إهـــداء ..
إلى شيخي الذي لا يرتضي أن يُذكرَ اسْمُه كَيلا يضيع أجْرُه يقاسمني همُومي وآلامي , ويقفُ وَرَائي في نوائِب الزّمان والحقِّ وَقفَةَ شَرِيفٍ وكريم . إنْ لَمْ تُعِنِي خيْــلُه وسِلاحُهُ فمتى أقُودُ إلى الأعَادِي عسْكَراً ؟ أهدي إليه هَذَا الكتابَ إحتراماً لشخصه , وحُبّاً لشمائِله ِ , وتقْديراً لمواقفه وَوَفَاءً لإخلاصه وإعتزازاً به .
المؤلف
 
مقدمة :
حمداً لله على النعمة الظاهرة والباطنة كما يليق بجلاله وجنابه , وصلاة وسلاما على رسوله خير النبيين وأشرف المرسلين , ومن تمسك بسنته , وعض عليها بالنواجذ , واهتدى بهديه من أصحاب من أصحابه وأهل بيته وأتباعه إلى يوم الدين . وبعد : فإنني قد إشتغلت بكتابي هذا منذ زمن غير قصير , أقدم عليه تاره وأتأخر عنه أخرى , متردداً بين الإحجام والإقدام .
ولكننا لما رأينا احتياج الناس إلى معرفة هذه الفئة من الناس وأفكارها و آرائها ومعتقداتها , وكونهم مترددين متذبذبين في تقييمها ووضعها في مكانها اللائق الصحيح , خرجنا من ترددنا وتذبذبنا خائفين من وعيد الله وتهديده : { وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون } . و { ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه } وقوله : { لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون } .
ويعلم الله أنه لم يكن هذا التحفظ للحفاظ على نفسي وعرضي ومالي لكونها مهددة من قبل الضالين, الغالين , والمبطلين المنتحلين , الذين اكتشفنا أمرهم وكشفناه للناس واهتدينا إلى خباياهم وخفاياهم فأظهرناها أمام الآخرين , وعرضنا صورتهم الحقيقية بإزالة نقاب التقية والتستر عن وجوههم , وإماطة اللثام عن أسرارهم وعقائدهم وتعاليمهم الأصلية الحقيقية , لأن نفسي وجسمي ومالي وعرضي جعلتها فداء لوجه ربي وابتغاء مرضاته : { إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين } .
فنفسي وعرضي ومالي فداء شريعته تعالى وسنة نبيه وصفيه , خير البرية :
فإن أبي ووالدتي وعرضي لعرض محمد منكم وقاء
وكان ذلك مسلك أحبائه ورفاقه وتلامذته , أصحابه الراشدين وآله الطاهرين والمتبعين لهم بإحسان :
فدت نفسي وما ملكت يميني فوارس صدقوا فيهم ظنوني
وإن التحفظ لم يكن حرصا على نفس وعرض ومال , فإن لكل شيء قدرا , وأن أجل الله لآت { ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } { وكان أمر الله قدراً مقدوراً } و { كل نفس بما كسبت رهينة } .
كنت أظن أول الأمر أن بعض الغلاة هم الذين أساءوا إلى التصوف والصوفية , وأن الغلو والتطرف هو الذي جلب عليهم الطعن وأوقعهم في التشابه مع التشيع والشيعة , ولكنني وجدت كلما تعمقت في الموضوع , وتأملت في القوم ورسائلهم , وتوغلت في جماعتهم وطرقهم , وحققت في سيرهم وتراجمهم – أنه لا إعتدال عندهم كالشيعة تماما , فإن الإعتدال عندهم كالعنقاء في الطيور , والشيعي لا يكون شيعيا إلا حين يكون مغاليا متطرفاً , وكذلك الصوفي تماما , فمن لا يعتقد إتصاف الخلق بأوصاف الخالق , لا يمكن ان يكون صوفيا ووليا من أولياء الله . ومن الطرائف أن ظني ذلك كان يجعلني ويحثني على أن أسمي مجموعة الكتابة عن المتصوفة ( التصوف بين الإعتدال والتطرف ) ولكنني لما كتبت وجدت أن هذا الاسم لا يمكن أن يناسب تلك المجموعة من الناس لعدم وجود الاعتدال مع محاولتي أن أجده لأدافع عنهم وأجادل , وأبرر بعض مواقفهم , وأجد المعاذير للبعض الأخرى , ولكني بعد قراءتي الطويلة العميقة العريضة لكتب الصوفية ومؤلفات التصوف , وجدت نفسي , إما أن أجادل بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير , وأتبع كل شيطان مريد – ولا جعلني الله منهم – وإما أن أقول الحق ولا أخاف في الله لومة لائم , وأتقي الله وأكون مع الصادقين , جعلني الله منهم ورزقني الاستقامة والثبات عليه , .
أما بعد : فهذا كتاب جديد نقدمه إلى القراء في موضوع جديد وقديم , جديد حيث أنه يبحث عن التصوف والصوفية , وقديم لأنه من نفس السلسلة التي كتبنا عنها وعاهدنا الله عز وجل أن نكتب ونتحدث عنها , ونتكلم فيها , ونزنها بميزان الكتاب والسنة , ونضعها في معيار النقد والتجزئة والتحليل ما دمنا أحياء نستطيع الكتابة والخطابة , وما دام في أنا ملنا قدرة في إمساك القلم , وفي اللسان رمق للتفوه والتكلم , لنؤيد الحق وندعمه , ونعلي كلمته ونرفع علمه , ولنبطل الباطل ونرد عليه , ولندحض شبهاته ونفند مزاعمه .
وإننا كنا نقصد أول ما بدأنا في الكتابة عن التصوف أن نقدم دراستنا فيه بصورة كتاب متوسط الحجم لا يزيد على ثلاثمائة صفحة , ويشتمل على تاريخ التصوف , بدايته , منشأه ومولده , مصادره وتعاليمه , عقائده ونظامه , سلاسله وزعمائه وقادته , ولكننا رأينا بعد المضي في الكتابة أن الأمر يتطلب أكثر من كتاب , وعلى الأقل كتابين . الأول يشتمل على نشأة التصوف ومصادره , وقلّ من تطرق إليها بتفصيل , وكل الكتاب الذين بحثوا التصوف مروا عليها كعابر سبيل مع أن أهمية المصادر والمآخذ لطائفة وجماعة لا تقل عن أهمية تلك الجماعة وأفكارها , بل قد تزيد عليها بفارق كبير حيث إن المصادر والمآخذ كثيرا ما تحسم النزاع في معتقدات وعقائد , وتجعل تلك المعتقدات والعقائد تابعة لتلك المصادر .
وعلى هذا فقد فصلنا القول في ذلك , في كتاب مستقل نضعه اليوم بين أيدي الباحثين والقراء راجين أن ينال رضاهم , ولعلنا سددنا بذلك ثغرة كانت في احتياج لأن تسد ولو أنها تتطلب المزيد , كما أننا نظن أننا في بحثنا عن مصادر التصوف استطعنا أن نضع النقاط على الحروف , وخاصة بمقارنة النصوص والعبارات عند الأخذ بالنصوص والعبارات عند المأخوذ عنه , ومقارنة المقتبس بالمقتبس منه , من الكتب المعتمدة والمصادر الموثوق بها لدى الأطراف المعنية كلها , وخاصة في الباب الثالث عن التصوف والتشيع .
ومع إعترافنا بأننا قد سُبقنا إلى هذا البحث من قبل بعض الباحثين الذين كتبوا في هذا الموضوع سيجد القارئ ويلاحظ الباحث أننا أضفنا إليه أشياء واستدركنا عليهم أشياء كثيرة في مختصرنا هذا لم يتطرق واحد منهم إليها , مع المقارنة الواضحة , والمشابهة الصريحة , والموافقات الجليلة , والنصوص الكثيرة من كلا الطرفين بدون تصنع وتكلف واستنتاج بعيد واستشهاد شارد غريب , وأعرضنا عن الأشياء التي كان يمكن إيداعها وإيرادها في هذا المبحث , ولكن بالكلفة والإستنباط فاخترنا ما لا يسع أحد إنكاره .
فنحن إستدركنا على السابقين مباحث هي أكثر أهمية وأكبر وزنا وأعظم شأنا مما اشتركنا في إيرادها , ولم يذكروها البتة , من إشتراك الشيعة والصوفية في إجراء النبوة بعد محمد صلوات الله وسلامه عليه , ونزول الوحي , وإتيان الملائكة , وتكليم الله إياهم , وعدم خلو الأرض من شخص به ثبات الأرض ووجودها , وعدم قبول العبادة بدونه , وتفضيل الوصي على النبي و ونسخ الشريعة , ورفع التكاليف , وإباحة المحظورات وإتيان المنكرات وغيرها من المواضيع الهامة العديدة , فالحمد لله على ذلك .
وكذلك يجد القارئ في الباب الثاني من هذا الكتاب عند بحثنا عن المسيحية باعتبارها أحد المصادر الهامة للتصوف أننا قد انفردنا بإيراد نصوص مسيحية أصلية لمقارنتها بالنصوص الصوفية شهادة على الآخذ والمأخوذ عنه . وقد إخترنا في هذا المبحث مسلكا ذا أبعاد ثلاثة :
أولا : لا نكتفي بإيراد النص الصوفي بل نورد معه النص الذي يشابهه من الديانات الأخرى على خلاف ما تعوده الكتّاب الثقة منهم بأن القارئ والباحث يعرف ذلك , فليس بضروري أن يكون القارئ متخصصا في هذا الموضوع حتى يكون له إلمامة بنصوص تلك الديانات .
ثانيا : أوردنا تأييدات من قبل الباحثين والكتاب من المسلمين والمستشرقين الذين إشتغلوا في دراسة التصوف بإعتبارها شهادات خارجية بعد الشهادات الداخلية الناتجة من مقارنة النصوص نفسها .
وثالثا : جمع النصوص من المتصوفة المتقدمين والمتأخرين المشهورين بالأعتدال والموثوق لدى العامة , وكذلك نصوص الآخرين من المتصوفة غير المعتدلين وغير الغلاة أيضا .
وحاولنا أن تكون هذه النصوص من الكتب المختلفة والمتفاوتة زمنا ومنهجا كي يكون الموضوع شاملا وكاملا , وافيا شافيا قدر الإستطاعة , وعلة لم يجتمع هذا العدد من النصوص في مختصر آخر مثل مختصرنا هذا . فالحمد لله الذي بتوفيقه ومدده وتأييده تتم الأعمال وهو ولي الهداية والرشاد .
ويجدر بنا أن نذكر ههنا أن الكتاب الثاني سيشمل على عقائد وتعاليم صوفية كما يشمل هذا الكتاب على أصلها ومنشأها ومصادرها و وليس معنى هذا أن هذا الكتاب خال عن معتقداتهم , بل ان أعظم قسط منه يشمل على العقائد والمعتقدات وإننا لم نبحث عن مصادر التصوف ومآخذه تاريخيا وسردنا لذلك شهادات وتوثيقات , بل أوردنا فيما أوردنا عقائد القوم , الخاصة بهم , وتعاليمهم التي إمتازوا بها عن غيرهم , ثم ذكرنا عمن أخذوا هذه المعتقدات , وأقتبسوا هذه التعاليم , واحدة بعد واحدة على أنها شهادات داخلية , فعلى ذلك هذا الكتاب مع عنوانه ( المنشأ والمصادر ) لم يبحث في الحقيقة والأصل إلا العقائد والمعتقدات , بهذا لا يكون هذا الكتاب موضوعيا صرف , بل يؤدي رسالته لبيان حقيقة هذه العصابة من الناس وكنهها ولإرجاع الأمور إلى نصابها , ووضع الأشياء في محلها ومقاديرها , وذلك هو العدل .
والنقطة الأخرى التي أشرنا إليها قبل قليل , ونريد أن نركز عليها هي أننا ما بنينا حكمنا , ولا وضعنا احتجاجنا واستدلالنا إلا على المتصوفة المشهورين المعروفين , والموثوق بهم المعتدلين لدى الجميع , وذلك أيضا استشهادا , لا استدلالا , كما يلاحظ الباحث أننا لم نورد في كل هذا القسم من الحلاج , ولا من طائفته وجماعته رواية واحدة , لا استدلالا ولا استشهادا , كي لا يتهمنا متهم أننا اخترنا الغلاة ورواياتهم للحكم على التصوف , لأنه في رأينا كما قلنا آنفا لا إعتدال في التصوف ولدى المتصوفة , اللهم إلا الزهاد الأوائل فإنهم ليسوا منهم , ولا هؤلاء من أولئك .
فإن التصوف امر زائد وطارئ على الزهد , وله كيانه وهيئته , ونظامه وأصوله , قواعده وأسسه , كتبه ومؤلفاته ورسائله ومصنفاته , كما أن له رجالا وسدنة وزعماء وأعيانا .
فإن الزهد عبارة من ترجيح الآخرة على الدنيا , والتصوف اسم لترك الدنيا تماما . والزهد هو تجنب الحرام , والاقتصاد في الحلال , والتمتع بنعم الله بالكفاف , وإشراك الآخرين في آلاء الله ونعمه وخدمة الأهل والأخوان والخلان .
والتصوف تحريم الحلال , وترك الطيبات , والتهرب من الزواج ومعاشرة الأهل والإخوان , وتعذيب النفس بالتجوع والتعري والسهر .
فالزهد منهج وسلوك مبني على الكتاب و السنة , وليس التصوف كذلك , لذلك إحتيج لبيانه إلى ( التعرف لمذهب أهل التصوف ) و ( قواعد التصوف ) و ( الرسالة القشيرية ) و ( اللمع ) و( قوت القلوب ) و ( قواعد التصوف ) و ( عوارف المعارف ) وغيرها من الكتب , وسيأتي تفصيل ذلك في الكتاب القادم إن شاء الله .
فعندما نكتب نكتب عن هذا المذهب أي مذهب التصوف لا عن الزهد , لأن الزهد كما ورد في حديث الترمذي ( ليس الزهد بتحريم الحلال , ولا إضاعة المال ولكن الزهد أن تكون بما في يد الله أوثق بما في يدك , وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت أرغب منك فيها لو أنها بقيت لك ) لأن الله تعالى يقول : { لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم } .
وهذا الأمر أي عدم وجود الاعتدال في التصوف ينطبق على التشيع , وهذا هو القدر الآخر المشترك بينهما لأننا في بحثنا الطويل في التشيع لم نجد طائفة يمكن أن توصف بالاعتدال , فالغلو والتطرف من لوازم مذهب التشيع كما قاله الرجالي الشيعي المشهور , المامقاني في تنقيحه , فكذلك التصوف لا يعرف إلا الغلو والتطرف .
فالله أسأل أن يجعلنا أمة وسطا حقا ومن الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه , يتمسكون بكتاب ربهم وسنة نبيهم , ويعضون عليها بالنواجذ , ويدافعون عن حرمات الله وحرمات رسوله , وأعراض أصحاب محمد وأهل بيته , ويذبون عن المسلك القويم المستقيم ومنهج السلف الصالحين , ويردون كيد الضالين المنحرفين , ومكر المبطلين المنتحلين , لا يهابون جموعهم المتكاثرة , وأحزابهم المتكالبة , وفرقهم المعاضد بعضها بعضا , ويقولون للغاضبين الناقمين الحاسدين ما قاله أصفياء الله وأخياره { قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ 195 إِنَّ وَلِيِّـيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ 196 } وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
 
إحسان إلهي ظهير ابتسام كاتيج – شادمان – لا هور فبراير 1986 الموافق جمادى الآخرة 1406هـ
 
