الزّاويَةُ وَ الملْبَسُ
وأما التزام الصوفية لبس الصوف لكونه شعارا وعلامة لهم فأيضا مأخوذ من رهبنة المسيحية لأنه كان زيهم الخاص بهم كما أقر بذلك الصوفي المشهور في طبقاته عن أبي العالية أنه كان ( يكره للرجل زي الرهبان من الصوف , ويقول : زينة المسلمين التجمل بلباسهم ) ز
ومثل ذلك نقل ابن عبد ربه في ( العقد الفريد ) عن حماد بن سلمة أنه قال لفرقد السنجي حينما رآه لابسا الصوف : ( دع عنك هذه النصرانية ) .
وأورد ابن الجوزي مثل هذه الرواية بسنده حيث قال : ( أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد , حدثنا حمد بن أحمد الحداد , حدثنا أبو نعيم الحافظ , حدثنا أبو حامد بن جبلة , حدثنا حمد بن إسحاق , حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث , حدثنا هارون بن معروف , عن ضمرة , قال : سمعت رجلا يقول : قدم حماد بن سلمة البصرة , فجاءه فرقد السنجي وعليه ثوب صوف , فقال له حماد : ضع عنك نصرانيتك هذه , فلقد رأيتنا ننتظر إبراهيم – يعني النخعي – فيخرج علينا وعليه معصفرة ) .
وأورد أيضا رواية أخرى مسندة بطريق البخاري رحمة الله عليه قال : أخبرنا محمد بن ناصر وعمر بن ظفر , قالا : حدثنا محمد بن الحسن الباقلاوي , حدثنا القاضي أبو العلاء الواسطي , حدثنا أبو نصر أحمد بن محمد السازكي , حدثنا أبو الخير أحمد بن حمد البزار , حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري , حدثنا علي بن حجر , حدثنا صالح بن عمر الواسطي عن أبي خالد , قال : جاء عبد الكريم أبو أمية إلى أبي العالية وعليه ثياب صوف , فقال له أبو العالية : ( إنما هذه ثياب الرهبان , إن المسلمين إذا تزوروا تجملوا ) .
ونقل الشعراني عن سهل التستري حكاية باطلة غريبة تدل على أن الصوف كان لباس أصحاب المسيح , وهذا هو نصها : أن سهل بن عبد الله التستري كان يقول : ( اجتمعت بشخص من أصحاب المسيح عليه السلام في ديار قوم عاد فسلمت عليه , فرد علي السلام , فرأيت عليه جبة من صوف فيها طراوة , فقال لي : إن لها علي من أيام المسيح , فتعجبت من ذلك .
فقال : يا سهل إن الأبدان لا تخلق الثياب , إنما يخلقها رائحة الذنوب , ومطاعم السحت , فقلت له : فكم لهذه الجبة عليك ؟ فقال : لها سبعمائة سنة ) .
وذكر السهر وردي أيضا أنه كان الصوف لباس عيسى عليه السلام فقال : ( كان عيسى عليه السلام يلبس الصوف , ويأكل من الشجرة , ويبيت حيث أمسى ) .
ومثل ذلك ذكر الكلاباذي . ( وعلى ذلك قال نولدكة ونيكلسون وماسينيون إن التصوف الإسلامي أخذ لبسة الصوف من الرهبان النصارى ) . وزاد نيكلسون أشياء في مقالاته العديدة التي نشرت في دوائر المعارف , وجمعت بعضها باسم ( الدراسات في التصوف الإسلامي وتاريخه ) منها ما قاله تحت عنوان : الزهد في الإسلام : ( كان عرب الجاهلية على حظ قليل من التفكير الديني , وكان تفكيرهم في هذه الناحية مضطرباً وغامضاً . وقد شغلهم انهماكهم في متع الحياة ومتاعبها عن التفكير في حياة أخروية , ولم يخطر ببالهم أن يعدوا أنفسهم لحياة روحية وراء حدود القبر . وقد غرست المسيحية – لا الكنيسة المسيحية , بل المسيحية غير التقليدية وغير المنظمة – بذور الزهد في بلاد العرب قبل البعثة المحمدية , وظل أثرها يعمل عمله في تطور الزهد في الإمبراطورية الإسلامية في عصورها الأولى . ونحن نعلم أن المسيحية كانت منتشرة قبل الإسلام بين قبائل شمالي الجزيرة العربية , وأن كثيراً من العرب كانوا على شيء من العلم – مهما كان قليلا وسطحيا – بعقائد الديانة المسيحية وطقوسها . بل إن الإشارات التي وردت في الشعر الجاهلي عن رهبان المسيحيين لتدل على أن عرب البادية كانوا يجلون هؤلاء الرهبان ويعظمونهم , وكانوا يهتدون بأنوارهم المنبعثة من صوامعهم في ظلام الليل وهم يسيرون في الصحراء فضرب هؤلاء الرهبان وغيرهم من الزهاد الهائمين على وجوههم , مثلا للعرب الوثنيين في الزهد , وحركوا في نفوس بعضهم , وهم المعروفون بالحنفاء , ميلاً إلى النفور من الأوثان ورفض عبادتها . فدان هؤلاء بعقيدة التوحيد , واصطنع بعضهم الزهد ومجاهدة النفس , ولبسوا الصوف وحرموا على أنفسهم بعض أنواع الطعام ) .
وقال أيضا : ( كانت الثياب المصنوعة من خشن الصوف علامة على الزهد قبل الإسلام , وفي هذا حاكى العرب رهبان المسيحيين . وقد شاع استعمال هذا النوع من الثياب بين زهاد المسلمين الأوائل , ومنه اشتق اسم الصوفية الذي استعمل قبل نهاية القرن الثاني الهجري . على أن اسما آخر أطلق على هؤلاء الزهاد وإن كان أقل شيوعا من اسم الصوفي وهو ( مسوحي ) نسبة إلى مسوح جمع مسح وهو اللباس من الشعر . وقد جرت العادة بأن يلبس الزهاد , رجالا كانوا أو نساء , جبة مدرعة من الصوف وأن تلبس المرأة أحيانا غطاء على الرأس من القماش نفسه , وهذا الغطاء هو المعروف بالخمار . وقد استنكر سفيان الثوري المتوفى سنة 161 هـ لبس الصوف , وعده بدعة , واستنكر كذلك غيره من المسلمين لأنهم اعتبروه رمزا للمسيحية وعلامة على الرياء ) .
وقال أيضا تحت عنوان التصوف باحثا عن كلمة الصوفي نقلا عن نولدكه : ( إن المسلمين في القرنين الأولين للإسلام كانوا يلبسون الصوف , وبخاصة من سلك منهم طريق الزهد , وأنهم كانوا يقولون : لبس فلان الصوف : بمعنى تزهد ورغب عن الدنيا .
فلما انتقل الزهد إلى التصوف قالوا : لبس فلان الصوف بمعنى : أصبح صوفيا . وكذلك الحال في اللغة الفارسية : فإن قولهم ( بشمينا بوش ) معناه : يلبس لباس الصوف . وقد أخذ زهاد المسلمين الأوائل عادة لبس الصوف عن رهبان المسيحيين ونساكهم , يدل على ذلك أن حماد بن أبي سليمان قدم البصرة , فجاءه فرقد السنجي وعليه ثياب صوف فقال له حماد ضع عنك نصرانيتك هذه . وقد أطلقوا على هذه الثياب ( زي الرهبان ) , واستشهدوا بحديث معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن عيسى كان يلبس ثياب الصوف ) .
وقال جولدزيهر : ( وقد حاكى هؤلاء الزهاد المسلمون وعبادهم نساك النصارى ورهبانهم , فارتدوا الصوف الخشن ) .
هذا وبمثل هذا قال الدكتور قاسم غني : ( إن ارتداء الملابس الصوفية أو التصوف الذي نشأ عنه كلمة الصوفية كما تقدم كان من عادات الرهبان المسيحيين , ثم صار فيما بعد شعارا للزهد عند الصوفية . والدلق الذي ورد ذكره في أشعار الصوفية وكتبهم استعمل في معنى لباس الصوفية في كل مكان . أي الخرقة التي كانوا يرتدونها فوق جميع الملابس والظاهر أنها كانت من صوف . والدلق إما أن يكون من قطعة واحدة أو مرقعا , ويسمى بالدلق المرقع في هذه الحال , وإذا كان من ألوان مختلفة يسمى حينئذ ( الدلق الملمع ) والدلق عند صوفية الإسلام سواء كان لونه أزرق أو كان أسود يسمى دائما : ( بالدلق الأزرق ) وخرقة الرهبان التي كانت على ما يظهر بيضاء في بادئ الأمر صارت بعد ذلك سوداء وزمرة ( السوكواران ) أي المفجوعون , الذين يتكلم عنهم الفردوسي في الشاهنامة ليسوا إلا أساقفة المناظرة المسيحيين ممن لجأوا إلى إيران في القرن الثالث الميلادي وهم الذين كانوا يلبسون ملابس الصوف الخشنة على أجسامهم كي يكون ذلك نوعا من التقشف والأخششان , فكان إصطلاح ( صوفي ) و ( وصوفية ) الذي هو بالفارسية ( بشمينه بوش ) أي لابس الصوف وكان يطلق على رجال المسيحيين ونسائهم ) . ولا بأس من إيراد تعليقة ذكرت تحت هذه العبارة : ( ويقول ياقوت في كتاب ( معجم البلدان ) في حواشي ( دير العذارى ) : وقال أبو الفرج :ودير العذارى بسر من رأى إلى الآن موجود يسكنه الرواهب . وحدث الجاحظ في كتاب ( المعلمين ) قال : حدثني ابن الفرج الثعلبي : أن فتيانا من بني ملاص من ثعلبة أرادوا القطع على مال يمر بهم قرب دير العذارى فجاءهم من أخبرهم أن السلطان قد علم بهم وأن الخيل قد أقبلت تريدهم , فاستخفوا في دير العذارى , فلما صاروا فيه سمعوا وقع حوافر الخيل التي تطلبهم راجعة , فأمنوا ثم قال بعضهم لبعض : ما لذي يمنعكم أن تأخذوا بالقس فتشدوا وثاقه ثم يخلوا كل واحد منكم بهذه الأبكار , فإذا طلع الفجر تفرقنا في البلاد , وكنا جماعة بعدد الأبكار اللواتي كن أبكارا في حسابنا . ففعلنا ما اجتمعنا عليه , فوجدناهن جميعا ثيبات قد فرغ منهن القس قبلنا .. فقال بعضنا :
ودير العذارى فضوح لهن وعند القسوس حديث عجيب
خلونا بعشــــرين صـوفية نــيك الرواهب أمر غريب
إذا هن يرهزن رهز الظراف وباب المدينة فج رحيب
ويبدو من تعبير ( الصوفية ) في هذا الشعر أن المقصود منه الراهبات المسيحيات ) .
ولذلك خالف علماء الأمة وفقهاؤها لبسه .
فلقد نقل الإمام ابن تيمية عن أبي الشيخ الأصبهاني عن إسناده أن ابن سيرين بلغه أن قوما يفضلون لباس الصوف فقال : ( إن قوما يتخيرون الصوف يقولون إنهم متشبهون بعيسى بن مريم , وهدي نبينا أحب إلينا , وكان النبي صلى الله عليه وسلم يلبس القطن وغيره ) .
كما نقل ابن الجوزي عن أحمد بن أبي الجواري أنه قال : قال لي سليمان بن أبي سليمان : ( أي شيء أرادوا بلباس الصوف ؟ قلت : التواضع . قال : ما يتكبر أحد إلا إذا لبس الصوف .
ونقل عن سفيان الثوري أنه قال لرجل عليه صوف : لباسك هذا بدعة . كما روى عن الحسن بن الربيع أنه قال : سمعت عبد الله بن المبارك يقول لرجل رأى عليه صوفا مشهورا : أكره هذا , أكره هذا .
وروي عن بشر بن الحارث أنه سئل عن لبس الصوف . فشق عليه , وتبين الكراهة في وجهه , ثم قال : لبس الخز والمعصفر أحب إلي من لبس الصوف في الأمصار .
وروي عن أبي سليمان الداراني أنه قال لرجل لبس الصوف : إنك قد أظهرت آلة الزاهدين , فماذا أورثك هذا الصوف .
كما رو يعن النضر بن شميل أنه قال لبعض الصوفية : تبيع جبتك الصوف ؟ فقال : إذا باع الصياد شبكته بأي شيء يصطاد ) .
هذا ونقل عن غيره مثل هذا .
هذا من ناحية الملابس . وأما اتخاذهم الخانقاوات والتكايا والزوايا , وانعزالهم عن الدنيا فلم تكن إلا مأخوذة من الرهبنة المسيحية أيضا كما ذكرنا فيما مر نقلا عن الجامي في نفحاته أن أول خانقاه بنيت هي التي بناها أمير مسيحي من الرملة في الشام .
وهي تشبه تماما أديرة الرهبان النصارى ذات الأسوار العالية البعيدة عن عالم الناس والعمران , نتيجة للهروب من عالم الترف المادي إلى عالم الترف الروحي , ومن هذه الأديرة تطورت كثير من الأفكار الإيجابية , خرج بها رهبان لفتح حقول جديدة على مبادئ من الطهارة والفقر والخضوع .
( أما الطهارة فكان معناها ليس تطهير الجسد بالصوم , بل كانت تعني فوق ذلك قطع علاقات محبة الأب أو الأم أو الابن أو الأخت حتى يكون الراهب أقدر على خدمة البشر , وتصبح المحبة هنا ديانة إنسانية شاملة ز أما الفقر فكان يعني التحرر المطلق من قيود الأشياء , ورفض المصالح المادية من أجل خدمة الإنسان , وكان الخضوع يعني الاستسلام الكامل لإرادة الله للقيام بالواجبات ) .
ولقد صرح الكتور قاسم غني أن المسيحية : ( استطاعت أن تعلم صوفية المسلمين آدابا وعادات كثيرة عن طريق زمرة المتقشفين وفرق الرهبان المتجولين , ولا سيما الجماعات السورية المتجولة في كل مكان ممن كانوا على الأغلب من فرق النصارى النسطوريين , في حين أن تأثير كنائس المسيحية في المسلمين كان في نطاق محدود جدا .
وأن الحياة في الصوامع والخانقاوات كانت أيضا مقتبسة من المسيحية إلى حد كبير ) .
وبمثل ذلك قال نيلكسون , المستشرق الإنجليزي الكبير الذي عرف باختصاصه في الدراسات عن التصوف , حيث يذكر تحت تطور الزهد في العصور الوسطى :
( لم يخرج الصوفية كثيرا على الحديث القائل : لا رهبانية في الإسلام إلا بعد مضي عدة قرون – إلى أن يقول - : وإننا لا نعلم إلا القليل عن نظام الزهد الرهباني ونشأته في العصور الإسلامية الأولى , ويقال : أن أول خانقاه أسست لمتصوفة المسلمين كانت برملة في فلسطين قبل نهاية المائة الثامنة الميلادية على ما يظهر , وأن مؤسسها كان راهبا مسيحيا ... وقد الصوفية بعض الأحاديث المدخولة على النبي , التي تشير لإباحة العزوبة لجميع المسلمين بعد المائتين من الهجرة فقد ظهر نظام الرهبنة في الإسلام حوالي هذا التاريخ تقريبا . نعم لم يعم الزهد في العالم الإسلامي , ولم تظهر فيه الربط والزوايا المنظمة إلا في عصر متأخر , لأن القارئ للكتب التي ألفت في التصوف حتى منتصف القرن الخامس الهجري , مثل قوت القلوب لأبي طالب المكي , وحلية الأولياء لأبي نعيم , والرسالة للقشيري , قلما يجد فيها إشارة إلى هذا الربط والزوايا , ومع ذلك نجد أن كبار الصوفية من رجال القرنين الثالث والرابع قد اجتمع حولهم المريدون ليأخذوا عنهم الطريق ويتأدبوا بآدابه . ومن الطبيعي أن هؤلاء المريدين أقاموا في بيوت دينية من نوع ما , كلما وجدوا إلى ذلك سبيلا . ويذكر المقريزي أن الخانقاوات وجدت في الإسلام في القرن الخامس الهجري المقابل للقرن الحادي عشر الميلادي . وإذا سلمنا بقول المقريزي فعلى معنى أن خانقاوات الصوفية التي كان يجتمع فيها المريدون تحت إشراف مشايخهم , لم تكثر وتنتشر في بلاد المملكة الإسلامية إلا في هذا التاريخ , وهذا يتفق مع ما ورد في كتاب آثار البلاد للقزويني حيث يقول إن أبا سعيد بن أبي الخير ( المتوفى 1049 م لا حوالي 815 كما يقول دي ساسي خطأ – ولا كما يقول دوزي وفون كريمر نقلا عن دي ساسي ) يذكر عنه أنه مؤسس نظام الرهبنة في التصوف الإسلامي وأول واضع لقواعده وقوانينه . وبعد ذلك بمائتي سنة – أي بين 450 , 650 – زيد في نظام الرهبنة وانتشر هذا النظام على أيدي رجال الطرق , كالعدوية والقادرية والرفاعية وغير ذلك من الطرق التي توالى ظهورها سريعا ) .
