تنظيم السلط كي لا تتجاوز أي سلطة القوانين، بمعنى الحد من تعسف سلطة بسلطة أخرى من خلال تقسيم السلطات إلى: سلطة تشريعية تراقب السلطة التنفيذية ،هذه الأخيرة التي تملك حق انتقاد السلطة التشريعية، وهناك السلطة القضائية التي يجب أن تنفصل نهائيا عن السلطة التنفيذية.
هكذا حسب مونتسكيو يمكن للدولة أن تضمن الحرية للأفراد ويمكن للأفراد ممارسة حريتهم في ظل القانون.و هذا هو المعنى الذي يعطيه بنجامان كونستان لمفهوم الحرية فهو يرى بأن الحرية في معناها الحديث تعني عدم الخضوع إلا للقوانين، بمعنى أن يفعل الإنسان ما يشاء ويمارس كل ما من شأنه أن يجعله إنسانا حرا يلمس حريته، إلا أن هذا الفعل لا يجب أن يخرج عن الإطار القانوني الذي تضعه الدولة.
هذا هو الموقف الذي يتبناه كونستان ويعتبره أعم من المعنى التقليدي لمفهوم الحرية، أي المعنى الميتافيزيقي للحرية. هكذا يكون القانون ضروري لضمان حرية الأفراد من خلال تنظيم العلاقات سواء بين الأفراد أو بين الجماعات و المؤسسات... إلى غير ذلك من أشكال التنظيم الإجتماعي والسياسي . وفي الختام نشير إ لى أن القوانين وضعها الإنسان لخدمة الإنسان، والإشكالية تبقى في اختلاف التصورات والتمثل لمفهوم الحرية ولمفهوم القانون.
 
      معـــــــــــــــجم المــــــــــفاهيم  -الخاص بدرس الحرية-
 
 
 
 
 
   الأخلاق:  كلمة الخلق تستعمل في اللغة بمعنى السجيّة وبمعنى الطبع والدين والمروءة وفي الاصطلاح ملكة من ملكات النفس واظهر خاصة بهذه الملكة هي صدور الأفعال عن الإنسان من دون لمعان نظر أو إعمال فكر ويقول آخرون الخلق صورة الإرادة وفي قول ثالث بأنه عادة الإرادة وموضوعه. الأخلاق يجيء لفظ "الخلق" ولفظ الأخلاق وصيغ أخرى تنبثق منهما وصفا لفكر الإنسان وسلوكه دون غيره من المخلوقات: ذلك لأن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي منحه الله طاقات متميزة من الإدراك والتفكير وحرية الإرادة لذا جاء سلوكه مرتبطا بالفكر ، ومتوافقا مع ما يدين به من اعتقاد. كذلك فإن الإنسان منذ نشأته يمارس الحكم الأخلاقي على الأشياء ، فهذا خير وذاك شر ، وهذا حسن ، وذاك قبيح ، وهذا نافع ، وذاك ضار الأمر الذي جعله يستحق وصف أنه كائن أخلاقي، ويطلق لفظ الخلق ويراد به القوة الغريزية التي تبعث على السلوك كما يراد به السلوك الظاهر "أي الحالة المكتسبة التي يصير بها الإنسان خليقا أن يفعل شيئا دون شيء.
 
 
 
الإرادة: القدرة على تحديد مفهوم الذات، إنها قدرة المرء على اتخاذ القرار، وبخاصة في القضايا المصيرية، أو على الاختيار بين مختلف البدائل، أو العمل في بعض الحالات من غير أن تقيد إرادته عوائق طبيعية أو اجتماعية أو غيبية، وهي نقيض "الحتمية" التي تقول بأن أفعال المرء هي ثمرة عوامل سابقة لا سلطة له عليها، والقائلون بحرية الإرادة يبنون موقفهم على أساس من الاعتقاد السائد في مختلف المجتمعات بأن الناس مسؤولون عن أعمالهم الشخصية وهو الاعتقاد الذي تنبني عليه جميع مفاهيم القانون والثواب والعقاب، وتعتبر الوجودية أكثر الفلسفات الحديثة تشديدا على حرية المرء ومسؤوليته عن أعماله.
 
 
 
الحتمية:مبدأ علمي مفاده أن الظواهر الطبيعية مشروطة بأسباب ضرورية وثايثة، ومن ثمة إمكان التنبؤ بها عند معرفة القوانين المتحكمة فيها، إنها إثبات أن لكل حدث ما أو نتيجة ما سبب، وان نفس الأسباب تنتج نفس النتائج.
 
الحرية: القدرة على الفعل أو عدم الفعل إراديا دون تدخل شيء آخر غير الإرادة.
 
الحق: هو الصواب إذا أريد به الفعل وإن أريد به القول كان قولاً حسناً وإن أريد به الاعتقاد كان علماً مطابقاً للواقع. يعتبر مفهوم الحق من المفاهيم الأساسية التي تداولها الفلاسفة من القديم، لارتباط إشكالية الحق بالهموم الإنسانية، ولمواكبتها للحياة السوسيوأخلاقية. ويبرز مفهوم الحق في التمثل الشائع بدلالات متنوعة : فتارة يفيد معنى الحقيقة، وتارة أخرى يفيد معنى القسط أو النصيب في الإرث مثلا. وقد يقصد بالحق الذات الإلهية أو إحدى صفاتها... وقد يعني أحيانا القانون أو التشريع الذي بموجبه ينصف الأفراد وتؤطر علاقاتهم مع بعضهم البعض ...الخ.
 
الحق الطبيعي: هو الحق المستقل عن القوانين التي أسسها المجتمع، والمنتمي إلى طبيعة الكائن الإنساني ذاته، وهكذا تعتبر الحرية والمساواة كحقين طبيعيين.
 
 
 
الزهد: مذهب أخلاقي يقوم على تحقير اللذة الحسيّة وممارسة الرياضات الروحيّة ابتغاء الكمال وعند المتصوفة هو عبارة عن بغض الدنيا والإعراض عنها طلباً للآخرة.
 
الشَرْع: ما حمّل اللّه تعالى النبي | وأمره بأدائه والزم الناس القيام به.
 
أن الوجود البشري يخضع لحتمية كونية، من هنا مبرر الحديث عن الشغل كضرورة، والمفهوم الذي يقابل مفهوم الضرورة هو مفهوم الصدفة.
 
الضرورة: خاصية لازمة لكل ما يتصف بالوجود، وهي نابعة من الظواهر ذاتها وتشير إلى انتظامها وترتيبها وبنائها. فالضرورة هي ما لا بد أن ان يحدث بالضرورة في شروط محددة. وتعتبر عند البعض إلزاما على اعتبار 
 
الظلم:  هو وضع الشيء في غير موضعه،وهو الجور، وفي الشريعة عبارة عن التعدي عن الحق إلى الباطل. ظن هو الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض.التعدي عن الحق إلى الباطل.
 
 
 
 العاقل: يجد هذه الصفة من نفسه ويفرق بينه وبين كونه معتقداً ناظراً مدركاً.
 
 
 
العدالة: الاعتدال والاستقامة والميل إلى الحق.ب إحدى الفضائل الأربع الرئيسيّة في الفلسفة اليونانيّة.عبارة عن الاستقامة على طريق الحق بالاجتناب عما هو محظور دينه.
 
 
 
القانون: لفظ يوناني أو سرياني يراد به مسطر الكتابة وفي الاصطلاح هو والقاعدة بمعنى واحد وهو الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئيّاته التي يتعرف أحكامها منه.
 
المجتمع الـــــــــمدني: هو المجتمع التعاقدي المنظم وفق القانون بمقابل المجتمع الطبيعي القائم على الحرب والأهواء.
 