 
الباب الأول
التّصَوّفُ نشأته , تَاِريخُه وَتَطَوّرَاته
الفصل الأول
إن الإسلام دين البساطة ودين الفطرة التي فطر الناس عليها , أنزله الله على قلب سيد الخلق لهداية البشر . { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ 33 } .
وأمر سبحانه جل وعلا أن يتمسك به , ويقدمه إلى الناس ليعرفوه ويتمسكوا به بدورهم . وأنه عبارة عن الإقرار بوحدانية الله عز وجل لا شريك له , والشهادة بأن محمدا عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه , وإقامة الصلوات الخمس , وإيتاء الزكاة بعد مرور عام على ملاك النصاب , وكذلك صوم شهر رمضان من اثني عشر شهرا , وحج البيت إن إستطاع إليه سبيلا , كما ورد في حديث جبريل عليه الصلاة والسلام أنه جاء يوما من الأيام يسأل النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام , فقال : ( الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله , وتقيم الصلاة , وتؤتي الزكاة , وتصوم رمضان , وتحج البيت إن إستطعت إليه سبيلا ) .
أو كما ورد في حديث أعرابي جاء صلوات الله وسلامه عليه فقال له : ( دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة) . قال : ( تعبد الله ولا تشرك به شيئا , وتقيم الصلاة المكتوبة , وتؤتي الزكاة المفروضة , وتصوم رمضان ) , قال : ( والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئا ولا أنقص منه ) , فلما ولّى , قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا ) . أو بتعبير آخر أن الإسلام يعبّر عن التمسك بأوامر الله وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم , واجتناب ما نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه وسلم ,وقضاء حياة مثل ما قضاها رسول الله , واختيار الطرق والسنن التي اختارها أصحاب رسول الله صلوات الله وسلامه عليه كما أمر به الرب تبارك وتعالى في كلامه المحكم :
{ َأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ 132 }
و { أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ 20 }
و { َمَن يُشَاقِقِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ 13 } و { أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ 63 }
و { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا }
{ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا 71 }
و { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا 21 }
و { وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ 15 } .
وأوامر الله ورسوله , وكذلك نواهي الله ونواهي رسوله موجودة محفوظة في الكتاب والسنة , والكتاب المنزل على سيد البشر وخاتم الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليه , المعبر عنه بالذكر الحكيم والفرقان الحميد والقرآن المجيد , الذي جعله الله شفاء وهدى ورحمة للمؤمنين , وسنة رسول الله المعبر عنها بالحكمة في قوله جل وعلا : { ويعلمكم الكتاب والحكمة } وبالحديث النبوي الشريف , ما ثبت عنه وصح من أقواله وأفعاله وتقريراته , الكتاب والسنة اللذين ذكرهما الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله حيث حرّض أمته , وحثهم على التمسك والتشبث بهما قائلا : ( تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله ) .
ثم ربّى أصحابه وتلامذته في ظلهما وضوئهما تربية نموذجية لكي يكونوا قدوة لمن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة , ومثلا عليا لمن أراد أن يهتدي بهدي الله جل وعلا وهدى رسوله صلى الله عليه وسلم . فكانوا صورة حية لتعاليم الرب تبارك وتعالى وإرشادات رسوله صلى الله عليه وسلم متبعين مقتدين , غير مبتدعين محدثين , متقدمين بين يدي الله ورسوله , مبتغين مرضات الله , ومقتفين آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم مهتدين بهديه , سالكين بمسلكه , منتهجين منهجه , غير باغين ولا عادين , ولا مفرطين ولا مفرّطين في أمور دينهم ودنياهم : { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } .
وكان خيار هؤلاء كلهم - وكلهم خيار الخلق أجمعين – أصحاب بيعة الرضوان الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت وهم في الحديبية , فأنزل الله لهم البشرى برضوانه وجعل يده فوق أيديهم : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } . و { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم } . وفاقهم في المنزلة والشأن أهل بدر , الذين اطلع الله عليهم فقال : ( اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة ) .
وزاد على هؤلاء فضلا ومنقبة ومكانة من رفعهم الله بتبشيره إياهم بالجنة واحدا واحدا بالاسم والمسمى على لسان نبيهم الناطق بالوحي , الذي لا ينطق عن الهوى إن هو ألا وحي يوحى , الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه , العشرة المبشرة { لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله , وذلك هو الفوز العظيم }  .
ولو أنه زادهم رفعة وعظمة من قال في حقهما سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ( خير الخلائق بعد نبي الله أبو بكر ثم عمر ) .
فمن أراد أن يرى الإسلام المتجسد في شخصهم , وذواتهم , وخلقهم , وعاداتهم , وأقوالهم , وأفعالهم , فلينظر إلى هؤلاء , فإنهم كانوا ممثلي الإسلام الصحيح , الكامل , غير المشوب بشوائب البدع والمحدثات , والخرافات والضلالاات التي لحقت الإسلام بعد أدوار وأطوار , فإنهم كانوا تلامذة المدرسة الإسلامية الأولى التي كان أستاذها والمعلم فيها سيد ولد آدم , المحفوظ بحفظ الله , والمعصوم بعصمة الله , والمؤيد بوحي الله , والهادي إلى الصراط المستقيم صلى الله عليه وسلم . ولأجل ذلك حصر الله رضاه والدخول في الجنة لمتبعيهم بإحسان لكل من يأتي بعدهم , { والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه } .
فهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون لأنهم هم الذين حبب إليهم الإيمان وكرَه إليهم الكفر والفسوق والعصيان وأولئك هم الراشدون .
وهم القدوة الحسنة والمحك والمعيار لمعرفة الحق من الباطل , والهدى من الزيغ والضلال . فكل عمل يخالف عملهم وكل قول يعارض قولهم , وكل طريق في الحياة يناهض طريقهم مردود مرفوض مطرود , لأنهم شاهدوا من رسول الله ما لم يشاهده غيرهم , وسمعوا من نبي الله ما لم يسمعه الآخرون , ورباهم من لم يرب هؤلاء , وتتلمذوا على من لم يتتلمذ عليه أولئك , فهم أشبه الناس في أقوالهم وأفعالهم , وأخلاقهم وعاداتهم , وعباداتهم ومعاملاتهم , ومعاشرتهم ومعاشهم برسول الله صلوات الله وسلامه عليه من غيرهم , فلذلك أُمر المؤمنون باتباعهم , وإلى ذلك أشار نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم في قوله ( ما أنا عليه وأصحابي ) حيث جعلهم معه على طريقة واحدة ومنهج واحد , ولم يُدخل في هذا الاختصاص أحد غيرهم ولم يخصهم بهذه المزية والفضيلة إلا بأمر من الله وإيعازه حيث أنزل عليه في محكم كتابه أن يقول : { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني } .
ولم يرد من قوله ( ومن اتبعني ) آنذاك إلا صحابه ورفاقه , تلامذته الراشدين و أوفيائه الصادقين , الهادين المهديين رضي الله عنهم أجمعين .
ففي ضوء الكتاب والسنة , وأسوة الرسول وسيرته , وعمل أصحابه وحياتهم توضع وتوزن أعمال المسلمين المتخلفين وأقوال من جاء بعدهم , فما وجد لها سند ودليل يحكم عليها بالصحة والصواب , قطع النظر عمن صدرت عنه , وممن وردت .
وما لم يعاضدها الكتاب ولم تناصرها السنة , ولم يوجد لها أثر في حياة الصحابة وأفعالهم يحكم عليها بالفساد والبطلان , سواء وردت من صغير أو كبير , تقي أو شقي , لأن ( أحسن الكتاب كتاب الله , وخير الأمور أوسطها , وشر الأمور محدثاتها , وكل محدثة بدعة , وكل بدعة ضلالة , وكل ضلالة في النار ) . وقال عليه الصلاة والسلام : ( من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد ) .
وإن المسلمين لملزمون أن يؤمنوا بأن الله لم يترك خيرا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا وقد بينه لرسوله صلى الله عليه وسلم , ولا شرا إلا وقد نبهه عليه , ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكتم بيانه , ولم يقصّر في تبليغه إلى الناس , فأخبر الخلق بكل ما أخبر عن الله عز وجل لصلاحهم وفلاحهم , ولم يخصّ شخصا دون شخص { وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ } . وكان مأمورا من الله بأن يبلغ كل ما نزل إليه , قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } .
وكما أن المسلمين مطالبون أيضا أن يؤمنوا بأن الدين قد كمل في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولم يتوفه الله إلا بعد إتمام الإسلام { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا } .
ومن يعتقد أن شيئا من الدين لو صغيرا بقي ولم ينزله الله على نبيه , أو لم يبينه صلوات الله وسلامه عليه فإنه لا يؤمن بكمال الدين على رسوله صلى الله عليه وسلم , ولا تمام الإسلام في حياته , لأنه بدون هذا ينقص الدين ولا يكمل , وهذا معارض لقول الله عز وجل , ومناف لختم نبوة محمد صلوات الله عليه وسلامه عليه .
ويتضح بذلك جليا أنه لا بد من الأعتقاد أن كل شيء لا يوجد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فليس من الدين - وهو محدث وبدعة وضلالة , وهذا هو الصحيح الثابت عن الله وعن رسوله – أما اعتقاد أنه من الدين وأن الدين لم يكمل بعج , فهذا هو عين الكفر والضلالة , وقائله ليس من المؤمنين والمسلمين بالإتفاق , فلا بد من أحد الأمرين , إما هذا أو ذلك , ولا يمكن الجمع بينهما { لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ } . و { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } .
ومن هذا المنظور والرؤية نرى التصوف , وننظر في الصوفية , ونبحث في وقواعده وأصوله ونحقق أسسه ومبادئه , ومناهجه ومشاربه , هل لها أصل في القرآن والسنة , أو سند في خيار خلق الله أصحاب رسول الله الذين هم أولياء الله الحقيقيون الأولون من أمة محمد , الذين لا خوف عليهم ولاهم يحزنون .
{ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } و { الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ 20 يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ 21 خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ 22 }
و { فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } . فإن كان كذلك فعلى المؤمنين كافة الإقرار والتسليم , والتمسك والإلتزام , وليس لهم الخيار في الترك أو القبول , { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا } . وأيضا { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا } . وشمل قول الله عز وجل في الآية القرآنية الأخرى أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم لكونهم قدوة متبعون بعد الله ورسوله حيث قال : { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً } . وما لم يكن كذلك فتركه واجب , والألتفاف إليه حرام , يقطع النظر عمن قاله وعمل به . وبمثل ذلك قال الإمام أبو إسحاق الشاطبي في إعتصامه  : ( والثاني : إن الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان , لن الله تعالى قال فيها : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا } . وفي حديث العرباض بن سارية : وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها الأعين ووجلت منها القلوب , فقلنا : يا رسول الله , إن هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا ؟ قال : ( تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها , ولا يزيغ عنها إلا هالك , ومن يعش منكم فسيرى إختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي و سنة الخلفاء الراشدين من بعدي ) الحديث . وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى أتى ببيان جميع ما يحتاج إليه في أمر الدين والدنيا وهذا لا مخالف عليه من أهل السنة . فإذا كان كذلك , فالمبتدع إنما محصول قوله بلسان حاله أو مقاله : إن الشريعة لم تتم , وأنه بقي منها أشياء يجب أو يستحب استدراكها , لأنه لو كان معتقدا لكمالها وتمامها من كل وجه , لم يبتدع ولا استدرك عليها . وقائل هذا ضال عن الصراط المستقيم . قال ابن الماجشون : سمعت مالكا يقول : من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمد صلى الله عليه وسلم خان الرسالة , لأن الله يقول : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } فما لم يكن يومئذ دينا , فلا يكون اليوم دينا . والثالث : إن المبتدع معاند للشرع ومشاقٌ له , لأن الشارع قد عين المطلب العبد طرقاً خاصة على وجوه خاصة , وقصر الخلق عليها بالأمر والنهي والوعد والوعيد وأخبر أن الخير فيها , وأن الشر في تعدِّيها – إلى غير ذلك , لأن الله يعلم ونحن لا نعلم , وأنه إنما أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين . فالمبتدع رادٌ لهذا كله , فإنه يزعم أن ثمَّ طرقا أخر , ليس ما حصره الشارع بمحصور , ولا ماعينه بمتعين , كأن الشارع يعلم , ونحن أيضا نعلم . بل ربما يفهم من استدراكه الطرق على الشارع , أنه علم ما لم يعلمه الشارع . وهذا إن كان مقصودا للمبتدع فهو كفر بالشريعة والشارع , وإن كان غير مقصود , فهو ضلال مبين . وإلى هذا المعنى أشار عمر بن عبد العبد العزيز رضي الله عنه, إذ كتب له عديُّ بن أرطاه يستشيره في بعض القدرية , فكتب إليه . ( أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتِّباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم , وترك ما أحدث المحدثون فيما قد جرت سنته وكفوا مؤنته , فعليك بلزوم السنة , فإن السنة إنما سنّها من قد عرف ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق , فارض لنفسك بما رضي به القوم لأنفسهم , فإنهم على علم وقفوا , وببصر نافذ , قد كفوا وهم كانوا على كشف الأمور أقوى , وبفضل كانوا فيه أحرى . فلئن قلتم : أمر حدث بعدهم , ما أحدثه بعدهم إلا من اتبع غير سننهم , ورغب بنفسه عنهم , إنهم لهم السابقون , فقد تكلموا منه ما يكفي , ووصفوا منه ما يشفي , فما دونهم مقصر , وما فوقهم محسر , لقد قصر عنهم آخرون فقلوا وأنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم ) . ثم ختم الكتاب بحكم مسئلته . فقوله : ( فإن السنة إنما سنها من قد عرف مافي خلافها ) فهو مقصود الأستشهاد . والرابع : إن المبتدع قد نزل نفسه منزلة المضاهي للشارع , لأن الشارع وضع الشرائع وألزم الخلق الجري على سنتها , وصار هو المنفرد بذلك , لأنه حكم بين الخلق فيما كانوا فيه يختلفون . وإلا فلو كان التشريع من مدركات الخلق لم تنزل الشرائع , ولم يبق الخلاف بين الناس . ولا احتيج إلى بعث الرسل عليهم السلام . هذا الذي ابتدع في دين الله قد صير نفسه نظيرا ومضاهيا , حيث شرع مع الشارع , وفتح للاختلاف باباً , ورد قصد الشارع في الانفراد بالتشريع وكفى بذلك ) . وبعد هذه التوطئة المختصرة والمهمة أيضا ننتقل إلى المقصود والمطلوب , وهو معرفة التصوف والصوفية , وجعل الشرع حاكما عليهما , وعرض آرائهما وأفكارهما عليه . وبالله التوفيق .
 