هذا بالنظر إلى أنه لا يوجد في تعاليم القرآن والسنة رسم ولا أثر لهذه التكايا والزوايا والخانقاوات والربط , بل أمر المسلمين ببناء المسجد للعبادة كما أمروا بتعمير بيوتهم بقراءة القرآن فيها والعبادة .
وأما بناء الأمكنة الخاصة للتعبد والذكر والأوراد فليس إلا تقليلا لشأن المساجد , وصرف الناس عنها , وإعطاء التكايا والزوايا والربط مكانتها وشأنها , وفي هذا مخالفة لأوامر الله وتعاليم رسوله صلوات الله وسلامه عليه . وعلى ذلك قال ابن الجوزي : ( أما بناء الأربطة فإن قوما من المتعبدين الماضين اتخذوها للانفراد بالتعبد , وهؤلاء إذا صح قصدهم فهم على الخطأ من ستة أوجه : أحدها : أنهم ابتدعوا هذا البناء وإنما بنيان أهل الإسلام المساجد . والثاني : أنهم جعلوا للمساجد نظيرا يقلل جمعها . والثالث : أنهم أفاتوا أنفسهم نقل الخطى إلى المساجد . والرابع : أنهم تشبهوا بالنصارى بانفرادهم في الأديرة . والخامس : أنهم تعزبوا وهم شباب وأكثرهم محتاج إلى النكاح . والسادس : أنهم جعلوا لأنفسهم علما ينطق بأنهم زهاد فيوجب ذلك زيارتهم والتبرك بهم . وإن كان قصدهم غير صحيح فإنهم قد بنوا دكاكين للكوبة ومناخا للبطالة وأعلاما لإظهار الزهد .
وقد رأينا جمهور المتأخرين منهم مستريحين في الأربطة من كد المعاش متشاغلين بالأكل والشرب والغناء والرقص يطلبون الدنيا من كل ظالم ولا يتورعون من عطاء ماكس . وأكثر أربطتهم قد بناها الظلمة , ووقفوا عليها الأموال الخبيثة . وقد لبس عليهم إبليس أن ما يصل إليكم رزقكم فاسقطوا عن أنفسكم كلفة الورع . فهمتهم دوران المطبخ والطعام والماء البارد . فأين جوع بشر , وأين ورع سري , وأين جد الجنيد . وهؤلاء أكثر زمانهم ينقضي في التفكه بالحديث أو زيارة أبناء الدنيا , فإذا أفلح أحدهم أدخل رأسه في زرمانقته فغلبت عليه السوداء , فيقول : حدثنا قلبي عن ربي . ولقد بلغني أن رجلا قرأ القرآن في رباط فمنعوه , وأن قوما قرأوا الحديث في رباط , فقالوا لهم : ليس هذا موضعه ) .
هذا وقد أورد ابن الجوزي حديثا بسنده إلى الرسول صلى الله عليه وسلم عن أبي عمامة أنه قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية من سراياه , قال : فمر رجل بغار فيه شيء من ماء , قال : فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار فيقوته ما كان فيه , وفيه شيء من ماء , ويصيب ما حوله من البقل , ويتخلى عن الدنيا . ثم قال : لو أني أتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له , فإن أذن لي فعلت , وإلا لم افعل , فأتاه فقال : يا نبي الله , إني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل فحدثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى من الدنيا . قال : فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : ( إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكنني بعثت بالحنيفية السمحة , والذي نفس محمد بيده , لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ) . وأما استماعهم إلى نصائح الرهبان ودروسهم ومواعظهم , وإنصاتهم لهم وتلمذهم عليهم , وتمجيدهم إياهم , والثناء عليهم فمنقول عنهم بكثرة , فإن إبراهيم بن أدهم – وهو من أوائل الصوفية – صرح بذلك حيث قال : ( تعلمت المعرفة من راهب يقال له : سمعان , دخلت عليه في صومعته فقلت له : يا سمعان , منذ كم وأنت في صومعتك هذه ؟ . قال : منذ سبعين سنة . قلت : ما طعامك ؟ قال : يا حنيفي وما دعاك إلى هذا ؟ قلت : أحببت أن أعلم . قال : في ليلة حمصة . قلت : فمن الذي يهيج من قلبك حتى تكفيك هذه الحمصة ؟ قال : ترى الذين بحذائك ؟ قلت : نعم , قال إنهم يأتونني في كل سنة يوما واحدا فيزنون صومعتي , ويطوفون حولها , يعظمونني بذلك , وكلما تثاقلت نفسي عن العبادة ذكرتها تلك الساعة , فأنا أحتمل جهد سنة لعزّ ساعة , فاحتمل يا حنيفي جهد ساعة لعزّ الأبد , فوقر في قلبي المعرفة , فقال : أزيدك ؟ قلت : نعم , قال : أنزل عن الصومعة , فنزلت فأدلى إليّ ركوة فيها عشرون حمصة . فقال لي : أدخل الدير فقد رأوا ما أدليت إليك , فلما دخلت الدير اجتمعت النصارى , فقالوا : يا حنيفي , ما الذي أدلى إليك الشيخ ؟ قلت : من قوته , قالوا : وما تصنع به ؟ نحن أحق به . ساوم , قلت : عشرين دينارا , فأعطوني عشرين دينارا , فرجعت إلى الشيخ , فقال : أخطأت لو ساومتهم عشرين ألفا لأعطوك , هذا عز من لايعبده , فانظر كيف تكون بعز من تعبده يا حنيفي , أقبل على ربك ) .
ونقل الهجويري عن صوفي قديم آخر , وهو : إبراهيم الخواص أنه قال : ( سمعت ذات مرة أن ببلاد الروم راهبا مقيما بالدير منذ سبعين سنة بحكم الرهبانية , فقلت : واعجبا ! شرط الرهبانية أربعون سنة . بأي شرف أخلد هذا الرجل إلى الدير سبعين سنة ؟ وقصدته , فلما اقتربت من ديره فتح كوة وقال لي : يا إبراهيم ! عرفت لأي أمر جئت . أنا لم أقم هنا رهبانية في هذه السبعين عاما , بل لأن لي كلبا هائجا , فأقمت هنا أحرسه وأكفي الخلق شره , وإلا فلست أنا هذا ( الذي تظن ) . فلما سمعت منه هذا الكلام قلت : يا إلهي تعاليت ! أنت قادر على أن تهدي العبد طريق الصواب في عين الضلالة , وتكرمه بالصراط المستقيم . فقال لي : يا إبراهيم ! إلام تطلب الناس ؟ إمض واطلب نفسك , وإذا وجدتها فاحرسها , لأن الهوى يرتدي ثوب الإلهية كل يوم على ثلثمائة وستين لونا , ويدعو العبد إلى الضلالة ) . وذكر الشعراني أن بعض أسلاف الصوفية حاولوا تقرير مذهب رهبان النصارى , وكونهم على الحق والصواب , ومن قبل رسول الله الناطق بالوحي صلوات الله وسلامه عليه – كذبا وزورا - : ( أن قوله صلى الله عليه وسلم : دعوا الرهبان وما انقطعوا إليه , تقرير لهم على ما هم عليه من حيث عموم رسالته صلى الله عليه وسلم كما قرر أهل الكتاب على سكنى دار الإسلام بالجزية . قالوا : وهي مسألة خفية جليلة في عموم رسالته صلى الله عليه وسلم . لا ينتبه لها إلا الغواصون على الدقائق ) . هذا ولقد ذكر في طبقاته عن صوفي آخر – وهو إبراهيم بن عصفير – الذي يقول عنه : ( كان كثير الكشف , وله وقائع مشهورة , وظهرت له الكرامات وهو صغير , وكان يأتي البلد وهو راكب الذئب أو الضبع , وكان يمشي على الماء لا يحتاج إلى مركب , وكان بوله كاللبن الحليب أبيض , ... وما ضبطت عليه كشفا أخرم فيه . يكتب عن هذا الصوفي الذي بلغ أقصى درجات الولاية : ( كان أكثر نومه في الكنيسة , ويقول : النصارى لا يسرقون النعال في الكنيسة بخلاف المسلمين , وكان رضي الله عنه يقول : أنا ما عندي من صوم حقيقة إلا من لا يأكل لحم الضأن أيام الصوم كالنصارى , وأما المسلمون الذين يأكلون لحم الضأن والدجاج أيام الصوم فصومهم عندي باطل ) .
وكذلك وجد مدح الرهبان النصارى في كتب صوفية كثيرة مثل ما ذكر الأصبهاني في حليته عن عبد الله بن الفرج أنه قال له رجل : ( يا أبا محمد , هؤلاء الرهبان يتكلمون بالحكمة وهم أهل كفر وضلالة , فمم ذلك ؟ قال : ميراث الجوع , متعت بك ) . وأيضا ذكر عن إبراهيم بن الجنيد أنه قال : وجدت هذه الأبيات على ظهر كتاب لمحمد بن الحسين البرجلاني : ( مواعظ رهبـان وذكــر فعالــهم وأخبار صدق عن نفـوس كوافر مواعظ تشـــفينا فنحن نحــوزها وإن كانت الأنباء عـن كل كـــافر مواعظ بر تـورث النفس عــبرة وتـتركها ولهاء حـــول المقــابر مواعظ أنَّى تسأم النفس ذكـرها تهيج أحزانا من القـلب ثـــــائر ) .
ومثل ذلك ما نقله أبو طالب المكي عن عيسى عليه السلام أنه قال : ( المحب لله يحب النصب . وروى عنه أنه مر على طائفة من العباد قد احترقوا من العبادة كأنهم الشنان البالية , فقال : ما أنتم ؟ فقالوا : نحن عباد . قال : لأي شيء تعبدتم ؟ قالوا : خوفنا الله من النار فخفنا منها , فقال : حق على الله أن يؤمنكم ما خفتم . ثم جاوزهم فمر بآخرين أشد عبادة منهم , فقال : لأي شيء تعبدتم ؟ قالوا : شوقنا الله إلى الجنان وما أعد فيها لأوليائه , فنحن نرجو ذلك , فقال : حق على الله أن يعطيكم ما رجوتم . ثم جاوزهم , فمر بآخرين يتعبدون , فقال : ما أنتم ؟ قالوا : نحن المحبون لله لم نعبده خوفا من نار , ولا شوقا إلى جنة ولكن حبا له وتعظيما لجلاله , فقال : أنتم أولياء الله حقا , معكم أمرت أن أقيم , فأقام بين أظهرهم وفي لفظ آخر قال للأولين : مخلوقا خفتم , ومخلوقا أحببتم . وقال لهؤلاء : أنتم المقربون ) . ( ويستخلص من هذا أن الصوفية المسلمين لم يجدوا حرجا في الإستماع إلى مواعظ الرهبان وأخبار رياضاتهم الروحية والإستفادة منها , رغم أنها صادرة عن نصارى , ونحن نجد فعلا كثيرا من أخبار رياضات الرهبان وأقوالهم في ثنايا كتب الصوفية وطبقات الصوفية ) . وقبل هذا كتب الدكتور البدوي في هذا الكتاب الذي اقتبسنا منه الأسطر الأخيرة , والذي دافع فيه عن التصوف دفاعا شديدا , وحاول فيه محاولة فاشلة لإثبات أصول التصوف ومصادره في الإسلام , ومن تعاليمه , كتب فيه : ( الاختلاط بين المسلمين والنصارى العرب في الحيرة والكوفة ودمشق ونجران وخصوصا في مضارب القبائل العربية التي انتشرت فيها المسيحية قبل الإسلام وبعده : بنو تغلب , قضاعة , تنوخ , وتتحدث بعض الأحبار عن أن بعض الصوفية المسلمين الأوائل كانوا يستشيرون بعض الرهبان النصارى في أمور الدين : كما يروي عبد الواحد بن زيد , والعتابي , وأبي سليمان الداراني ) .
وهذه هي الأشياء التي جعلت نيلكسون الإنجليزي , وفون كريمر الألماني , وجولد زيهر النمساوي يضطرون إلى أن يقولوا , واللفظ للأول : ( ويجب ألا ننسى في هذا المقام أثر المسيحية في الزهد الإسلامي في العصر المبكر فإن الأمر لم يقتصر على اللباس وعهود الصمت وكثير من آداب طريق الزهد التي يمكن ردها إلى أصل مسيحي , بل إننا نجد في أقدم كتب تراجم الصوفية – إلى جانبي الحكايات العديدة التي تمثل الراهب المسيحي يلقي المواعظ في صومعته أو عموده على زهاد المسلمين السائحين في الصحراء – أدلة قاطعة على أن مذاهب هؤلاء الزهاد كانت إلى حد كبير مستندة إلى تعاليم وتقاليد يهودية ومسيحية . ومن ذلك آيات كثيرة من التوراة والإنجيل مذكورة بين الأقوال المنسوبة إلى أولياء المسلمين , وأن القصص الإنجيلية التي كان يقصها رهبان المسيحيين على طريقتهم الخاصة كان يتلهف على قراءتها المسلمون : مثال ذلك المجموعة المعروفة باسم الإسرائيليات التي يقال إن وهب بن منبه ( المتوفى سنة 628 م ) قد جمعها , وكتاب قصص الأنبياء الذي كتبه الثعالبي ( المتوفى سنة 1036 م ) , وهذا الأخير لا يزال موجوداً ) .
وأما قضية المصطلحات التي روجوها بين الناس , واستعملوها فيما بينهم فلا يشك أحد في كونها أجنبية في الإسلام ولغة الإسلام العربية , ومقتبسة مأخوذة من المسيحية بحروفها وألفاظها , معانيها ومدلولاتها مثل : ( ناموس , رحموت , رهبوت , لا هوت , جبروت , رباني , روحاني , نفساني , جثماني , شعشعاني , وجدانية , فردانية , رهبانية , عبودية , ربوبية , , ألوهية , كيفوية ) .
والجدير بالذكر , ومن الأشياء اللافتة للأنظار أن كل من حاول تبرئة التصوف عن كونه مأخوذا ومقتبسا من الرهبنة المسيحية لم يسعه الإنكار عن كون المسيحية إحدى مصادر التصوف , وأنه استفاد منها , ولو أنهم أصروا مع ذلك كونه إسلاميا بحتا , معارضين مع ما قالوه , ومناقضين مع ما أثبتوه , مقرين عليهم بالتعارض الفكري , والتضارب القولي , وإنكار ما هو ثابت لا يمكن رده ولا إنكاره , فيقول واحد من هؤلاء – ولا حظ الزحزحة الفكرية , والتناقض الشديد , والتعارض الغريب , والعجز الظاهر عن الدفاع , وضعف القوة وقلة الحيلة , مع الإنكار والإقرار في وقت واحد , لاحظ واقرأ واستمع – فيقول أحد الكتاب - وهو دكتور في العلوم – ردا على من يجعل النصرانية إحدى مصادر التصوف :
( لم يقتصر الكلام في المصادر الصوفية على المصدر الفارسي أو الهندي بل ذهب فريق آخر من الباحثين إلى أن ثمة عناصر أخرى روحية يمكن أن ترد أصولها إلى أصول نصرانية . ويؤيد هذا الفريق مذهبه بما كان يوجد من صلات بين العرب والنصارى سواء في الجاهلية أو في الإسلام , وبما يلاحظ من أوجه الشبه الكثيرة بين حياة الزهاد والصوفية وتعاليمهم وفنونهم في الرياضة والخلوة والتعبد . وبين ما يقابل هذا كله في حياة المسيح وأقواله وأحوال الرهبان والقسيسين وطرقهم في العبادة واللباس .