 
 
شكرا على هده الملخصات لكن ينبغي الاشارة الى مصدر الاقتباس
22
 
يجب التمييز بين الواقع والحقيقة. لأن الحقيقة مرتبطة بالحكم الصادر عن الإنسان. لذلك فتعدد الأحكام يطرح مسألة صحتها أو خطأها. وبالتالي تعدد معايير الحقيقة وقيمتها التي ترتبط بسلطتها وأهميتها في الصراعات الاجتماعية.
المحور الأول: الرأي والحقيقة:
الرأي هو الفكرة الشخصية التي لم نحصل عليها باستعمال منهج علمي أو فلسفي وهو معطى جاهز ومباشر تنتجه الحواس والتجارب الخام.
بالنسبة لغاستون باشلار: "يتعارض العلم مع الرأي. إن الرأي خاطئ على الدوام. وهو تفكير سيء بل لا يفكر البتة، فهو يترجم الحاجات إلى معارف. وبتعيين الأشياء حسب فائدتها، يمتنع عن معرفتها. لا يمكن تأسيس أي شيء على الرأي، بل ينبغي هدمه. فالرأي هو أول عائق يلزمنا تخطيه".
يعتبر باشلار الرأي عائقا ابستملوجيا ينبغي إحداث قطيعة معه، ويسمي هذه القطيعة بالقطيعة الابستمولوجية، أي التي تحدث على مستوى المعرفة. فالحقيقة تنتمي لمجال مختلف تماما حيث أنها تبنى اعتمادا على منهج علمي تتضافر فيه كل من التجربة والعقل ولا يترك فيه مجال للمعطيات الجاهزة أو الأفكار المسبقة أو كل ما يرتبط بالتجربة العامية.
أما ديكارت فيرى أنه من واجب كل إنسان يبحث عن الحقيقة أن يشك مرة واحدة في حياته في جميع معارفه بل أن يشك في كل شيء إلى أن يصل إلى ما لا يقبل الشك وهو البديهي العقلي المتميز بالوضوح والتمايز، أو الحس العقلي أو البداهة العقلية المتمثلة في الكوجيطو: "أنا أفكر إذن أنا موجود"، وتم استنتاج حقائق أخرى من هذا الحقيقة التي تعتبر أساسا ومنطلقا. وهكذا فجميع الأفكار التي كانت لنا قبل الشك تعتبر آراء، أما بعد الشك فتصبح أفكارا حقيقية ويقينية.
المحور الثاني: معايير الحقيقة:
بما أن الحقائق متعددة تبعا لتعدد المنظورات والمذاهب فلا بد من توفر معايير تميز الحقيقة عن الخطأ حسب المذهب المحدد.
ديكارت: معيار الحقيقة هو البداهة العقلية أو الحس العقلي اعتمادا على الشك المنهجي الذي يجب تمييزه عن الشك المذهبي. ويقدم نموج الكوجيطو مثالا على هذا المعيار لأنه يدل على عجز العقل والحواس عن بلوغ الحقيقة وعدم الثقة فيهما لوقوعهما في الخطأ.
سبينوزا: ونجد نفس الأمر تقريبا عند سبينوزا الذي يقول "أن من لديه فكرة صحيحة يعلم في نفس الوقت أن لديه فكرة صحيحة، ولا يمكن أن يشك في صدق معرفه" ويضيف "إن المعرفة هي معيار ذاتها وعيار الخطأ مثلما أنه بانكشاف النور ينقشع الظلام".
ليبنتز: ينتقد ليبنتز موقف ديكارت بقوله: "لقد اسكن ديكارت البداهة العقلية في فندق ونسي أن يمدنا بالعنوان".
ويتهم معيار ديكارت بالضعف لغموض مفهومي الوضوح والتمايز، ويقترح معيارا آخر استعمل منذ أرسطو والرياضيين وهو معيار البرهنة العقلية على أساس منطقي رياضي.
فوكو: معيار الحقيقة هو السلطة لأن "الحقيقة ليست خارج السلطة وليست بدون سلطة". بحيث نجد أن كل مجتمع له نظامه الخاص بإنتاج الحقيقة وسياسته الخاصة حول الحقيقة. ففي المجتمع الغربي على سبيل المثال نجد أن:
- الحقيقة السائدة هي الحقيقة العلمية دون غيرها.
- وأن السبب في الاهتمام بها هو اقتصادي وسياسي
- وأنه يتم نشرها واستهلاكها عبر أجهزة الإعلام والتربية.
- أنه تتم مراقبة إنتاج الحقيقة من طرف الدولة
- وأن الكل يعمل من أجل امتلاك الحقيقة لأنها سلطة.
إذن لا توجد معايير كونية وشاملة بل يجب البحث عن الحقيقة في كل مجتمع حسب أنظمته السياسية والاقتصادية.
المحور الثالث: قيمة الحقيقة:
1. قيمة الحقيقة هي المنفعة:
حسب الفيلسوف الأمريكي وليم جيمس، ترتبط الحقيقة بالمنفعة. وهذا الارتباط ضروري لأن السؤال عما يميز الفكرة الصحيحة عن الفكرة الباطلة سؤال مشروع، إذ لا يجب أن تكون النتيجة هي نفسها حين نتبنى فكرة صحيحة وحين نتبنى فكرة خاطئة.
فالكرة الحقيقة لها امتيازات منها أنها هي التي لها مفعول في حياتنا وتترتب عنها نتائج تغير شيئا ما في حياتنا وهكذا يتضح أن قيمة الحقيقة تكمن في فعلها وفعاليتها ونفعها وفائدتها.
يقول وليم جيمس: "إن الحقيقي هو ما يفيد " .
2. قيمة الحقيقة تكمن في أخلاقيتها:
- الواجب الأخلاقي اللامشروط حسب كانط هو الذي يجعل من الإنسان كائنا أخلاقيا، ويعتمد على القاعدة التي تنظم تصرف الإنسان: "عليك أن تتصرف وكأنك تتصرف باسم الإنسانية جمعاء. عليك أن تتصرف بناء على أن ما تقوم به تجاه الآخرين هو ما تود أن يقوموا به تجاهك".
3. لا وجود لأية قيمة للحقيقة:
يرى نيتشه أن مصلحة الفرد في أن يعيش داخل الجماعة البشرية بطريقة سلمية يجعله يقبل بوجود ما يسمى حقيقة، أي ما يفيد ويمتع ويحفظ الحياة. أما المعرفة الخالصة وغير المثمرة فلا يهتم بها أحد.
فالحقيقة هي وهم مفيد، أي أن الحقائق هي أوهام ترسخت بفعل الاستعمال والمنفعة الناتجة عنها.
فأن يقول المرء الحقيقة معناه أن يردد ما يعتبره مجتمعه حقيقة.
يقول نيتشه: "إن الحقيقة تقتل، بل أكثر من ذلك إنها تقتل نفسها عندما تكتشف أن أساسها هو الخطأ".
درس العلمية في العلوم الإنسانية
 
مسألة العلمية في العلوم الإنسانية
ما طبيعة العلوم الإنسانية؟ هل يمكن تحقيق علمية بخصوص موضوع الإنسان وهو الكائن الذي يتميز بخصائص تجعله كائنا فريدا مختلفا كل الاختلاف عن المادة بجميع أنواعها؟ كيق يمكن تحقيق علمية بكائن يتميز بالوعي والرغبة والإرادة والخيال؟
تعرف العلوم الإنسانية عموما بكونها العلوم التي تتخذ الإنسان موضوعا لها، ولقد نشأت متأخرة تاريخيا مقارنة بالعلوم الحقة.
المحور الأول: موضعة الظاهرة الإنسانية:
- هل يمكن اعتبار الإنسان موضوعا للدراسة العلمية؟ هل يمكن تطبيق منهج صارم على الإنسان قياسا لما يتم في العلوم التجريبية؟
أطروحة 1: أوجست كونت: من الممكن أن يصبح علم الاجتماع مثلا علما حقيقيا، ولذلك يمكن اعتباره "فيزياء اجتماعية"، ويدل هذا النعت على إمكانية استعمال المنهج التجريبي كما هو الشأن في الفيزياء والحصول على نتائج يقينية...
أطروحة 2: إميل دوركايم: من الممكن دراسة الظاهرة الاجتماعية دراسة علمية وفق "قواعد منهجية" خاصة بعلم الاجتماع مثلا، والحصول على نتائج جد مقنعة كما تم ذلك في دراسة ظاهرة الانتحار من طرف دوركايم نفسه.
يعبر هذا الموقف عن نزعة علمية هي موضع جدال بين المتخصصين في هذا المجال وذلك لخصوصية الظاهرة الاجتماعية مقارنة بالظاهرة الطبيعية.
نقد النزعة العلمية في العلوم الإنسانية:
- جان بياجي: توجد عدة عوائق تعترض تحقيق العلمية في العلوم الإنسانية تتعلق بطبيعة موضوعاها. فالعلوم الإنسانية تتميز بخصوصية تتمثل في كون الذات الملاحِظة تلاحظ ذاتها (الذات الأخرى موضوع الدراسة)، مقارنة بانفصال الذات عن الموضوع (على الأقل بشكل عام) في العلوم التجريبية. يتعلق الأمر بتداخل الذات والموضوع إضافة إلى التزام الباحث بمواقف فلسفية وإيديولوجية.
- وهو الأمر الذي يشدد عليه أيضا فرانسوا باستيان: لا يمكن للباحث الاجتماعي أن ينفصل كباحث عن مجتمعه كموضوع للبحث لأنه ينخرط رغما عنه، بفعل إكراهية وقسرية الظاهرة الاجتماعية في مواقف وصراعات ومعتقدات مجتمعه.
يقول نوربرت إلياس موضحا هذا الإشكال: "لا نحتاج لكي نفهم جزئية من جزئيات الذرة أن نحس بأنفسنا كما لو كنا ذرة من الذرات، لكن للنفاذ إلى داخل التجربة الجماعية والفردية ولفهم نمط اشتغال الجماعات البشرية لا بد من مشاركة وانخراط فعالين في هذه التجارب".
تعليق: يبين هذا القول الفرق الجوهري الذي لا يمكن تخطيه بين موضوع العلوم التجريبية وموضوع العلوم الإنسانية.
ونفس الأمر نجده قبل ذلك عند أحد كبار الأنتروبولوجيين، وأب الأنتربولوجية البنيوية كلود ليفي ستروس الذي يعتبر الوعي العائق الرئيسي لتحقيق علمية في العلوم الإنسانية شبيهة بالعلمية المحققة في العلوم التجريبية، وهذا يتأسس على ثنائية الذات والموضوع المميزة لعلوم الإنسان.
 