الفصل الثاني أصْلُ التّصَوّفِ وَاشْتقاقهِ قبل أن بحث في التصوف ونشأته وتاريخه نريد أن نذكر أصل اشتقاقه, من أين اشتق ؟ وكيف كان اشتقاقه ؟ واختلاف الباحثين فيه والصوفية أنفسهم أيضا , ولقد سئل الشبلي  : لم سميت بهذا الاسم ؟ . فقال : ( هذا الاسم الذي أطلق عليهم اختلف في أصله وفي مصدر اشتقاقه ) . ولا زالوا مختلفين فيه حتى اليوم . فلقد نقل الطوسي أبو نصر السراج في كتابه الذي يعد أقدم مرجع صوفي , عن صوفي أنه قال : ( كان في الأصل صفوي , فاستثقل ذلك , فقيل : صوفي – وبمثل ذلك نقل عن أبي الحسن الكناد : هو مأخوذ من الصفاء ) . وينقل الكلاباذي أبو بكر محمد الصوفي المشهور عن الصوفية أقوالا عديدة في أصل هذه الكلمة واشتقاقها , فقال : قالت طائفة : إنما سميت الصوفية صوفية لصفاء أسرارها , ونقاء آثارها . وقال بشر بن الحارث : الصوفي من صفت لله معاملته , فصفت له من الله عز وجل كرامته . وقال قوم : إنما سموا صوفية لأنهم في الصف الأول بين يدي الله عز وجل بارتفاع هممهم إليه , وإقبالهم عليه , ووقوفهم بسائرهم بين يديه . وقال قوم : إنما سموا صوفية لقرب أوصافهم من أوصاف أهل الصفة , الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال قوم : إنما سموا صوفية للبسهم الصوف . وأما من نسبهم إلى الصفة والصوف فإنه عبّر عن ظاهر أحوالهم , وذلك أنهم قوم قد تركوا الدنيا , فخرجوا عن الأوطان , وهجروا الأخدان , وساحوا في البلاد , وأجاعوا الأكباد , وأعروا الأجساد , لم يأخذوا من الدنيا إلا من الدنيا إلا ما لا يجوز تركه , من ستر عورة , وسد جوعة . فلخروجهم عن الأوطان سموا غرباء . ولكثرة أسفارهم سموا سياحين . ومن سياحتهم في البراري وإيوائهم إلى الكهوف عند الضرورات سماهم بعض أهل الديار ( شكفتية ) والشكفت بلغتهم : الغار والكهف . وأهل الشام سموهم ( جوعية ) لأنهم إنما ينالون من الطعام قدر ما يقيم الصلب للضرورة , كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه ) . وقال السري السقطي , ووصفهم فقال : أكلهم أكل المرضى , ونومهم نوم الغرقى , وكلامهم كلام الخرقى . ومن تخيلهم عن الأملاك سموا فقراء . قيل لبعضهم : من الصوفي ؟ قال : الذي لا يَملك و لا يُملك . يعني لا يسترقه الطمع . وقال آخر : هو الذي لا يملك شيئا , وإن ملكه بذله . ومن لبسهم وزيّهم سموا صوفية , لأنهم لم يلبسوا لحظوظ النفس ما لان مسه , وحسن منظره , وإنما لبسوا لستر العورة , فتجزَّوا بالخشن من الشعر , والغليظ من الصوف . ثم هذه كلها أحوال أهل الصفة , الذين كانوا غرباء فقراء مهاجرين , أخرجوا من ديارهم وأموالهم , ووصفهم أبو هريرة و فضالة بن عبيد فقالا : يخرون من الجوع حتى تحسبهم الأعراب مجانين . وكان لباسهم الصوف , حتى إن كان بعضهم يعرق فيه فيوجد منه رائحة الضأن إذا أصابه المطر . هذا وصف بعضهم لهم , حتى قال عيينة بن حصن للنبي صلى الله عليه وسلم : إنه ليؤذيني هؤلاء أما يؤذيك ريحهم ؟ . ثم الصوف لباس الأنبياء , وزي الأولياء . وقال أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنه مرَّ بالصخرة من الروحاء سبعون نبيا حفاة عليهم العباء يؤمون البيت العتيق ) . وقال الحسن البصري : كان عيسى عليه السلام يلبس الشعر , ويأكل من الشجرة , ويبيت حيث أمسى . وقال أبو موسى : كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبس الصوف , ويركب الحمار , ويأتي مدعاة الضعيف . وقال الحسن البصري : لقد أدركت سبعين بدرياً ما كان لباسهم إلا الصوف . فلما كانت هذه الطائفة بصفة أهل الصفة فيما ذكرنا , ولبسهم وزيهم زي أهلها , سموا صُفية وصوفية .
ومن نسبهم إلى إلى الصفة والصف الأول فإنه عبر عن أسرارهم وبواطنهم , وذلك أن من ترك الدنيا وزهد فيها وأعرض عنها , صفَّى الله سره , ونور قلبه . قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا دخل النور في القلب انشرح وانفسح ) , قيل : وما علامة ذلك يا رسول الله ؟ قال : ( التجافي عن دار الغرور , و الإنابة إلى دار الخلود , والاستعداد للموت قبل نزوله ) .
فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من تجافى عن الدنيا نور الله قلبه . وقال حارثة حين سأله النبي صلى الله عليه وسلم : ما حقيقة إيمانك ؟ قال : عزفت بنفسي عن الدنيا , فأظمأت نهاري , وأسهرت ليلي , وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا , وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون , وإلى أهل النار يتعادون . فأخبر أنه لما عزف عن الدنيا نور الله قلبه , فكان ما غاب عنه بمنزلة ما يشاهده . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من أحب أن ينظر إلى عبد نور الله قلبه فلينظر إلى حارثة , فأخبر أنه منوّر القلب .
وسميت هذه الطائفة نورية لهذه الأوصاف .
وهذا أيضا من أوصاف أهل الصفة , قال الله تعالى : { فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} . والتطهر بالظواهر عن الأنجاس , وبالبواطن عن الأهجاس .
وقال الله تعالى : { رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله } . ثم لصفاء أسرارهم تصدق فراستهم .
قال أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ) . وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : ألقى في روعي أن ذا بطن بنت خارجة , فكان كما قال . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الحق لينطق على لسان عمر ) . وقال أبو أويس القرني لهرم بن حيان حين سلم عليه : وعليك السلام يا هرم بن حيان , ولم يكن رآه قبل ذلك , ثم قال له : عرف روحي روحك . وقال أبو عبد الله الأنطاكي : إذا جالستم أهل الصدق فجالسوهم بالصدق فإنهم جواسيس القلوب يدخلون في أسراركم ويخرجون من هممكم . ثم من كان بهذه الصفة من صفوة سره وطهارة قلبه ونور صدره فهو في الصف الأول , لأن هذه أوصاف السابقين .
قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب ) ثم وصفهم وقال : ( الذين لا يرقون و لا يسترقون , ولا يكوون ولا يكتوون , وعلى ربهم يتوكلون ) . فلصفاء أسرارهم , وشرح صدورهم , وضياء قلوبهم : صحت معارفهم بالله , فلم يرجعوا إلى الأسباب ثقة بالله عز وجل , وتوكلا عليه , ورضا بقضائه .
فقد إجتمعت هذه الأوصاف كلها , ومعاني هذه الأسماء كلها في أسامي القوم وألقابهم , وصحت هذه العبارات وقربت هذه المآخذ . وإن كانت هذه الألفاظ متغيرة في الظاهر , فإن المعاني متفقة لأنها إن أخذت من الصفاء والصفوة كانت صوفية. وإن أضيفت إلى الصف أو الصفة كانت صَفيّة أو صُفيّة , ويجوز أن يكون تقديم الواو على الفاء في لفظ الصفية أو الصُّفية إنما كانت من تداول الألسن . وإن جعل مأخذه من الصوف : استقام اللفظ , وصحت العبارة من حيث اللغة . وجميع المعاني كلها من التخلي عن الدنيا وعزوف النفس عنها وترك الأوطان ولزوم الأسفار , ومنع النفوس حظوظها , وصفاء المعاملات , وصفوة الأسرار , وانشراح الصدور وصفة للسباق .
وقال بندار بن الحسين : الصوفي من اختاره الحق لنفسه فصافاه , وعن نفسه برأه , ولم يرده إلى تعمّل وتكلف بدعوى .
وصوفي على زنة عوفي , أي عافاه الله فعوفي وكوفي , أي كافاه الله فكوفي , وجوزي , أي جازاه الله , ففعل الله به ظاهر في اسمه والله المتفرد به ) . هذا ما تخبط به الكلاباذي من الخلط والغلط قطع النظر عن ضعف أكثر الروايات التي ساقها وسردها .
ويكتب من الصوفية المتقدمين أبو العباس أحمد بن زروق في كتابه قواعد التصوف : وقد كثرت الأقوال في اشتقاق التصوف , وأمسى ذلك بالحقيقة خمسة . الأول : قول من قال : من الصوفة , لأنه مع الله كالصوفة المطروحة لا تدبير له . الثاني : أنه من صوفة القفا , للينها , فالصوفي هيّن ليّن كهي . الثالث : أنه من الصفة , إذ جعلته اتصاف بالمحاسن وترك الأوصاف المذمومة . الرابع : أنه من الصفاء , وصحح هذا القول حتى قال أبو الفتح البستي رحمه الله :
تنازع النــــاس في الصوفي واختلفوا وظنه البعض مشتقا من الصــــوف ولست أمنح هذا الاســـم غيــــر فتــى صافي فصوفي حتى سمى الصوفي
الخامس : أنه منقول من الصفة لأن صاحبه تابع لأهلها فيما أثبت الله لهم من الوصف حيث قال تعالى : { يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } . وهذا هو الأصل الذي يرجع إليه كل قول فيه ) .
وقال أبو نعيم الأصبهاني المتوفى 430هـ في حليته :
أبو نعيم الأصبهاني المتوفى 430هـ في حليته :
واشتقاقة من حيث الحقائق التي أوجبت اللغة فإنه تفعل من أحد أربعة أشياء , من الصوفانة , وهي بقلة رعناء قصيرة , أو من صوفة وهي قبيلة كانت في الدهر الأول تجيز الحاج وتخدم الكعبة , أو من صوفة القفاء وهي الشعرات النابتة في متأخره , أو من الصوف المعروف على ظهور الضأن ) .
وقال مرجحا كونه مأخوذا من الصفاء : ( اشتقاقه عند أهل الإشارات والمنبئين عنه بالعبارات من الصفاء والوفاء ) . وذهب إلى هذا الرأي فريد الدين العطار المتوفى 586 هـ تقريبا نقلا عن بشر الحافي .
وكذلك الصوفي الهندي الملقب بكنج شكر المتوفى 669 هـ . ولكن السهروردي الذي فصل القول في هذا يرى رأيا آخر , وهو أنه مشتق من الصوف ولبسه , فإليكم ما قاله في كتاب ( عوارف المعارف ) في الباب السادس تحت عنوان : ذكر تسميتهم بهذا الاسم : ( أخبرنا الشيخ أبو زرعة طاهر بن محمد بن طاهر , وقال أخبرني والدي , قال أخبرنا أبو علي الشافعي بمكة حرسها الله تعالى , قال أخبرنا أحمد بن إبراهيم , قال أخبرنا أبو جعفر محمد بن إبراهيم , قال : أخبرنا أبو عبد الله المخزومي , قال حدثنا سفيان عن مسلم عن أنس بن مالك , قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيب دعوة العبد ويركب الحمار ويلبس الصوف , فمن هذا الوجه ذهب قوم إلى أنهم سموا صوفية نسبة لهم إلى ظاهر اللبسة , لأنهم اختاروا لبس الصوف لكونه أرفق ولكونه كان لباس الأنبياء عليهم السلام .
وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( مر بالصخرة من الروحاء سبعون نبيا حفاة عليهم العباء يؤمون البيت الحرام ) .
وقيل : إن عيسى عليه السلام كان يلبس الصوف والشعر , ويأكل من الشجر ويبيت حيث أمسى . وقال الحسن البصري رضي الله عنه : لقد أدركت سبعين بدريا كان لباسهم الصوف , ووصفهم أبو هريرة وفضالة بن عبيد فقالا : كانوا يخرون من الجوع حتى يحسبهم الأعراب مجانين , وكان لباسهم الصوف حتى إن بعضهم كان يعرق في ثوبه فيوجد منه رائحة الضأن إذا أصابه الغيث . وقال بعضهم : إنه ليؤذيني ريح هؤلاء , أما يؤذيك ريحهم يا رسول الله صلى عليه وسلم بذلك , فكان اختيارهم للبس الصوف لتركهم زينة الدنيا , وقناعتهم بسد الجوعة وستر العورة , واستغراقهم في أمر الآخرة , فلم يتفرغوا لملاذ النفوس وراحاتها , لشدة شغلهم بخدمة مولاهم , وانصراف هممهم إلى أمر الآخرة , وهذا الاختيار يلائم ويناسب من حيث الاشتقاق , لأنه يقال ( تصوف ) إذا لبس الصوف , كما يقال ( تقمص ) إذا لبس القميص .
ولما كان حالهم بين سير وطير لتقلبهم في الأحوال وارتقائهم من عال إلى أعلى منه , لا يفيدهم وصف ولا يحسبهم نعت , وأبواب المزيد علماً وحالاً عليهم مفتوحة , وبواطنهم معدن الحقائق ومجمع العلوم , فلما تعذر تقيدهم لتنوع وجدانهم وتجنس مزيدهم , نسبوا إلى ظاهر اللبسة . وكان ذلك أبين في الأشارة إليهم , وأدعى إلى حصر وصفهم , لأن لبس الصوف كان غالبا على المتقدمين من سلفهم , وأيضا لأن حالهم حال المقربين كما سبق ذكره , ولما كان الإعتزاء إلى القرب وعظم الإشارة إلى قرب الله تعالى أمر صعب يعز كشفه والإشارة إليه .. وقعت الإشارة إلى زيهم سترا لحالهم وغيرة على عزيز مقامهم أن تكثر الإشارة إليه وتتداوله الألسنة , فكان هذا أقرب إلى الأدب , والأدب في الظاهر والباطن والقول والفعل عماد أهل الصوفية .
وفيه معنى آخر : وهو أن نسبتهم إلى اللبسة تنبئ عن تقللهم من الدنيا وزهدهم فيما تدعو النفس إليه بالهوى من الملبوس الناعم , حتى إن المبتدئ المريد الذي يؤثر طريقهم ويحب الدخول في أمرهم يوطن نفسه على التقشف والتقلل , ويعلم أن المأكول أيضا من جنس الملبوس فيدخل في طريقهم على بصيرة , وهذا أمر مفهوم معلوم عند المبتدئ , والإشارة إلى شيء من حالهم في تسميتهم بهذا أنفع وأولى , وأيضا غير هذا المعنى مما يقال إنهم سموا صوفية لذلك يتضمن دعوى وإذا قيل سموا صوفية للبسهم الصوف كان أبعد من الدعوى , وكل ما كان أبعد من الدعوى كان أليق بحالهم , وأيضا لأن لبس الصوف حكم ظاهر على الظاهر من أمرهم , ونسبتهم من أمر آخر من حال أو مقام أمر باطن , والحكم بالظاهر أوفق وأولى , فالقول بأنهم سموا صوفية للبسهم الصوف أليق وأقرب إلى التواضع , ويقرب أن يقال : لما أثاروا الذبول والخمول والتواضع والإنكار والتخفي والتواري , كانوا كالخرقة الملقاة والصوفية المرمية التي لا يرغب فيها ولا يلتفت إليها , فيقال ( صوفي ) نسبة إلى الصوفة , كما يقال ( كوفي ) نسبة إلى الكوفة , وهذا ما ذكره بعض أهل العلم , والمعنى المقصود به قريب ويلائم الإشتقاق , ولم يزل لبس الصوف اختيار الصالحين والزهاد والمنشقين والعباد .
أخبرنا أبو زرعة طاهر عن أبيه , قال أخبرنا عبد الرزاق بن عبد الكريم , قال أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد , قال حدثنا أبو علي بن إسماعيل بن محمد , قال حدثنا الحسن بن عرفة , قال حدثنا خلف بن خليفة عن حميد بن الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود رضي الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يوم كلم الله تعالى موسى عليه السلام كان عليه جبة صوف وسراويل صوف وكمه من صوف ونعلاه من جلد حمار غير مذكى .
وقيل : سموا صوفية لأنهم في الصف الأول بين يدي الله عز وجل بارتفاع هممهم وإقبالهم على الله تعالى بقلوبهم ووقوفهم بسرائرهم بين يديه . وقيل : كان هذا الاسم في الأصل صفوي , فاستثقل ذلك وجعل صوفيا . وقيل سموا صوفية نسبة إلى الصفة التي كانت لفقراء المهاجرين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم , الذين قال الله تعالى فيهم { للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض } الآية , وهذا وإن كان لا يستقيم من حيث الاشتقاق اللغوي ولكنه صحيح من حيث المعنى , لأن الصوفية يشاكل حالهم حال أولئك لكونهم مجتمعين متآلفين متصاحبين لله وفي الله , كأصحاب الصفة , وكانوا نحوا من أربعمائة رجل لم تكن لهم مساكن بالمدينة ولا عشائر , جمعوا أنفسهم في المسجد كاجتماع الصوفية قديما وحديثا في الزوايا والربط , وكانوا لا يرجعون إلى زرع ولا ضرع ولا إلى تجارة , كانوا يحتطبون ويرضخون النوى بالنهار , وبالليل يشتغلون بالعبادة وتعلم القرآن ( تلاوته ) وكان رسول الله صلى اله عليه وسلم يواسيهم ويحث الناس على مواساتهم ويجلس معهم ويأكل معهم , وفيهم نزل قوله تعالى : { وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } وقوله تعالى : { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ } ونزل في ابن مكتوم قوله تعالى : { عَبَسَ وَتَوَلَّى (1)أَن جَاءهُ الْأَعْمَى } وكان من أهل الصفة , فعوقب النبي صلى الله عليه وسلم لأجلة , وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صافحهم لا ينزع يده من أيدهم , وكان يفرقهم على أهل الجدة والسعة يبعث مع كل واحد ثلاثة ومع الآخر أربعة , وكان سعد بن معاذ يحمل إلى بيته منهم ثمانين يطعمهم . وقال أبو هريرة رضي الله عنه : لقد رأيت سبعين من أهل الصفة يصلون في ثوب واحد , منهم من لايبلغ ركبتيه , فإذا ركع أحدهم قبض بيديه مخافة أن تبدو عورته . وقال بعض أهل الصفة : جئنا جماعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلنا يا رسول الله أحرق بطوننا التمر فسمع بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد المنبر ثم قال : ما بال أقوام يقولون أحرق بطوننا التمر , أما علمتم أن هذا التمر هو طعام أهل المدينة وقد واسونا به وواسيناكم مما واسونا به , والذي نفس محمد بيده إن منذ شهرين لم يرتفع من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم دخان للخبز , وليس لهم إلا الأسودان الماء والتمر . أخبرنا الشيخ أبو الفتوح محمد بن عبد الباقي في كتابه , قال : أخبرنا الشيخ أبو بكر بن زكريا الطريثيثي قال أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي , قال حدثنا محمد بن محمد ابن سعيد الأنماطي , قال حدثنا الحسن بن يحى بن سلام , قال حدثنا محمد ابن علي الترمذي , قال حدثني سعيد بن حاتم البلخي , قال حدثنا سهل بن أسلم عن خلاد بن محمد عن أبي عبد الرحمن السكري عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهم قال : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً على أهل الصفة فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم فقال ( أبشروا يا أصحاب الصفة فمن بقي منكم على النعت الذي أنتم عليه اليوم راضيا بما هو فيه فإنه من رفقائي يوم القيامة ) . وقيل : كان منهم طائفة بخراسان يأوون إلى الكهوف والمغارات ولا يسكنون القرى والمدى , ويسمونهم في خراسان شكفتية , ( لأن شكفت) اسم الغار , ينسبونهم إلى المأوى والمستقر وأهل الشام يسمونهم جوعية , والله تعالى ذكر في القرآن طوائف الخير والصلاح فسمى قوما أبرارا وآخرين مقربين , ومنهم الصابرون والصادقون , والذاكرون , والمحبون , واسم الصوفي مشتمل على جميع المتفرق في هذه الأسماء المذكورة , وهذا الاسم لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقيل كان في زمن التابعين . ونقل عن الحسن البصري رحمة الل عليه أنه قال : رأيت صوفيا في الطواف فأعطيته شيئا فلم يأخذه وقال معي أربع دوانيق يكفيني ما معي ويشيد هذا ما روى عن سفيان أنه قال لولا أبو هاشم الصوفي ما عرفت دقيق الرياء . وهذا يدل على أن هذا الاسم كان يعرف قديما وقيل لم يعرف هذا الاسم إلى المائتين من الهجرة العربية ) . فهل هناك تعارض وتناقض أكثر من ذلك ؟. ورجح الرأي الأخير أبو المفاخر يحيى الباخرزي . ونجم الدين كبرى رجح كون كلمة التصوف مشتقة من الصوف , وأضاف ( بأن أول من لبس الصوف آدم وحواء , لأنهما أول ما نزلا في الدنيا كانا عريانين , فنزل جبريل بالخروف فأخذا منه الصوف , فغزلت حواء ونسجه آدم ولبساه , وكذلك موسى عليه السلام لبس الصوف , وأن يحيى وزكريا ونبينا محمدا صلى الله عليه وسلم أيضا كانوا يلبسون الصوف . ونسبة الصوفي إلى الصوف , وإذا ألبس الصوف طلب من نفسه حقه , لأن الصوف مركب من الأحرف الثلاثة : الصاد , والواو , والفاء , فيطلب من الصاد العبر والصلابة والصدق والصلاة , ويطلب من الواو الوفاء والوجد , وبالفاء الفرج والفرح ) .
ومن الطرائف أن نجم الدين كبرى هذا زاد على الآخرين حيث بين ألوان الصوف الذي يلبسه الصوفية على اختلاف أوصافهم وأحوالهم فقال : ( إن الذي قهر نفسه وقتلها بسيف المجاهدة والمكابدة , وجلس في مآتم النفس , عليه أن يلبس الصوف الأسود , وإن كان تائبا عن المخالفات وغسل ملبوس عمره بصابون الإنابة والرياضة . ونقى صحيفة قلبه عن ذكر الغير فعليه الصوف الأبيض , وإن كان من الذين اجتازوا العالم السفلي , ووصل العالم العلوي بهمته فعليه أن يلبس الصوف الأزرق , لأنه لون السماء ) .
ويترشح أيضا من كلام أبي طالب المكي في قوته بأنه أيضا من الذين يرحجون اشتقاقه من الصوف , حيث يورد رواية مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( البسوا الصوف , وشمروا , وكلوا في أنصاف البطون تدخلوا في ملكوت السماء ) .
ولكن القشيري أبا القاسم عبد الكريم رد على هذا الرأي وذاك , حيث قال في رسالته : ( فأما قول من قال : إنه من الصوف , ولهذا يقال : تصوّف إذا لبس الصوف كما يقال : تقمص إذا لبس القميص , فذلك وجه . ولكن القوم لم يختصوا بلبس الصوف . ومن قال : أنهم منسوبون إلى صفة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم , فالنسبة إلى الصفة لا تجيء على نحو الصوفي .
ومن قال : أنه مشتق من الصفاء , فاشتقاق الصوفي من الصفاء بعيد في مقتضى اللغة . ومن قال  : أنه مشتق من الصف , فكأنهم في الصف الأول بقلوبهم فالمعنى صحيح , ولكن اللغة لا تقتضي هذه النسبة إلى الصف ) .
وأما الصوفي الفارسي عبد الرحمن الجامي المتوفى 898 هـ فلقد ذكر في نفحاته أنه مأخوذ من الأستصفاء , مستدلا بكلام الصوفي المشهور عبد الله بن خفيف أنه قال : الصوفي من استصفاه الحق لنفسه توددا ) .
وقريبا من ذلك قال قبله صوفي فارسي آخر , وهو عبد العزيز بن محمد النسفي : إن التصوف مأخوذ من الصفوة . ولقد ذكر في أصل التصوف واشتقاقه أقوال أخرى , منها ما ذكرها الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي , والإمام ابن تيمية , عند ذكرهما التصوف والصوفية , واللفظ الأول : ( قد ذهب قوم إلى أن التصوف منسوب إلى أهل الصفة . وإنما ذهبوا إلى هذا لأنهم رأوا أهل الصفة على ما ذكرنا من صفة صوفة في الإنقطاع إلى الله عز وجل وملازمة الفقر فإن أهل الصفة كانوا فقراء يقدمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومالهم أهل ولا مال فبنيت لهم صفة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل أهل الصفة . والحديث بإسناد عن الحسن . قال بنيت صفة لضعفاء المسلمين فجعل المسلمون يوصلون إليها ما استطاعوا من خير . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيهم فيقول : السلام عليكم يا أهل الصفة . فيقولون : وعليك السلام يا رسول الله . فيقول كيف أصبحتم . فيقولون بخير يا رسول الله . وبإسناد عن نعيم بن المجمر عن أبيه عن أبي ذر قال كنت من أهل الصفة وكنا إذا أمسينا حضرنا باب رسول الله صلى الله عليه وسلم , فيأمر كل رجل فينصرف برجل فيبقى من بقى من أهل الصفة عشرة أو أقل فيؤثرنا النبي صلى الله عليه وسلم بعشائه فنتعشى فإذا فرغنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . ناموا في المسجد .
قال المصنف : وهؤلاء القوم إنما قعدوا في المسجد ضرورة . وإنما أكلوا الصدقة ضرورة . فلما فتح الله على المسلمين استغنوا عن تلك الحال وخرجوا , ونسبة الصوفي إلى أهل الصفة غلط لأنه لو كان كذلك لقيل صفي , وقد ذهب إلى أنه من الصوفانة وهي بقلة رعناء قصيرة . فنسبوا إليها لاجتزائهم بنبات الصحراء وهذه أيضا غلط لأنه لو نسبوا أليها لقيل صوفاني . وقال آخرون هو منسوب إلى صوفة القفا . وهي الشهرات النابتة في مؤخرة كأن الصوفي عطف به إلى الحق وصرفه عن الخلق ) . وقيل : أن أصل التصوف منسوب إلى صوفة , فيقول ابن الجوزي : قال أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ : قال : سألت وليد بن القاسم : إلى أي شيء ينسب الصوفي .
فقال : كان قوم في الجاهلية يقال لهم صوفة , انقطعوا إلى الله عز وجل , وقنطوا الكعبة , فمن تشبه بهم فهم الصوفية , قال عبد الغني : فهؤلاء المعروفون بصوفة ولد الغوث بن مر بن أخي تميم بن مر ) .
وبمثل ذلك ذكره أهل اللغة والمعاجم .
وهناك البعض الآخرون من المتقدمين والحديثين أدلوا بدلوهم , وأبدوا رأيهم في هذا , فمن المتقدمين البيروني أبو الريحان المتوفى سنة 440 هـ , الذي نسب التصوف إلى سوفيا اليونانية , معناها الحكمة , فلقد لخص كلامه صادق نشأت نقلا عن كتابه ( ذكر ما للهند من مقولة مقبولة أو مرذولة ) , وهذا نصه :
( إن قدماء اليونان أي الحكماء السبعة مثل سولن الأثيني وطاليس المالطي كانوا يعتقدون قبل تهذيب الفلسفة بعقيدة الهنود , بأن الأشياء إنما هي شيء واحد وكانوا يقولون ليس للأنسان فضل على الجماد والنبات إلا بسبب القرب إلى العلة الأولية في الرتبة , وكان بعضهم يعتقد أن الوجود الحقيقي هو العلة الأولى نفسها لأنها غنية بذاتها وما سواها محتاج في الوجود إلى الغير فوجودها في حكم الخيال والحق هو الواحد الأول فقط , ويقول في أعقاب هذا التفصيل . وهذا رأي السوفية وهم الحكماء , فإن ( سوف ) باليونانية ( الحكمة ) وبها سمي الفيلسوف ( بيلا سوبا ) أي محب الحكمة , ولما ذهب في الإسلام قوم إلى قريب من رأيهم سموا باسمهم , ولم يعرف بعضهم اللقب فنسبهم للتوكل إلى الصفة وأنهم أصحابها في عصر النبي صلى الله عليه وسلم , ثم صحف بعد ذلك فصير في صوف التيوس وعدل أبو الفتح البستي عن ذلك أحسن عدول في قوله :
تنازع الناس في الصوفي واختلوا قـدما وظنوه مشتـــقا من الصوفي ولســـــت أنحل هذا الاسـم غير فتى صافي فصوفي حتى لقب الصوفي
وكذلك ذهبوا إلى أن الموجود شيء واحد وأن العلة الأولى تتراءى فيه بصور مختلفة وتحل قوتها في أبعاضه بأحوال متباينة توجب التغاير مع الاتحاد , فكان فيهم من يقول أن المنصرف بكليته إلى العلة الأولى متشبها بها على غاية إمكانه يتحد بها عند ترك الوسائل وخلع العلائق والعوائق وهذه أراء يذهب إليها الصوفية لتشابه الموضوع وكانوا في ألأنفس والأرواح أنها قائمة بذواتها قبل التجسد بالأبدان معدودة مجندة تتعارف وتتناكر ) .
وبهذا القول قال فون هامر المستشرق الألماني , وعبد العزيز إسلامبولي , ومحمد لطفي جمعه من الحديثين . بسبب المشابهة الصوتية بين كلمة ( صوفي ) والكلمة اليونانية ( صوفيا ) , وكذلك لوجه الشبه الموجود بين كلمة ( تصوف ) , ( تيوصوفيا ) , وأن كلمتي صوفي وتصوف أخذتا من الكلمتين اليونانيتين ( سوفيا ) و (وتيوسوفيا ) إلا أن نولدكه أثبت خطأ هذا الزعم كما كما أيده في ذلك نيكلسون , وما سينيون , وبالاضافة إلى البراهين القوية الأخرى التي أقامها نولدكه , فإنه يدلل على أن ( س) اليونانية نقلت إلى العربية كما هي سينا , لا صادا كما أنه لا يوجد في اللغة الآرامية كلمة تعد واسطة لانتقال سوفيا إلى الصوفي ) .
فهذا هو الاختلاف الواقع في أصل لفظة التصوف واشتقاقها , ولذلك اضطر الصوفي القديم علىّ الهجويري المتوفى سنة 465 هـ إلى أن يقول : ( إن اشتقاق هذا الاسم لا يصح من مقتضى اللغة في أي معنى , لأن هذا الاسم أعظم من أن يكون له جنس ليشتق منه ) .
وبمثل ذلك قال القشيري في رسالته : ( ليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية قياس ولا اشتقاق ) . كما أنه مما لاشك فيه أنه لا يصح ولا يستقيم اشتقاقه من حيث اللغة إلا من الصوف , ولو أنه هو اختيار الكثيرين من الصوفية وغيرهم كالطوسي , وأبي طالب المكي , والسهروردي وأبي المفاخر يحيى باخرزي , وابن تيمية , وابن خلدون من المتقدمين .
والاستاذ مصطفى عبد الرزاق , والدكتور زكي مبارك , والدكتور عبد الحليم محمود , والدكتور قاسم غني , ومن المستشرقين مرجليوس , ونيكلسون , وماسينيون , ونولدكه وغيرهم من المتأخرين , مع انكار ذلك من أعلام الصوفية وأقطابها كما مر سابقا .
ومن الطرائف أن الدكتور زكي مبارك استشهد القشيرية على ردّ من جعل اشتقاق التصوف من الصفاء بالقشيري , واستند إلى قوله قائلا : ( وقد استبعد ذلك القشيري وهو من أقطاب الصوفية ) . مع أنه هو نفسه يورد بعد أسطر من هذا الإستشهاد والاستناد رأيه في الموضوع بأن التصوف مأخوذ من الصوف , مع أن القشيري ردّ على هذا كما ردّ على ذلك .
وأطرف من ذلك أن السراج الطوسي من متقدمي الصوفية هو الآخر من يرجح نسبة التصوف إلى الصوف كما مر سابقا , ولكنه نفسه يرد كلامه حيث يذكر عن يحيى بن معاذ الرازي أنه كان يلبس الصوف والخلقان في ابتداء أمره , ثم كان في آخر عمره يلبس الخز اللين ... وأن أبا حفص النيسابوري كان يلبس قميصا خزا وثيابا فاخره , ثم ذكر : وآداب الفقراء في اللباس أن يكونوا مع الوقت إذا وجدوا الصوف أو اللبدة أو المرقعة لبسوا , وإذا وجدوا غير ذلك لبسوا ) .
هذا ومثل هذا كثير في كتب الآخرين من الصوفية المتقدمين منهم والمتأخرين . ولا بأس بنقل عبارات مختصرة عن مصطفى عبد الرزاق حيث يقول : أما أصل هذا التعبير فالأقاويل فيه كثيرة : فمن مرجح أنه لفظ جامد غير مشتق كالقشيري . ومن قائل : أنه مشتق من الصفاء أو الصفو . ومن قائل : أن اللفظ مأخوذ من الصوف لأن لباس الصوف كان يكثر في الزهاد . وقال قائلون : إن الصوفية نسبة إلى الصفة التي ينسب إليها كثير من الصحابة .... لكن النسبة إلى الصفة لا تجيء على الصوفي , بل على الصفي .
وثم أقوال ضعيفة أخرى , كالقول بأن الصوفي نسبة إلى الصف الأول , لأنهم في الصف الأول بقلوبهم من حيث المحاضرة والمناجاة .
وكالقول بأنهم منسوبون إلى صوفة القفا . أو منسوبون إلى صوفة بن مروان .
وأرجح الأقوال وأقربها إلى العقل مذهب القائلين بأن الصوفي نسبة إلى الصوف , وأن المتصوف مأخوذ منه أيضا , فيقال : تصوف إذا لبس الصوف ) .
وأظن أن هذا الذي أوقع أحد الكتاب في التصوف في بحار الحيرة , وجعله مضطرا إلى أن يردد بعد ملاحظة هذه الاختلافات الكثيرة في أصل كلمة التصوف واشتقاقها , ونقل أقوالهم فيه .
( هذا معناه أن الصوفية يوصدون الباب حتى أمام من يسألهم عن معنى اسمهم .. وهذا دليل على أمر من أمور ثلاثة , وأما أن التصوف سر , وأما أنه أمر خلافي بحت , وأما أنه متعدد الجوانب كالفن الغني , وسوف نترك للقارئ أن يجد الجواب بنفسه ) .
 