ومن الباحثين والمؤيدين : لهذا الاتجاه ( فون كريمر , وجولدزيهر , ونيكولسون وفلسنك وآسين وبلاسيوس , وأندريه وأوليري . ويرى : ( فون كريمر ) : أن التصوف الإسلامي والأقوال المأثورة عن الصوفية على أنهما ثمرات نمت وترعرعت ونضجت في بلاد العرب تحت تأثير جاهلي , حيث كان كثير من العرب الجاهلين نصارى , وكان كثير من هؤلاء النصارى قسيسين ورهباناً .
وجولد زيهر : يستند إلى ما تقرره النصرانية من إيثار الفقر والفقراء على الغنى والأغنياء , فيزعم أن ما ورد في الحديث النبوي من هذا المعنى مستمد من النصرانية , ويعني هذا أن يترتب عليه أن الفقر والتخشن في الحياة إنما يرجع إلى أصل نصراني , ويضيف عليه نيكولسون أيضاً . ما يصطنعه الصوفية من صمت وذكر فيزعم أنه مأخوذ من النصرانية .
هذا من حيث : أن التصوف زهد وطريقة في العبادة والرياضة واللباس . أما فيما يتعلق بها من حيث هي مذاهب تصور منازع أصحابها الفلسفية واتجاهاتهم الروحية والفلسفية معاً : فإن هناك طائفة من القصص والأقوال التي تروي عن المسيح مما ورد في كتب الصوفية أنفسهم , ويمكن أن يؤخذ على أنه مصدر لبعض المذاهب الصوفية الإسلامية ....
على أننا لا ننكر ولا أحد يستطيع أن ينكر ما يوجد من أوجه الشبه بين حياة الزهاد ولباسهم وبعض تعاليم الصوفية وطرقهم في العبادة ومذاهبهم في الحب الإلهي , وبين حياة الرهبان ولباسهم , وبعض ما اثر عن المسيح وحوارييه من أقوال في المحبة وغيرها من شئون الحياة الروحية .
فإننا لا نستطيع مع ذلك أن نجزم بأن مصدر التصوف والحياة الروحية في الإسلام إنما هو نصراني صرف .
فصحيح أيضا أنه كان ممن مال إلى الرهبنة من العرب من يبني الأديرة – فقد روى عن حنظلة الطائي أنه فارق قومه وتنسك , وبنى ديراً بالقرب من شاطئ الفرات حيث ترهب فيه حتى مات , وكذلك قيل عن قس بن ساعدة كان يتقفر القفار , ولا تكنه دار , يتحسس بعض الطعام , ويأنس بالوحوش والهوام .
وصحيح أنه يروي عن أمية بن أبي الصلت أنه ليس بالمنسوخ تعبداً وأن لكل من قس وأمية نثرا وشعراً وطبعاً بطابع ديني , وأصطبغا بصبغة الزهد في الدنيا والنظر في الكون , وصحيح بعد هذا كله , وفوق هذا كله , أن القسس والرهبان كانوا ينبثون منا وهناك في أسواق العرب ويبشرون ويتحدثون عن العبث والحساب والجنة والنار كما يدل على ذلك كثير من آيات القرآن الكريم التي تتحدث عنهم وتحكي أقوالهم وتفند مذاهبهم .
وتصور إلى أي حد كانت تعاليمهم بين العرب , فهذا كله صحيح لا شبهة فيه ولا غبار عليه ولكن الذي ليس بصحيح هو أن نجعل منه أساساً يبني عليه القول بأن وحدة مصدر التصوف الإسلامي .
ولكن هناك تساءلاً وهو لماذا يقصر الباحثون أنظارهم على حياة المسيح وأقواله والرهبان وأحوالهم حين يحاولون ربط الصوفية بالمصادر النصرانية ولم لا يجوز أن يكون هذا التصوف أيضاً كان مسايرة لطبيعة الحياة العربية الجاهلية . وقد كانت وقتئذ حياة خشنة لا حظ لها من ترف , ولا أثر فيها لنعومة بحيث يمكن أن يقال : إن حياة الزهاد والصوفية في الإسلام إنما هي استمرار لهذه الحياة الخشنة البعيدة عن الزخرف والنعيم , والتي كان يحياها العرب الجاهليون بصفة عامة , والتي تصطبغ عند بعضهم بصبغة الخلوة والانقطاع عن الناس , إلى التفكر والتقرب من الآلهة يلتمسون عندهم الخير والحكمة ؟
بل وما الذي يمنع أيضاً من أن يكون مرجع الحياة الروحية الإسلامية هو مذهب الحياة التي كان يحياها قوم في الجاهلية يعرفون ببني صوفة , الذين انفردوا لخدمة الله عند بيته الحرام ؟
ومع هذا لا أحد ينكر ما للمسيحية والرهبان من تأثير بالغ في الحياة الجاهلية السابقة . وبالإضافة إلى ما نلتقي به في ثنايا بعض النظريات الصوفية في الحب الإلهي ببعض الألفاظ والعبارات والعقائد التي هي من أصل نصراني مثل القول : ( باللاهوت والناسوت ) أو ( حلول اللاهوت في الناسوت ) أي حلول الإله ( اللاهوت ) في المسيح الإنسان ( الناسوت ) أو حلول الأول في الثاني إذا بلغ هذا درجة معينة من الصفاء الروحي .
ومثل القول ( بالكلمة ) التي هي في النصرانية واسطة بين الله والخلق , والتي اصطنعها بعض الصوفية في التعبير عن نظرياتهم في الحقيقة المحمدية , باعتبارها أول مخلوق خلقه الله , أو : أول تعين للذات الإلهية فاضت منه بقية التعيينات الأخرى من روحية ومادية , ولم تظهر هذه العناصر النصرانية وأشباهها إلا بعد أن كان المسلمون قد اختلطوا بالنصارى وأخذوا يحاورونهم ويجادلونهم في العقائد , فكان طبيعيا أن ينتشر بعض هذه العقائد النصرانية , وأن يعمل عمله في البيئة الإسلامية , ويتردد صداه في أقاويل الصوفية ومذاهبهم في الحب الإلهي وفيما يتصل به , من اتحاد بين الرب والعبد , ومن حلول الرب في العبد .
وهذا أمر طبعي ملازم لسنة الحياة وتطورها : إذ لا يمكن وقد تطور التصوف وقد استحال إلى علم له مناهجه ومذاهبه ومنازعه الروحية المصطبغة بصبغة فلسفية , أن يظل الصوفية بمعزل عن هذا الجو الذي امتلأ بالأفكار والعقائد النصرانية وما يدور حولها وجدل بين المسلمين والنصارى دون أن يكون له أثر فيما صدر عنهم من أقوال , وما ذهبوا إليه من مذاهب , لا سيما إذا كانت هذه الأقوال والمذاهب تدور حول مسائل تتصل من قريب أو بعيد بالعقائد ) .
ويقول الدكتور التفتازاني بعد الرد على المستشرقين القائلين بأن كثيرا من أمور التصوف مأخوذة من النصرانية , يقول بعد الرد عليهم : ( ومع هذا لا ننكر تأثر بعض الصوفية المتفلسفين بالمسيحية , على نحو ما نجد عند الحلاج الذي استخدم في تصوفه اصطلاحات مسيحية كالكلمة واللاهوت والناسوت وما إليها , ولكن هذا لم يظهر إلا في وقت متأخر ( أواخر القرن الثالث الهجري ) بعد أن كان زهد الزهاد قد استقر في القرنين : الأول والثاني الهجريين , واصبح دعامة لكل تصوف لاحق .
ولذلك فإن من الإنصاف العلمي القول بأن مذاهب الصوفية في العلم , ورياضاتهم العلمية , ترد إلى مصدر إسلامي , إلا أنه بمرور الوقت وبحكم التقاء الأمم واحتكاك الحضارات , تسرب إليها شيء من المؤثرات المسيحية أو غير المسيحية , فظن بعض المستشرقين خطأ أن الصوفية أخذوا أول ما أخذوا عن المسيحية ) . فهذه هي خلاصة الكلام في ذلك , نكتفي بها ظانين بأنها كافية لجلاء الموضوع , وتنوير الطريق لمن أراد أن يتقدم إليه ويسلك فيه .
المذاهبُ الهنْديــــــّة وَ الفَارســـــــيَّة وأما كون التصوف وتعاليمه وفلسفته , أوراده وأذكاره , وطرق الوصول إلى المعرفة , والمؤدية إلى الفناء , مأخوذة مستقاة من المذاهب الهندية والمانوية , والزرادشتية أيضا فلا ينكرها منكر , ولا يردها أحد , ولا يشك فيها شاك , بل إن كبار الكتاب عن التصوف والباحثين فيه من المستشرقين والمسلمين , وحتى الصوفية أقروا بذلك حيث لم يسعهم إلا الاعتراف بهذه الحقيقة الظاهرة الجلية التي لا يمكن تجاهلها ولا إغفالها البتة .
فإن الأستاذ أبا العلاء العفيفي كتب في ثنايا بحثه عن المشتغلين من المستشرقين في الدراسة عن التصوف : ( وأما ريتشورد هارتمان , وماركس هورتين فنزعتهما واحدة : وهي أن التصوف يستمد أصوله من الفكر الهندي , وإن كان هورتين قد بذل من المجهود في إثبات هذه النظرية ما لم يبذله أي كاتب آخر . فقد كتب في سنتي 1927 , 1928 مقالتين حاول أن يثبت في إحداهما , بعد تحليل تصوف الحلاج والبسطامي والجنيد , أن التصوف الإسلامي في القرن الثالث الهجري كان مشبعا بالأفكار الهندية , وأن الأثر الهندي أظهر ما يكون في حالة الحلاج . وفي المقالة الثانية يؤيد النظرية نفسها عن طريق بحث المصطلحات الصوفية الفارسية بحثا فيلولوجيا , وينتهي إلى أن التصوف الإسلامي هو بعينه مذهب الفيدانتا الهندية .
ويستند هارتمان في إثبات نفس الدعوى إلى النظر في الصوفية أنفسهم وفي مراكز الثقافة القديمة التي كانت منتشرة في بلادهم , لا إلى المصطلحات الصوفية كما فعل هورتن . وقد نشر في مسألة أصل التصوف مقالا هاماً سنة 1916 في مجلةDer Islam وخلاصة بحثه أن التصوف الإسلامي مدين للفلسفة الهندية التي وصلت إليه عن طريق مترا وماني من جهة , وللقبّالة اليهودية والرهبنة المسيحية والغنوصية والأفلاطونية الحديثة من جهة أخرى . وهو يرى أن الذي جمع هذه العناصر كلها ومزجها مزجا تاما في التصوف هو أبو القاسم الجنيد البغدادي ( المتوفى سنة 297 هـ ) , فإليه يجب أن تتجه عناية الباحثين . أما حججه في تأييد الأصل الهندي فهي : أولا : أن معظم أوائل الصوفية من أصل غير عربي كإبراهيم بن أدهم وشقيق البلخي وأبي يزيد البسطامي ويحيى بن معاذ الرازي . ثانيا :أن التصوف ظهر أولا وأنتشر في خراسان .
ثالثا : أن تركستان كانت قبل الإسلام مركز تلاقي الديانات والثقافات الشرقية والغربية , فلما دخل أهلها في الإسلام صبغوه بصبغتهم الصوفية القديمة . وهذا كلام أشبه ما يكون بماذكره كل من ثولك وفون كريمر في هذا الموضوع . رابعا : أن المسلمين أنفسهم يعترفون بوجود الأثر الهندي . خامسا : أن الزهد الإسلامي الأول هندي في نزعته وأساليبه . فالرضا فكرة هندية الأصل , واستعمال الزهاد للمخلاة في سياحتهم , واستعمالهم للسبح , عادتان هنديتان ) .
ثم علق الأستاذ عفيفي على كلام هورتمان بقوله : ( ولكن المسألة أعقد من ذلك بكثير , فقد تبين لي من البحث في تصوف مشايخ خراسان وتصوف مدرسة نيسابور خاصة , أنه وإن كانت له صبغة محلية إلى حد ما , متأثر بتيارات غير محلية وصلت إليه من مراكز التصوف الأخرى في العراق والشام , وأنه كانت لبعض الحركات غير الدينية – كحركة الفتوة التي كانت في بدء أمرها اجتماعية بحتة – شأن كبير في تشكيل بعض تعاليم هؤلاء الصوفية ) .
ثم إن الأستاذ عفيفي في مقاله هذا لم يذكر واحدا من المستشرقين الذين كتبوا عن التصوف إلا وقد ذكروا رأيا يشبه رأي هاتمان , وهورتن .
وقد سبق هؤلاء المستشرقين والقائلين بهذا الرأي من الباحثين , سبقهم جميعا البيروني , حيث قارن بين العقائد الهندية والعقائد الصوفية في كتابه المشهور ( تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة ) .
وأوجه الشبه التي ذكرها البيروني بين العقائد الهندية والعقائد الصوفية هي تتلخص في أمور ثلاثة :
أولا : الأرواح . ثانيا: في طريق الخلاص . ثالثا: الغاء التمايز ومحو الأشارة . هذا والقارئ لأقوال الصوفية , والعارف بأحوالهم ورياضاتهم ومجاهداتهم يلاحظ بنفسه تشابها كبيرا بين هؤلاء وأولئك , وخاصة في تعذيب النفس , وتحمل المشاق , والتجوع , وحبس النفس , وإماتة الشهوات , والهروب من الأهل والأولاد , والجلوس في الخلوات , مراقبة صورة الشيخ , طرق الذكر , وكثير من العادات والتقاليد والرسوم , حيث لا يرى فيها إلا مشابهة تامة بتلك المذاهب وأصحابها , كمالا يرى فيها أي أثر للإسلام وتعاليمه , ولا ثبوت من حاملي رايته , ومتمسكي سبيله , متبعي طريقه .
ولوضع النقاط على الحروف لا نرضى مقولات الناس , بل نورد شهادات داخلية , واعترافات ذاتية , وعبارات ناطقة عن منابعها ومصادرها .
فنبدأ بسيد الطائفة الذي قال فيه أبو العباس عطاء : ( إمامنا في هذا العلم و مرجعنا المقتدى به ) . والذي قيل فيه : ( إن الرجال من هذه الطائفة ثلاثة لا رابع لهم : الجنيد ببغداد . وأبو عبد الله بالشام , وأبو عثمان بنيسابور ) .
ونقل نيكلسون عن الجامي أنه قال : ( أن الجنيد أول من صاغ المعاني الصوفية , وشرحها كتابة , وأنه كان يعلّم التصوف في بيوت خاصة وفي السراديب ) .
ويكفي لبيان مقامه ومكانته عند القوم تلقيبهم إياه بسيد الطائفة , فنبدأ به فيقول : ( ما أخذنا التصوف عن القيل والقال , لكن عن الجوع , وترك الدنيا , وقطع المألوفات والمستحسنات ) .
وسئل أبو يزيد البسطامي :
( بأي شيء وجدت هذه المعرفة ؟
فقال : ببطن جائع وبدن عار ) .
ونقل الطوسي عن يحيى بن معاذ أنه قال : ( لو علمت أن الجوع يباع في السوق ما كان ينبغي لطلاب الآخرة إذا دخلوا السوق أن يشتروا غيره ) .
ونقل النفزي الرندي المتوفى 792 هـ عن حاتم الأصم أنه قال : ( من دخل في مذهبنا هذا فليجعل في نفسه أربع خصال من الموت : موت أحمر , وموت أسود , وموت أبيض , وموت أخضر . فالموت الأبيض الجوع , والموت الأسود احتمال أذى الناس , , والموت الأحمر مخالفة النفس , والموت الأخضر طرح الرقاع بعضها على بعض ) .
والسلمي أيضا نقل عنه أنه قال : ( ما من صباح إلا والشيطان يقول لي : ما تأكل ؟ وما تلبس ؟ وأين تسكن ؟ . فأقول : آكل الموت , وألبس الكفن , وأسكن القبر ) .
والشعراني نقل في طبقاته عن أبي محمد عبد الله الخراز أنه قال : ( الجوع طعام الزاهدين ) .