يقول: كلود ليفي ستروس "إذا كانت العلوم الإنسانية علوما بالفعل، فينبغي عليها أن تحافظ على ثنائية الملاحِظ والموضوع الملاحَظ، وأن تعمل على نقلها إلى داخل الإنسان. وإن أرادت هذه العلوم الإنسانية أن تتخذ من العلوم الحقة نموذجا لها، فلا ينبغي أن تتخذ الناس الذين تلاحظهم موضوعا لتجربتها وحسب، بل ينبغي أيضا أن لا يشعر هؤلاء الناس بأنهم موضوعات للتجربة، وإلا غير حضور وعيهم مسار التجربة بطريقة غير مرئية، وهكذا يبدو أن الوعي هو بمثابة العدو الخفي لعلوم الإنسان".
المحور الثاني: التفسير والفهم في العلوم الإنسانية:
- إذا كانت العلوم الحقة تقوم بعمليتي التفسير والتنبؤ فهل بإمكان العلوم الإنسانية القيام بذلك أيضا؟
- أطروحة 1: ك.ل.ستروس: يصعب استعمال التفسير والتنبؤ في العلوم الإنسانية لأن موضوعها لا يقبل الاختزال إلى شيء، لذلك تظل العلوم الإنسانية تتأرجح بين التفسير والتنبؤ من جهة، والفعالية الذاتية للباحث من جهة أخرى.
- أطروحة 2: ف.دلتاي: تستعمل العلوم الإنسانية الفهم بدل التفسير، وطبيعتها تمنعها من قبول المنهج التجريبي لأن استيراده إليها من خارجها يعني تحويلها إلى شيء وطمس خصوصيتها وتميزها ببعدها الإنساني. يجب إبداع منهج ملائم للعلوم الإنسانية من العلوم الإنسانية ووفق احتياجاتها واحترام مميزاتها.
- إذن: لا يصلح التفسير ولا التنبؤ لغياب الضرورة والحتمية والثبات والتكرار مثلما هو الأمر في عالم الأشياء الطبيعية، ويحل الفهم كبديل يدل منذ المنطلق على تعامل الوعي مع الوعي كموضوع، ومع الذاتية كمكون موضوعي وليس ذاتيا. ("نفسر الطبيعة ونفهم الحياة النفسية" يقول دلتاي)
المحور الثالث: نموذجية العلوم التجريبية:
فرضت العلمية في العلوم التجريبية وأسبقيتها التاريخية ونموذجيتها بالنسبة للفكر الإنساني الموضوعي، والبحث عن موضوعية مشابهة في علوم الإنسان إضافة على سيادة النزعة العلموية والاختبارية والموضوعية إلى تبني نموذج العلمية في العلوم التجريبية كنموذج مطلق.
يمكن المقارنة بين موقفين متعارضين في هذا الصدد: موقف مؤيد لاتخاذ المنهج التجريبي كمنهج للعلوم الإنسانية مع بعض التعديلات الطفيفة التي تفرض نفسها، وموقف معارض لهذا الاختيار بحجة أن الإنسان يدرس ككل متكامل وأته كائن لا يمكن التعامل معه إلا من منطلق المعنى والقصد والقصدية والتأويل والشعور واللاشعور والأخلاق...
أطروحة1 :"طولرا" و"وارنيي" تتوحد الذات بالموضوع في علوم الإنسان، ويصبح الملاحِظ ملاحَظا في نفس الوقت مما يدع مجالا كبيرا للشك في مصداقية النتائج المحصل عليها، لكن إذا تأملنا في ما يميز الفيزياء المعاصرة من تداخل بين الذات الباحثة والموضوع المبحوث بسبب عدم إمكانية اعتماد التجربة العلمية الكلاسيكية لطبيعة الموضوع اللامتناهي الصغر، وهو الأمر الذي لا يقلل من علمية النتائج المحصل عليها رغم تدخل الذات الباحثة، فإن تداخل الذات والموضوع في العلوم الإنسانية لا يصبح عائقا أمام العلمية، مادام هذا النموذج من العلاقة أصبح موجودا في العلوم التجريبية نفسها وهي النموذج المحتذى.
أطروحة2 :ميرلوبونتي، يعارض هذا الموقف بشكل صارم معتمدا على أن الإنسان هو مصدر المعنى، وهو الوحيد في الكون المتميز بالتفرد والأصالة وأنه غير للاختزال إلى الخلايا المكونة لجسمه، أو إلى مكونات الإنسان الكلاسيكية مثل العقل والسياسة والاجتماع... ولست ظاهرة واعية منفصلة عن مكوناتها الأخرى مثل الغرائز والمكونات اللاعقلية واللاواعية.. . ليس بوسع أي علم أن يستغرق وحده دراسة الإنسان... لأنه كل لا يتجزأ، وهو المنبع لكل ما عداه وما يكونه، وباعتباره كذلك لا يمكن إعادة تشكيل حياته بعد وحصر ودراسة مكوناته...
النظرية والتجربة De l’expérience à l’expérimentation
مقدمة:
يندرج مفهوما النظرية والتجربة ضمن فلسفة العلوم التي تؤسس بحق لأجرأ نظريات المعرفة العلمية والتي شكلت منذ ظهورها مطلع القرن الفارط لب الأبحاث العلمية التي ساهمت في تطوير العلوم المعاصرة والتي كانت سببا في رفاهة الانسان المعاصر.
1.المحور الأول:التجربة والتجريب.
تعتبر المعرفة العلمية نموذجا للموضوعية والدقة في أبحاثها ونتائجها، لكن ما سبب قوتها ومصداقيتها؟ثم كيف تبني موضوعها:هل بالاعتماد على الوقائع الحسية أم باللجوء إلى الفكر العقلاني؟
يرى كلود برنار أن المنهج التجريبي الذي ينطلق من التجربة مرورا بالمقارنة وانتهاء بالحكم يشكل جوهر المعرفة العلمية لكونه هو المصدر الوحيد للمعرفة الإنسانية،ولاسيما في إدراك العلاقات بين الظواهر،وفي اعتماد الاستدلال التجريبي لاستنباط الأحكام والقوانين من الظواهر الطبيعية بغية التحكم فيها.
الصياغة الكلاسكية للمنهج التجريبي(كلود برنار)
 