 
 
 
الفصل الثالث تعْرِيفُ التصَوّفِ
ولا يقل اختلاف الصوفية في اختلاف تعريف التصوف عن اختلافهم في أصله واشتقاقه , بل ازدادوا تعارضا وتناقضا فيه كثيرا , ولقد ذكر صوفي فارسي قطب الدين أبو المظفر منصور بن أردشير السنجي المروزي المتوفى سنة 491 هـ أكثر من عشرين تعريفا . وكذلك السراج الطوسي . والكلاباذي . والسهروردي . وابن عجيبة الحسني . وأما القشيري فلقد ذكر في رسالته أكثر من خمسين تعريفا من الصوفية المتقدمين . كما ذكر المستشرق نيكلسون ثمانية وسبعين تعريفا .
وليس معنى ذلك أن هذا العدد هو الأخير في تعريف التصوف , بل ذكر السراج في لمعة أن تعريفاته تتجاوز مائة تعريف . وقال السهر وردي : ( وأقوال المشائخ في ماهية التصوف تزيد على ألف قول ) .
وقال الحامدي  : ( الأقوال المأثورة في التصوف قيل : أنها زهاء ألفين ) .
ونختار من هذه التعريفات الكثيرة بعضها نموذجا للقراء والباحثين , فينقل السراج الطوسي أن الجنيد سئل عن التصوف , فقال : ( أن تكون مع الله تعالى بلا علاقه ) . وقال سمنون في جواب سائل سأله : أن لا تملك شيئا ولا يمكلك شيء . وقيل لأبي الحسين أحمد بن محمد النوري : من الصوفي ؟ , فقال : من سمع السماع وآثر بالأسباب . وينقل القشيري عن الجنيد أنه قال : ( التصوف عقدة لا صلح فيها ). وأيضا : هم أهل بيت واحد لا يدخل فيه غيرهم .
وعن أبي حمزة البغدادي أنه قال : علامة الصوفي الصادق أن يفتقر بعد الغنى , ويذل بعد العز , ويخفى بعد الشهرة .
وعن الشبلي أنه قال : التصوف برقة محرقة . وعنه أنه قال : التصوف هو العصمة عن رؤية الكون .
 
ونقل منصور بن أردشير عن الحسين بن منصور أنه قال في جواب من سأله عن الصوفي : هو وحداني الذات لا يقبله أحد , ولا يقبل أحدا ) .
ونقل محمد بن إبراهيم النفزي الرندي عن أحد الصوفية : ( أن الصوفي من كان دمه هدرا , وملكه مباحا ) . وذكر السلمي عن أبي محمد المرتعش النيسابوري أنه سئل عن التصوف , فقال الاشكال والتلبيس والكتمان . وذكر عن أبي الحسين النوري أنه قال : ( التصوف ترك كل حظ النفس ) .
ونقل الكلاباذي وعبد السلام الأسمر الفيتوري عن الجنيد أنه سئل عن التصوف , فقال : تصفية القلب من موافقة البرية , ومفارقة الأخلاق الطبيعية , وإخماد الصفات البشرية , ومجانبة الدواعي النفسانية , ومنازلة الصفات الروحانية , والتعلق بالعلوم الحقيقية .
وذكر عن سهل بن عبد الله التستري أنه سأله رجل : من أصحب من طوائف الناس ؟. فقال : عليك بالصوفية , فإنهم لا يستكثرون , ولا يستنكرون شيئا , ولكل فعل عندهم تأويل , فهم يعذرونك على كل حال . وعن يوسف بن الحسين أنه قال : سألت ذا النون : من أصحب ؟ فقال : من لا يملك , ولا ينكر عليك حالا من أحوالك , ولا يتغير بتغيرك وإن كان عظيما , فانك أحوج ما تكون إليه أشد ما كنت تغيرا ) .
وذكر الهجويري أن الصوفي هو الفاني عن نفسه , والباقي بالحق قد تحرر من قبضة الطبائع , واتصل بحقيقة الحقائق .
ونقل عن الجنيد أنه قال : التصوف نعت أقيم العبد فيه , قيل : نعت للعبد أو نعت للحق ؟ . فقال نعت الحق حقيقة , ونعت العبد رسما .
وعن الشبلي أنه قال : التصوف شرك لأنه صيانة القلب عن الغير , ولا غير ) .
وذكر عبد الرحمن الجامي أن الصوفي هو الخارج عن النعوت والرسوم . ونقل عن أبي العباس النهاوندي أنه قال : التصوف بدايته الفقر ) . وذكر العطار عن أبي الحسن الخرقاني أنه قال : ( أن التصوف عبارة عن الجسم الميت والقلب المعدوم والروح المحرقة . وأنه قال : إن الخلق كله مخلوق , والصوفي غير مخلوق , لأنه معدوم و, أو أن الصوفي من عالم الأمر , لا من عالم الخلق ) .
ونقل العطار أيضا عن الجنيد أنه قال : ( الصوفي هو الذي سلم قلبه كقلب إبراهيم من حب الدنيا , وصار بمنزلة الحامل لأوامر الله , وتسليمه تسليم إسماعيل , وحزنه حزن داوود , وفقره فقر عيسى , وصبره صبر أيوب , وشوقه شوق موسى وقت المناجاه , وإخلاصه إخلاص محمد ) . وقال الصوفي الهندي فريد الدين الملقب بكنج شكر : ( إن التصوف أن لا يبقى في ملكك شيء , ولا يبقى وجودك في مكان . وقال : إن أهل التصوف يقيمون صلواتهم على العرش يوميا . وقال : إن الصوفي من لا يخفى على قلبه شيء ) .
فهذه هي تعريفات التصوف والصوفية لدى أعلام الصوفية وأقطابهم أنفسهم , ونقلناهم من كتبهم , تضاربت فيها أراء القوم , وتعارضت فيها أقوالهم , لا جمع بينهما ولا وفاق رغم ما ادعاه بعض المتأخرين , وحاولوا التوفيق ولكن دونه خرط القتاد , لأن كل تعريف مستقل عن التعريف الآخر , وحتى التعريفات العديدة التي صدرت عن شخص واحد تباعد بعضها عن بعض كل البعد وهذا التباعد ظاهر جليّ لكل من نظر فيها وقرأها تأمل وتدبر , وتحقق وتعمق .
ويجدر الإشارة ههنا إلى أن تعريفات التصوف المتعددة التي ذكرناها واخترناها من تعريفات كثيرة جدا تنبئ صراحة عن حقيقة إدعاء علاقة التصوف بالإسلام , وكونه روحه وعصارته . الأمر الذي سوف يفصل الكلام فيه , في الأبواب القادمة إن شاء الله تعالى .
 
 
 
 
 