ونقل الغزالي عن سهل بن عبد الله التستري أنه قال : ( ما صار الإبدال إلا بإخماص البطون , والسهر , والصمت , والخلوة ) . ثم , وروى الغزالي في إحيائه روايات كثيرة مكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم في فضل الجوع .
ومما يجدر ذكره أن المحقق كتب في تعليقاته عن جميع تلك الروايات في فضل الجوع أنه لم يجد لها أصلا .
هذا , ونقل عماد الدين الأموي عن عيسى عليه السلام أنه قال : ( طوبى للجياع العطاش فإنهم هم الذين يرون الله ) .
وقال السهر وردي : ( قد اتفق المشائخ على أن بناء أمرهم على أربعة أشياء : قلة الطعام , وقلة المنام , وقلة الكلام , والاعتزال على الناس ) .
ثم بيّن طريق التدرّب على الجوع , وهي تشبه تماما طريقة يوجا الهندية حذو القذة بالقذة , وطبق النعل , فيقول : ( وقد اتفق مشايخ الصوفية على أن بناء أمرهم على أربعة أشياء : قلة الطعام وقلة المنام وقلة الكلام والاعتزال عن الناس , وقد جعل للجوع وقتان , أحدهما : آخر الأربع والعشرين ساعة فيكون من الرطل لكل ساعتين أوقية بأكلة واحدة يجعلها بعد العشاء الآخرة أو يقسمها أكلتين , كما ذكرنا , والوقت الآخر : على رأس اثنتين وسبعين ساعة , فيكون الطي ليلتين والإفطار في الليلة الثالثة , ويكون لكل يوم ثلث رطل , وبين هذين الوقتين وقت وهو أن يفطر من كل ليلتين ليلة , ويكون لكل يوم وليلة نصف رطل , وهذا ينبغي أن يفعله إذا لم ينتج عليه سآمة وضجراً وقلة انشراح في الذكر والمعاملة , فإذا وجد شيئا من ذلك فليفطر كل ليلة ويأكل الرطل في الوقتين أو في الوقت الواحد , فالنفس إذا أخذت بالإفطار من كل ليلتين ليلة , ثم ردت إلى الإفطار كل ليلة تقنع , وإن سومحت بالإفطار كل ليلة لا تقنع بالرطل وتطلب الإدام والشهوات , وقس على هذا , فهي إن أطمعت طمعت , وإن أقنعت قنعت , وقد كان بعضهم ينقص كل ليلة بقدر نشاف العود , ومنهم من كان ينقص كل ليلة ربع سبع الرغيف حتى يفنى الرغيف في شهر , ومنهم من كان يؤخر الأكل ولا يعمل في تقليل القوت ولكن يعمل في تأخيره بالتدريج حتى تندرج ليلة في ليلة , وقد فعل ذلك طائفة حتى انتهى طيّهم إلى سبعة أيام وعشرة أيام وخمسة عشر يوما إلى الأربعين . وقد قيل لسهل بن عبد الله : هذا الذي يأكل في كل أربعين وأكثر أكله أين يذهب لهب الجوع عنه ؟. قال : يطفئه النور ) .
وكذلك التعري لم يأخذه الصوفية إلا من البوذية والجينية .
وجلّ تماثيل البوذا وصور رجال الديانات الهندوكية كلها ناطقة منبئة عمن أخذها القوم هذه القباحة والوقاحة . حتى إن طائفة من طوائف الجينية تسمى ويجامبرة أي أصحاب الزي السماوي , الذين لم يتخذوا كساء لهم غير السماء , وهم الذين يقولون : ( إن العرفاء الكاملين لا يقتاتون بشيء , وإن من يملك شيئا من متع الدنيا ولو كان ثوبا واحدا يستر به عورته لا ينجو ) .
وإننا لنجد كثيراً من الصوفية , ويسمون المجاذيب , يتجردون عن الثياب البتة , ويمشون في الأسواق , ويجلسون في الخانقاوات كما خلقهم الله .
ولقد ذكر أصحاب الطبقات الصوفية , الكثيرين من هؤلاء . ونورد ههنا واحدا ممن ذكرهم الشعراني ( قطب زمانه وإمام عصره ) في طبقاته , فيقول : ( الشيخ إبراهيم العريان : كان رضي الله عنه إذا دخل بلدا سلّم على أهلها كبارا وصغارا بأسمائهم , حتى كأنه تربى بينهم ( يعني كان يعلم الغيب ) , وكان رضي الله عنه يطلع المنبر ويخطب عريانا ) .
وأما هجر الأهل والأولاد , والخروج إلى الغارات والجبال , والجلوس في البراري والحفرات والسراديب , والمكوث مع الحيات والثعابين فليست منقولة إلا من الديانات الهندية التي عرفت واشتهرت بمثل هذه الأمور .
فلقد أوردنا في أول المقال قصة إبراهيم بن أدهم الصوفي القديم , وتركه للأهل والأولاد , مقارنة بقصة بوذا وحياته , وأنها مطابقة تماما لها .
وهناك أقوال ونصوص كثيرة في هذا المعنى , ذكرنا بعضا منها فيما مرّ , وسنذكر البعض الآخر إن شاء الله في الجزء الثاني من هذا الكتاب .
وإننا ننقل ههنا بعض الآراء والوقائع التي لها علاقة مباشرة ووطيدة بالمذاهب والفلسفات الهندية . فمنها ترك المال والخروج منه, وحتى القوت الذي يحتاج إليه لإبقاء الحياة, ثم التسول أمام الناس , والاستجداء منهم . كما ذكر أبو طالب المكي عن أحد الصوفية أنه دفع إليه كيس فيه مئون دراهم في أول النهار ففرقه كله , ثم سأل قوتا في يده بعد عشاء الآخرة .
وأورد الطوسي مثله عن أبي حفص الحداد أنه كان أكثر من عشرين سنة يعمل كل يوم بدينار وينفقه على الصوفية , ثم يخرج بين العشائين فيتصدق من الأبواب .
والمعروف أن التسول والاستجداء والوقوف على أبواب الناس , وحمل المخلاة والكشكول من لوازم الديانة البوذية , ومن نصائح بوذا الثمانية المشهورة التي نصح بها دراويشه ورهبانه , كما أنه ألزمهم سير البراري , وقطع الصحاري , أو المكوث في الخانقاوات , والانشغال فيها بالذكر .
ولقد أخذت الصوفية هذا النظام بكامله من البوذية , وألزموا أنفسهم به , كأنهم هم الذين نصحهم بوذا بذلك فيقول الطوسي : ( الأكل بالسؤال أجمل من الأكل بالتقوى ) .
وقال : ( كان بعض الصوفية ببغداد لا يكاد يأكل شيئا إلا بِذُلّ السؤال ) .
ويروي الهجويري عن ذي النون المصري أنه قال : ( كان لي رفيق موافق دعاه عز وجل إليه , وأنتقل من محنة الدنيا إلى نعمة العقبى , ورأيته في النوم فقلت له : ما فعل الله بك ؟. قال : غفر لي . قلت : بأي خصلة ؟. قال : أوقفني وقال : يا عبدي , لقد تحملت كثيرا من الذّل والمشقة من السفلة والبخلاء ومددت إليهم يدك , وصبرت في ذلك , وقد غفرت لك بذلك ) .
ونقل السهروردي عن إبراهيم بن أدهم أنه كان معتكفا بجامع البصرة مدة , وكان يفطر في كل ثلاث ليال ليلا , وليلة إفطاره يطلب من الأبواب . كما نقل عن أبي جعفر الحداد وكان أستاذ الجنيد أنه كان يخرج بين العشائين , ويسال من باب أو بابين .
وذكر عن النوري أنه كان يمدّ يده ويسأل الناس .
وذكر النفزي الرندي عن أبي سعيد الخراز أنه كان يمدّ يده ويقول : ( ثمّ شيء لله ) .
وذكر الشعراني أشياء طريفة عن فقراء الزاوية التي بناها يوسف العجمي , الذي قال عنه : هو أول من أحيا طريقة الشيخ الجنيد بمصر بعد إندراسها , يقول الشعراني عن هذا الصوفي وتلاميذه : ( كانت طريقة التجريد , وأن يخرج كل يوم من الزاوية فقيرا يسأل الناس إلى آخر النهار فمهما أتى به يكون قوت الفقراء ذلك النهار كائنا من كان .
وكان الفقراء يأتي أحدهم بالحمار محملا خبزا وبصلا وخيارا وفجلا ولحما , ويوم سيدي يوسف يأتي ببعض كسيرات يابسة يأكلها فقير واحد , فسألوه عن ذلك , فقال : أنتم بشريتكم باقية , وبينكم وبين الناس ارتباط فيعطونكم , وأنا بشريتي فنيت حتى لا تكاد ترى فليس بيني وبين التجّار والسوقة وأبناء الدنيا كبير مجانسة .
وكان صورة سؤاله أن يقف على الحانوت أو الباب ويقول : الله , ويمدّها حتى يغيب , ويكاد يسقط على الأرض , فيقول من لا يعرفه : هذا العجمي راح في الزقزية . وكان رضى الله عنه يغلق باب الزاوية طول النهار لأحد إلا للصلاة . وكان إذا دقّ داق الباب يقول للنقيب : اذهب فانظر من شقوق الباب , فإن كان معه شيء من الفتوح للفقراء فافتح له , وإلا فهي زيارات فشارات ) . فلاحظ ما فيه من الطرائف و الأضحوكات .
وابن عجيبة الحسني ذكر عن التجيبي ابن ليون أنه بين أصل السؤال ومسألة الزنبيل , فيقول : ( كيفيته : أن يتوضأ الرجل ويصلي ركعتين , ويأخذ الزنبيل ( يعني وعاء ) بيده اليمنى , ويخرج إلى السوق ومعه رجل آخر يذكر الله ويذكر الناس , والناس يعطونه في ذلك الزنبيل حتى يجمع ما تيسر من الطعام , ويعبّه بين الفقراء فيأكلون طعاما حلالا بلا تكلف ولا كلفة , هذا ما تيسر لنا في حكم السؤال ) .
وأما من عاش في الصحارى , وتجوّل في البراري فكثيرون جداً , وقد نقل السهروردي عن بشر بن الحارث أنه قال : ( يا معشر القراء , سيحوا تطيبوا ) .
وقال : أو من جملة المقاصد في السفر : رؤية الآثار والعبر , وتسريح النظر في مسارح الفكر , ومطالعة أجزاء الأرض والجبال ومواطئ أقدام الرجال , واستماع التسبيح من ذوات الجمادات , والفهم من لسان حال القطع المتجاورات , فقد تتجدد اليقظة بتجدد ومستودع العبر والآيات , وتتوفر بمطالعة المشاهد والمواقف الشواهد والدلالات . قال الله تعالى : { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ } .
وقد كان السري يقول للصوفية : إذا خرج الشتاء ودخل آذار وأورقت الأشجار طاب الانتشار . ومن جملة المقاصد للسفر : إيثار الخمول وإطراح حظ القبول ) .
وكان قسم منهم يسافر دوما , ولذلك سمو بالسياحيين كما قال الكلاباذي : ( ولكثرة أسفار سمّوا : سياحين , ومن سياحتهم في البراري وإيوائهم إلى الكهوف عند الضرورات سماهم بعض أهل الديار شكفتية . والشكفت بلغتهم الغار والكهف ) .
وقد ذكر أصحاب الطبقات وكتب الصوفية أحوال الكثيرين منهم . فيذكر أحد الصوفية القدامى الهجويري عن أبي عثمان المغربي : ( أنه في بداية حالة أعتزل عشرين سنة في البوادي بحيث لم يكن يسمع آدميا , حتى ذابت بنيته من المشقة , وصارت عيناه كسّم الخياط , وتحول عن صورة الآدميين , وجاءه الأمر بالصحب بعد عشرين عاما , وقيل له : أصحب الخلق . فقال لنفسه : فلأبدأ بصحبة أهل الله ومجاوري بيته , ليكون ذلك أكثر بركة , فقصد مكة , وأطلع المشائخ على مجيئة بقلوبهم , خرجوا لاستقباله , فوجدوه وقد تبدلت صورته , وفي حال لم يكن قد بقي عليه فيها شيء سوى رق الخلقة ) .
وقال أبو طالب المكي : قد كان الخواص لا يقيم في بلد أكثر مت أربعين يوما , ويرى أن ذلك علّة في توكله , فيعمل في إختبار نفسه وكشف حاله . وحدثنا عن بعض الشيوخ قال : ( لبثت في البرية أحد عشر يوما لم أطعم شيئا ) .
كما يقول : ( خرجت طائفة الأبدال إلى الكهوف تخلّيا من أبناء الدنيا ) .
ونقل السهروردي عن إبراهيم الخواص أنه ما كان يقيم في بلد أكثر من أربعين يوما , وكان يرى : إن أقام أكثر من أربعين يوما يفسد عليه توكله , فكان علم الناس ومعرفتهم إياه سببا ومعلوما .
وحكى عنه أنه قال : مكثت في البادية أحد عشر يوما لم آكل , وتطلعت نفسي أن آكل من حشيش البر , فرأيت الخضر مقبلا نحوي فهربت منه , ثم التفت فإذا هو رجع عني , فقيل : لم هربت منه ؟ . قال : تشوفت نفسي أن يغيثني , فهؤلاء الفرارون بدينهم ) .
ونقل الشعراني عن عدي بن مسافر الأموي الذي قال فيه : هو أحد أركان الطريقة وأعلى العلماء بها , والذي نقل فيه عن الشيخ عبد القادر أنه قال : لو كانت النبوة تنال بالمجاهدة لنالها عدي بن مسافر , يقول عنه الشعراني : أنه أقام أول أمره زمانا في المغارات والجبال والصحاري مجردا سائحا يأخذ نفسه بأنواع المجاهدات , وكانت الحيات والهوام والسباع تألفه فيها .
وكذلك ينقل الشعراني عن شيخه أمين الدين أنه قال : ( كان شخص من أرباب الأحوال بناحية شان شلمون بالشرقية جالسا في البرية , وقد حلّق على نفسه بزرب شوك , وعنده داخل هذه الحلقة الحيات والثعالب والثعابين والقطط والذئاب والخرفان والأوز والدجاج ) .
هذا ومثل هذا كثير في كتب الطبقات العربية والفارسية والأردية , وكتب اللغات الأخرى التي ألفت تراجم الصوفية .
وأما الجلوس في الخانقاوات , وملازمة الربط والتكايا والزوايا فهو من لوازم التصوف , فإن الصوفية خصصوا أبوابا مستقلة في كتبهم لبيان فضائل ملازمتها , والمكوث فيها , كما أنهم بيّنوا فيها آداب الخلوة والدخول إليها والمكوث فيها .
كما قال السهروردي : ( إعلم أن تأسيس هذه الربط من زينة هذه الملة الهادية المهدية , ولسكان الربط أحوال تميزوا بها عن غيرهم من الطوائف , وهم على هدى من ربهم ) .
وذكر الصوفي المشهور الكمشخانوي في كتابه ( جامع الأصول في الأولياء ) آداب الخلوة , فيقول : ( للدخول في الخلوة آداب وشروط , منها : 1. أن يستأذن الشيخ في دخول الخلوة . 2. أن يدخل الشيخ الخلوة ويصلي فيها ركعتين قبل دخول المريد . 3. أن يدخلها كما يدخل المسجد مقدّما رجله اليمنى , مبسملا متعوذا . 4. أن تكون الخلوة مظلمة لا يدخلها شعاع الشمس ولا ضوء النهار . 5. أن لا يستند إلى جدار الخلوة . 6. الصوم . 7. أن يعتقد في نفسه أنه إنما يدخل الخلوة لكي يستريح الناس من شره . 8. أن لا يتكلم مع أحد في الخلوة أو خارجها إلا مع شيخه . 9. إذا خرج إلى الصلاة أو الوضوء فليغطِّ رأسه ورقبته بشيء مطرقا إلى الأرض غير ناظر إلى أحد . 10. دوام تخيل صورة شيخه , وهو الرابطة بينه وبين خالقه ... فإنه إذا همّ بمعصية يتمثل له الشيخ فينزجر عن فعلها - إلى آخر الكلام ) .