 
في حين دافيد هيوم لا يرى ضرورة ابتداء المعرفة بالتجربة وحدها بل عليها أن تقوم كليا على التجربة. فما يمكن ملاحظته هي الظواهر التي لايمكن تفسيرها ، إذ لا شيء يمكن معرفته قبليا دونما أي تجربة.
أما رونيه طوم فيعتقد أن الواقعة التجريبية لا يمكن أن تكون علمية إلاإذا استوفت شرطين أساسين:
قابلية إعادة صنعها في مجالات زمكانية مختلفة. 
إثارتها اهتماما تطبيقيا يتمثل في الاستجابة لحاجات بشرية، واهتماما نظريا يجعل البحث يندرج ضمن إشكالية علمية محققة. وفي هذه الحالة يكون الهدف من التجريب هو التحقق من مدى نجاعة فرضية ما .لكن من أين تأتي الفرضية ؟
لا وجود لفرضية بدون وجود شكل من أشكال "النظرية" ...ويتعلق الأمر بالعلاقات السببية التي تربط السبب بالنتيجة. فيكون دور التجربة إما إثباتها وإما تكذيبها..غير أن التجريب وحده عاجز عن اكتشاف أسباب ظاهرة ما . وهنا يأتي دور الخيال الذهني ليطلق العنان للإبداع الذي عجز عنه الإحساس . 
المحور الثاني:العقلانية العلمية.
في الوقت الذي يشكل فيه العقل مصدرا لبناء النظرية يؤسس الواقع موضوعها لكن ما الأساس الذي تبنى عليه العقلانية العلمية ؟ هل العقل أم التجربة، أم هما معا؟
يرى ديكارت ضرورة بناء المعرفة العلمية اعتمادا على العقل وحده دونما الاستعانة بالتجارب والمعارف النابعة من الحواس لأن له جميع الخاصيات والمؤهلات التي تتيح له إنتاج الحقيقة .فالعقل يعتمد على المبادئ التي تساعده على بلوغ أهدافه ببداهة ووضوح تامتين. لكن كانط له موقف يجمع فيه بين قدرات العقل ومعطيات التجربة،بمعنى التكامل بين المعرفة العقلية القبلية والمعرفة التجريبية البعدية.فالتجربة ليست إلا مجرد وسيلة يتم بموجبها الحكم على المبادئ العقلية القبلية لان بلوغ الأحكام الكونية رهين بالتفكير العقلي المنقح بالتجربة.
ويذهب ألبير إنشتاين إلى أن للعقل الدور الايجابي في المعرفة العلمية .فالعقل هو الذي يمنح النسق الرياضي -الذي أصبح في ظل الفيزياء المعاصرة المحدد الرئيسي - بنيته. أما التجربة فينبغي أن تتناسب مع نتائج النظرية تناسبا تاما. لأن البناء الرياضي الخالص يمكننا من اكتشاف المفاهيم و القوانين و التي تمنحنا مفتاح فهم ظواهرالطبيعة التي يرى اينشتاين أنها تتحدث لغة الأرقام.
في حين يعتبر بوانكاري أن العلاقة بين الرياضي والفيزيائي يجب أن تقوم على أساس التعاون والاستفادة المتبادلة،مادام أنهما يسعيان لتحقيق نفس الهدف.فالعلم يرى أنه تطور عندما اعتمد الفيزيائي على اللغة الرياضية من أجل صياغة قوانينه،الأمر الذي تسبب في تقليص الأهمية التي احتكرتها التجربة فأضحت عقلانية الرياضيات حاضرة بقوة في النظرية الفيزيائية.
ويرى باشلار كما جاء في النص ان العقلابية العلمية المعاصرة هي عقلانية فلسفية تقوم على يقين مزدوج يوجه النشاط العلمي التجريبي ويجعله مشروطا بحوار جدلي بين ما هو عقلي وما هو واقعي
المحور الثالث:معايير علمية النظريات العلمية.
أن المعرفة العلمية حققت نجاحا باهرا في كل مجالات اشتغالها، والفضل في ذلك يرجع إلى زخم كبير من الأسباب التي جعلتها تحظى بالدقة والموضوعية والصرامة.لكن ألا يحق لنا أن نتساءل عن ما هي معايير علمية المعرفة العلمية؟وما هي مقاييس صلاحيتها ؟
يرى برتراند راسل أن المعرفة العلمية التي يحصلها الإنسان على وجهين: معرفة بالحقائق الخاصة ، ومعرفة بالحقائق العلمية.فالحقائق الخاصة هي وقائع تتضمن استنتاجات تتباين درجة صحتها وصلاحيتها ، في حين تتخذ الحقائق العلمية صورة استنتاجات يقينية .إلا أن هذه الحقائق العلمية قد تقصر على استيفاء شرط العلمية حينما لا تفي بمعايير منهجية ثلاثة تتلخص فيما يلي:
1- الشك في صحة الاستقراء
2- صعوبة استنتاج ما لا يقع في تجربتنا، قياسا على ما يقع فيها.
3- افتراض إمكانية استنتاج ما لا يدخل في تجربتنا يكون ذا طابع مجرد لذلك يعطي قدرا من المعلومات أقل مما يبدو أنه معطيه لو استخدمت اللغة العادية.
أما بوانكاري فيذهب إلى أن معيار الموضوعية في العلم فيتحدد في العلاقة الموجودة بين الظواهر ،لهذا لم يعد ينظر إليها بشكل معزول مما أتاح للباحثين إمكانية تحقيق المسافة العلمية الضرورية بينهم وبين الموضوع المدروس.والخاصية التي تميز النظريات العلمية ، هي قابليتها للتطور والمراجعة والتغيير.فالنظرية قد تصبح يوما ما متجاوزة لتفسح المجال لأخرى لتحل محلها.وتتخذ لاحقا النظرية حلة جديدة.
تويليي :ان الذي يضفي على نظرية علمية ما قوتها العلمية و تماسكها المنطقي هو تلك الفروض الإضافية و الاختبارات المتعددة التي تخرج النظرية من عزلتها وتربطها بنظريات أخرى.
كارل بوبر :إن النظرية العلمية التجريبية الأصلية هي التي تستطيع أن تقدم الاحتمالات الممكنة التي تفند بها ذاتها و تبرز نقط ضعفها,و تخضع,بصفة قبلية,فروضها لمعيار القابلية للتنفيد او التكذيب
غير أن موران يوجه تحذيرا من خطورة تطور العلم لأنه وان حرر الإنسان من عبودية الفكر الخرافي لكنه زج به في عبودية جديدة، ألا وهي حياة الخراب والدمار.ومن هنا كان لزاما أن تعي النظرية العلمية نفسها وأن تقتنع بحتمية الانفتاح على نظريات جديدة وتخضع لمنطق التحولات والقطائع حتى تتمكن من تصحيح أخطائها.
 
الشخص
مقدمة
يعتبر الشخص حاصل جمع السمات المميزة للفرد الذي ما هو إلا كيان سوسيو-سيكولوجي متشابه مع الآخرين.ورغم تعدد وتنوع بل وتعارض الحالات النفسية التي يمر منها الشخص طيلة حياته إلا أن كل  واحد منا يحيل باستمرار إلى نفسه بضمير "أنا" بوصفه هوية تظل مطابقة لذاتها على الدوام. غير أن هذه الهوية التي تبدو بديهية تطرح مع ذلك أسئلة عديدة.
 