الفصل الرابع بَدْءُ التّصَوّفِ وَظهُوره
إن الناس اختلفوا في بدء ظهور هذه الكلمة واستعمالها كاختلافهم في أصله وتعريفه , فذكر ابن تيمية وسبقه ابن الجوزي وابن خلدون في هذا أن لفظ الصوفية لم يكن مشهورا في القرون الثلاثة الأولى , وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك , وقد نقل التكلم به عن غير واحد من الأئمة والشيوخ كالإمام أحمد بن حنبل , وأبي سليمان الداراني وغيرهما , وقد روى عن سفيان الثوري أنه تكلم به , وبعضهم يذكر ذلك عن الحسن البصري .
وقال السراج الطوسي في الباب الذي خصصه للرد على من قال : لم نسمع بذكر الصوفية في القديم وهو إسم مستحدث : يقول في هذا الباب : ( إن سأل سائل فقال : لم نسمع بذكر الصوفية في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم أجمعين , ولا فيمن كان بعدهم , ولا نعرف إلا العبّاد والزُّهاد والسيَّاحين والفقراء , وما قيل لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : صوفي , فنقول وبالله التوفيق .
الصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لها حرمة , وتخصيص من شمله ذلك , فلا يجوز أن يعلق عليه اسم على أنه أشرف من الصحبة , وذلك لشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرمته , ألا ترى أنهم أئمة الزهاد والعباد والمتوكلين والفقراء والراضين والصابرين والمختبين , وغير ذلك , وما نالوا جميع ما نالوا إلا ببركة الصحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , فلما نسبوا إلى الصحبة والتي هي أجل الأحوال استحال أن يفضلوا بفضيلة غير الصحبة التي هي أجل الأحوال وبالله التوفيق .
وأما قول القائل : إنه اسم محدث أحدثه البغداديون , فمحال , لأن في وقت الحسن البصري رحمه الله كان يعرف هذا الاسم , وكان الحسن قد أدرك جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم , وقد رُوي عنه أنه قال : رأيت صوفيا في الطواف فأعطيته شيئا فلم يأخذه وقال : معي أربعة دوانيق يكفيني ما معي . وروي عن سفيان الثوري رحمه الله أنه قال : لولا أبو هاشم الصوفي ما عرفت دقيق الرياء , وقد ذكر الكتاب الذي جُمع فيه أخبار مكة عن محمد بن إسحاق بن يسار , وعن غيره يذكر فيه حديثاً : أنه قبل الإسلام قد خلت مكة في وقت من الأوقات , حتى كان لا يطوف بالبيت أحد , وكان يجيء من بلد بعيد رجل صوفي فيطوف بالبيت وينصرف , فإن صح ذلك فإنه يدل على أنه قبل الإسلام كان يعرف هذا الاسم , وكان يُنسب إليه أهل الفضل والصلاح , والله أعلم ) .
وبمثل ذلك قال السهروردي  : ( وهذا الاسم لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقيل : كان في زمن التابعين – ثم نقل عن الحسن البصري وما نقلناه عن الطوسي أيضا – ثم قال : وقيل : لم يعرف هذا الاسم إلى المائتين من الهجرة العربية ) .
وصرح عبد الرحمن الجامي : ( أن أبا هاشم الكوفي أول من دعى بالصوفي , ولم يسم أحد قبله بهذا الاسم , كما أن أول خانقاه بني للصوفية هو ذلك الذي في رملة الشام , والسبب في ذلك أن الأمير النصراني كان قد ذهب للقنص فشاهد فشاهد شخصين من هذه الطائفة الصوفية سنح له لقاؤهما وقد احتضن أحدهما الآخر وجلسا هناك , وتناولا معا كل ما كان معهما من طعام , ثم سارا لشأنهما , فسرّ الأمير النصراني من معاملتهما وأخلاقهما , فاستدعى أحدهما , وقال له : من هو ذاك ؟ قال : لا أعرفه , قال : وما صلتك به ؟ . قال : لا شيء . قال : فمن كان ؟ . قال : لا أدري , فقال الأمير : فما هذه الألفة التي كانت بينكما ؟ . فقال الدرويش : إن هذه طريقتنا , قال : هل لكم من مكان تأوون إليه ؟ . قال : لا , قال : فإني أقيم لكما محلا تأويان إليه , فبنى لهما هذه الخانقاه في الرملة ) .
وأما القشيري فقال : اشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة ) .
وأما الهجويري فلقد ذكر أن التصوف كان موجودا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم , وباسمه , واستدل بحديث موضوع مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من سمع صوت أهل التصوف فلا يؤمن على دعائهم كتب عند الله من الغافلين ) .
مع أنه نفسه كتب في نفس الباب في آخره شارحا كلام أبي الحسن البوشنجي ( التصوف اليوم اسم بلا حقيقة , وقد كان من قبل حقيقة بلا اسم ) فكتب تحته موضحا :
( يعني أن هذا الاسم لم يكن موجودا وقت الصحابة والسلف , وكان المعنى موجودا في كل منهم , والآن يوجد الاسم , ولا يوجد المعنى ) .
وأما المستشرقون الذين كتبوا عن التصوف , ويعدون من موالي الصوفية وأنصارهم , فمنهم نيكلسون فإنه يرى مثل ما يراه الجامي أن لفظة التصوف أطلقت أول ما أطلقت على أبي هاشم الكوفي المتوفى سنة 150 ه . ولكن المستشرق الفرنسي المشهور ما سينيون يرى غير ذلك , فيقول :
ورد لفظ الصوفي لأول مرة في التاريخ في النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي إذ نعت به جابر بن حيان , وهو صاحب كيمياء شيعي من أهل الكوفة , له في الزهد مذهب خاص , وأبو هاشم الكوفي الصوفي المشهور .
أما صيغة الجمع ( الصوفية ) التي ظهرت عام 189 هـ ( 814 م ) في خبر فتنة قامت بالأسكندرية فكانت تدل قرابة ذلك العهد على مذهب من مذاهب التصوف الإسلامي يكاد يكون شيعيا نشأ في الكوفة , وكان عبدك الصوفي آخر أئمته , وهو من القائلين بأن الإمامة بالإرث والتعيين , وكان لا يأكل اللحم , وتوفى ببغداد حوالي عام 210 هـ .
وإذن فكلمة صوفي كانت أول أمرها مقصورة على الكوفة ) .
وقال أيضا : صاحب عزلة بغدادي , وهو أول من لقب بالصوفي , وكان هذا اللفظ يومئذ يدل على بعض زهاد الشيعة بالكوفة , وعلى رهط من الثائرين بالأسكندرية , وقد يعدّ من الزنادقة بسبب إمتناعه عن أكل اللحم , ويريد الأستاذ أول من لقب بالصوفي في بغداد كما يؤخذ مما نقله عن الهمذاني , ونصه : ( ولم يكن السالكون لطرق الله في الأعصار السالفة والقرون الأولى يعرفون باسم المتصوفة , وإنما الصوفي لفظ أشتهر في القرن الثالث , وأول من سمي ببغداد بهذا الاسم عبدك الصوفي , وهو من كبار المشائخ وقدمائهم , وكان قبل بشر بن الحارث الحافي والسري بن المفلس السقطي ) .
والجدير بالذكر أن هؤلاء الثلاثة الذين يقال عنهم بأنهم أول من سمّو بهذا الاسم , وتلقبوا بهذا اللقب مطعونون في مذاهبهم وعقائدهم , ورمى كل واحد منهم بالفسق والفجور وحتى الزندقة , وخاصة جابر بن حيان , وعبدك كما سيأتي ذلك مفصلا في محله من الكتاب إن شاء الله .
وقد سبق كلام شيخ الاسلام ابن تيمية حيث قال : ( إن لفظ الصوفية لم يكن مشهورا في القرون الثلاثة , وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك ) .
وبمثل ذلك قال ابن خلدون . فخلاصة الكلام أن الجميع متفقون على حداثة هذا الاسم , وعدم وجوده في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والسلف الصالحين .
نعم, كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أزهد خلق الله في الدنيا وزخارفها , وأصحابه على سيرته وطريقته , يعدّون الدنيا وما فيها لهوا ولعبا , زائلة فانية , والأموال والأولاد فتنة ابتلي المؤمنون بها , فلم يكونوا يجعلون أكبر همهم إلا ابتغاء مرضاة الله , يرجون لقاءه وثوابه , ويخافون غضبه وعقابه , آخذين من الدنيا ما أباح الله لهم أخذه , ومجتنبين عنها ما نهى الله عنه , سالكين مسلك الاعتدال , منتهجين منهج المقتصد , غير باغين ولا عادين , مفرطين ولا متطرفين , وعلى رأسهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلفاء الراشدون , وبقية العشرة المبشرة , ثم البدريون , ثم أصحاب بيعة الرضوان , ثم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار , ثم عامة الأصحاب , على ترتيب الأفضلية كما مرّ سابقا في الفصل الأول من هذا الباب . وتبعهم في ذلك التابعون لهم بإحسان , واتباع التابعين , أصحاب خير القرون , المشهود لهم بالخير والفضيلة , ولم يكن لهؤلاء كلهم في غير رسول الله أسوة ولا قدوة , الذي قال فيه جل وعلا : { أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى 6 وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى 7 وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى 8 فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ 9 وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ 10 وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ 11 } والذي إذا وجد طعاما فأكل وشكر , وإذا لم يجد فرضي وصبر , وأحب لبس الثياب البيض , واكتسب جبّة رومية , ونهى عن التصدق بأكثر من ثلث المال , وأمر بحفظ حقوق النفس والأهل والولد , ونهى عن تعذيب النفس و اتعاب الجسد والبدن , وحرّص متبعيه على طلب الحلال , وطلب الحسنات في الدنيا والآخرة , ومنع الله تعالى من التعنت والتطرف في ترك الدنيا وطيباتها في آيات كثيرة في القرآن الكريم , سنوردها في موضعها من الكلام إن شاء الله .
ثم خلف من بعدهم خلف فتطرفوا , وذهبوا بعيدا في نعيم الدنيا وزخارفها , وفتحت عليهم أبواب الترف والرخاء , ودرّت عليهم الأرض والسماء , وأقبلت عليهم الدنيا بكنوزها وخزائنها , وفتحت عليهم الآفاق فانغمسوا في زخارفها وملذاتها , وبخاصة العرب الفاتحون الغزاة , والغالبون الظاهرون , فحصل ردّ الفعل , وفي نفوس المغلوبين المغزوين والمقهورين , من الموالي والفرس والمفلسين وأصحاب النفوس الضعيفة المتوانية خاصة , فهربوا عن الحياة ومناضلتها , وجدّها وكدّها , ولجأوا إلى الخانقاوات والتكايا والزوايا والرباطات , فرارا من المبارزة والمناضلة , وصبغوا هذا الفرار والانهزام وردّ الفعل صبغة دينية , ولون قداسة وطهارة , وتنزه وقرابة , كما كان هنالك أسباب ودوافع ومؤثرات أخرى , وكذلك أيدي خفية دفعتهم إلى تكوين فلسفة جديدة للحياة , وطراز آخر من المشرب والمسلك , وأسلوب جديد للعيش والمعاش , فظهر التصوف بصورة مذهب مخصوص , وبطائفة مخصوصة اعتنقه قوم , وسلكه أشخاص ساذجون بدون تفكير كثير , وتدبر عميق كمسلك الزهد , ووسيلة التقرب إلى الله , غير عارفين بالأسس التي قام عليها هذا المشرب , والقواعد التي أسس عليها هذا المذهب , بسذاجة فطرية , وطيبة طبيعية , كما تستر بقناعه , وتنقب بنقابه بعض آخرون لهدم الإسلام وكيانه , وإدخال اليهودية والمسيحية في الإسلام , وأفكارهما من جانب , والزرادشتية والمجوسية والشعوبية من جانب آخر , وكذلك الهندوكية والبوذية والفلسفة اليونانية الأفلاطونية من ناحية أخرى , وتقويض أركان الإسلام وإلغاء تعاليم سيد الرسل صلى الله عليه وسلم , ونسخ الإسلام وإبطال شريعته بنعرة وحدة الوجود , ووحدة الأديان , وإجراء النبوة , وترجيح من يسمى بالولي على أنبياء الله ورسله , ومخالفة العلم , والتفريق بين الشريعة والحقيقة , وترويج الحكايات والأباطيل والأساطير , باسم الكرامات والخوارق وغير ذلك من الخلافات والترهات .
فلم يظهر التصوف مذهبا ومشربا , ولم يرج مصطلحاته الخاصة به , وكتبه , ومواجيده وأناشيده , تعاليمه وضوابطه , أصوله وقواعده , وفلسفته , ورجاله وأصحابه إلا في القرن الثالث من الهجرة وما بعده .
وبذلك يقول ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس : ( كانت النسبة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأيمان والإسلام . فيقال : مسلم ومؤمن , ثم حدث اسم زاهد وعابد , ثم نشأ أقوام تعلقوا بالزهد والتعبد , فتخلوا عن الدنيا , وانقطعوا إلى العبادة , واتخذوا في ذلك طريقة تفردوا بها , وأخلاقا تخلقوا بها , ثم قال : وهذا الاسم ظهر للقوم قبل سنة مائتين , ولما أظهره أوائلهم تكلموا فيه , وعبروا عن صفته بعبارات كثيرة , وحاصلها أن التصوف عندهم رياضة النفس , ومجاهدة الطبع بردّه عن الأخلاق الرذيلة , وجعله على الأخلاق الجميلة من الزهد والحلم والصبر والإخلاص والصدق إلى غير ذلك من الخصال الحسنة التي تكسب المدائح في الدنيا والثواب في الأخرى ... وعلى هذا كان أوائل القوم , فلبّس عليهم إبليس في أشياء , ثم لبس على بعدهم من تابعيهم فكلما مضى قرن زاد طمعه في القرن التالي فزاد تلبيسه عليهم إلى أن تمكن من المتأخرين غاية التمكن . وكان أصل تلبيسه عليهم أنه صدهم عن العلم وأراهم أن المقصود العمل فلما أطفأ مصباح العلم عندهم تخبطوا في الظلمات . فمنهم من أراه أن المقصود من ذلك ترك الدنيا في الجملة فرفضوا مايصلح أبدانهم . وشبهوا المال بالعقارب , ونسوا أنه خلق للمصالح وبالغوا في الحمل على النفوس حتى أنه كان فيهم من لا يضطجع وهؤلاء كانت مقاصدهم حسنة غير أنهم على غير الجادة . وفيهم من كان لقلة علمه يعمل بما يقع إليه من الأحاديث الموضوعة وهو لا يدري .
ثم جاء أقوام فتكلموا لهم في الجوع والفقر والوسواس والخطرات وصنفوا في ذلك مثل الحارث المحاسبي . وجاء آخرون فهذبوا مذهب التصوف وأفردوه بصفات ميزوه بها من الاختصاص بالمرقعة والسماع والوجد والرقص والتصفيق وتميزوا بزيادة النظافة والطهارة . ثم مازال الأمر ينمى والأشياخ يضعون لهم أوضاعا ويتكلمون بواقعاتهم . ويتفق بعدهم عن العلماء لا بل رؤيتهم ما هم فيه أوفى العلوم حتى سموه العلم الباطن وجعلوا علم الشريعة العلم الظاهر . ومنهم من خرج به الجوع إلى الخيالات الفاسدة فادعى عشق الحق والهيمان فيه فكأنهم تخايلوا شخصا مستحسن الصورة فهاموا به . وهؤلاء بين الكفر والبدعة ثم تشعبت بأقوام منهم الطرق . ففسدت عقائدهم . فمن هؤلاء من قال بالحلول ومنهم من قال بالإتحاد . وما زال إبليس يخبطهم بفنون البدع حتى جعلوا لأنفسهم سننا وجاء أبو عبد الرحمن السلمي فصنف لهم كتاب السنن وجمع لهم حقائق التفسير فذكر عنهم فيه العجب في تفسيرهم القرآن بما يقع لهم من غير إسناد ذلك إلى أصل من أصول العلم . وإنما حملوه على مذاهبهم . والعجب من ورعهم في الطعام وانبساطهم في القرآن . وقد أخبرنا أبو منصور عبد الرحمن القزاز , قال : أخبرنا أبو بكر الخطيب قال : قال لي محمد بن يوسف القطان النيسابوري قال كان أبو عبد الرحمن السلمي غير ثقة ولم يكن سمع من الأصم إلا شيئا يسيراً فلما مات الحاكم أبو عبد الله بن البيع حدث عن الأصم بتاريخ يحيى بن معين وبأشياء كثيرة سواه . وكان يضع للصوفية الأحاديث . وصنف لهم أبو نصر السراج كتابا سماه لمع الصوفية ذكر فيه من الاعتقاد القبيح والكلام المرذول ما سنذكر منه جملة إن شاء الله تعالى . وصنف لهم أبو طالب المكي قوت القلوب فذكر فيه الأحاديث الباطلة ومالا يستند فيه من أصل من صلوات الأيام والليالي وغير ذلك من الموضوع وذكر فيه الاعتقاد الفاسد . وردد فيه قول – قال بعض الكاشفين – وهذا كلام فارغ وذكر فيه عن بعض الصوفية إن الله عز وجل يتجلى في الدنيا لأوليائه . أخبرنا أبو منصور القزاز أخبرنا أبو بكر الخطيب قال : قال أبو طاهر محمد بن العلاف , قال : دخل أبو طالب المكي إلى البصرة بعد وفاة أبي الحسين بن سالم فانتمى إلى مقالته وقدم بغداد فاجتمع الناس عليه في مجلس الوعظ فخلط في كلامه فحفظ عنه أنه قال : ليس على المخلوق أضر من الخالق . فبدعة الناس وهجروه فامتنع من الكلام على الناس بعد ذلك قال الخطيب : وصنف أبو طالب المكي كتابا سماه قوت القلوب على لسان الصوفية وذكر فيه أشياء منكرة مستبشعة في الصفات .
وجاء أبو نعيم الأصبهاني فصنف لهم كتاب الحلية . وذكر في حدود التصوف أشياء منكرة قبيحة ولم يستح أن يذكر في الصوفية أبابكر وعمر وعثمان وعلياً وسادات الصحابة رضي الله عنهم . فذكر عنهم فيه العجب وذكر منهم شريحاً القاضي والحسن البصري وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وكذلك ذكر السلمي في طبقات الصوفية الفضيل وإبراهيم وإبراهيم بن أدهم ومعروفاً الكرخي وجعلهم من الصوفية بأن أشار إلى أنهم من الزهاد .
فالتصوف مذهب معروف يزيد على الزهد ويدل على الفرق بينهما . أن الزهد لم يذمه أحد وقد ذموا التصوف على ما سيأتي ذكره وصنف لهم عبد الكريم بن هوازن القشيري كتاب الرسالة فذكر فيها العجائب من الكلام في الفناء والبقاء , والقبض , والبسط , والوقت , والحال , والوجد والوجود , والجمع و والتفرقة , والصحو والسكر , والذوق , والشرب , والمحو , والإثبات , والتجلي , والمحاضرة والمكاشفة , واللوائح والطوالع , واللوامع , والتكوين , والتمكين والشريعة , والحقيقة . إلى غير ذلك من التخليط الذي ليس بشيء وتفسيره وأعجب منه , وجاء محمد بن طاهر المقدسي فصنف لهم صفوة التصوف فذكر فيه أشياء يستحي العاقل من ذكرها سنذكر منها ما يصلح ذكره في مواضعه إن شاء الله تعالى .
وكان شيخنا أبو الفضل بن ناصر الحافظ يقول : كان ابن طاهر يذهب مذهب الإباحة : قال وصنف كتاباً في جواز النظر إلى المراد أورد فيه حكاية عن يحيى بن معين قال : رأيت جارية بمصر مليحة صلى الله عليها . فقيل له تصلي عليها فقال صلى الله عليها وعلى كل مليح . قال شيخنا ابن ناصر , وليس ابن طاهر بمن يحتج به , وجاء أبو حامد الغزالي فصنف لهم كتاب الإحياء على طريقة القوم وملأه بالأحاديث الباطلة وهو لا يعلم بطلانها وتكلم في علم المكاشفة وخرج عن قانون الفقه , وقال أن المراد بالكوكب والشمس والقمر اللواتي رآهن إبراهيم صلوات الله عليه أنوار هي حجب الله عز وجل ولم يرد هذه المعروفات . وهذا من جنس كلام الباطنية . وقال في كتابه المفصح بالأحوال . إن الصوفية في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتا ويقتبسون منهم فوائد ثم يترقى الحال من مشاهدة الصورة إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق ) . فهكذا كوّن هذا المذهب , وصار مستقلا بمبادئه وآرائه , وله مصادره ومراجعه , وتعاليمه ورسومه . وإلى هنا نأتي إلى آخر هذا الباب .
 