وأما التشابه بين الذكر الصوفي وذكر الطوائف الهندية فهو كما ذكر القشيري : ( المبتدئ في الأحوال يجب أن يسكن حواسه ولا يتحرك أنفاسه ولا يحرك بدنه , ولا يحرك جزء منه ولا يردد طرفه ولا شيئا , ويكون مراعيا لهمته , ولا يحرك البتة جزء من نفسه ولا من بدنه ولا من باطنه حتى تبدو الأحوال له بعد طول المراعاة .
ثم يجب ألا ينظر إليها ولا إلى ما يبدو له البتة لئلا يحجب عنها , فلا يزال في المزيد منها إن شاء الله تعالى . قال : وهذا الطريق الذي هو طريق الله تعالى لا بدّ فيه من طول المجاهدة ومقاساة ما يحتمله الأسماع والقلوب من الشدائد لو حلّت بها ... وكنت أحيانا في بدو المجاهدة وأحوال الذكر لو استتر مني في السماء لكان الستر على أهون من أن أقوم للأكل , وأتحرك للوضوء والفرض لأنه كان يعيب عني الذكر ) .
وذكر الشعراني عن سيده البدوي أنه لازم الصمت , وما كان يكلم الناس إلا بالإشارة .
وملازمة الصمت من العادات البوذية كما يظهر من تماثيل بوذا .
وكذلك ذكر الشعراني أيضا عن سيده عبد الرحمن المجذوب أنه كان ثلاثة أشهر يتكلم , ثلاثة أشهر يسكت .
وهناك عقيدة بوذية تسمى سمادهي ( SAMADHI ) وهذه آخر درجات الذاكر يفنى فيها ذاته في الذات الإلهي .
يذكر نفس هذا الشيء صوفي مشهور بحرق الحضرمي في رسالته ( ترتيب السلوك ) , فيقول : من لم يتيسر له شيخ , وأراد دخول الخلوة فليقدم الاغتسال , وغسل ثيابه ومصلاه , ويهيئ أسبابه بحيث لا يحتاج إلى الخروج , ويرتب لحوائجه من قوت وغيره ... ثم ليلازم الجوع فيكون صائما مقتصرا على قدر معلوم من الطعام والماء مقتصدا لا يزيد عليه أبدا , وليلازم السهر فلا ينام إلا في وقت معلوم , وليلازم الذكر فيقتصر على ملازمة ذكر واحد .
ينطق بذلك الذكر بعينه بحيث يظن من يسمعه أن معه في خلوته ألف ذاكر لله , ثم يغلب عليه حال الذكر فلا ينظر في الوجود شيئا يقع عليه نظره إلا معلنا بذلك الذكر بعينه بحيث لو كان عنده ألف شخص , كل منهم يذكر بذكر مخالف للآخر لم يسمعهم ينتطقون إلا بذكره الذي غلب عليه , وحينئذ يبقى منتظرا لما يفتح الله به على قلبه من رحمته وعلم غيبه , وأول ما يظهر غالبا أنوار إلهية كأنها البرق الخاطف تلمع بسرعة , ويختفي وهي لذيذة جدا يحصل بوجودها الوجد , وباختفائها الحنين إليها , وبما غشيته أنوارها .
ثم يصير قلبه كالمرآة المجلوه فيكون مقابلا للجناب القدس , فيصير كل شيء كأنه مشاهد للحق سبحانه علما وحالا فانيا عن نفسه , فضلا عن خيرها , فحينئذ يعبد الله كأنه يراه ويشهده .
وأما الفناء في الشيخ فيذكر الشعراني في كتابه ( الأنوار القدسية ) :
( اعمل أيها المريد على أن تتحد بشيخك , فيكون ما عنده من المعارف عندك على حدّ سواء ويكون تميزه عليك إنما هو بالإضافة لا غير , قال : وقد قال لي الشيخ أبو الحسن الشاذلي يوما : يا أبا العباس , ما صحبتك إلا لتكون أنت أنا وأنا أنت ) .
وأما تعذيب النفس , وحبس الدم , والرياضات الشاقة فمنها ما ذكرناها أثناء الوقائع التي سردناها آنفا .
ومن ذلك ما ذكره الشعراني في طبقاته عن البدوي انه :
( كان طول نهاره وليله قائما شاخصا ببصره إلى السماء وقد انقلب سواد عينيه بجمرة تتوقد كالجمر . وكان يمكث الأربعين يوما وأكثر لا يأكل ولا يشرب ولا ينام ) .
ويقول المنوفي , وأبو الهدى الرفاعي أن مكوثه هذا امتدّ إلى اثنتي عشرة سنة حيث يقولان : ( ومكث على السطوح حوالي اثنتي عشرة سنة ) .
ويذكر الطوسي والقشيري والعطار والهجويري والغزالي والشعراني وغيرهم
( أن الشبلي كان يكتحل بالملح ليعتاد السهر ولا يأخذه النوم , وأحيانا كان يحمي الميل فيكتحل به ) .
وينقل القشيري في رسالته ( ترتيب السلوك ) : ( كنت أريد أن لا أنام لئلا أغيب عن الذكر لحظة , فكنت أقعد على حجر ناتئ من جدران بيتنا من الحجر قدر ما أضع عليه قدمي , وتحتي واد , وفوقي شاهق حتى لا يأخذني النوم ) .
وكتب الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر سابقا , وصوفي مشهور , عن أحمد الدردير أنه ردد الذكر ستة أشهر حتى أحرق الذكر جسمه , وأذهب لحمه ودمه حتى صار مجرد الجلد على العظم ) .
وذكر الدريني عبد العزيز الصوفي المتوفى 697هـ عن داود بن أبي هند أنه
( صام أربعين سنة لم يعد الناس عنه ولا أهل بيته , وكان يؤتى بالإناء ناقصاً فيتمه بالدموع ) .
ويذكر الطوسي عن أبي عبد الله الصبيحي أنه : ( لم يخرج ثلاثين سنة من بيت من تحت الأرض ) .
ويذكر فريد الدين العطار عن الصوفي المشهور أبي بكر الشبلي أنه ( كانت في يده قضيب يضرب به فخذه وساقه حتى تبدد لحمه وتناثر ) .
وحكى عبد العزيز الدباغ عن صوفي أنه ( رمى بنفسه في بداية مجاهدته من حلقة داره إلى أسفل تسعين مرة ) .
ويحكي عماد الدين الأموي قصة صوفي هندي دمعت إحدى عينية ولم تبك الأخرى , فقال لعينه التي لم تدمع : ( لأحرمنك النظر إلى الدنيا , وغمض عينه , فلم يفتح عينه أكثر من ستين سنة ) .
وذكر عن صوفي هندي خضر سيوستاني القادري أنه ( كان يسكن في المقابر , ولا يلبس إلا رداء واحدا , وكان يأكل العشب وأوراق الأشجار , كان له تنور يحميه ويتعبد فيه , وكانت حيوانات البادية تجالسه وتأوي إليه , وكان يتعبد في فصل الصيف على حجر حارّ خصّه لنفسه ) .
ويذكر الميرزه محمد أختر الدهلوي عن الصوفي فخر الدين رازي أنه ( كان يسكن ليل نهار في الغابات ) .
وحكى عن صوفي هندي مشهور ميان أمير أنه ( كان يسكن الجبال بعيدا عن الناس ) .
وهناك صوفي مشهور فريد الدين الملقب بكنج شكر فيحكي عنه أنه ( علّق نفسه معكوسة في بئر , ولم يزل على هذه الحال أربعين سنة لم يأكل ولم يشرب شيئا ) .
وصوفي هندي آخر أحمد عبد الحق ( حفر لنفسه قبرا , واشتغل فيه بالعبادة ستة أشهر ) .
وأما حبس الدم فيذكر القشيري : ( المبتدئ في الأحوال يجب أن يسكن حواسه , ولا يتحرك أنفاسه ) . ويذكر الصوفي الهندي الدكتور ظهور حسن شارب أن الصوفي الهندي المشهور ميان مير ( كان يقضي الليل كله في نفس واحدة ) .
ويذكر عن صوفي آخر ملا شاه أنه كان ( يقضي الليل كله في نفسين فقط ) .
وهذا كله عملا بقول الصوفية : ( مقام المريد المجاهدات والمكابدات , وتحمل المشاق , وتجرع المرارات ) .
وأيضا بقولهم : ( إن الصوفية يلزمون أنفسهم بالأغلظ والأشق من أقوال العلماء ) .
هذا ومثل هذه الأمور كثيرة جدا , التي لم تؤخذ ولم تقتبس إلا من الديانات الهندية ولا وجود لها في تعاليم الإسلام , ولم تنقل إلى الصوفية إلا منها .
وقبل أن ننتقل إلى فكرة أخرى نريد أن نبين أمرا آخر , وهو أن الصوفية بمختلف مشاربهم وطرقهم يتباهون بحبهم للجميع , وعدم الاعتراض على مذهب دون مذهب ومسلك دون مسلك . وإنهم لا يفرّقون بين ديانة وديانة , ولا يميّزون بين طائفة وطائفة وجماعة وجماعة , بل يحترمون جميع الآراء والمعتقدات وأصحابها , وقد نقلوا فيها أقوالا عديدة .
مع أنها لا أساس لها في شريعة الإسلام وتعاليمها , حيث أن هذا الأمر أصل من أصول فلسفة اليوجا التي ترى في كل الديانات وفي كل الفلسفات حقا , ولا يعترض على دين وفلسفة مهما اختلفوا وتباعدوا في المشرب والمسلك , ويسع مذهبه لمعتقدات الجميع , ويأبى أن يتقيد بقيود أيّ منها .
والجدير بالذكر أن هناك كتابا ترجم إلى اللغة العربية باسم ( فلسفة راجايوجا ) بطبع عبد الغني أحمد , وترجمة حسن حسين , فيه فصل خاص لمقارنة هذه الفلسفة الهندية بالفلسفة الصوفية و كما أن الكتاب كله يشتمل على الرياضات والمجاهدات وطرق الأوراد والذكر , التي نقلناها آنفا من المتصوفة الكبار وأقطاب هذه الطائفة وأعلامها .
وأما قضية وحدة الوجود والحلول والاتحاد , المقائد التي نادى بها الحلاج وابن عربي وجلال الدين الرومي وغيرهم ممن سلك مسلكهم , ونهج منهجهم . فلم يشك أحد في كونها مأخوذة مقتبسة بتمامها من ( فيدانتا ) الهندية .
ومن قرأ آراء شري شنكر أجاريا في فلسفة ( فدانتا ) عرف جيدا أنها عين ما قاله الحلوليون والاتحاديون وأصحاب وحدة الوجود , وأن ما بيّنه شنكر , وفصّل القول فيه في شرح فلسفة وحدة الوجود أو فيدنتا هي التي توجد في كتب الوجوديون بكلياتها وجزئياتها .
وأكثر من ذلك تعرض تعاليم شنكر أجاريا وتقرأ مكتوباته على من قرأ كتب ابن عربي , وشارحه ابن الفارض , ومفسره في العجم جلال الدين الرومي , لم يستطع التفريق في مقولاتهم ومكتوباتهم , وحتى الأسلوب والمنهج والتعبير وبيان الطرق الموصلة إلى حصول المعرفة والإدراك .
وبذلك اعترف صوفي كبير من شبه القارة الهندية الباكستانية , وكاتب شهير في تعاليم التصوف وتاريخه أن مسلك وحدة الوجود بمعنى أنه لا موجود في الحقيقة إلا الله , وأن وجود الممكنات وهميّ مثل الشعلة التي تظهر بتحريكها سريعة دائرة وهمية , يظنها الناظر دائرة حيث لا يكون لها وجود حقيقة , بل حركة الشعلة بسرعة هي التي أوهمت الناظر بوجودها , فكذلك الكون والممكنات . فهذا مسلك شري شنكر أجاريا , الذي أسسه وأوضحه في شروحه لأوينشد , وأخذ منه هذه الفلسفة من المسلمين ( حضرة الأقداس إمام العرفاء محي الدين ابن عربي , والمعروف بالشيخ الأكبر ) .
كما أنه تأثر بفلسفة حكماء المغرب مثل اسنبوزا , لائبنز , فخته , هيجل , شوين هاور , باذنكويت , وبردليه , كما أن الشهوديين من المسلمين أخذوا فلسفة وحدة الشهود أيضا من العرفاء الهندوكيين . وهذا المسلك مأخوذ من رام نوج أجاريا أحد شراح اوبنشاد الأربعة المعروفين .
فالديانات الهندية هي المصدر الآخر للتصوف الذي راح بين المسلمين , وأختاره طائفة من الناس الذين أرادوا أن يكونوا عرفاء من بين المسلمين , واختاروا نفس المناهج التي وضعها أصحاب الديانات الهندية لحصول ( نروان ) أي المعرفة , وجعلوا غورديسيا ( أي تعذيب النفس ) وجب وكيان دهيان ( أي الصمت والتفكير والذكر ) وسيلة للوصول إليها , وكان هذا ظاهرا جليا واضحا إلى حدّ اضطر المراعون للتصوف , والمداهنون للصوفية , والمدافعون عنهم أن يقرّوا به على ملأ من الناس : ( فالتصوف الإسلامي الحقيقي مبناه على الكتاب والسنة وعلى أحوال الرسول النبي العربي صلى الله عليه وسلم وإن تعرجت مؤخرا تعاليم التصوف وتلونت بعض فروعه ألوانا عدة واتجهت تلك الفروع اتجاهات مختلفة بسبب المذاهب الموروثة للداخلين المحدثين في الإسلام من هنود وفرس وإسرائليين ومسحيين ولا سيما في عصر الترجمة الذي شجع عليه المأمون ومن بعده من الخلفاء العباسيين فترجم المسلمون كتباً كثيرة من التصوف الهندي واليوناني والفارسي وطمعت بعض فروع التصوف الإسلامي الخالص بما دخل عليها من النزعات الأفلاطونية الحديثة أو القديمة وبعض المذاهب الهندية والفارسية في التصوف كنظرية الحلول والاتحاد والتقمص والتناسخ وما إلى ذلك ( ولكل دين تصوفه وطبعا ) .
ومع ذلك ظل التصوف الإسلامي الصميم والذي مصدرة الكتاب والسنة قائما على حاله في صدور رجاله وفي الكتب الإسلامية كتواليف الحسن البصري والقشيري وأبي طالب المكي والسراج والغزالي ) .
( وشذ عن ذلك أمثال الحلاج الذي قال بالحلول والقائل ( أنا الحق وما في الجبة سوى الله ) ومحي الدين القائل ( خضنا بحراً وقف الأنبياء بسالحله ) وبرأه من فكره الحلول قوله بالسكر وغلبة الحال . وأكثر الصوفية الأعاجم خلطوا بين الفلسفة الفارسية القديمة أو الهندية وما قبسوه عن اليونانية والأفلاطونية الحديثة وبين تصوفهم الخاص ) .
وقد تأثر أمثال ببراهمة الهند والغرس في أزيائهم وطقوسهم , واعتنقوا من أفكارهم ) .
ويقول صوفي متقدم لسان الدين بن الخطيب : ( ومن الهنود الذي وضع لهم الحكمة المصلحية , الشلم , والمهندم , والبرهمان , والصولية , والبردة , والزهاد , والعباد , ورجال الرماد , وأصحاب الفطرة , وهم يهجرون اللذات الطبيعية جملة , ويكثرون الجوع والرياضة , عشاق فيما ولّوا وجوههم شطره ) .
وقال الآخر ما خلاصته : ( وشك أن ابن عربي في مدرسة وحدة الوجود وسوابق بذورها في مدرسة الحلاج ولواحقها حتى عبد الكريم الجيلي وما بعده قد تأثر بالمصدر الهندي الذي أنطق مذهب الانبثاق الرواقي والفيوضات والصدور عند الأفلاطونية ) .
وقال ماسينيون : ( ونجد من ناحية أخرى أن بحث المراحل التي أدّت إلى إدخال الذكر في طرق الصوفية المحدثين تدلنا على تسرب بعض طرائف الهنود إلى التصوف الإسلامي ) .
زبمثل ذلك قال أوليري المستشرق الآخر : ( وثمة شبيه هندي للفناء , ولكن ليس في البوذية , وإنما فيما تقول به الفيدانتا من وحدة الوجود ) .
ونيلكسون كذلك , فيقول في إحدى مقالاته وهو يتكلم في الفناء الصوفي : ( أما في شرق فارس حيث ظهرت فكرة الفناء لأول مرة ظهورا واضحا , فلا بدّ أنها كانت متأثرة إلى حد كبير بأفكار هندية وفارسية .