هل تقوم هوية الشخص على الوحدة والتطابق أم على التعدد والتغير؟
المحور الأول: الشخص والهوية.
يبدو واضحا أن تحديد هوية الشخص استنادا على المظهر الخارجي للشخص أو حتى على مجموع مميزاته سواء المتعلقة بالجنس والعمر والعمل...ضربا من ضروب المستحيل لكون كل هذه الاعتبارات متغيرة وبالتالي غير قارة وثابة.
ولهذا السبب كانت ضرورة مقاربة هذه الهوية من خلال ما هو قار وثابت في الشخص باعتباره نظاما.
حسب لاشوليي المحدد الرئيسي للشخص هو هويته،أي تطابقه مع ذاته وبالتالي تميزه عن غيره. أما وحدته النفسية عبر جل مراحل حياته فهي الضامن لهذه الهوية،لأنهما ليستا نتاجا تلقائيا،بقدر ما أنهما نتاج لآليات ربط وهي آليات نفسية تقوم بمهمة السهر على وحدة الشخص وتطابقه.أولها وحدة الطبع أو السمة العامة للشخصية في مواقفها وردود فعلها تجاه الآخرين.وعلى هذا النحو يرى لاشوليي أن كل من وحدة الطبع أو السمة العامة للشخصية هي ضمان هويتها إلى جانب الذاكرة التي اعتبرها آلية ضرورية لربط حاضر الشخص بماضيه القريب أو البعيد.
أما ديكارت فيذهب إلى تأكيد أهمية الفكر في بناء الشخصية وفهم حقيقتها، فالفكر صفة تخص الذات الإنسانية وهي وحدها لصيقة بها. والتفكير هو الشرط الضروري للوجود.
إذن أساس هوية الشخص هو التفكير الذي يعتبر مناسبة لحضور الذات أمام نفسها وإدراكها إدراكا مباشرا لكل ما يصدر عنها من أفعال والتي تبقى رغم تعددها واحدة وثابتة.
لكن جون لوك يعطي تعريفا للشخص باعتباره ذلك الكائن المفكر والعاقل القادر على التعقل والتأمل حيثما كان وأنى كان ومهما تغيرت الظروف، وذلك عن طريق الشعور الذي يكون لديه عن أفعاله الخاصة وبشكل مستمر دون حدوث أي تغير في جوهر الذات، فاقتران الشعور بالفكر على نحو دائم هو ما يكسب الشخص هويته ويجعله يبقى دائما هو هو، باعتباره كائنا عاقلا يتذكر أفعاله وأفكاره التي صدرت عنه في الماضي وهو نفسه الذي يدركها في الحاضر.
إن مفهوم الشخص حسب جون لوك يتخذ عنده بعدا أخلاقيا /قانونيا، فالشخص الذي يتحدث عنه لوك هو ذاك الكائن المفكر الذي يعقل ذاته وأفعاله مهما تغيرت الظروف وتوالت الأزمان، وبالتالي يكون عن طريق الوعي مسؤولا مسؤولية قانونية عن كل ما يصدر عنه من أفعال. من هنا فأساس هوية الشخص حسب جون لوك هو الشعور الذي يجعل الإنسان يدرك ذاته ويبني معرفته بذاته على نحو دائم فيصبح الشخص إثرها هو رغم ما يلحقه من تغير. والذاكرة التي هي امتداد للشعور عبر.
المحور الثاني:الشخص بوصفه قيمة.
لا يختلف اثنان عن أن الإنسان كائن مميز بين كل الكائنات الأخرى ،فهو الكائن الأكثر جدلا كما جاء في القرآن الكريم(ولقد صرفنا في هذا الكتاب من كل شيء وكان الإنسان أكثر شيء جدلا) وميزته تكمن في مدى بعده القيمي الذي حظي به. لكن أين تكمن قيمته؟هل تكمن في كونه غاية أم أنه لا يعدو يكون مجرد وسيلة؟
في هذا الصدد يختزل مونييه تصوره للشخص ككيان يتميز بالإرادة والوعي والتجاوز بخلاف الأشياء الخارجية أو الموضوعات التي هي كائنات متطابقة كليا مع ذاتها.وهو يكتسب باستمرار سمات شخصيته ويغنيها عبر عملية التشخصن.فالشخص ليس معطى نهائيا ناجزا بل هو عملية اكتساب ومراكمة مستمرة لسماته الخاصة.
يذهب كانط إلى تأكيد أهمية الشخص كذات لعقل أخلاقي عملي، يعامل الآخرين لا كوسائل يحقق من ورائها أغراضه الخاصة، وإنما كغايات بذاتها. فالإنسان يتميز داخل نظام الطبيعة عن باقي الكائنات الأخرى بامتلاكه لملكة الفهم، وقد استطاع أن يرسم لذاته غايات وأهدافا مشروطة بنداء الواجب الأخلاقي .فيمكنه أن يتخذ من الأشياء وسائل يستخدمها لتحقيق أغراضه لكن ليس من حقه أن يعامل الأشخاص كوسائل ذاتية نفعية، لأن الإنسان أوالذات البشرية هي غاية في ذاتها وليست وسيلة لتحقيق أغراض الآخرين، وهذا ما يمنحه قيمة داخلية مطلقة ويكسبه احتراما لذاته ويمتلك بذلك كرامته الإنسانية.
أما هيجل فيكشف عن القيمة الأخلاقية للشخص التي لا يمكنها أن تتحقق إلا داخل حياة المجموع، فكل شخص حسب هيجل وانطلاقا من المكانة التي يحتله داخل الجماعة التي ينتمي إليها عليه الالتزام بواجباته والقيام بدوره والمهام التي أسندت له ... إنها دعوة للانفتاح على الواقع والآخرين من خلال علاقة جدلية أساسها التأثير والتأثر ومعيارها يكمن في السلوك الأخلاقي الذي يصدر عن كل شخص امتثالا للواجب الأخلاقي.
فالشخص يكتسب قيمته الأخلاقية حسب هيجل عندما يعي ذاته وحريته وينفتح على الواقع الذي ينتمي إليه بالدخول مع الجماعة في علاقة تعاون متبادلة امتثالا للواجب.
المحور الثالث: الشخص بين الضرورة والحرية.
إذا كانت قيمة الشخص تكمن في بعده العملي الأخلاقي أكثر من أي شيء آخر، فهل يعتبر الشخص كيانا حرا مستقلا عن أي إلزام أو إكراه، أم أنه خاضع لضرورات وحتميات لا سبيل لديه للانفلات من رقابتها؟
يرى ديدرو أن الشخص لا يملك الحرية،وأن هذه الأخيرة لا معنى لها لأن الموجه الفعلي لأعمالنا هي الأسباب الفيزيائية الخارجة عن دواتنا التي ترغمنا للضرورة وليست الحرية.وعلى هذا النحو تكون أفعالنا نتاجا لعاداتنا الأمر الذي يجعلنا نخلط بين الإرادة والحرية.فليست الحرية ما يميز بين الناس،بل إن ما يميز بينهم هو الإحسان أو الإساءة،وهما طبعان لا يمكن تغييرهما لدى الإنسان.
 
ويذهب سبينوزا إلى اعتبار أن ما يميز الشخص عن باقي الكائنات الأخرى،هو سعيه للحفاظ على بقائه واستمراره،وهو سعي يتأسس على الإرادة الحرة.وليست الحرية هنا بمعنى الجواز،بل إنها تقترن بالفضيلة والكمال،وليس بالعجز أو الضعف،وفق ما تقتضيه قوانين الطبيعة الإنسانية من قدرة على استخدام العقل للتمييز بين الخير والشر،وتفضيل الأول على الثاني.
 
أما سارتر  فينطلق من تقرير أن ماهية الإنسان لا تتحدد قبل وجوده، بل يوجد أولا ثم بعد ذلك يصنع بنفسه ما يشاء، فالإنسان في نظره مشروع يتميز بالتعالي على وضعيته لا بانغلاقه على كينونته، بل ينفتح على العالم وعلى الآخرين.فان ذل هذا فإنما يذل عن مدى قدرته على موضعة ذاته في المستقبل.
 