البَابُ الثاني مَصَادِرُ التّصوُّفِ وَمَآخِذُهُ
إن أمر التصوف كله مختلف فيه , فكما أختلف في أصله واشتقاقه , وحده وتعريفه , بدئه وظهوره , وفي أول من تسمى به وتلقب به , كذلك اختلف في منبعه ومأخذه , ومصدره ومرجعه , فتشعبت الآراء وتنوعت الأقوال , وتعددت الأفكار , فقال قائل : إنه إسلامي بحت في أشكاله وصوره , ومبادئه ومناهجه , وأصوله وقواعده , وأغراضه ومقاصده , حتى في ألفاظه وعباراته , وفلسفته وتعاليمه , ومواجيده وأناشيده , ومصطلحاته ومدلولاته , وهذا هو إدعاء الصوفية ومن والاهم , وناصرهم , ودافع عنهم .
وقال قوم : لا علاقه له بالإسلام إطلاقا , قريبة ولا بعيدة في اليوم الذي نشأ فيه , ولابعد ماتطور , وهو أجنبي عنه كاسمه , فلذلك لا يفتش عن مصادره ومآخذه في القرآن والسنة وإرشاداتهما , بل يبحث عنها في الفكر الأجنبي , وهو رأي أكثر السلفيين ومن نهج منهجهم وسلك مسلكهم وكذلك الفقهاء والمتكلمين من أهل السنة من المتقدمين , والأكثرية الساحقه من المستشرقين , والكثير من الباحثين والمفكرين المتحررين من الجمود وعصبية التقليد , من المتأخرين .
وقالت طائفة : إنه اسم للزهد المتطور بعد القرون المشهود لها بالخير كردّ فعل لزخرفة المدينة وزينتها التي انفتحت أبوابها على المسلمين بعد الغزوات والفتوحات وانغماسهم في ترف الدنيا ونعيمها , ثم حصلت فيه التطورات , ودخلت أفكار أجنبية والفلسفات غير الإسلامية وذهب إلى هذا الرأي ابن تيمية والشوكاني من السلفيين وغيرهم من بعض أعلام أهل السنة , حتى الصوفية أنفسهم وبعض المستشرقين .
وقال الآخرون : إن التصوف وليد الأفكار المختلطة من الإسلام واليهودية والمسيحية ومن المانوية والمجوسية والمزدكية , وكذلك الهندوكية والبوذية , وقبل كل ذلك من الفلسفة اليونانية وآراء الأفلاطونية الحديثية , وتمسك بهذا الرأي بعض الكتّاب في الصوفية من المسلمين وغير المسلمين .
فهذه هي خلاصة الاختلاف والآراء المختلفة في أصل التصوف ومأخذه , ننقاشها في هذا الباب , وندعم رأينا الذي نراه من بين هذه الآراء المتعددة , بالأدلة والشواهد , الخارجية منها والداخلية , فنقول : إن أفضل طريق للحكم على طائفة معينة وفئة خاصة من الناس هو الحكم المبني على آرائه وأفكاره التي نقلوها في كتبهم المتعمدة والرسائل الموثوق بها لديهم بذكر النصوص والعبارات التي يبني عليها الحكم , ويؤسس عليها الرأي ولا يعتمد على أقوال الآخرين ونقول الناقلين , اللهم إلا للاستشهاد على صحة استنباط الحكم وإستنتاج النتيجة .
وهذه الطريقة ولو أنها طريقة وعرة شائكة , صعبة مستعصبة , وقل من يختارها ويسلكها , ولكنها هي الطريقة الصحيحة المستقيمة التي يقتضيها العدل والإنصاف .
وعلى ذلك عندما نتعمق في تعاليم الصوفية الأوائل والأواخر , وأقاويلهم المنقولة منهم , والمأثورة في كتب الصوفية , القديمة والحديثة نفسها , نرى بونا شاسعا بينهما وبين تعاليم القرآن والسنة , وكذلك لا نرى جذورها وبذورها في سيرة سيد الخلق محمد صلوات الله وسلامه عليه وأصحابه الكرام البررة خيار خلق الله وصفوة الكون , بل بعكس ذلك نراها مأخوذة مقتبسة من الرهبنة المسيحية , والبرهمة الهندوكية , وتنسك اليهودية , وزهد البوذية , والفكر الشعوبي الإيراني المجوسي عند الأوائل , والغنوصية اليونانية والأفلاطونية الحديثة لدى الذين جاءوا من بعدهم , وتدل على ذلك تعريفات القوم للتصوف , التي نقلناها عن كبارهم فيما سبق . وكما تنطق وتشهد تعاليمهم التي هي بمثابة الأسس للتصوف , والضوابط لمن يدخل في طريقتهم .
فنبدأ أولا بإبراهيم بن أدهم , وهو من الطبقة الأولى وأئمة التصوف الأوائل , وكثيراً ما تبدأ كتب طبقات الصوفية بذكره واسمه , ولا يخلوا كتاب من كتب التصوف وسيرته .
ومما يذكر بيانا لشأنه الرفيع ومكانته السامية أنه كان من أبناء الملوك وملكا لبلخ , وتزوج من امرأته جميلة , وله ولد , ولكنه ترك الملك والزوجة والأولاد , وكل من كان يملكه , للنداء الغيبي , أو للقاء الخضر الذي لقنه ذلك , مثل ما ترك بوذا ملكه وزوجته , وأبنه وملاذ الدنيا وزخارفها طبقا بطبق , وحذو القذة بالقذة , خلافا لتعاليم الإسلام وأسوة الرسول وسيرة الصحابة , ولا يوجد له أي مثال في الكتاب ولا في السنة , ولا من السلف الصالح ومع ذلك يبجّل الصوفية ذكره , ولذلك يجعلونه قدوة يقتدى , ومثالا يحتذى , ويفتخرون بذكره وأحواله , مع أن أحواله تلك ليست إلا ناطقة بالبوذية المنسوخة الممسوخة التي لم ينزل الله بها من سلطان . فنود أن نورد تلك الحكاية الصوفية الباطلة , من التصوف القديم الأصيل , ومن الصوفي الذي يعدّ من الأعلام والأقطاب مقارنة بقصة بوذا , المنقولة من الكتب البوذية , ولبيان أنها تشتمل على ترهات وأكاذيب فاحشة مكشوفة تنطق بكونها مختلفة موضوعة مكذوبة , وننقل هذه القصة من تذكرة صوفية قديمة ( تذكرة الأولياء ) لفريد اليدن العطار , مقتبسين ترجمتها العربية من صادق نشأت :
( إن إبراهيم بن أدهم كان ملكا لبلخ , وتحت إمرته عالم , وكانوا يحملون أربعين سيفا من الذهب وأربعين عمودا من الذهب من أمامه ومن خلفه , وكان نائما ذات ليلة على السرير , فتحرك سقف البيت ليلا , كأنما يمشي أحد على السطح , فنادى : من هذا .. ؟ فقال : صديق فقدت بعيرا أبحث عنه على هذا السقف , فقال : أيها الجاهل , أتبحث عن البعير فوق السطح ...؟ فقال له : وأنت أيها الغافل تطلب الوصول إلى الله في ثياب حريرية وأنت نائم على سرير من ذهب ...؟ فوقعت الهيبة في نفسه من هذا الكلام , واندلعت في قلبه نار , فلم يستطع النوم حتى الصباح , وعندما أشرق الصبح ذهب إلى الإيوان وجلس على السرير متحيرا مفكرا حزينا , ووقف أركان الدولة كل في مكانه واصطف الغلمان وأذنوا إذنا عاما , فدخل رجل مهيب من الباب بحيث لم يكن لأي أحد من الخدم أو الحشم الجرأة على أن يقول له من أنت , ولم ينبسوا ببنت شفه , وتقدم الرجل حتى واجه سرير إبراهيم , فقال له : ماذا تريد ..؟ قال : أنزل في هذا الرباط , قال : ليس هذا برباط , إنما هو قصري , وإنك لمجنون , فقال : لمن كان هذا القصر قبل هذا ؟ قال : كان لأبي , قال وقبل ذلك , قال : كان ملكا لجدي ... وقبل ذلك ؟ قال : ملكا لفلان , قال : أو ليس الرباط هو ما يحل به أحد و يغادره الآخر .. ؟ قال هذا و اختفى , وكان هو الخضر عليه السلام , فازدادت حرقة روح إبراهيم ولوعته , وازداد ألمه حدة نتيجة لهذه الحال , وازدادت هذه الحال من واحد إلى مائة ضعف , إذ أنه رأى أنه قد اجتمع ما شاهده نهارا مع ما وقع ليلا ولم يعرف مما سمع , ولم يعلم ماذا رأى اليوم , فقال : أسرجوا الجواد لأني أريد الذهاب للصيد , فقد حدث لي اليوم شيء لست أدري ما هو , فيا إلهي إلى أين تنتهي هذه الحال ... ؟ فأسرجوا له جوادا , وتوجه للصيد , فكان يتجول في البرية دهشا بحيث لم يعرف ماذا يفعل , فأنفصل عن جيشه وهو في تلك الحال من الدهش , فسمع صوتا في الطريق يقول له : انتبه , فانتبه , ولم يصغ إليه , وذهب وجاءه هذا النداء للمرة ثانية , فلم يعره سمعا للمرة الثالثة نفس ذلك النداء , فأبعد نفسه عنه , وسمع للمرة الرابعة من يقول : ( انتبه قبل أن تنبه ) ففقد صوابه تماما وفجأة ظهرت غزالة فشغل نفسه بها , فأخذت الغزالة تخاطبه قائلة : إنهم بعثوني لصيدك , وإنك لن تستطيع صيدي , ألهذا خلقت ؟ أو بهذا أمرت ؟ إنك خلقت للذي للذي تعمله وليس لك عمل آخر , فقال إبراهيم : ترى ما هذه الحال ....؟ وأشاح بوجهه عن الغزالة , فأرتفع نفس ذلك الصوت الذي قد سمعه من الغزالة من قربوس السرج , فوقر في نفسه الخوف والفزع وأزداد كشفا , وحيث أن الحق تعالى أراد أن يتم الأمر ارتفع ذلك الصوت ثلاث مرات أخر من حلقة جيبه , وبلغ ذلك الكشف هنا حد الكمال , وأنفتح عليه الملكوت ونزل , وحصل له اليقين , فابتلت الملابس والجواد من ماء عينيه , وتاب توبة نصوحا , وانتحى ناحية من الطريق , فرأى راعيا يرتدي لبادا , وقد وضع قلنسوة من اللباد على رأسه , وأمامه الأغنام وأخذ منه اللباد ولبسه ووضع قلنسوة اللباد على رأسه وطفق يسير راجلا في الجبال والبراري هائما على وجهه ينوح من ذنوبه , ثم غادر المكان إلى أن بلغ نيسابور , فأخذ يبحث عن زاوية خالية يتعبد فيها حتى وصل إلى ذلك الغار المعروف واعتكف فيه تسعة أعوام .
ومن ذا الذي يعلم ما كان يفعله هناك في الليل والنهار , إنه ينبغي أن يكون رجلا عظيما ذا مادة واسعة حتى يستطيع الإقامة في مثل ذلك المكان , وصعد إبراهيم يوم خميس إلى ظاهر الغار وجمع حزمة حطب واتجه في الصباح إلى نيسابور حيث باعها , وصلى الجمعة واشترى بثمن الحطب خبزا , وأعطى نصفه لفقير وتناول النصف الآخر , وأتخذ منه إفطاره وداوم صيامه حتى الأسبوع التالي , وبعد أن وقف الناس على شأنه هرب من الغار وتوجه إلى مكة , وقيل أنه بقي أربعة عشر عاما يطوي البادية حيث كان يصلي ويتضرع طوال الطريق حتى أشرف على مكة , وروي أنه كان له طفل رضيع عند مغادرته بلخ , ولما أيفع طلب من أمه أباه , فقصت له الأم الحال قائلة : إن أباك قد تاه , ونقل عنه أنه قال : عندما كنت أسير في البادية متوكلا , ولم أتناول شيئا مدة ثلاثة أيام جاءني إبليس وقال : أنت ملك , وتركت هذه النعمة لتذهب جائعا إلى الحج ...؟ لقد كان بمقدورك الحج بعز وجلال حتى لا يصيبك كل هذا الأذى , قال : عندما سمعت هذا الكلام منه رفعت صوتي وقلت : إلهي ‍‍!! سلطت العدو على الصديق حتى يحرقني فأغثني حتى أستطيع قطع هذه البادية بعونك , فسمعت صوتا يقول : يا إبراهيم ‍! ألق ما في جيبك حتى تكشف ما هو في الغيب فمددت يدي إلى جيبي فوجدت أربعة دوانيق فضية كانت قد بقيت منسية , ولما رميتها جفل إبليس مني وظهرت قوة من الغيب ) .
وورد ذكره وحكايته أيضا في ( طبقات الصوفية ) للسلمي . وفي ( حلية الأولياء ) للأصبهاني . وفي ( الرسالة ) للقشيري . وفي ( جمهرة الأولياء ) للمنوفي الحسيني . وفي ( نفحات الأنس ) للجامي . وفي ( طبقات الأولياء ) لابن الملقن المتوفى 804 هـ . وفي ( الطبقات الكبرى ) للشعراني .
فهذه هي قصة إبراهيم بن أدهم , وفيها ما فيها من ترك الأهل والزوج والولد بدون جريمة إرتكبوها , وإثم اقترفوه , خلافا لأوامر القرآن وإرشادات الرسول صلى الله عليه وسلم , المشهورة المعروفة شبها ببوذا , وهاهي خلاصة قصته :
( وكانت قبيلة ساكياس تقطن في شمال بنارس , وهي التي ولد فيها أواسط القرن السادس قبل الميلاد , وقد مات في سنة 478 قبل الميلاد بعد أن عمر ثمانين عاما . وتزوج بوذا في سن التاسعة عشرة ابنة عمه , وكان في رغد وسعادة . وبينما كان يسير يوما إلى الصيد وهو في التاسعة والعشرين شاهد رجلا قد بلغ من كبر سنه منتهى الضعف والعجز , ورأى في وقت آخر شخصا مبتلى بمرض استعصى علاجه ويحتمل الآلام وبعد مدة أخرى تأثر واشمأز لرؤية منظرا كريها لجثة في حالة من الفساد , وكان خادمه وصاحبه الوفي المسمى ( جانا ) يذكره وينبهه في كل هذه الحالات ويقول له : ( هذا هو مصير حياة البشر ) وشاهد بوذا أحد النساك يمر عليه وهو في منتهى الراحة والأبهة والكرامة فسأل جانا ما حال هذا الرجل .. ؟ فحكى له جانا تفصيلا عن أخلاق الزهاد الذين أعرضوا عن كل شيء وعن أحوالهم , وقال له : إن هؤلاء الجماعة في سير وأرتحال دائم وهم يعلمون الناس أثناء سياحتهم ورحلاتهم تعاليم هامة بالقول والعمل . والخلاصة أنه برغم إختلاف الروايات لا شك في أن ذهن هذا الأمير الشاب قد أخذ يضطرب تدريجيا وينفر من الحياة وضوضائها .
ووفد عليه رسول يوما في أثناء أزماعه العودة من النزهة وبشره بميلاد ولد هو أول مولود له , فقال بوذا لنفسه في تلك الحالة النفسية المضطربه دون أن يشعر : ( ما هي ذي رابطة جديدة تربطني بالدنيا ) . والخلاصة أنه عاد إلى المدينة بينما كان المطربون يلتفون حوله . فطرب ورقص في تلك الليلة أقاربه وذوو رحمه فرحا بالمولود الجديد . لكن بوذا كان من الامتعاض والاضطراب بحيث لم يكترث بتلك الأوضاع أبدا . وأخيرا نهض من فراشه في آخر الليل كمن التهمت النار داره وأوعز إلى جانا أن يحضر له الفرس ومد رأسه في هذه الأثناء إلى غرفة زوجته وولده الوحيد من غير أن يوقظهما وعلى العتبة أخذ على نفسه عهدا ألا يعود إلى داره ما لم يصبح ( بوذا ) أي ( حكيما مستنيرا ) وقال : ( أذهب لأعود إليكم معلما وهاديا لا زوجا ووالدا ) والخلاصة أنه خرج مع جانا وهام في البراري , وفي هذه اللحظة ظهر في السماء ( مارا ) أي الوسواس الكبير ( إبليس أو النفس الأمارة ) ووعده بالملك والعز في الدنيا بأسرها لكي يرجع عن عزمه لكنه لم يقع في شرك الوسوسة . فسار بوذا قليلا في تلك الليلة على شاطئ النهر ثم وهب لجانا جوهره وملابسه الفاخره وأعاده ومكث سبعة أيام بلياليها في غابة ثم التحق إلتحق بخدمة برهمي يدعى ( الارا ) كان في تلك البقعة وأختار بعد ذلك صحبة برهمي آخر يسمى ( أودراكا ) وتعلم من هذين الرجلين حكمة وعلوم الهند كلها , ولكن قلبه لم يستقر بعد فذهب إلى غابة كانت في أحد الجبال , وهناك صحب خمسة من التلاميذ الذين كانوا يحيطون به ومارس التوبة والرياضات الشاقة ست سنين حتى اشتهر في تلك الناحية , فاعتزم لهذا أن يهجر ذلك المكان ولما قام ليذهب سقط على الأرض لشدة ضعفه وعجزه , وغاب عن وعيه بحيث ظن تلاميذه أنه فارق الحياة , ولكنه عاد إلى رشده فترك الرياضات الشاقة منذ ذلك الحين وأخذ يأكل طعامه بانتظام , ولما رأى التلاميذ الخمسة الذين كانوا في صحبته أنه مل من الرياضة نفضوا أيديهم من إحترامه وتركوه وذهبوا بنارس .
أما بوذا فإنه ترك ملذات الدنيا وثروتها والمقام فيها حتى ينال الضمير والطمأنينة عن طريق التعلم والفلسفة وحكمة الآخرين فلم يستطع أن ينال بتلك الرياضة والتوبة طمأنينة القلب التي كان يصبوا إليها والحاصل أنه بقي حيران في أمره ذاهلا وفي نفس ذلك اليوم الذي تفرق فيه عن تلامذته مكث بوذا تحت شجرة يتأمل ويفكر في نفسه , ماذا يعمل ... ؟ وأي طريق يتبع .. ؟ وهاجمته وساوس كثيرة وتاقت نفسه إلى الزوجة والولد والجاه والثروة والترف والنعيم , واستمر هذا الكفاح والجهاد مع النفس حتى غروب الشمس . ونتيجة لهذا الكفاح اتصل ( بنير فانا ) وتأكد لديه أنه أصبح ( بوذا) أي أنه نال الإشراق واستنار , وحينئذ نال بوذا ما كان يصبو إليه من الراحة والطمأنينة . لذلك عزم أن يمارس الإرشاد . وأن يعرض رغبته على الآخرين , وكان بوذا وقتئذ في الخامسة والثلاثين من عمره فقصد في بادئ الأمر أستاذيه ( الارا ) و ( أودراكا ) ولكنه علم بعد , بأنهما قد توفيا , فذهب إلى تلامذته الخمسة من بنارس وأرشدهم وجعلهم من أتباعه , وآمن به أبوه وأمه وزوجته كذلك , ثم أمر زمرة من خواص مريديه أن يقوموا بإرشاد الناس ) .
فهذه هي خلاصة قصة بوذا , وهي عين ما ذكره الصوفية عن إبراهيم بن أدهم ابن الأمير البلخي الذي طلق الدنيا وتزيّا بزيّ الدراويش , وبلغ درجة أكابر الصوفية برياضته الطويلة , وتلك صورة طبق لأصل لما كانوا قد سمعوه عن حياة بوذا .
ثم علّق عليه الدكتور قاسم غني الباحث الإيراني بقوله :
( وحدس ( جولدزيهر ) يمكن أن يكون صحيحا وهو من الأحتمالات القريبة من الواقع , وقد شوهدت لها نظائر كثيرة – إلى أن قال -  : وإذا ما قارن أحد بين قصة بوذا كما وردت في مدونات البوذيين بقصة إبراهيم بن أدهم ذات الطابع الأسطوري , الواردة في كتب تراجم العارفين مثل ( حلية الأولياء ) للأصفهاني , و ( تذكرة الأولياء ) للشيخ العطار وجد شبها عجيبا بين تلك القصتين يستلف نظرة ) .
هذا وهناك أقوال لإبراهيم بن أدهم وغيره من كبار الصوفية وأقطابهم في الزواج والأولاد تخبر بجلاء عن مواردها ومنابعها , فها هي تلك الأقوال من أهم كتب الصوفية : ينقل الطوسي والعطار عن إبراهيم بن أدهم أنه قال : ( إذا تزوج الفقير فمثله مثل رجل قد ركب السفينة , فإذا ولد له ولد قد غرق ) .
ونقل السهروردي عنه أنه قال : ( من تعود أفخاذ النساء لا يفلح ) . ونقل أبو طالب المكي - وهو من أعلام الصوفية البارزين وأئمتهم المتوفى سنة 386 هـ – عن قطب من أقطاب الصوفية الأوائل عن أبي سليمان الداراني المتوفى سنة 215 هـ : ( من تزوج فقد ركن إلى الدنيا ) . ونقل السهروردي في ( عوارفه ) الذي هو أشهر كتاب في التصوف عن أبي سليمان الداراني أيضا أنه قال : ( ما رأيت أحدا من أصحابنا تزوج فثبت على مرتبته ) .
ونقل المكي عن سيد الطائفة الجنيد البغدادي أنه قال : ( أحب للمريد المبتدي أن لا يشغل قلبه بالتزوج ) .
كما نقل عن بشر بن الحارث أنه قيل له : ( إن الناس يتكلمون فيك , فقال : وما عسى يقولون ؟ قيل : يقولون : إنك تارك السنة يعنون النكاح . فقال : قل لهم : إني مشغول بالفرض عن السنة , وقال مرة : ما يمنعني من ذلك إلا آية في كتاب الله تعالى قوله : { ولهن مثل الذي عليهن } , و لعسى أن لا أقوم بذلك , وكان يقول : لو كنت أعول دجاجة لخفت أن أكون جلاداً على الجسر هذا . يقوله في سنة عشرين ومائتين والحلال والنساء أحمد عاقبة , فكيف بوقتنا هذا ؟ فالأفضل للمريد في مثل زماننا هذا ترك التزويج ) .
ويقول السهروردي : ( التزوج انحطاط من العزيمة إلى الرخص , وجوع من الترمح إلى النقص , وتقيدا بالأولاد والأزواج , ودوران حول مظان الاعوجاج , والتفاف إلى الدينا بعد الزهادة , وانعطاف على الهوى بمقتضى الطبيعة والعادة ) . ثم نقل حديثا مكذوبا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( خيركم بعد المائتين رجل خفيف الحاذ , قيل : يا رسول الله وما خفيف الحاذ ؟ . قال : الذي لا أهل له ولا ولد . وقال بعض الفقراء - لما قيل له : تزوج -  : أنا إلى أن أطلق نفسي أحوج مني إلى التزوج ) .
وصوفي آخر محمد بن إبراهيم النفزي الرندي المتوفى سنة 792 هـ ينقل عن صوفي قديم آخر , وهو سهل بن عبد الله التستري أنه قال : ( إياكم والاستمتاع بالنساء , والميل إليهن , فإن النساء مبعّدات من الحكمة , قريبات من الشيطان , وهي مصايده وحظه من بني آدم , فمن عطف إليهن بكليته فقد عطف على حظ الشيطان , ومن حاد عنهن يئس منه , وما مال الشيطان إلى أحد كميله إلى من استرق بالنساء , وإن الشر معهن حيث كنّ , فإذا رأيتم في وقتكم من قدركن إليهن فايأسوا منه .