ويدل تعريف الصوفية للفناء من الناحية الخلقية بأنه محو الصفات الذميمة , والتخلق بكل خلق حميد , ووصفهم لوسائل قمع الهوى والشهوات , على وجود أثر للفلسفة البوذية فيهم مما لا يدع مجالا للشك , لأن تعريفهم هذا تمام الاتفاق مع تعريف النرفانا .
أما الفناء في عرف أصحاب وحدة الوجود فربما كان أشد اتصالا بفكرة الفيدانتا وما يماثلها من الأفكار الهندية ... مثال ذلك أن أبا يزيد البسطامي كان من أهل خراسان , وكان جده زرادشتيا وشيخه في التصوف كرديا . ويقال : أنه أخذ عقيدة الفناء الصوفي عن أبي علي السندي الذي علّمه الطريقة الهندية التي يسمونها مراقبة الأنفاس , والتي وصفها هو بأنها عبادة العارف بالله .
وإنك لتلمح نزعة أبي يزيد إلى وحدة الوجود مائلة في الأقوال المعزوة إليه . مثال ذلك ك خرجت من الحق إلى الحق حتى صاحوا مني فيّ ( يا من أنا أنت ) . إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني : سبحاني ما أعظم شأني .
للخلق أحوال , ولا حال للعارف , لأنه محيت رسومه , وفنيت هويته بهوية غيره , وغيبت آثاره بآثار غيره ) .
وقد كرر هذا القول في مواضع كثيرة مختلفة في مقالاته من التصوف والصوفية .
وكتب الدكتور أبو العلاء عفيفي البحاثة المصري الكبير معلقا على إحدى عباراته , ومصدقا كلامه , ما نصه :
( لا شك أن التصوف الإسلامي في ناحيته العلمية كان إلى حد ما على التصوف البوذي . يدل على ذلك ما ذكر الجاحظ في كتاب الحيوان عن رهبان الزنادقة الذين كانوا يخرجون للسياحة أزواجا , ولا يقيمون في مكان واحد أكثر من ليلتين . وكانوا يأخذون أنفسهم بتطهير القلب والعفة والصدق والفقر . ويذكر الجاحظ قصة رجلين منهم دخلا مدينة الأهواز ) .
ويقول جولد زيهر :
( إن نظرية الصوفيين في فناء الشخصية هي التي تقرب وحدها من فكرة الجوهر الذاتي ( اتمان ) , إذا لم تكن تتفق معها تماما , ويطلق الصوفيين على هذه الحالة لفظ الفناء أو المحور و الاستهلاك ) .
وقال أحد الكتّاب : ( أما زيهر فقد ذهب إلى أن الربط بين الفناء والنرفانا دعوى لا تحتاج إلى برهان , معتمدا في ذلك على قول لأبي يزيد جاء فيه : صحبت أبا علي السندي فكنت ألقّنه ما يقيم به فرضا , وكان يعلمني التوحيد والحقائق صرفا .
فالنص – في نظره – لا يفهم منه سوى أن أبا يزيد كان يعلّم السندي الفروض الدينية , باعتباره حديث عهد بالإسلام , مقابل تلقيه عنه علم الحقيقة والفناء , الذي لم يكن على علم به ) .
ونريد أن نثبت ههنا أيضا نص ما ذكره الباحث الإيراني المشهور الدكتور قاسم غني , فيقول : ( إذا كان رأي أولئك الذين يعتقدون أن التصوف وليد المعتقدات البوذية والهندية مبالغا فيه , فينبغي أن يقال في الأقل أن من جملة ما كان له تأثير في التصوف الإسلامي أفكار البوذية والهندية ونزعاتهما وعاداتهما .
والإسلام الذي خرج من حدود الجزيرة العربية بسرعة البرق بعد ظهوره بفترة قصيرة سرعان ما أخذ يتقدم في كل ناحية , ولم تطل المدة حتى بلغ تخوم الصين وفتحت بلاد السند في عهد بني أمية , وتوثقت علاقات تجارية واقتصادية بين المسلمين والشعوب والقبائل التي كانت تختلف من ناحية الفكر والحضارة والأخلاق عن أقوام البلاد الأخرى .
ومنذ القرن الثاني وما بعده وحين بدأ المسلمون بنقل كتب الشعوب الأخرى واتسعت دائرة العلوم , ترجم مقدار من آثار البوذية والهندية مما يدخل في باب التصوف العملي أي الزهد وترك الدنيا ووصف العبادات والتقاليد الهندية والبوذية في هذا الباب , ناهيك بنقل كتب هندية وبوذية في القرن الثاني للهجرة والصلات التجارية والاقتصادية القائمة بين المسلمين والهنود في أوائل الخلافة العباسية وقد انتشرت طائفة من تاركي الدنيا والسائحين من الهنود والمانويين في العراق وسائر البلاد الإسلامية الأخرى وكما كانوا يتحدثون في القرن الأول عن الرهبان والسائحين مع المسيحيين كذلك أخذوا يتحدثون في القرن الثاني عن رهبان وسياح ممن لم يكونوا مسلمين ولا نصارى وهم الذين سماهم الجاحظ ( رهبان الزنادقة ) واعتبرهم من زهاد المانوية .
قال الجاحظ : ( إن هؤلاء سياح والسياحة بالنسبة لهم في حكم التوقف واعتزال الساطرة في الصوامع والأديرة , وتلك الجماعة يسافرون دائما اثنين اثنين ويسيحون بحيث إذا رأى الإنسان واحدا منهم يتيقن أن الثاني ليس ببعيد عنه إلى حد ما , وسيظهر قريبا . ومن عاداتهم أنهم لا ينامون ليلتين في مكان واحد , ولهؤلاء السياح خصال أربع : القدس والطهر والصدق والمسكنة ) .
وهؤلاء السياح تركوا بدورهم أثرا في صوفية المسلمين كما أثر فيهم أيضا السياح والمتجولون والمرتاضون من البوذيين الذين أذاعوا قصة بوذا وقدموه مثالا للزهد والإعراض عن الدنيا , بحيث أن المرتاضين كانوا يعرفونه في كتاباتهم بالمثال الكامل للزهد . وهو الأمير القوي الشكيمة الذي رمى الدنيا ظهريا وحرر نفسه . أو يقولون أنه أسير جدير بالثناء خليق بالاحترام متزييا بزي الفقراء . وهذا الموضوع أوجد قصصا ذات صور مختلفة والنقطة الهامة التي يجب ألا تنسى هي أن الديانة البوذية كانت قد انتشرت في شرق إيران أي بلخ وبخارى وفي ما وراء النهر كذلك قبل الإسلام بأكثر من ألف سنة , وكانت لها صوامع ومعابد مشهورة وكانت معابد بلخ البوذية أكثر شهرة بنوع خاص , وصارت بلخ ونواحيها من أهم المراكز الصوفية في القرون الإسلامية الأولى , وكان صوفيو خراسان يعدون في الرعيل الأول من الصوفية في الشجاعة الفكرية والحرية الشخصية , والعقيدة المعروفة ( بالفناء في الله ) المقتبسة من الأفكار الهندية إلى حد ما والتي انتشرت على الأكثر بواسطة صوفية خراسان . مثل أبي يزيد البسطامي وأبي سعيد الخير ) .
وقبل أن ننتقل إلى فكرة أخرى نريد أن نلفت الأنظار إلى أن معتنقي البوذية والجينية والديانات الهندية الأخرى كان لهم أن يترهبوا , ويتجردوا عن الدنيا وما فيها , ويختاروا العزلة والخلوة , ويتيهوا في المفاوز والخلوات , ويعيشوا في المغارات والخانقاوات , ويعذبوا أنفسهم , ويأتوا بالمجاهدات والرياضات , ويتحملوا المشاق , ويتعمقوا في المراقبات والمكاشفات وغير ذلك من الأمور , لأن قادتهم وزعماءهم , هداتهم ومرشديهم فعلوا مثل ذلك لحصول المعرفة , واكتشاف الحق , والوصول إلى طمأنينة الروح والقلب , والاتصال بالخالق والاتحاد به – حسب زعمهم – تشبها لهم واقتداء بهم , وتمسكا بأسوتهم , واقتفاء آثارهم ومناهجهم .
فعلى المتبعين أن يسلكوا جميع تلك المراحل التي سلكها سادتهم وكبراؤهم , وأن يكابدوا في هذا السبيل تلك الآلام التي تكبدها أولئك .
وكذلك النصارى .
أولا : لأنه نقل عن مسيحهم ما يشجعهم على التبتل والعزلة .
ثانيا : أن حواريي المسيح , وقدّيسي المسيحية الأوائل تحملوا أنواعا من العذاب في سبيل التمسك بمذهبهم , فأوذوا وأجبروا على ترك المساكن والمواطن وعاشوا في الصحارى والمغارات فرارا بدينهم , وحفاظا على إيمانهم , فحبس منهم وقتّل منهم كثيرون , وعذّب الآخرون .
فتأسيا بهم وتقديرا لهم حرموا أنفسهم من ملذات الدنيا ونعيمها , وألزموا عليهم العزبة والجوع والمشاق , وهجروا العيش بين الأهل والأولاد .
وأما المسلمون فلا نبيّهم أمرهم بذلك , ولا أصحابه ورفاقه الأبرار خيرة خلق الله , وأبرار هذه الأمة عملوا به , ودينهم دين الاعتدال والدين الوسط , الناسخ لجميع الشرائع السماوية منها والأرضية , الإلهامية وغير الإلهامية .
{ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } .
والذي كمل قبل انتقال محمد صلى الله عليه وسلم إلى الملأ الأعلى .
{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا }
وما لم يكن فيهما فهو ابتداع وإحداث فيه , وليس منه , ولا له علاقة به .
ولا ندري ممن أخذ متصوفة المسلمين ونساكهم من المسلمين هذا المنهج والمسلك الذي بنوا عليه تصوفهم وزهدهم . اللهم إلا ممن ذكرناهم من المسيحية , وأصحاب الديانات الهندية , وهذه أحوال معتدلي الصوفية ومتقدميهم .
وأما المتطرفون والمتأخرون فقد زادوا على هذين المصدرين مصدرا آخر استقوا منه فلسفتهم ومشربهم , وتشبثوا بآرائه ومقولاته . وهو الأفلاطونية الحديثة .
الأفــلاَطـونيّة الحــَدِيثـَة
ولقد ذكر جمع من الكتّاب والباحثين في التصوف ممن اشتغلوا بالتصوف من المسلمين وغير المسلمين . وقل من شذ عنهم أن الأفلاطونية الحديثة هي أحد المصادر الأساسية للتصوف , بل إنها هي المصدر الأول بالنسبة للقائلين بوحدة الوجود والحلول بدءاً من أبي اليزيد البسطامي , وسهل التستري , والترمذي الملقب بالحكيم , ابن عطاء الله الأسكندري , وابن سبعين , وابن الفارض , والحلاج , ولسان الدين بن الخطيب , وابن عربي , والرومي , والجيلي , والعراقي , والجامي , والسهروردي المقتول , وبايزيد الأنصاري وغيرهم .
وأن هؤلاء أخذوا نظرية الفيض والمحبة والمعرفة والإشراق مع الآراء الأخرى التي تمسكوا بها عن الأفلاطونية المحدثة .
وعبارات الصوفية أنفسهم ناطقة بها وشاهدة عليها ولو أنهم اختلطت عليهم آراء الأفلاطونية الحديثة وآراء أفلاطون وأرسطو وغيرهم من حكماء اليونان الآخرين , حيث نسبوا ذلك إلى هذا , وهذا إلى تلك .
فيقول صوفي معاصر : وأما وحدة الوجود الحلولية التي تجعل من الله كائنا يحل في مخلوقاته أو الاتحادية بالمعنى المفهوم خطا تلك التي تجعل من الكائن الفاني شخصية تتحد بالموجود الدائم الباقي المنزه عن سائر النسب والإضافات والأحياز الزمانية والمكانية المحدثة أو يتحد به شيء منها فإنها مذهب هندي أو مسيحي وليس بإسلامي ولا يعرفه الإسلام , استمده أهل الشذوذ في التصوف الإسلامي من الفلسفة البائدة , وغذوا به مذهبهم الشاذ بفكر أفلاطونية وآراء بوذية وفارسية عن طريق الفارابي وابن سينا , حاله أن المتتبع لحياة الحلاج ومؤلفات السهروردي وابن عربي يرى أنهم تأثروا بالمتفلسفة المسلمين الذين أخذوا عن الفلسفة الأفلاطونية الحديثة والأرسطو طاليسية .
وكتب قبله بقليل : ( فكان يعلن بعضهم أنه اطلع على الغيب وأن في مقدوره الإتيان بخوارق العادات ثم يذهب إلى ما هو أبعد من هذا مثل قولة الحلاج المشهورة : ما في الجبة غير الله – وغيره : أنا الحق وبمثل هذا وذاك ثار على الحلاج معاصروه ورموه بالسحر تارة والجنون أخرى وعذب عذابا أليما إلى أن مات في أوائل القرن الرابع , والله أعلم بحاله وكان من أمثال الحلاج من بالغوا مبالغة قلت أم كثرت كشهاب الدين عمر السهروردي المقتول رئيس جماعة الإشراقيين ومحيي الدين بن عربي الأندلسي . وابن سبعين الصقلي , وهم من رجال القرنين السادس والسابع وتابعهم جماعة من شعراء الفرس أمثال جلال الدين الرومي وفريد الدين العطار وكلهم يرمي إلى أن يقيم التصوف الإسلامي على دعائم فلسفية أو فارسية وهندية أو يونانية ) .
ويقول الدكتور عبد القادر محمود : ( فإذا عدنا إلى تاريخ الاتصالات الأولى نجد أن الثقافة اليونانية كانت هي الثقافة المسيطرة على العقول في الشرق منذ عهد الإسكندر بالإضافة إلى ثقافات الشرق نفسه , حتى إذا أقبل المسلمون على حضارات غيرهم من الأمم القديمة كان إقبالهم على الثقافة الهللينية بمعونة نساطرة الحيرة وبمعاقبة غسّان , والسريان في الشام وغيرها , والصابئة من أتباع زرادشت , واليهود والنصارى . لكن الذي نؤكده أن باب الاتصال المباشر كان الأفلوطينية المحدثة ولو أن المسلمين حسبوها لأرسطو حين اعتقدوا خطأ أن كتاب الربوبية له , وهو في الواقع لأفلوطين الذي عرفوا من ورائه أفلاطون والثقافة اليونانية القديمة .
إننا نلاحظ أن الأستاذ نسلكسون يرى أن الأثر كان في القرن السادس الهجري , ويختلف معه ماسينيون , فيرى على وجه أصح أنه كان في القرن الرابع , والواقع أنه في القرن الثالث , بدليل أن الربوبية ظهرت عربية في الوسط الإسلامي في القرن الثالث الهجري وكان لها أثرها المباشر في نظريات الاتصال الفارابية , ونظريات البسطامي والحلاج . فإذا اعتمدنا على جهد اصطفان بن صُدَّيللي الغنوصي السرياني الذي كان أستاذاً في مجمع ( أريو باجوس ) الذي تخرج منه ديونيسيوس Dionysius الأريوباجي , والذي كان معاصرا ليعقوب السروجي الأديب السرياني المشهور ( ت 521 م ) أقول – إذا عدنا إلى اصطفان بن صُدَّيللي , وجهوده في النصف الثاني من القرن الخامس الميلادي وفي ( الرُّها ) بالذات فإننا نجد من جهوده الخطيرة أنه نقل بعد رحلاته في مصر وغيرها مذاهب وحدة الوجود وعاد ونشرها في ( الرُّها ) و كما اشتغل بشرح الإنجيل , وأنكر أبدية عذاب جهنم , وأكد أن المذنبين سيعودون إلى الجنة بعد تطهير . وكان لهذا أثره في سخط أهل الرّها فطردوه ورموه بالإلحاد , فرحل إلى دير في بيت المقدس , ووجد لآرائه هناك أرضا خصبة , وجمع آراءه , ونسبها إلى ديونيسيوس لشهرته . من هنا لا نجد غرابة مطلقاً في الدوائر الصوفية في الإسلام انتشار مثل هذه الأقوال التي شاعت مع جهم بن صفوان , ثن اندفعت في أفق الفكر الإسلامي , حيث شكلت مذاهب الفيض والإشراق والمعرفة والجذب والحلول والاتحاد ووحدة الشهود ووحدة الوجود , وكل مركبات ( الثيوصوفية ) بتأثير الأمشاج المختلطة مع الغنوص الشرقي القديم . فإذا نظرنا في مذاهب الفيض الأفلوطيني - نجد أن الله والعقل الأول والنفس الكلية والمادة غير المصورة والنفوس الجزئية – كل أولئك عبارة عن مراتب الوجود الأفلوطينية , وهذا ما نجده في مدرسة ابن عربي في الحقيقة المحمدية أول فيض من الذات الإلهية , ثم بقية الفيوضات في جميع الموجودات , وعند ابن الفارض في وحدة الشهودية وفي مذهبه القطبية والحقيقة المحمدية , وعند الإشراقية السهروردية والشيرازية التي تجعل الله نور الأنوار فياضاً بالأنوار القاهرة وهي النفوس والعقول , وبالجواهر الغاسقة الناشئة عن الأنوار , وهي الأجسام , حتى المصطلحات في المثل أو المعاني الأزلية , والحقيقة , وحقيقة الحقائق , والعلة والمعلول , والوحدة والكثرة , وتحقق الذات في الموضوع وشيوع الموضوع في الذات .