فماهية الإنسان لاتتحدد حسب سارتر إلا من خلال وجوده وحياته وأفعاله واختياراته وعلاقاته، يوجد أولا ويلاقي ذاته وهو غير حامل لأية صفات أو ماهية قبلية. إنه شخص حر ومسؤول عن أفعاله واختياراته، فهو حر حرية مطلقة غير مقيدة بموانع وإكراهات.
خاتمة:
وكتخريج عام يلاحظ أن التصورات الحديثة ركزت على اعتبار الشخص ذاتا مستقلة،ومتميزة،ينظر إليها كغاية في ذاتها وكحرية،وليس كبضاعة أو وسيلة وذلك في مقابل التصورات التشييئية للشخص التي كانت انعكاسا لمخلفات الرأسمالية الامبريالية .
الغير
مقدمة:
إن مفهوم الغير اتخذ في التمثل الشائع معنى تنحصر دلالته في الآخر المتميز عن الأنا الفردية أو الجماعية (النحن). ولعل أسباب هذا التميز إما مادية جسمية، وإما إثنية (عرقية) أو حضارية، أو فروقا اجتماعية أو طبقية . ومن هذا المنطلق، ندرك أن مفهوم الغير في الاصطلاح الشائع يتحدد بالسلب، لأنه يشير إلى ذلك الغير الذي يختلف عن الأنا ويتميز عنها، ومن ثمة يمكن أن تتخذ منه الذات مواقف، بعضها إيجابي كالتآخي، والصداقة وما إلى ذلك، وأخرى سلبية كاللامبالاة، والعداء... وهكذا، يتضح أن معنى الغير والآخر واحد في التمثل الشائع.
لكن كيف نستدل على وجود الغير باعتباره وجودا خارج الذات،بالرغم من أنه وجود مختلف عن باقي الموضوعات الأخرى التي تشكل العالم الخارجي؟
المحور الأول: وجود الغير.
لقد كان ديكارت أول فيلسوف حاول إقامة مفارقة بين الأنا الفردية الواعية وبين الغير ؛ حيث أراد ديكارت لنفسه أن يعيش عزلة إبستيمية، رافضا كل استعانة بالغير في أثناء عملية الشك. فرفض الموروث من المعارف، واعتمد على إمكاناته الذاتية، لأنه يريد أن يصل إلى ذلك اليقين العقلي الذي يتصف بالبداهة والوضوح والتميز... فوجود الغير في إدراك الحقيقة ليس وجودا ضروريا، ومن ثمة يمكن أن نقول : إن تجربة الشك التي عاشها ديكارت تمت من خلال إقصاء الغير... والاعتراف بالغير لا يأتي إلا من خلال قوة الحكم العقلي حيث يكون وجود الغير وجودا استدلاليا.
وقد تجاوز هيجل هذا الشعور السلبي بوجود الغير، لأنه رأى أن الذات حينما تنغمس في الحياة لا يكون وعيها وعيا للذات، وإنما نظرة إلى الذات باعتبارها عضوية. فوعي الذات لنفسها ـ في اعتقاد هيجل ـ يكون من خلال اعتراف الغير بها. وهذه عملية مزدوجة يقوم بها الغير كما تقوم بها الذات. واعتراف أحد الطرفين بالآخر لابد أن ينتزع. هكذا تدخل الأنا في صراع حتى الموت مع الغير، وتستمر العلاقة بينهما في إطار جدلية العبد والسيد. هكذا يكون وجود الغير بالنسبة إلى الذات وجودا ضروريا.
أما سارتر فيرى الغير ما هو إلا أنا آخر،أي كأنا مماثل لأناي،إلا أنه مستقل عنه.لكن وجود الغير هو كذلك نفي لأناي،من حيث هو مركز للعالم.ويترتب على وجود الغير هذا نتائج هامة وحاسمة لا على مستوى أناي فحسب،بل على مستوى علاقتي مع العالم الخارجي.
إن ما سبق يظهر التناقض الحاصل بين التمثلين الديكارتي والهيجلي ؛ ففي الوقت الذي يقصي فيه ديكارت وجود الغير، يعتبره هيجل وجودا ضروريا. وهذا يتولد عنه السؤال التالي : هل معرفة الغير ممكنة ؟ وكيف تتم معرفته؟
المحور الثاني: معرفة الغير.
إن معرفة الغير تمثل بحق علاقة " إبستيمية " بين طرفين، أحدهما يمثل الأنا العارفة والآخر يمثل موضوع المعرفة. الشيء الذي يدفعنا إلى طرح التساؤل التالي : هل نعرف الغير بوصفه ذاتا أم موضوعا ؟ بمعنى آخر،هل معرفة الغير ممكنة أم مستحيلة؟
يطرح سارتر العلاقة المعرفية بين الأنا والغير في إطار فينومينولوجي (ظاهراتي) فالغير في اعتقاده هو ذلك الذي ليس هو أنا، ولست أنا هو ". وفي حالة وجود علاقة عدمية بين الأنا والغير، فإنه لا يمكنه " أن يؤثر في كينونتي بكينونته "، وفي هذه الحالة ستكون معرفة الغير غير ممكنة. لكن بمجرد الدخول في علاقة معرفية مع الغير معناه تحويله إلى موضوع (أي تشييئه) : أي أننا ننظر إليه كشيء خارج عن دواتنا ونسلب منه جميع معاني الوعي والحرية والإرادة والمسؤولية. وهذه العلاقة متبادلة بين الأنا والغير : فحين أدخل في مجال إدراك الآخر، فإن نظرته إلي تقيدني وتحد من حريتي وتلقائيتي، لأنني أنظر إلى نفسي نظرة الآخر إلي ؛ إن نظرة الغير إلي تشيئني، كما تشيئه نظرتي إليه. هكذا تبدو كينونة الغير متعالية عن مجال إدراكنا ما دامت معرفتنا للغير معرفة انطباعية حسية.
لكن ميرلوبونتي، له موقف آخر إذ يرى أن نظرة الغير لا تحولني إلى موضوع، كما لا تحوله نظرتي إلى موضوع " ؛ إلا في حالة واحدة وهي أن ينغلق كل واحد في ذاته وتأملاته الفردية. مع العلم أن هذا الحاجز يمكن تكسيره بالتواصل، فبمجرد أن تدخل الذات في التواصل مع الغير حتى تكف ذات الغير عن التعالي عن الأنا، ويزول بذلك العائق الذي يعطي للغير صورة عالم يستعصي بلوغه.
أما دولوز فيرى أن الغير ليس هو ذلك الموضوع المرئي، وليس ذلك الشخص الآخر. إن الغير بنية الحقل الإدراكي، كما أنه نظام من التفاعلات بين الأفراد كأغيار. فحين تدرك الذات شيئا ما، فإنها لا تستطيع أن تحيط به في كليته إلا من خلال الآخرين ؛ فالغير هو الذي يتمم إدراكي للأشياء، وهو الذي " يجسد [مثلا] إمكانية عالم مفزع عندما لا أكون بعد مفزوعا، وعلى العكس إمكانية عالم مطمئن عندما أكون قد أفزعت حقيقة ". إن الغير إذن بنية مطلقة تتجلى في الممكن الإدراكي وهي تعبير عن عالم ممكن، ومعرفة الغير يجب أن تكون معرفة بنيوية.
 