قيل له : فحديث النبي صلى الله عليه وسلم : حبّب إليّ من دنياكم ثلاث , فذكر النساء ؟ . فقال : النبي صلى الله عليه وسلم معصوم , وقد بلّغكم ما كان فيه معهن , هي عدوّة الرجل ظاهرا وباطنا , إن ظهرت له لمحبة أهلكته , وإن أضمر تهاله , وإن الله عز وجل جعلهن فتنة , فنعوذ بالله من فتنتهن ) .
ونقل عن صوفي آخر حذيفة المرعشي المتوفى 207 هـ أنه قال :
( كان ينبغي للرجل لو خيّر بين أن يضرب عنقه , وبين أن يتزوج امرأة في الفتنة لاختار ضرب العنق على تزويج امرأة في الفتنة ) . ونقل ابن الملقن سراج الدين أبو حفص عمر علي المصري المتوفى 804 هـ في كتابه عن أحد كبار الصوفية : ( ما تزوج أحد من أصحابنا إلا تغير ) . ونقل الشعراني عن رباح بن عمرو القيسي - من الصوفية الأوائل - أنه قال : لا يبلغ الرجل إلى منازل الصديقين حتى يترك زوجته كأنها أرملة , وأولاده كأنهم أيتام , ويأوي إلى منازل الكلاب .
وكتب صوفي قديم آخر , وهو أبو الحسن علي الهجويري المتوفى قريبا سنة 465 هـ قصة غريبة في العزلة والتجرد نقلا عن إبراهيم الخواص أنه قال : ( وصلت إلى قرية بقصد زيارة عظيم كان هنالك , ولما ذهبت إلى داره رأيت بيتا نظيفا مثل معبد الأولياء , وقد جعل في زاويتين من البيت محرابين , وجلس في أحدهما شيخ , وفي الآخر عجوز نظيفة وضيئة , وقد ضعف كلاهما من كثرة العبادة , فأظهر السرور بقدومي , وبقيت هنالك ثلاثة أيام , ولما أردت العودة سألت الشيخ : من تكون لك تلك العفيفة ؟ قال : هي من ناحية ابنه عمي , ومن ناحية أخرى زوجي , فقلت : رأيتكما خلال هذه الأيام الثلاثة كالغربيين تماما في الصحبة , قال : نعم , منذ خمسة وستين عاما ونحن كذلك فسألته عن سبب ذلك , فقال : إعلم إننا كنا عاشقين لأحدنا الآخر في الصغر , ولم يكن أبوها يعطيها لي لأن محبتنا صارت معروفة , فتحملت ذلك حتى توفى أبوها , وكان والدي عمها , فزوجها لي , فلما كانت الليلة الأولى من تلاقينا قالت لي : أنت تعلم أية نعمة أنعمها الله علينا إذ أوصل كلامنا إلى الآخر , وأفرغ قلبينا من القيود والآفات السيئة , فقلت : نعم , قالت : فلنمنع أنفسنا الليلة عن هوى النفس , وندس على مرادنا , ونعبد الله شكراً على هذه النعمة , فقلت : هذا صواب , وقالت هذا نفسه في الليلة التالية . وقلت أنا في الليلة الثالثة : لقد أدينا الشكر ليلتين من أجلك , فلنقض ليلتين أيضا في العبادة من أجلي . وقد تمت الآن خمسة وستون عاما لم يمس أحدنا الآخر , ونحن نقضي كل العمر في شكر النعمة ) .
وقال بعد نقلها ونقل أشياء أخرى : ( وفي الجملة : إن أول فتنة قدرت على آدم في الجنة كان أصلها امرأة . وأول فتنة ظهرت في الدنيا - أي فتنة هابيل وقابيل - كانت أيضا بسبب امرأة . وحين أراد الله تبارك وتعالى أن يعذب إثنين من الملائكة جعل سبب ذلك امرأة . وهن جميعا إلى يومنا هذا سبب جميع الفتن الدينية والدنيوية , لقوله عليه السلام : ( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ) , فإذا كانت فتنتهن بهذا القدر في الظاهر , فكيف تكون في الباطن ؟ وأنا علي بن عثمان الجلابي , من بعد أن حفظني الحق تعالى من آفة الزواج أحد عشر عاما , قدر أن وقعت في الفتنة , وصار ظاهري وباطني أسير الصفة التي كانوا عليها معي , دون أن تكون هنالك رؤية , وقد استغرقت في ذلك عاما , بحيث كان يفسد على ديني , إلى أن بعث الحق تعالى بكمال فضله وتمام لطفه عصمته لاستقبال قلبي المسكين , ومنَّ عليّ بالخلاص برحمته , والحمد لله على جزيل نعمائه .
وفي الجملة فإن قاعدة هذا الطريق وضعت على التجريد , وعندما جاء التزويج اختلف أمرهم , ولا يوجد أي عساكر الشهوة إلا ويمكن إخماد ناره بالاجتهاد , لأن الآفة التي تنشأ منك تكون آلة دفعها معك أيضا , ولا يلزم الغير حتى تزول عنك تلك الصفة .
وزوال الشهوة يكون بشيئين : واحد يدخل تحت دائرة التكلف , وواحد يخرج عن دائرة الكسب والمجاهدة , فما يدخل في تكلف الآدمي ومقدوره هو الجوع , وأما ما يخرج من التكلف الهمم , وتنشر المحبة سلطانها في أجزاء الجسد , وتعزل كل الحواس عن أوصافهم , وتجذب كل العبد , وتغني عنه الهزل .
وإن الحمد بن حماد السرخسي , الذي كان رفيقي في ما وراء النهر , رجلا محتشما , قيل له : أبك حاجة إلى التزويج , قال : لا , قالوا : لم ؟ قال : إنني في حالي إما أن أكون غائبا عن نفسي , وإما أن أكون حاضرا بنفسي . وحين أكون غائبا لا أفكر في الكونين , وحين أكون حاضرا فإنني أجعل نفسي بحيث إذا وجدت رغيفا تعتبر أنها وجدت ألفا من الحور . فانشغال القلب بكل ما تريده يكون عظيما , فتنبه ) .
وذكر السراج الطوسي أيضا قصة صوفي تزوج من امرأة فبقيت عنده ثلاثين سنة وهي بكر . وذكر العطار عن عبد الله بن خفيف الصوفي المشهور أنه تزوج أربعمائة امرأة ولكنه لم يجامع واحدة منهن . وهل لسائل أن يسأل : ما الغرض الذي كان من نكاحه إياهن ؟ . والشعراني أيضا عن صوفي آخر ياقوت العرشي أنه تزوج ابنة شيخه أبي العباس المرسي فمكثت عنده ثماني عشرة سنة لا يقربها حياء من والدها ومنها , وفارقها بالموت وهي بكر .
ونقل عن الشعراني أيضا عن أحد المتقدمين من الصوفية مطرف بن عبد الله الشغير المتوفى سنة 207 هـ أنه قال : ( من ترك النساء والطعام فلابد له من ظهور كرامة ) .
ونقل أيضا في كتابه ( تنبيه المغتربين ) من أحد الصوفية أنه قال : من تزوج فقد أدخل الدنيا بيته ... فاحذروا من التزويج .
وينقل ابن الجوزي عن أبي حامد الغزالي أنه قال : ( ينبغي أن لا يشغل المريد نفسه بالتزويج , فإنه يشغله عن السلوك ويأنس بالزوجة , ومن أنس بغير الله شغل عن الله تعالى ) . هذا ومثل هذا كثير . ولقد بوب الصوفية في كتبهم أبوابا مستقلة في مدح العزوبة وذم التزويج , وهذا الأمر لا يحتاج إلى بيان أنه لم يأخذه المتصوفة إلا من رهبان النصارى ونساك المسيحية الذين ألزموا أنفسهم التبتل , خلافا لفطرة الله التي فطر الناس عليها .
تقليدا لهم واتباعا لسنتهم , واقتداء لمسالكهم ومشاربهم , مخالفبن أوامر الله وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم الناسخ لجميع الشرائع والأديان , المبعوث بمكارم الأخلاق وفضائل العادات , فالله يأمر المؤمنين في محكم كتابه بنكاح النساء مثنى وثلاث ورباع وعند الخوف من عدم العدل بواحدة , فيقول جل من قائل : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ } . وقال { وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } . وجعل الزواج سببا لحصول السكون والطمأنينة حيث قال عز وجل : { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }
ورسوله صلوات الله وسلامه عليه يحذر المعرضين عنه في حديث طويل أورده البخاري ومسلم من حديث أنس من حديث أنس رضي الله عنه أنه قال :
( إن نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي عليه السلام عن عمله في السر فأخبرهم فقال بعضهم : لا آكل اللحم , وقال بعضهم : لا أتزوج النساء , وقال بعضهم : لا أنام على فراش , وقال بعضهم : أصوم ولا أفطر , فحمد الله النبي عليه الصلاة والسلام وأثنى عليه , ثم قال : ما بال أقوام قالوا كذا وكذا , لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء . فمن رغب عن سنتي فليس مني ) . وقال : ( تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة ) . وقال عليه الصلاة والسلام : ( حبب إلى من الدنيا الطيب والنساء , وجعلت قرة عيني في الصلاة ) . وعن أبي ذر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( وفي بضع أحدكم صدقة , قالوا: يأتي أحدنا شهوته ويكون فيها له أجر ؟ . قال : أفرأيتم لو وضعه في حرام , هل عليه وزر ؟ قالوا : نعم . قال : فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ) .
وما أحسن ما قال إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل رحمة الله عليه : ( ليس العزوبة من أمر الإسلام في شيء , النبي عليه الصلاة والسلام تزوج أربع عشرة امرأة ومات عن تسع , ثم قال : لو كان بشر بن الحارث تزوج قد تم أمره كله , لو ترك الناس النكاح لم يغزوا ولم يحجوا ولم يكن كذا , وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يصبح وما عنده شيء , وكان يختار النكاح ويحث عليه , وينهى عن التبتل , فمن رغب عن عمل النبي عليه الصلاة والسلام فهو على غير الحق . ويعقوب عليه السلام في حزنه قد تزوج وولد له . والنبي عليه الصلاة والسلام قال : ( حبب إلى النساء ) ) .
فهذه هي تعاليم شريعة الإسلام المستقاة من أصلين أساسيين لشرع الله الكتاب والسنة .
وتلك هي أقوال الصوفية , التي لم يأخذوها من هذا المورد العذب , والمنهل الصافي , بل أخذوها من الكهنة والبوذية كما مر ذلك , ونساك الجينية , ورهبان المسيحية . وأمر أولئك في هذا الباب مشهور ومعروف لا يحتاج إلى كثير من البيان , ولكن لإقامة البرهان ننقل بعض آيات من إنجيل , فقال المسيح : ( ويوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات , من استطاع أن يقبل فليقبل ) .
ويقول رسول المسيحيين في رسالته إلى أهل كورنتوس : ( وأما من جهة الأمور التي كتبتم عنها فحسن للرجل أن لا يمس امرأة ) .
وكذلك يقول :
( أقول لغير المتزوجين والأرامل : إنه حسن لهم إذا لبثوا كما أنا )   .
ويقول : ( فأريد أن تكونوا بلاهم . يهتم فيما للرب كيف يرضى الرب . وأما المتزوج فيهتم في ما للعالم كيف يرضى امرأته . إن بين الزوجة والعذراء فرقا . غير المتزوجة تهتم في ما للرب لتكون مقدمة جدا وروحا . وأما المتزوجة فتهتم في ما للعالم كيف ترضى رجلها . هذا أقوله لخيركم ليس لكي ألقى عليكم وهقا , بل لأجل اللياقة والمثابرة للرب من دون ارتباك . ولكن إن كان يظن أنه يعمل بدون لياقه نحو عذرائه إذا تجاوزت الوقت , وهكذا لزم أن يصبر فليفعل ما يريد . إنه لا يخطئ فيتزوجا . وأما من أقام راسخا في قلبه وليس له سلطان على إرادته , وقد عزم على هذا في قلبه أن يحفظ عذراء فحسنا يفعل . إذن من زوج فحسنا يفعل . ومن لا يزوج يفعل أحسن ) .
هذا ومثل هذا كثير . هذه هي تعاليم المسيحية , المنقولة منهم تجاه الزواج , ومن هذه التعاليم تأثر وليّ من أولياء المسيحية اوريغن ( ORIGEN ) الذي يعدونه أحد القديسين , العائش ما بين 185 و 254 , وجبَّ ذكره .
والجدير بالذكر أن أحد المتصوفة أتى بمثل هذا العمل , وفعل فعلته فيه كما ذكر الشعراني أن عبد الرحمن المجذوب : ( كان رضي الله عنه من الأولياء الأكابر , وكان سيدي على الخواص رضي الله عنه يقول : ما رأيت قط أحدا من أرباب الأحوال دخل مصر إلا ونقص حاله إلا الشيخ عبد الرحمن المجذوب , وكان مقطوع الذكر قطعه بنفسه أوائل جذبه ) . وصوفي هندي آخر أيضا فعل ذلك .
وكتب هينس ( HANS ) ( أن المسيحيين القدامى كانوا يعدون ترك الزواج من الأمور الواجبة والمحببة إلى الله , والمقربة إلى ملكوته ) .
ومن خصائص المسيحية وتعاليمها ترك الدنيا , والتجرد عن المال , والتجوع , وتعري الأجساد والأعراض عن زينة الحياة , المباحة , وتحريم الطيبات باسم الانقطاع إلى الآخرة , ورهبانية ابتدعوها , وتعذيب النفس . فلقد ورد في الأناجيل عن المسيح أنه قال : ( لا تكنزوا كنوزا على الأرض , حيث يفسد السوس والصدأ , وحيث ينقب السارقون ويسرقون . بل اكنزوا لكم كنوزا في السماء حيث لا يفسد سوس ولا صدأ , وحيث لا ينقب سارقون ولا يسرقون . لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضا ) .
ونقل عنه أيضا أنه قال : ( لا يقدر أحد أن يخدم سيدين . لأنه إما أن يبغض الواحد ويجب الآخر , أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر . لا تقدرون أن تخدموا الله والمال . لذلك أقول لكم : لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون . ولا لأجسامكم بما تلبسون . أليست الحياة أفضل من الطعام , والجسد أفضل من اللباس . أنظروا إلى طيور السماء أنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن , وأبوكم السماوي يقوتها . ألستم أنتم بالحري أفضل منها ومن منكم إذا اهتم يقدر أن يزيد على قامته ذراعا واحدة , ولماذا تهتمون باللباس , تأملوا زنابق الحقل كيف تنمو لا تتعب ولا تغزل , ولكن أقول لكم : إنه ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها , فإن كان عشب الحقل الذي يوجد اليوم ويطرح غدا في التنور يلبسه الله هكذا , أفليس بالحري جدا يلبسكم أنتم قليلي الإيمان , فلا تهتموا قائلين : ماذا نأكل , أو ماذا نلبس , فإن هذه كلها تطلبها الأمم . لأن أباكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه كلها , لكن اطلبوا أولا ملكوت الله وبره , وهذه كلها تزداد لكم . فلا تهتموا للغد , لأن الغد يهتم بما لنفسه . يكفي اليوم شره ) .
وورد في هذا الإنجيل أيضا ( أن شابا تقدم إلى المسيح وقال له : أيها المعلم الصالح أي صلاح أعمل به لتكون لي الحياة الأبدية ؟ . فأجابه المسيح ببعض الأجوبة ثم قال له : إن أردت أن تكون كاملا فأذهب وبع أملاكك , وأعط الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني . فلما سمع الشاب الكلمة مضى حزينا , لأنه كان ذا أموال كثيرة . فقال يسوع لتلاميذه : الحق أقول لكم , إنه يعسر أن يدخل غني إلى ملكوت السماوات , وأقول لكم أيضا : إن مرور جمل من ثقب إبره أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله ) .
وقال أيضا :
( وكل من ترك بيوتا أو اخوة أو أخوات أو أبا أو أما أو امرأة أو أولاداً أو حقولا من أجل اسمي يأخذ مائة ضعف , ويرث  الحياة الأبدية )  .
ونقل عنه أيضا أنه قال : ( لا تكنزوا ذهبا ولا فضة ولا نحاسا في مناطقكم , ولا مزودا للطريق , ولا ثوبين , ولا أحذية , ولا عصا ) . وليس هذا فحسب , بل نقل عنه لوقا في إنجيله أنه جاءه جموع كثيرة سائرين معه , فالتفت إليهم وقال : ( إن كان أحد يأتي إلي ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده واخوته وإخوانه حتى نفسه أيضا فلا يقدر أن يكون لي تلميذا ) .
وقال أيضا : ( فكذلك كل واحد منكم لا يترك جميع أمواله لا يقدر أن يكون لي تلميذا ) .
وبمثل ذلك نقل متى في إنجيله : ( لما رأى يسوع جموعا كثيرة حوله أمر بالذهاب إلى العبر , فتقدم كاتب وقال له : يا معلم , أتبعك أينما تمضي . فقال له يسوع : للثعالب أوجرة , ولطيور السماء أوكار . وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه . وقال له آخر من تلاميذه : يا سيد , ائذن لي أمضي أولا وأدفن أبي . فقال له يسوع : اتبعني , ودع الموتى يدفنون موتاهم ) .
هذا ومثل هذا كثير في الأناجيل وأعمال الرسل وغيرها من الكتب المسيحية , وعلى هذه التعاليم أسسوا نظام الرهبنة , أي التجرد عن علائق الدنيا ومتطلباتها وحاجاتها . وزادوا عليها تعذيب النفس , وتحمل المشاق والآلام , تعمقا في التجرد , ومغالاة في تجنب الدنيا , واحتقارا لزخارفها , كما أن هنالك أسبابا أخرى لاختيار الرهبنة , فقد ذكر علماء المسيحية الكثيرون وكتابها وباحثوها . وجمع هذه الأقاويل والمقولات ول ديورانت في موسوعته الكبرى ( قصة الحضارة ) , فيقول : ( لما أن أصبحت الكنيسة منظمة تحكم الملايين من بني الإنسان , ولم تعد كما كانت جماعة من المتعبدين الخاشعين , أخذت تنظر إلى الإنسان وما فيه من ضعف نظرة أكثر عطفا من نظرتها السابقة , ولا ترى ضيراً من أن يستمتع الناس بملاذ الحياة الدنيا , وأن تشاركهم أحيانا في هذا الاستمتاع , غير أن أقلية من المسيحيين كانت ترى في النزول إلى هذا الدرك خيانة للمسيح , واعتزمت أن تجد مكانها في السماء عن طرق الفقر , والعفة , والصلاة , فاعتزلت العالم اعتزالا تاماً . ولربما كان مبشرو أشوكا Ashoka ( حوالي 250 ق م ) قد جاءوا إليه بنظرية البوذية وقوانينها الأخلاقية , ولربما كان النساك الذين وجدوا في العالم قبل المسيحية أمثال سرابيس Serapis في مصر أو جماعات الإسنيين في بلاد اليهود قد نقلوا إلى أنطونيوس وباخوم المثل العليا للحياة الدينية الصارمة وأساليب هذه الحياة . وكان الكثيرون من الناس يرون في الرهبنة ملاذاً من الفوضى والحرب اللذين أعقبا غارات المتبربرين , فلم يكن في الدير ولا في الصومعة الصحراوية ضرائب , أو خدمة عسكرية , أو منازعات حربية , أو كدح ممل . ولم يكن يطلب إلى الراهب ما يطلب إلى القسيس من مراسم قبل رسامته , وكان يوقن أنه سوف يحظى بالسعادة الأبدية بعد سنين قليلة من حياة السلام .
ويكاد مناخ مصر أن يغري الناس بحياة الأديرة , ولهذا غصت بالبرهان النساك الفرادى والمتجمعين في الأديرة يعيشون في عزلة كما كان يعيش أنطونيوس , أو جماعات كما كان يعيش باخوم في تابن Tabenne وأنشئت الأديرة للرجال والنساء على طول ضفتي النيل , وكان بعضها يحتوي نحو ثلاثمئة من الرهبان والراهبات . وكان أنطونيوس ( 251 – 356 ) أشهر النساك الفرادى , وقد أخذ ينتقل من عزلة حتى استقر به المقام على جبل القلزم القريب من شاطئ البحر الأحمر . وعرف مكانه المعجبون به فحذوا حذوه في تعبده ونسكه , وبنوا صوامعهم في أقرب مكان منه سمح لهم به , حتى امتلأت الصحراء قبل موته بأبنائه الروحيين . وقلما كان يغتسل , وطالت حياته حتى بلغ مائة وخمساً من السنين , ورفض دعوة وجهها إليه قسطنطين ولكنه سافر إلى الإسكندرية في سن التسعين ليؤيد أثناسيوس ضد اتباع أريوس , وكان يليه في شهرته باخوم الذي أنشأ في عام 325 تسعة أديرة للرجال وديراً واحداً للنساء . وكان سبعة آلاف من أتباعه الرهبان يجتمعون أحيانا ليحتفلوا بيوم من الأيام المقدسة , وكان أولئك الرهبان المجتمعون يعملون ويصلون , ويركبون القوارب في النيل من حين إلى حين ليذهبوا إلى الإسكندرية حيث يبيعون ما لديهم من البضائع ويشترون حاجياتهم ويشتركون في المعارك الكنسية – السياسية .