كل هذا يعود إلى أصوله الأفلوطينية التي تعود هي الأخرى إلى الغنوص الشرقي والغربي المؤول في الفلسفات اليهودية والمسيحية اللاهوتية . لقد أخذت النظريات الصوفية لدى الصوفية الفلاسفة أو الفلاسفة الخلص لدى المشائية الإسلامية وجوهرها من الأفلوطينية , وخاصة في المعرفة الإشراقية , التي تُلقى إلقاء في النفس عند تَطَهُّرها وتحررها , ويكفينا دليلا التاسوع الخامس لأفلوطين الذي يقول : ( النفس التي لا تضاء بضوئه تظل بغير رؤية ) , فإذا أضيئت فإنها تحتوي على كل ما تنشده فترى الأسمى بالأسمى – ترى الأسمى الذي هو في الوقت نفسه وسيلة الرؤية لأن ما يضيء النفس هو نفسه الذي تريد رؤيته , كما أننا نرى الشمس بضوء الشمس . لقد مارس أفلوطين ( ت 205 م ) هذه التجربة , وأعطى الاتجاه للفارابي وابن سينا , والحلاج والسهروردي , وابن عربي وابن الفارض , وابن سبعين وبقية الركب المشائي أو الصوفي . يقول أفلوطين ( وقد حدث مرات عدة أن ارتفعت خارج جسدي بحيث دخلتُ في نفسي , كنت حينئذ أحيا , وأظفر باتحاد مع الإلهي ) . ( يجب على أن أدخل في نفسي , ومن هنا أستيقظ . وبهذه اليقظة أتحد بالله ) . ( يجب عليَّ أن أحجب عن نفسي النور الخارجي لكي أحيا وحدي في النور الباطن ) ) .
ويقر هذا الأمر الدكتور عبد الرحمن بدوي – ولو أنه يختلف مع الدكتور عبد القادر في طرق وصولها إلى الصوفية – حيث أنه يقول تحت عنوان التأثير اليوناني في التصوف : ( وأهم نص في هذا الباب هو كتاب ( أثولوجيا أرسطو طاليس ) وهو كما نعلم فصول ومقتطفات , منتزعة من التساعات الأفلاطونية , وفيه نظريات الفيض والواحد التي ستلعب دورا خطيرا في التصوف الإسلامي , خصوصا عند السهروردي المقتول وابن عربي , وفيه نظرية ( الكلمة ) أو اللوغوس .
ولا شك في تأثر الصوفية المسلمين ابتداء من القرن الخامس الهجري بما في ( أثولوجيا ) من آراء . وإنما الخلاف هنا هو في هل وصل تأثيره إلى التصوف الإسلامي مباشرة , أو عن طريق كتب الإسماعيلية , وكلها حافلة بالتأثر به .
ويتلوه في الأهمية الكتب المنسوبة إلى هرمس .. وشخصية بارزة التأثير عند السهروردي المقتول , وابن عربي . الأول خصوصا في فكرة الطباع التام , التي تأثر بهل كل الإشراقيين بعد السهروردي , والطباع التام هو ( النوس ) . ويسمى أيضا الروجانية و الطبيعة الكريمة .
ويتصل به ما يرد من علم الصنعة سواء عند الصنوعيين ( الكيماويين ) وعند الصوفية المسلمين .
ومن النصوص المهمة المنسوبة إلى هرمس : رسالة هرمس في معاذلة النفس , التي نشرناها في كتابنا : الأفلاطونية المحدثة عند العرب , فهي مناجيات للنفس وتحليل لها , وتأنيب للنفس الأمارة , ودعوة للنفس من أجل التطهر والتقديس . ومن السهل أن نجد أصداء لها ومشابه في مناجيات الصوفية المسلمين .
ثم إن هناك فصولا منحولة لأفلاطون وسقراط وغيرهما من الفلاسفة اليونانيين معظمها آداب وأقوال .... وكلها تتشابه في بعض آرائها مع الأقوال المنسوبة إلى كبار الصوفية المسلمين في كتب طبقات الصوفية المختلفة ( القشيري , السلمي , الشعراني , الهروي , العطار , الجامي الخ الخ ) .
ولقد أقر الدكتور أبو العلاء العفيفي أيضا بتأثر ابن عربي ومن نهج منهجه في الأمور الكثيرة وفي نظرية الفيض بأفلاطونية المحدثة . وكتب الدكتور التفتازاني كلاما يشبه هؤلاء حيث قال ك ( ونحن لا ننكر الأثر اليوناني على التصوف الإسلامي , فقد وصلت الفلسفة اليونانية عامة , والأفلاطونية المحدثة خاصة , إلى صوفية الإسلام عن طريق الترجمة والنقل , أو الاختلاط مع رهبان النصارى في الرها وحران . وقد خضع المسلمون لسلطان أرسطو , وإن كانوا قد عرفوا فلسفة أرسطو على أنها فلسفة إشراقية , لأن عبد المسيح بن ناعمة الحمصي حينما ترجم الكتاب المعروف بـ ( أثولوجيا أرسطو طاليس ) قدمه إلى المسلمين على أن لأرسطو على حين أنه مقتطفات من تاسوعات أفلوطين .
وليس من شك في أن فلسفة أفلوطين السكندري التي تعتبر أن المعرفة مدركة بالمشاهدة في حال الغيبة عن النفس وعن العالم المحسوس , كان لها أثرها في التصوف الإسلامي فيما نجده من كلام متفلسفي الصوفية عن المعرفة . وكذلك , كان لنظرية أفلوطين السكندري في الفيض وترتيب الموجودات عن الواحد أو الأول . أثرها على الصوفية المتفلسفين من أصحاب الوحدة كالسهروردي المقتول , ومحي الدين بن عربي , وابن الفارض , وعبد الخالق بن سبعين , وعبد الكريم الجيلي , ومن نحا نحوهم .
ونلاحظ بعد ذلك أن أولئك المتفلسفة من الصوفية نتيجة اطلاعهم على الفلسفة اليونانية قد اصطنعوا كثيرا من مصطلحات هذه الفلسفة مثل : الكلمة – العقل الأول - العقل الكلي – العلة والمعلول ز الكلي .... إلخ ) .
وبمثل ذلك قال الدكتور محمد كمال جعفر . والدكتور مصطفى حلمي .
والدكتور زكي مبارك . والدكتور محمد جلال شرف . والدكتور هلال إبراهيم هلال . وأما الدكتور قاسم غني الفارسي فكتب :
( وأن طريق الوصول إلى المبدأ والحصول على التمتع الأبدي هو تطهير النفس السفلية عن طريق التجرد من الشهوات الجسمانية والميول الحسية وممارسة الفضائل الأربع , وهي : العفة , والعدل , والشجاعة , والحكمة . هذه نماذج من آراء الفلسفة الأفلاطونية الحديثة التي وفق المسلمون بينها وبين الشرع الإسلامي . ولهذا الغرض حذفوا منها أشياء وزادوا عليها أشياء وسموها ( حكمة الإشراق ) .
وقد أثر في التصوف والعرفان ذيوع آراء أفلاطون وظهور الفلسفة الأفلاطونية الحديثة بين المسلمين أكثر من أي شيء . وبعبارة أخرى , أحرز التصوف الذي كان إلى ذلك الحين زهدا عمليا أساسا نظريا وعمليا .
وإذا دققنا في آراء الأفلاطونية الحديثة وجدنا أن الصوفي الزاهد الذي غض الطرف عن الدنيا وما فيها بحكم أنها فانية , وتعلق خاطره بما هو خالد . يشعر بلذة الرضا في فلسفة أفلوطين . بل يحصل على منتهى غايته في تلك الآراء , وموضوع وحدة الوجود في الفلسفة الأفلاطونية الحديثة جذب أنظار الصوفية أكثر من أي شيء آخر لأن الذين يؤمنون بهذه العقيدة يرون أن العالم كله مرآة لقدرة الحق تعالى وكل موجود بمثابة مرآة تتجلى ذات الله فيها إلا أن المرايا كلها ظاهرة , والوجود المطلق والموجود الحقيقي هو الله . ينبغي على الإنسان أن يسعى حتى يمزق الحجب ويجعل نفسه محلا لتجلي جمال الحق الكامل ويبلغ السعادة الأبدية .
على السالك أن يطير بجناح العشق نحو الله تعالى ويحرر نفسه من قيد وجوده الذي ليس إلا مظهرا فحسب . وينمحي ويفنى في ذات الله أي الموجود الحقيقي ) .
هذا وبمثل ذلك قال الآخرون من الفرس الذين اشتهروا باشتغالهم في التصوف , مثل الدكتور عبد الحسين زرين كوب . والأستاذ مهدي توحيدي بور . وقبلهم الأردبيلي أحمد بن محمد . وغيرهم الكثيرون الكثيرون .
وأما صوفية الهند وكتاب شبه القارة عن التصوف فأيضا أقروا بتلك الحقيقة الناصعة التي لا يمكن التهرب والأعراض عنها .
فلقد قال البروفيسور يوسف سليم جشتي في كتابه الكبير عن التصوف , بعد ما استعرض آراء الأفلاطونية الحديثة ونظريتها مفصلة , قال :
( إن التصوف لم يقتبس , ولم يؤخذ إلا من المنابع الصافية والمصادر الطاهرة , وعلى رأسها الأفلاطونية المحدثة , وتبني الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي نفس الأفكار التي نشرها أفلوطين الأسكندري , المبنية على الفكر الفلسفي والمشاهدة الذاتية , والذي بين أن تزكيه النفس لا يمكن إلا بالتبتل عن العلائق الدنيوية والعالم المادي , ولها مراتب ثلاث :
تصفية النفس , وتجلية النفس , وتحلية النفس .
ولا يمكن الوصول إليها إلا بالمراحل الثلاث : أولا : بالفن والآداب , والمراد منها طلب الحقيقة وجمالها . وأن هذين الشيئين أي ( Truth and Beauty ) اسمان لشيء واحد في الحقيقة .
ثانيا : بالعشق . ثالثا : بالحكمة .
وأهم الأشياء في فلسفة أن طريق تهذيب النفس وتكميل الروح ليس ببرهاني ولا عقلي , بل هو وجداني وكشفي , كما أن فلسفته في الإلهيات تدور على وحدة الوجود , وهذا عين ما كان يؤمن به الشيخ الأكبر ابن عربي وغيره , كما أومن به أنا أيضا ) .
وبمثل ذلك قال الآخر : ولا يبعد أن التصوف الإسلامي قد تأثر إلى حد كبير بالفلسفة اليونانية والتصوف الهندي والأديان الأخرى المجاورة للعرب كالمسيحية في الشام واليهودية في اليمن والزرادشتية في العراق وبلاد الفرس وغيرها إذ تم الاختلاط بين العرب وبين معتنقي هذه الديانات في القرن الثاني والثالث الهجري , وترجمت الفلسفة اليونانية كما ترجمت الثقافات الأخرى التي كانت موجودة عند أهل هذه البلاد المفتوحة قبل دخولهم في الدين الإسلامي . لذلك رأى بعض العلماء أن التصوف الإسلامي هو إيجاد الفلسفة اليونانية . بينما قال البعض الآخر : أنه نواة الدين المسيحي , في حين أن فريقا من المحققين يميلون إلى التصوف الإسلامي قد أخذته العرب من الهنود كما أخذت العرب الفلسفة من اليونان إذ كان التصوف شائعا رائجا بين الهنود قبل الإسلام بقرون , ولم يظهر عند العرب في صورة مذهب مستقل إلا بعد فتح البلاد الهندية واختلاطهم بأهل تلك البلاد ) .
فهذه هي عبارات ونصوص الباحثين من المسلمين الذين عرفوا بالبحث والكتابة عن التصوف والصوفية , والأكثر منهم عرفوا بالولاء للصوفية والدفاع عنهم وعن معتقداتهم , والبعض منهم يُعَدّ من الصوفية ويحسب على التصوف .
هذا ولأجل ذلك ذهب معظم المستشرقين إلى أن الأفلاطونية الحديثة من أهم مصادر التصوف , وخاصة للتصوف المتأخر من القرون الأولى , ولقد بحث المستشرق الأنجليزي نيكلسون هذا الأمر في مقالاته عن التصوف بمواضع عديدة , فأرجع نشأته إلى عوامل خارجة عن الإسلام عملت عملها ابتداء من القرن الثالث الهجري . وأهم هذه العوامل وأبرزها في نظره هو الأفلاطونية الحديثة المتأخرة التي كانت شائعة في مصر والشام إلى عهد ذي النون المصري ومعروف الكرخي , ولهذا يتخذ من ذي النون المصري محورا لبحثه في هذه المقالة , فيأتي بكثير من الأسانيد التاريخية عن حياة ذي النون ونشأته , ويستدل بها على أن ذا النون كان على علم بالحكمة اليونانية الشائعة في عصره . ويتتبع حركة الثقافة اليونانية المتأخرة وطرق وصولها إلى المسلمين .
وينتهي إلى أن التصوف في ناحيته النظرية مأخوذة من الأفلاطونية الحديثة موافقا في ذلك رأي ميركس الذي شرح هذه النظرية في كتابه ( التاريخ العام للتصوف ومعالمه ) هيد لبرج سنة 1893 م .
ويقول نيكلسون : ( ولا حاجة بنا إلى الإطناب في الكلام عن انتشار الثقافة الهلينية بين المسلمين في ذلك العصر , فإن كل من له إلمام بتاريخ العرب الأدبي يعلم كيف طغت موجة العلوم اليونانية – وقد بلغت ذروتها آنئذ - على العراق من مراكز ثلاثة : من الأديرة المسيحية في الشام , ومن مدرسة جنديسابور الفارسية في خوزستان , ومن وثني حران أو الصابئة في الجزيرة . وقد نقل إلى العرب كتب لا حصر لعددها في الفلسفة والطب وسائر العلوم اليونانية الأخرى , وعكف على دراستها المسلمون وأتخذوها أساسا قامت عليه اتجاهاتهم الجديدة في البحث , حتى لتكاد العلوم والفلسفة الإسلامية تكون مؤسسة على حكمة اليونان وحدها .
وأبرز شخصية يونانية في الفلسفة الإسلامية هي أرسطو طاليس لا أفلاطون , ولكن العرب استمدوا أول علمهم بفلسفة أرسطو طاليس من شراح الأفلاطونية الحديثة , وكان المذهب الذي غلب عليهم هو مذهب أفلوطين وفور فوريوس وأبرقلس . وليس كتاب ( أثولوجيا أرسطو طاليس ) الذي نقل إلى العربية حوالي 840 م حسب تقدير دتريصي إلا ملخصاً لمذهب الأفلاطونية الحديثة . ومعنى هذا أن الأفكار الأفلاطونية الحديثة قد انتشرت بين المسلمين انتشارا واسعاً ... ولا داعي الآن إلى الاسترسال في هذا الموضوع بأكثر من هذا القدر , ويكفي القول بأن المسلمين قد وجدوا المذهب الأفلاطوني الحديث أينما حلوا وفي أي مكان اتصلوا فيه بالحضارة اليونانية .