لا يمكن اختزال العلاقة مع الغير في علاقة إبستيمية /أو معرفية/ من أي نوع. إن العلاقة مع الغير يمكن أن تكون علاقة أكسيولوجية قيمية تحكمها ضوابط أخلاقية كالأنانية، والغيرية، والظلم، والتسامح ...الخ. وهذا ما يضطرنا إلى الوقوف عند نموذجين للعلاقة مع الغير هما : الصداقة والغرابة.
المحور الثالث:العلاقة مع الغير.
هل العلاقة مع الغير هي علاقة تكامل أم تنافر.. ?
تتنوع العلاقة مع الغير وتختلف، فهي إما أن تكون علاقة اختلاف وعداوة أو علاقة صراع...وعلى أساس هذه العلاقة الشائكة مع الغير، يمكن أن تتفرع أنواع أخرى من العلاقات، مثل علاقة الإقصاء وعلاقة القبول وعلاقة التسامح والتعاطف و..و..و...
وفي هذا السياق يرى كانط أن علاقة الصداقة هي أسمى وأنبل العلاقات الإنسانية،لأنها قائمة على الاحترام المتبادل.وأساسها الإرادة الأخلاقية الخيرة.فالصداقة باعتبارها واجبا أخلاقيا، تشترط وجود المساواة وعلاقة التكافؤ، وهي أيضا نقطة تماس بين الحب والاحترام.وهذا ما يمنح الإنسان توازنه وعدم الإفراط سواء في الاحترام أو الحب.
أما أفلاطـون فيعتبر أن علاقة الصداقة تنبثق من الحالة الوجودية الوسط التي تطبع وجود الإنسان، وهي حالة وسط بين الكمال المطلق والنقص المطلق تدفع الإنسان إلى البحث الدائم عما يكمله في علاقته مع الآخرين... فالكمال الأقصى يجعل الإنسان في حالة اكتفاء ذاتي لا يحتاج فيها إلى الغير، وفي حالة النقص المطلق تنعدم لديه الرغبة في طلب الكمال والخير. من هنا تقوم الصداقة كعلاقة محبة متبادلة يبحث فيها الأنا عما يكمله في الغير، يتصف فيها كل طرف بقدر كاف من الخير أو الكمال يدفعه إلى طلب كمال أسمى، وبقدر من النقص الذي لا يحول دون طلب الكمال.
لكن أرسطـو يرى أن الصداقة كتجربة معيشية وواقعية لا تقوم على الحب بمعناه الأفلاطوني فقط, بل توجد ثلاثة أنواع من الصداقة تختلف من حيث طبيعتها وقيمتها. فالنمطان الأولان(المنفعة/المتعة) متغيران نسبيان يوجدان بوجود المنفعة والمتعة ويزولان بزوالهما, ومن ثم فهما لا يستحقان اسم الصداقة إلا مجازا. والنمط الثالث(الفضيلة) يمثل الصداقة الحقة لأنه يقوم على قيمة الخير والجمال لذاته أولا ثم للأصدقاء ثانيا. وفي إطار صداقة الفضيلة تتحقق المنفعة والمتعة ليس كغايتين بل كنتيجتين. غير أن هذا النمط من الصداقة نادر الوجود. ولو أمكن قيامه بين الناس جميعا لما احتاجوا إلى العدالة والقوانين.
غير أن هيجل يؤسس للعلاقة بين الذات والغير،انطلاقا من الجدل القائم على ثنائية العبد والسيد.فكل وعي في نظره يدخل حتما في علاقة معينة مع وعي آخر،يبحث من خلالها عن الاعتراف بسيادة وعيه.إلا أن هذا الاعتراف عندما يتم،بعد انتهاء الصراع بين النوعين يفقد معناه لأنه صادر عن وعي العبد.الأمر الذي يستدعي وعي السيد إلى البحث عن صراع جديد واعتراف جديد.
خلاصـة تركيبيـة:
إن التفكير في مفهوم الغير يكشف عن إشكالية فلسفية متعددة الأبعاد نظرا لطبيعة العلاقة المركبة بين الأنا والغير.
فعلى المستوى الوجودي يتحدد وجود الغير كضرورة لوجود الأنا حسـب التصـور الجدلـي (هيجل) في مقابل التصور الذاتي الذي يتم فيه استغناء الأنا عن وجود الغير (ديكارت).
وعلى المستوى المعرفي تفتح علاقة الأنا بالغير على عدة زوايا من النظـر انعكسـت فـي الخطابات التي تتحدد فيها هذه العلاقة كعلاقة تشييئية(سارتر) أو كعلاقة مشاركة وجدانية (ميرلو بونتي) تجعلان معرفة الغير تطرح معضلات لاحل لها... وذلك في مقابل تصورات أخرى تسعى إلى تجاوز هذه الصعوبات من خلال إضفاء طابع كلي (شيلر) أو بنيوي (دولوز) على الغير.
وعلى مستوى العلاقة الأخلاقية الوجدانية، يلاحظ أن التواصل مع الغير قد يتخذ أشكالا مختلفة كما يتجلى ذلك في سيادة نظرة الهيمنة والإقصاء قديما في مقابل النظرة الفلسفية المعاصرة التي تحاول تأسيس هذه العلاقة على الحوار والاختلاف أو التكامل والمغايرة.
التاريخ
تقديم:
ما التاريخ؟ لقد حدده ابن خلدون بأنه جزء من الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما يعرض بطبيعة ذلك العمران من الأحوال مثل التوحش و التأنس و العصبيات و أصناف التقلبات للبشر بعضهم على إلى بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكتب والمعاش والعلوم والصنائع وسائر ما يحدث في ذلك العمران بطبيعته من الأحوال. (مقدمة ابن خلدون)
كما أن مفهوم التاريخ يختلف عن مجموعة من المفاهيم القريبة منه مثل التأريخ وفلسفة التاريخ، فإذا كان التاريخ هو علم بحقيقة الأحداث الماضية فإن التأريخ هو عملية يقوم بها المؤرخ من أجل تسجيل و رصد الأحداث التي يعيشها.
وكما أن التاريخ يختلف عن التأريخ، فإن هذين الأخيرين يختلفان عن فلسفة التاريخ. فرق لتحديده بدقة يجب الوقوف على مهمة كل من المؤرخ والفيلسوف بالرغم من انخراطهما في سؤال الغاية من كتابة التاريخ، نجد الفيلسوف سيعود على البحث عن هدف أو غاية التاريخ من خلال تحديد العوامل الأساسية المؤثرة في سير الوقائع التاريخية. باعتباره (التاريخ) شكل ماهية الإنسان وهو الذي يميزه عن الكائنات الأخرى الإنسان كائن تاريخي).
أين يتجلى الاختلاف بين المؤرخ و الفيلسوف في التعاطي مع المعرفة التاريخية؟وكيف تبنى تلك المعرفة ؟ وهل التاريخ ثابت و مستقر أم تحكه دينامية التقدم؟ و هل للإنسان دور في التاريخ؟هل يمكن أن نعتبره صانعا للتاريخ؟
1-    المعرفة التاريخية
 
 
 