ونشأت بين النساك الفرادى منافسة قوية في بطولة النسك يتحدث عنها دوشين Abbe Duchesne بقوله إن مكاريوس الإسكندري ( لم يكن يسمع بعمل من أعمال الزهد إلا حاول أن يأتي بأعظم منه ) , فإذا امتنع غيره من الرهبان عن أكل الطعام المطبوخ في الصوم الكبير امتنع هو عن أكله سبع سنين , وإذا عاقب بعضهم أنفسهم بالامتناع عن النوم شوهد مكاريوس وهو ( يبذل جهد المستميت لكي يظل مستيقظاً عشرين ليلة متتابعة ) وحدث مرة في صوم كبير أن ظل واقفا طوال هذا الصوم ليلا ونهارا لا يذوق الطعام إلا مرة واحدة في الأسبوع , ولم يكن طعامه هذا أكثر من بعض أوراق الكرنب , ولم ينقطع خلال هذه المدة عن ممارسة صناعته التي اختص بها وهي صناعة السلال . ولبث ستة أشهر ينام في مستنقع , ويعرض جسمه العريان للذباب السام . ومن الرهبان من أوفوا على الغاية في أعمال العزلة , من ذلك سرابيون Serapion الذي كان يعيش في كهف في قاع هاوية لم يجرؤ على النزول إليها إلا عدد قليل من الحجاج . ولما وصل جيروم وبولا إلى صومعته هذه وجدوا فيها رجلا لا يكاد يزيد جسمه على بضعة عظام وليس عليه إلا خرقة تستر حقويه , ويغطي الشعر وجهه وكتفيه , ولا تكاد صومعته تتسع لفراشه المكون من لوح من الخشب وبعض أوراق الشجر . ومع هذا فإن هذا الرجل قد عاش من قبل بين أشراف رومة , ومن النساك من كانوا لا يرقدون قط أثناء نومهم ومنهم من كان يداوم على ذلك أربعين عاما مثل بساريون Bessarion أو خمسين عاما مثل باخوم . ومنهم من تخصصوا في الصمت وظلوا عددا كبيرا من السنين لا تنفرج شفاههم عن كلمة واحدة . ومنهم من كانوا يحملون معهم أوزانا ثقالا أينما ذهبوا . ومنهم من كانوا يشدون أعضاءهم بأطواق أو قيود أو سلاسل , ومنهم من كانوا يفخرون بعدد السنين التي لم ينظروا فيها إلى وجه امرأة . وكان النساك المنفردون جميعهم تقريبا يعيشون على قدر قليل من الطعام . ومنهم من عمروا طويلا . ويحدثنا جيروم عن رهبان لم يطعموا شيئا غير التين وخبز الشعير , ولما مرض مكاريوس جاءه بعضهم بعنب فلم تطاوعه نفسه على التمتع بهذا الترف , وبعث به إلى ناسك آخر , وأرسله هذا إلى ثالث حتى طاف العنب جميع الصحراء ( كما يؤكد لنا روفينس ) , وعاد مرة أخرى كاملا إلى مكاريوس . وكان الحجاج , الذين جاءوا من جميع أنحاء العالم المسيحي لشاهدوا رهبان الشرق , يعزون إلى أولئك الرهبان معجزات لا تقل في غرابتها عن معجزات المسيح , فكانوا – كما يقولون - يشفون الأمراض ويطردون الشياطين باللمس أو بالنطق بكلمة , وكانوا يروضون الأفاعي أو الآساد بنظرة أو دعوة , ويعبرون النيل على ظهور التماسيح , وقد أصبحت مخلفات النساك أثمن ما تملكه الكنائس المسيحية , ولا تزال مدخرة فيها حتى اليوم .
وكان رئيس الدير يطلب إلى الرهبان أن يطيعوه طاعة عمياء , ويمتحن الرهبان الجدد بأوامر مستحيلة التنفيذ يلقيها عليهم , وتقول إحدى القصص إن واحداً من أولئك الرؤساء أمر راهباً جديداً أن يقفز في نار مضطرمة فصدع الراهب الجديد بالأمر , فانشقت النار حتى خرج منها بسلام . وأمر راهب جديد آخر أن يغرس عصا رئيسه في الأرض ويسقيها حتى تخرج أزهراً , فلبث الراهب عدة سنين يذهب إلى نهر النيل على بعد ميلين من الدير يحمل منه الماء ليصبه على العصا , حتى رحمه الله في السنة الثالثة فأزهرت . ويقول جيروم إن الرهبان كانوا يأمرون بالعمل ( لئلا تضلهم الأوهام الخطرة ) . فمنهم من كان يحرث الأرض , ومنهم من كان يعني بالحدائق أو ينسج الحصر أو السلاسل , أو يصنع أحذية من الخشب , أو ينسخ المخطوطات . وقد حفظت لنا أقلامهم كثيرا من الكتب القديمة . على أن كثيرين من الرهبان المصريين كانوا أميين يحتقرون العلوم الدنيوية ويرون أنها غرور وباطل . ومنهم من كان يرى أن النظافة لا تتفق مع الإيمان , وقد أبت العذراء سلفيا أن تغسل أي جزء من جسدها عدا أصابعها , وكان في أحد الأديرة النسائية 130 راهبة لم تستحم واحدة منهن قط أو تغسل قدميها , ولكن الرهبان أنسوا إلى الماء حوّالي آخر القرن الرابع , وسخر الأب إسكندر من هذا الانحطاط فأخذ يحن إلى تلك الأيام التي لم يكن فيها الرهبان ( يغسلون وجوههم قط ) .
وكان الشرق الأدنى ينافس مصر في عدد رهبانها وراهباتها وعجائب فعالهم . فكانت أنطاكية وبيت المقدس خليتين مليئتين بالصوامع والرهبان والراهبات , وكانت صحراء سوريا غاصة بالنساك , منهم من كان يشد نفسه بالسلاسل إلى صخرة ثابتة لا تتحرك كما يفعل فقراء الهنود , ومنهم من كان يحتقر هذا النوع المستقر من المساكن , فيقضي حياته في الطواف فوق الجبال يطعم العشب البري . ويروي لنا المؤرخون أن سمعان العمودي Simeon Stylites ( 390؟ - 459 ) كان لا يذوق الطعام طوال الصوم الكبير الذي يدوم أربعين يوماً . وقد أصر في عام من الأعوام أثناء هذا الصوم كله على أن يوضع في حظيرة وليس معه إلا القليل من الخبز والماء . وأخرج من بين الجدران في يوم عيد الفصح فوجد أنه لم يمس الخبز أو الماء . وبني سمعان لنفسه في عام 422 عموداً عند قلعة سمعان في شمالي سوريا وعاش فوقه . ثم رأى أن هذا اعتدال في الحياة يجلله العار فأخذ يزيد من ارتفاع العمد التي يعيش فوقها حتى جعل مسكنه الدائم فوق عمود يبلغ ارتفاعه ستين قدماً ولم يكن محيطه في أعلاه يزيد على ثلاثة أقدام , وكان حول قمته سور يمنع القديس من السقوط على الأرض حين ينام . وعاش سمعان على هذه البقعة الصغيرة ثلاثين عاماً متوالية معرضاً للمطر والشمس والبرد . وكان أتباعه يصعدون إليه بالطعام وينقلون فضلاته على سلم يصل إلى أعلى العمود , وقد شد نفسه على هذا العمود بحبل حز في جسمه , فتعفن حوله , ونتن وكثرت فيه الديدان , فكان يلتقط الدود الذي يتساقط من جروحه ويعيده إليها ويقول : ( كلي مما أعطاك الله !) . وكان يلقى من منبره العالي مواعظ على الجماهير التي تحضر لمشاهدته , وكثيراً ما هدى المتبربرين , وعالج المرضى , واشترك في السياسة الكنسية , وجعل المرابين يستحون فينقصون فوائد ما يقرضون من المال إلى ستة في المائة بدل اثني عشر . وكانت تقواه سبباً في إيجاد طريقة النسك فوق الأعمدة , وهي الطريقة التي دامت اثني عشر قرناً , ولا تزال باقية حتى اليوم بصورة دنيوية خالصة ) . ومثل ذلك ذكر هرلبت في كتابه . ودي سي سيندرول . وستر زي غواسكي . وبروكوبيوس . وونكل مين .
فجاء الإسلام فهذب هذه التعاليم ونقحها , وحذف منها الغلو والتطرف , ومنع الناس عن التشدد في الدين , وتعذيب النفس , وعرفهم الحنيفية السمحة البيضاء , النزيهة عن الانغماس في الدنيا والجري وراء ملذاتها وشهواتها , كما راعى جانب الطبيعة والفطرة , وأباح الطيبات من الرزق والحلال من المال , والتمتع بالجائز من الدنيا , فوضع عن الناس إصرهم والأغلال التي كانت عليهم , وأمرهم بالقصد والاعتدال بين التجرد المحض والتزهد الصرف , وبين الإسراف المطلق والتقتير الفاحش , فقال جل وعلا في كتابه الذي أنزله على سيد البشر صلوات الله وسلامه عليه : { يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ 31 قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } وقال : { وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ }
وقال : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً } وقال : { وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } وقال : { وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ 80 وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ 81 } وقال : { وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ 5 وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ 6 وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ 7 } وقال : { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }
وجعل المال قواماً للإنسان حيث قال :
{وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً } .
وقال : { وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا } . و { وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } .
وأمر المؤمنين أن يتوجهوا إليه بطلب الدنيا وحسناتها مع الآخرة وحسناتها قائلين : { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } . كما أمر من إجتمع عنده مال الدنيا ورزقها أن يخرج منها حقا للسائل والمحروم وزكاة وصدقة , وأن يعمروا مساجد الله , وينفقوا على ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل فقال تعالى : { وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ } وقال : { كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } .
وقال : { فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ } .
وقال مع ذلك : { إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا } . كما قال : { وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } .
فهذا ما قد ورد في كتاب الله , وما أكثره في هذا المعنى . وأما سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم , الأصل الثاني للشريعة الإسلامية فلم يرد فيها أن صاحبها صلى الله عليه وسلم قال لمن أراده أن يتبعه : بع واتبعني , بل قال لمن كان يريد أن يتصدق بأكثر ماله – وهو سعد بن أبي وقاص – وكان مريضا في حجة الوداع فعاوده الرسول صلى الله عليه وسلم وكان عازما على الصدقة بثلثي ماله , وفي رواية أخرى : بماله كله , فسأله الرسول صلى الله عليه وسلم عما ترك لولده – وفي رواية أنه لم يكن له إلا بنت - , فقال : الثلث , والثلث كثير , إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس .
وكذلك نهى كعب بن مالك عن التصدق بجميع ماله كما ورد في الصحيحين أن عبيد الله بن كعب بن مالك قال : ( سمعت كعب بن مالك يحدث بحديث توبته , قال فقلت : يا رسول الله , إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله عز وجل وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم فقال : أمسك بعض مالك فهو خير لك ) .
وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال : ( نعم المال الصالح للرجل الصالح ) .
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق , ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها ) .
وفي الصحيحين أيضا عن أم سليم أنها قالت : ( يا رسول الله , خادمك أنس ادع له – فدعا له رسول الله عليه الصلاة والسلام – وفيما دعا له أن يكثر ماله , وإليك النص : اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيهما ) . وكان صلى الله عليه وسلم يردد كثيرا : ( ما نفعني مال كمال أبي بكر ) . و ( إن من أمنَّ الناس علي في ماله وصحبته أبو بكر ) . كما أمر أم هانئ باتخاذ الغنم حيث قال : ( اتخذي غنما , فإن فيها بركة ) . وادخر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهله قوت سنة كما ورد في الصحاح , واللفظ لمسلم عن عمر أنه قال : ( كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب , فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة , فكان ينفق على أهله نفقة سنة , وما بقي يجعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله – وفي رواية – كان يحبس منه قوت أهله لسنة ) .
وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أحكام الزكاة والصدقات والإنفاق في سبيل الله , ولم تكن هذه الأحكام إلا لمن يملكه , ولو لم يكن ما كان لبيانها غرض ولا فائدة .
فهذه هي تعاليم الكتاب والسنة , وفي ضوء هذه نرى الصوفية والمتقدمين منهم بالأخص والمتأخرين أيضا بأيتهما يتمسكون ؟ لكي يتضح الأمر عن مرجع تصوفهم ومعول أمرهم . فذكر المحاسبي المتوفى 243 ه عن صوفي قديم آخر إبراهيم بن أدهم أنه قال : إن كنت تحب أن تكون لله وليا , وهو لك محبا فدع الدنيا والآخرة , ولا ترغبن فيهما .
ونقل السهر وردي والسراج الطوسي والقشيري عن السري السقطي المتوفى سنة 251 هـ أنه قال : ( لا يكن معك شيء تعطي منه أحد ) .
وذكر القشيري عن واحد آخر من الصوفية الأوائل داود الطائي المتوفى 165 هـ أنه قال : ( صم عن الدنيا , واجعل فطرك الموت , وفر من الناس كفرارك من السبع ) .
وسيد الطائفة الجنيد البغدادي يقول : ( أحب للمريد المبتدئ أن لا يشغل قلبه بالتكسب , وإلا تغير حاله ) . ويقول أيضا : ( ما أخذنا التصوف عن القيل والقال , لكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات ) .
ويبين ابن عجيبة الحسني حالة أهل التصوف في كتابه ( إيقاظ الهمم ) : ( وكان بعضهم إذا أصبح عنده شيء أصبح حزينا , وإذا لم يصبح عنده سيء أصبح فرحا مسرورا ) .
وقال أيضا : ( الفقر أساس التصوف , وبه قوامه ) . وروى مثل ذلك عن أبي محمد رويم المتوفى 303 هـ أنه قال : ( مبنى التصوف على الفقر ) .
نعم , الفقر الذي تعوذ منه سيد الخلائق المدعم بالوحي , والمعصوم بعصمة الله وقال : ( اللهم إني أعوذ بك من الفقر ) . فجعلوا ذلك الفقر أساس التصوف وقوامه , وأقاموا بناءه عليه . ونقل الطوسي عن الجنيد أنه سئل عن الزهد فقال : ( الزهد هو تخلي الأيدي من الأملاك ) .
وبمثل ذلك قال رويم بن أحمد الصوفي المتوفى 303 هـ حينما سئل عن الزهد ما هو ؟ . فقال : ( هو ترك حظوظ النفس من جميع ما في الدنيا ) .
وذكر الشعراني عن ابن عربي أنه قال : ( من أراد فهم المعاني الغامضة من كلام الله عز وجل وكلام رسوله وأوليائه فليزهد في الدنيا حتى يصير ينقبض خاطره من دخولها , ويفرح لزوالها ) .
وينقل أيضا عن إبراهيم المتبولي أنه قال : ( كل فقير لا يحصل له جوع ولا عري فهو من أبناء الدنيا ) .
وذكر الصوفي عماد الدين الأموي في كتابه ( حياة القلوب ) أن رجلا دخل على بعض الصوفية يتكلم في الزهد وعنده قميص معلق وعليه آخر , فقال : يا شيخ , أما تستحي أن تتكلم في الزهد ولك قميصان . وزجر السري السقطي رجلا كان يملك عشرة دراهم وقال : أنت تقعد مع الفقراء ومعك عشرة دراهم . وذكر الكلاباذي عن أحمد بن السمين أنه قال : كنت أمشي في طريق مكة , فإذا أنا برجل يصيح : أغثني يا رجل , الله , الله . قلت مالك , مالك ؟ خذ مني هذه الدراهم , فإني ما أقدر أن أذكر الله وهي معي , فأخذتها منه فصاح : لبيك اللهم لبيك , وكانت أربعة عشر درهما .
وقال سهل بن عبد الله التستري : اجتمع الخير كله في هذه الأربع خصال , وبها صار الأبدال أبدالا : أخماص البطون , والصمت والخلوة , والسهر .
وينقل الهجويري عن أبي بكر الشبلي أن واحدا من علماء الظاهر سأله على سبيل التجربة عن الزكاة قائلا : ( ما الذي يجب أن يعطى من الزكاة ؟ . قال : حين يكون البخل موجودا ويحصل المال فيجب أن يعطى خمسة دراهم عن كل مائتي درهم , ونصف دينار عن كل عشرين دينارا , هذا في مذهبك . أما في مذهبي فيجب أن لا تملك شيئا حتى تتخلص من مشغلة الزكاة ) .
وقال الهجويري : ( السكون إلى مألوفات الطبع يقطع صاحبها عن بلوغ درجات الحقائق ) .
وينقلون عن الرفاعي أحمد بن أحمد بن أبي الحسين صاحب الطريقة الرفاعية أنه كان يقول : ( أكره للفقراء دخول الحمام , وأحب لجميع أصحابي الجوع والعري والفقر والذل والمسكنة , وأفرح لهم إذا نزل بهم ذلك ) .
ونقل أبو المظفر أن أبا بكر الوراق قال : ( الزهد مركب من الحروف الثلاثة : الزاء , والهاء , والدال , فالزاي ترك الزينة , والهاء ترك الهوى , والدال ترك الدنيا ) . ونقل أبو طالب المكي عن سفيان أنه قال : ( الصائم إذا اهتم في أول النهار بعشائه كتب عليه خطيئة , وكان سهل ( التستري ) يقول : إن ذلك ينقص من صومه ) .
ونقل عن حذيفة المرعشي أنه قال : ( منذ أربعين سنة لم أملك إلا قميصا واحدا ) .
وذكر الكلاباذي في تعرفة عن أبي الحسن محمد بن أحمد الفارسي أنه قال : ( من أركان التصوف ترك الاكتساب وتحريم الادخار ) . ونقل نجم الدين الكبري المتوفى 618 هـ : التصوف هو نبذ الدنيا كلها . ويقول الهروي عبد الله الأنصاري المتوفي 481 هـ : ( الزهد أصله تعذيب الظاهر بترك الدنيا ) . وينقل ابن الملقن عن أستاذ الجنيد أنه قال : ( علامة الفقير الصادق أن يفتقر بعد الغنى , وينحط بعد الشهرة ) . وينقل السلمي عن سمنون المحب – وهو من أصحاب السري السقطي – أنه سئل عن الفقير الصادق فقال : ( الذي يأنس بالعدم كما يأنس الجاهل بالغنى , ويستوحش من الغنى كما يستوحش الجاهل من الفقر ) .
وذكروا عن أبي يزيد البسطامي أنه سئل : بأي شيء نلت هذه المعرفة ؟ فقال : ( ببطن جائع وبدن عار ) . وأخيرا ذكر الكلاباذي عن الصوفية فقال : ( أنهم قوم تركوا الدنيا فخرجوا عن الأوطان , وهجروا الأخدان , وساحوا في البلاد , وأجاعوا الأكباد , وأعروا الأجساد ) .
مع اعترافهم بأن هذه هي المسيحية كما نص على ذلك أبو طالب المكي حيث قال : ( روينا عن عيسى عليه السلام أنه قال : ( أجيعوا أكبادكم , وأعروا أجسادكم لعل قلوبكم ترى الله عز وجل ) . فالنصوص في هذا المعنى أكثر من أن تعد وتحصى , وأن يسعها كتاب فهيهات هيهات أن يسعها باب أو جزء من الباب , وكل هذه النصوص تنطق صراحة عن مصدرها الأصلي ومرجعها الحقيقي , ولا علاقة لها بتعاليم الإسلام وإرشاداته , بل أنها مخالفة تماما لتلك , ولكي يسهل على القراء والباحثين المقارنة ذكرنا ما ورد في القرآن والسنة في هذا الخصوص , كما أوردنا قبل ذلك توجيهات مسيحية وتعاليم رهبانية وعلى ذلك قال C.H. BECKER وآسين بلاثيوس , ونيكلسون بأن ترك الدنيا , ومعنى التوكل جاء في التصوف من المسيحية .
ونص فون كريمر على أن الزهد الصوفي نشأ بتأثير من الزهد المسيحي . وقال جولد زيهر : ( إن مدح الفقر وإيثاره على الغنى كان من العناصر النصرانية ) .
وأقر بذلك الكاتب الإيراني الكبير الدكتور قاسم غني في كتابه ( تاريخ التصوف في الإسلام ) .

المراجع

المكتبة الشاملة

التصانيف

تصنيف :الأبحاث