إن التطرق لموضوع المعرفة التاريخية يثير إشكالا منهجيا يتعلق بالماضي الذي انقضى وولى و التعامل معه في الوقت ذاته كموضوع للمعرفة، و من ثمة فكيف يمكن الحكم على المعرفة التاريخية؟.
يؤكد ريمون أرون على أن المعرفة التاريخية هي معرفة نسبية. لأنها لا يمكن أن تدرك الماضي بصفة نهائية مادام أنه لاوجود لماض خالص، فكل ماضي هو ماض مستحضر ومعرفته لا تتأتى إلا عبر البحث و التنقيب و التحقيق. كما أن المعرفة التلقائية التي نعرفها بطريقة مباشرة هي سمة أساسية لواقعنا الذي نعيش فيه، بحكم أننا نفهم جميع دلالاته. في حين أن المجتمعات التي عاشت قبلنا لا يتسنى لنا أن نعرف دلالاتها دون توسط منهج المؤرخ و بدلك تنعدم شروط المعرفة التلقائية بها . بالإضافة إلى كون تجربتنا في الماضي لايمكن أن تكون هي تجربتنا في الحاضر. وانطلاقا من دلك فالمعرفة هي إعادة بناء لما كان موجودا ولم يعد وهي عملية تخص زمانا و مكانا محددين.
أما بالنسبة لبول ريكور فالاعتماد على الآثار والوثائق الخاضعة للمساءلة والاستنطاق من طرف المؤرخ تعتبر موقفا موضوعيا وعملا منهجيا يجعل من الأثر التاريخي وثيقة دالة, يصبح من خلالها المؤرخ ممتلكا للقدرة على بناء الوقائع التاريخية بالاعتماد على الوثائق والملاحظة المنهجية. ومن هنا فالواقعة التاريخية لا تختلف عن الواقعة العلمية وهنا تكمن الموضوعية كنتيجة للممارسة المنهجية
و انطلاقا مما سبق هل يمكن الاعتماد على المعرفة التاريخية كشرط لفهم الحاضر وتصور المستقبل ؟
ينطلق ماكس فيبر (1864 – 1920) من نقطة أساسية تعتبر كمدخل من أجل التعاطي مع المعرفة التاريخية كمؤشر لتصور مستقبل الإنسانية. فالواقع الإمبريقي ( التجريبي ) يتميز باللامحدودية بحكم كثافته ولا نهائيته, فلذلك لا يمكن لأية عدة منهجية أن تشمل ذلك الواقع في كليته.
إن المؤرخ لا يمكن أن يتأتى له معرفة الماضي بصفة نهائية, ذلك أن الأسباب التي يعتمدها لتفسير الواقعة التاريخية ستبقى منتقاة انطلاقا من علاقة المؤرخ بالقيم. كما أن السببية التاريخية بالنسبة لماكس فيبر هي سببية تحليلية, متفردة وجزئية احتمالية, ويبقى العمل المنهجي للمؤرخ محددا لهذه المعرفة
2- التاريخ وفكرة التقدم:
هل منطق التاريخ يحكمه التقدم أم التكرار؟ هل هو تقدم محكوم بحتمية معينة أم أنه يسير بشكل تلقائي؟ لقد قال هيغل : " إن كل ما هو عقلي فهو واقعي وكل ما هو واقعي فهو عقلي ". فالواقع في كليته معقول, لأنه ليس شيئا آخر سوى العقل متجسدا أو حالا في روح هذا الشعب أو ذلك من الشعوب التي عرفها التاريخ. فحركة التاريخ هي حركة متصاعدة ومتقدمة نحو الوعي المطلق الذي يتحقق دون وعي البشر وذلك حسب إيقاع ديالكتيكي يقع على مستوى الأفكار انطلاقا من الأطروحة (الوجود المطلق) إلى نقيضها (اللاوجود أو العدم) وصولا إلى التركيب ( الصيرورة ). وهذه هي النقطة التي سوف ينطلق منها كارل ماركس في انتقاده للصيرورة الهيجيلية المثالية والمجردة. وبذلك سيرفض ماركس ما اعتقده هيجل تفسير عقلاني للتاريخ. فأنزل دلك الجدل الذي اعتمده هيجل على مستوى الأفكار إلى أرض الواقع, ليصبح التاريخ هو تاريخ الإنسان العامل والمنتج وليس تاريخا يستعرض مراحل تطور الأفكار. ومن ثمة فالتفسير العقلاني العلمي والجدلي للتاريخ يجب أن يطلب في الواقع الاقتصادي أو ما يسميه ماركس بالبنية التحتية والتي تتألف من :
1/ قوى الإنتاج : مجموع الأدوات والوسائل التي ينتج بها الإنسان ما يحتاج إليه (العمال, الآلات, الأرض.....).
2/ علاقات الإنتاج : العلاقات التي تربط بين الناس أثناء عملية الإنتاج المادي.
3/ نمط الإنتاج : مجموع علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج.
ويرى ماركس أن التغير الذي يطرأ على قوى الإنتاج يصطدم غالبا بعلاقات الإنتاج التي لا تستوعب في بداية الأمر التغير الذي حصل على مستوى قوى الإنتاج.
ومن هنا يولد التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج والذي يتولد عليه بشكل جدلي " الصراع الطبقي " الذي يعتبره كارل ماركس بمثابة المحرك الأساسي للتاريخ.
وما يطرأ من تغيرات على مستوى البنية التحتية ينعكس على البنية الفوقية التي يدخل فيها كارل ماركس كل أشكال الوعي المختلفة, مثل الوعي الديني والأسطوري والفلسفي والفني والسياسي والقانوني...
ويميز ماركس بين التغير الذي يقع على مستوى البنية التحتية الذي يتم بسرعة بالمقارنة مع التغير الذي يقع على مستوى البنية الفوقية. حيث لا يمكن تحديده بالدقة التي يمكن تحديده بها على مستوى البنية التحتية. ويسمى هذا التغير الذي يربط بين التغير في الأفكار و الفلسفات من جهة, وفي السياسة من جهة أخرى, وبما يطرأ من تغيير في الواقع الاقتصادي والاجتماعي بالتفسير المادي للتاريخ والدي يخالف التفسير المثالي كما كان لدى هيغل.
إذن فالتاريخ البشري محكوم بتقدم هو في حقيقته تتال لأنماط إنتاج تفهم باعتبارها مراحل تقود إلى بعضها البعض عبر النفي انطلاقا من قوانين الجدل التي تحكم الطبيعة والمجتمع والإنسان.
لكن إذا كان التاريخ قد اتخذ شكلا تقدميا في البنية الغربية هل ينطبق ذلك على جميع البني الأخرى؟
يرى كلود ليفي شتراوس أنه إذا أردنا أن نفهم الظواهر الاجتماعية سواء الخاصة بالشعوب المسماة بالبدائية أوالمتحضرة، علينا أن نطرح المنهج التاريخي جانبا، الذي يقوم بدراسة ماضي الظواهر وانطلاقا منها يحاول تفسير الحاضر. وطرح كبديل عن ذلك انطلاقا من منهجه البنيوي ما يسمى بالدراسة الاستاتيكية السانكرونية وهي دراسة تهتم بدراسة بنية ثقافية معينة دون إيلاء اهتمام لماضيها أو وظيفتها.
وانطلاقا من ذلك يرى ليفي شتراوس أن هناك عنصرا مشتركا بين جميع البشر ألا وهو " اللاشعور البنيوي " باعتباره لا زماني ولا شخصي ولا سيكولوجي ولا اجتماعي بل هو عام وسابق عن مختلف العوامل الأخرى.
والتاريخ ماهو إلا تجل واستعراض للاشعور البنيوي في أشكال ومظاهر متنوعة، كما أنه خفي وغير معطى مباشرة في الأنظمة الاجتماعية والثقافية. وبذلك سوف يعتبر البنيويون النزعة التاريخية بمثابة عائق ابستمولوجي مادام أنه لكل بنية استقلالها الخاص عن بقية البنى. فلذلك لا يمكن لجميع البنى أن يحكمها نفس المسار التاريخي.
لذلك ذهب ميشال فوكو إلى القول بأن البنيوية سجلت نهاية التاريخ, واعتبر بياجي تصورها للثقافة قد انتهى إلى موقف أفلاطوني في تصوره للمثل والجواهر الثابتة الخالدة والمفصولة عن المحسوس والواقع الذي ما هو إلا شبح وظل لعالم المثل.
 
- 3-دور الإنسان في التاريخ :
 
إن التساؤل عن دور الإنسان في التاريخ هو استمرار للتساؤل حول منطق التاريخ. فهل يمكن اعتبار الإنسان بالفعل هو صانع التاريخ ؟
بالنسبة لهيغل كما تطرقنا لذلك سابقا فهو يعتبر أن التطور هو تطور الفكرة التي تنطلق من البسيط إلى المعقد, ومن المجرد إلى العيني عن طريق صيرورة تقودها حسب منطق التطور. هذه الفكرة تتحقق على يد أولئك الذين يدركون الروح المطلقة كمبدأ عقلي يتجسد في التاريخ، وتدرك حقيقته عبر الفن والدين و السياسة. وهؤلاء هم الذين يسميهم هيغل بعظماء التاريخ فدورهم في التاريخ هو تطبيق لفكرة وجدت قبل تواجدهم.
وهذا ما جعل ماركس ينطلق حيث انتهى هيغل. فالإنسان بالنسبة لماركس هو صانع التاريخ عبر فلسفة البراكسيس ( الفلسفة العملية ) التي تتجلى من خلال الصراع الطبقي المحرك الجوهري للتاريخ
ذلك ما سوف يعترض عليه ميرلوبونتي الذي حافظ على مسافة نقدية مع الماركسية في تصورها للتاريخ حيث يصبح الإنسان منفذا لبرنامج محدد سلفا.
كما أن ربط ماركس للتغير الإيديولوجي بتغير يلحق البنية التحتية جعل ميرلوبونتي يفتح إمكانية حدوث نضج إيديولوجي فجأة دون تهيئ للشروط الموضوعية كما أن عرضية التاريخ يمكن أن تجعل جدليته تنحرف عن الأهداف التي اختارتها لنفسها، فلا تحل بذلك المشاكل التي تطرحها
.أما بالنسبة لجون بول سارتر فينطلق من الرسالة التي عرضها فريدريك انجلز (1820 – 1895 ) على ماركس والتي يقول فيها " إن الناس يصنعون تاريخهم بأنفسهم ولكن في وضع محدد يشرطهم ". متسائلا حول ما إذا كان التاريخ هو الذي يصنع الإنسان .إذن كيف يمكن أن نفهم أن الإنسان هو صانع التاريخ ؟
فالإنسان يكون في عهد الاستغلال نتاج منتوجه الخاص وفاعلا تاريخيا لا يمكن اعتباره منتوجا . هذا التناقض لا يعتبره سارتر تابتا بل ينبغي فهمه في سياق حركة البراكسيس أي الممارسة. وهذا هو ما سيضيء جملة انجلز حسب سارتر،التي يقول فيها إن الناس يصنعون تاريخهم وليست الشروط الموضوعية السابقة هي التي تصنع التاريخ.
ومن ثمة فإن سارتر يركز بشكل قوي على الإمكانية المعطاة سلفا للإنجاز ليتجاوز الإنسان وضعه لتحقيق مشروعه داخل حقل الممكنات الذي يعتبر هو مجموع الاحتمالات المتاحة أمام الإنسان بشكل موضوعي وذاتي يختار واحدة منها حسب وعيه وظروفه.
وبهذا المعنى يصبح الإنسان فاعلا تاريخيا وصانعا له بالمعنى الوجودي والتاريخي وليس بالمعنى الماركسي.
 

المراجع

الشامل

التصانيف

تصنيف :الأبحاث