وقد كان لمصر والشام دائما الصدارة بين الأمم التي انتشرت فيها الحضارة اليونانية , وهما البلدان اللذان ظهر التصوف فيهما لأول مرة بمعناه الدقيق وتطور كما أسلفنا . والرجل الذي اضطلع بأكبر قسط في تطور هذا النوع من التصوف , هو ذو النون المصري الذي وصف بأنه حكيم كيميائي , أو بأنه – بعبارة أخرى – أحد أولئك الذين نهلوا من منهل الثقافة اليونانية . فإذا أضفنا إلى هذا أن المعاني التي تكلم فيها ذو النون هي _ في جوهرها – المعاني التي نجدها في كتابات يونانية مثل كتابات ديونيسيون ........
وليس عندي من شك في أن المذهب الغنوصي بعد ما أصابه من التغيير والتحوير على أيدي مفكري المسيحية واليهودية , وبعد امتزاجه بالنظريات اليونانية كان من المصادر الهامة التي أخذ عنها رجال التصوف الإسلامي , وأن بين التصوف والغنوصية مواضع اتفاق كثيرة هامة . ولا شك عندي أيضاً في أن دراسة هذه المسألة دراسة دقيقة وافية لما يأتي بأطيب الثمرات , ولكنني على يقين من أننا إذا نظرنا إلى الظروف التاريخية التي أحاطت بنشأة التصوف بمعناه الدقيق , استحال علينا أن نرد أصله إلى عامل هندي أو فارسي , ولزم أن نعتبره وليداً لاتحاد الفكر اليوناني والديانات الشرقية : أو بمعنى أدق وليد اتحاد الفلسفة الأفلاطونية الحديثة والديانة المسيحية والمذهب الغنوصي ) ز
ويقول في مقال آخر : ( ومما يحملنا على الجزم بوجود أثر للفلسفة اليونانية في التصوف الإسلامي أن نظرية المعرفة فيه ظهرت في غربي آسيا ومصر في بلاد تأصلت فيها الثقافة اليونانية أحقابا طويلة , وكان بعض المبرزين في الكلام فيها من أصل غير عربي ) .
وفي مقال آخر صرح بأن التصوف الفلسفي الإلهي هو أثر من آثار النظر اليوناني , ولا يمكن الإنكار من امتزاج الفكر اليوناني والدين الإسلامي في التصوف وخاصة الأفلاطونية المحدثة . وبمثل ذلك قال براون في كتابه 0 تاريخ فارس الأدبي ) , والمستشرق الأوليري في كتابه ( الفكر العربي ومكانته في التاريخ ) .
ومير كس في كتابه .
ويقول ماسينيون المستشرق الفرنساوي : ( وتسربت الفلسفة اليونانية إلى العالم الإسلامي , وأخذ يزداد باطراد منذ أيام الأذرية القرامطة القدامى , والرازي الطبيب إلى عهد ابن سينا , وكان من نتيجة ذلك أن استحدثت في القرن الرابع الهجري مصطلحات ميتافيزيقة أدق من سابقتها يفهم منها أن الروح والنفوس جواهر غير مادية , وأن ثمة معاني عامة وسلسلة من العلل الثانية وغير ذلك , وأن هذه المصطلحات اختلطت بالإلهيات المنحولة لأرسطو , وبمثل أفلاطون , وفيوضات أفلوطين , وقد كان لهذا كله أثر بالغ في تطور التصوف ) .
فهذه هي آراء المستشرقين , تشبه تماما آراء من ذكرناهم قبل ذلك من المسلمين .
وهناك في كتب بعض الصوفية المتقدمين ما يدل على ارتباطهم بالفلسفة اليونانية وأخذهم عنها , وتأثرهم بها , حيث مجدوها وبالغوا في الثناء عليها , وعلى من أوجدها وطرحها ونشرها بين الناس , ولو حصل الخطأ في نسبة بعض الآراء والأفكار إلى البعض دون البعض , وإلى الواحد دون الآخر كما مرت الإشارات إلى ذلك أثناء نقل العبارات السابقة عنهم .
فيقول الجيلي في كتابه ( الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل ) في الجزء الثاني منه ما يدل على حبه العميق لموجدي الفلسفة اليونانية والربط الشديد لموجديها , فيقول :
( ولقد اجتمعت بأفلاطون الذي يعدونه أهل الظاهر كافرا , فرأيته وقد ملأ العالم الغيبي نورا وبهجة , ورأيت له مكانة لم أرها إلا لآحاد من الأولياء , فقلت له : من أنت ؟ قال : قطب الزمان وواحد الأوان , ولكم رأينا من عجائب وغرائب مثل هذا ليس من شرطها أن تفشي , وقد رمزنا لك في هذا الباب أسراراً كثيرة ما كان يسعنا أن نتكلم فيها بغير هذا اللسان , فألق القشر من الخطاب وخذ اللب إن كنت من أولي الألباب ) .
وفي مقام آخر من كتابه كتب أن أرسطو تلميذ أفلاطون لزم خدمة الخضر واستفاد منه علوما جمة , وكان من تلامذته .
وهذا غير ما ذكر من آرائه وآراء أفلاطون وفلسفتهما , والتعلق والتمسك بها ومصطلحاتها التي استعملها واعتنقها وآمن بها .
وبمثل ذلك كتب لسان الدين بن الخطيب في كتابه الصوفي الكبير ( روضة التعريف بالحب الشريف ) حيث يلقب أفلاطون كلما يذكره بمعلم الخير , وأرسطو بحكيم متأله , وسقراط وهرمس وغيرهم من أهل الأنوار .
وحكى عن أرسطو ( خطأ ) أنه حصل له الاتحاد بالذات الإلهية . فيقول نقلا عن أرسطو أنه قال :
( إني ربما خلوت بنفسي كثيراً , وجعلت بدني جانبا , وصرت كأني مجردا بلا بدن , عري من الملابس الطبيعية , فأكون داخلا في ذاتي , خارجا من سائر الأشياء . فأرى في ذاتي من الحسن والسناء , والبهاء والضياء والمحاسن العجيبة , والمناظر الأنيقة , ما أبقى له متعجبا متحيراً باهتاً , فأعلم أني جزء من أجزاء العالم الأعلى الشريف . فلما أيقنت بذلك , رقيت بذهني إلى العلة الإلهية المحيطة بالكل , فصرت كأني موضوع متعلق بها . فأكون فوق العالم كله , فأراني كأني واقف في ذلك الموقف الشريف المقدس الإلهي فأرى هنالك من النور والبهاء , والبهجة والسناء , وملا تقدر الألسن على صفته , ولا الأسماع على نعته , ولا الأوهام أن تحيط به , فإذا استغرقني ذلك النور والبهاء , لم أطق على احتماله , ولا الصبر عليه فارتددت عاجزاً عن النظر إليه , وهبطت من العقل إلى الفكر والروية , فإذا صرت في عالم الفكر والروية , حجبت الفكرة عني ذلك النور والبهاء , وحالت بيني وبينه الأوهام , فأبقى متعجباً كيف انحدرت من ذلك الموضع الشاهق العالي الإلهي , وصرت سفلا في موضع الفكر والضيقة , بعد أن قويت نفسي على التخلف عن بدنها , والرجوع إلى ذاتها , والترقي إلى العالم العقلي , ثم العالم الإلهي , مع العقول فوق العوالم كلها , حتى صارت في موضع البهاء والنور والسناء مجتلية الذي هو علة كل نور وبهاء , وسبب كل دواء وبقاء .
ومن العجب . أني كنت رأيت نفسي ممتلئة نوراً , وهي في البدن كهيئتها , والبدن معها , وهي خارجة عنه , على أني لما أطلت الفكرة , ومحضت الروية , وأجلت الرأي , وصرت كالمتحير المبهوت , تذكرت الفلنطوس , فإنه أمر بالطلب والبحث عن جوهر النفس الشريفة , والحرص على الصعود إلى ذلك العالم الشريف الأعلى . وقال : إنه من حرص على ذلك , وارتقى إلى العالم الأعلى , ولحق بالجواهر الإلهية , والأسباب الكلية , يجزي أحسن الجزاء اضطرارا . فلا ينبغي لأحد أن يفتر عن الطلب والحرص , والجد في الارتقاء إلى ذلك العالم , وإن تعب وكد ونصب , فإن أمامه الراحة التي لا تعب بعدها , في حياة دائمة , وعيشة راضية , ولذات باقية لا يتناهى أمدها , ولا يقطع مددها , مخلوقة للإنسان كلها , والإنسان مخلوق لها , أليس عجزا أن تمر ساعة من عمره في غير ما خلق له من ذلك ؟ أليس من فرط في السعي لذلك ظالما لنفسه , ومهلكا ذاته , وفاعلا بجوهرته النفيسة ما لم يفعل به أعدى عدو له , فيندم حين لا ينفعه الندم ) .
ثم علق عليه بقوله : ( وبيان هذه السعادة : من تعرض له , فقد تعاطى ما لا يستقل به نفس , ولا تطمع فيه قوة ... وسبيل السعادة عندهم الرياضة , وعلاج الأخلاق , حتى يصير شيبها بالخير المحض وهو المبدأ , وتلطيف السر , وأن يصرف عن النفس شواغل الجسم , ويترقى في معارج المحبة والشوق إلى ذلك الكمال بالفكرة , حتى تحس النفس بانجذابها إلى عالمها , وتفيض عليها عجائبه . وقد أخبر هؤلاء الإلهيون عن أنفسهم عن أنفسهم بما ذكرناه آنفا , من أنهم نزعوا جلابيب الجسمانية في هذا العالم , وترقوا إلى العالم العلوي , فأبصروا من نوره ولذاته أموراً مذهلة , ثم عادوا إلى عالم الحس , ورمزوا ذلك في كتبهم , حسبما نقل سقراط الدنان , ومعلم الخير أفلاطون وإمام المشائين أرسطو ) .
وهذه العبارات منثورة مبعثرة في كتب القوم كثيرا , ناطقة عن كنههم وحقيقة مشربهم الذي اختاروه منهجا ومسلكا من التصوف والصوفية كشهادات داخلية واعترافات ذاتية .
وعلى ذلك قال الصوفي المشهور عبد الوهاب الشعراني عن شيخه : ( وكان سيدي أفضل الدين رحمه الله يقول : كثير من كلام الصوفية لا يتمشى ظاهره إلا على قواعد المعتزلة والفلاسفة فالعاقل لا يبادر إلى الإنكار بمجرد عزو الكلام إليهم , بل ينظر ويتأمل في أدلتهم التي استندوا إليها , فما كل ما قاله الفلاسفة والمعتزلة في كتبهم يكون باطلا ) .
وبعد هذه الشهادات والاعترافات لا نرى الاحتياج إلى ذكر عبارات الصوفية , ومقارنتها بآراء الفلاسفة والأفلاطونية المحدثة كي لا يطول بنا الحديث ولو أننا سوف نتكلم في هذا الخصوص ونضطر إلى سرد تلك النصوص في محل آخر من الكتاب عند الاحتياج والضرورة .
فهذه هي مصادر التصوف , التي استقى منها شجرته حتى نمت وازدهرت , فأينعت وأثمرت , ولا يمكن رده إلى مصدر واحد ( فإن أثر المسيحية والأفلاطونية الحديثة والفلسفة البوذية عامل لا سبيل لنا إلى إنكاره في التصوف الإسلامي . وقد كانت هذه المذاهب والفلسفات متغلغلة في الأوساط التي عاش فيها الصوفية , فلم يكن بدّ من أن تترك طابعها في مذاهبهم , ولدينا أدلة كافية توضح أثرها في التصوف ومكانتها منه , ولو أن المادة التي بين أيدينا لا تمكننا من تتبع أثرها بالتفصيل . وبالجملة يمكن القول بأن التصوف في القرن الثالث – شأنه في ذلك شأن التصوف في عصر من عصوره – ظهر نتيجة لعوامل مختلفة أحدثت أثرها في مجتمعه . أعني بهذه العوامل البحوث النظرية في معنى التوحيد الإسلامي , والزهد والتصوف المسيحيين , ومذهب الغنوصية , والفلسفة اليونانية والهندية ) .
وكان هناك مصدر هام له تأثير قوي في تكوين التصوف وتشكيله , وتحوير منهجه وتطويره , وترويج الأفكار الأجنبية البعيدة عن الإسلام وتعاليمه فيه , غير هذه المصادر التي ذكرناها , وهو : التشيع الذي وضع نواته اليهود , وساهمت في تنشئته وتنميته الديانات الفارسية .
ولكن لما لهذا المصدر من أهمية كبيرة وتأثير كبير لتغيير وجهة التصوف ومجراه , وتخليق أفكار غريبة فوق الغرابة التي وجدت فيه من المصادر الأخرى ربما تصطدم بنصوص صريحة للقرآن والسنة لا تحمل التأويل وتقضي على تعاليمها .
ولفارق آخر وهو أن مصادر التصوف الأخرى أخذ منها التصوف أفكارها , واقتبس منها آراءها دون أن يكون لتلك المصادر قصد ورغبة , وهدف وغرض , ولتلقين المتصوفة تعاليمها وفلسفاتها , ونشرها بينهم , غير أن التشيع بثّ أفكاره ودسّ معتقداته , وروجّ نظرياته بين الصوفية عن قصد وعمد لتشويش المسلمين في عقائدهم ومعتقداتهم وتبكيت أهل السنة عن الاعتراض على التشيع وزيغه وضلاله , وإلزامهم السكوت بإبراز طائفة تنتمي إليهم , وتحسب عليهم , وتحمل نفس المعتقدات التي تشتمل عليها هي , وهذا أمر خطير في تاريخ الطوائف والفرق , والملل والنحل .
ولذلك نخصص لبيانه بابا مستقلا ليكون الباحث والقارئ على إطلاع كامل على ما يحتاجه هذا البحث , وتتطلبه هذه القضية .
البَابُ الثالث التــّشَـيُّع وَ التّصَوُّف
إن التشيع أوجده اليهود , وأسسوا أسسه , وأصلوا أصوله , وأرسو قواعده , ووضعوا عقائده ومعتقداته , بواسطة إبنهم البار عبد الله بن سبأ , المتزيّ بزيّ الإسلام , واللابس ثوبه ولباسه , تقية وخداعا , الذي أرسل إلى عاصمة الخلافة الإسلامية أيام الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه من قبل يهود صنعاء اليمن لتقويض دعائم الإسلام , وفناء دولته , ومسخ شريعته السماوية البيضاء , وهدم قوائمها وأركانها , وترويج عقائد اليهودية بين المسلمين , وإيجاد الفرقة والاختلاف بينهم , وإسعار نار الحقد والبغضاء , وفتح باب المطاعن والتلاعن , والسباب والشتائم , بدل الأخوة الصادقة والتوادّ والتعاطف والتراحم : ( إن عبد الله بن سبأ كان يهوديا فأسلم , ووالى عليا عليه السلام , وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصيّ موسى بالغلو , فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله في عليّ مثل ذلك , وكان أول من أشهر القول بفرض إمامة علىّ , وأظهر البراءة من أعدائه , وكاشف مخالفيه , وكفرهم . ومن هنا قال من خالف الشيعة : إن التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية ) .
فاجتمع حوله وتحت لواء التشيع كثر من أبناء اليهودية البغيضة , والفرس المهزومين , والبابليين المكسورين , والموالي المقهورين , والكارهين للعرب حكامهم , والفاتحين بلادهم , والآخذين زمام أمورهم , بعد فشلهم في محاربة الإسلام وجيوشه المظفرة المنصورة وجها لوجه , واندحار قوتهم , وانكسار شوكتهم , فغيّروا أسلوبهم في مزاحمة الإسلام جهرا , فتستّروا بستار الإسلام , ودخلوا في صفوفه , واندمجوا في بيئته , وروّجوا بين المسلمين أفكارا يهودية ومجوسية ونصرانية , وعقائد مدخولة مدسوسة , نقمة على الإسلام والمسلمين , من حلول الإله أو الجزء الإلهي في الخلق , وإجراء النبوة بعد خاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه , ونزول الوحي وإتيان الملائكة , وحصول العصمة , ووجود شخص في كل عصر وزمان به قيام الأرض وثباتها , وعقيدة الوصاية والولاية , والإخفاء والكتمان , والتأويل , و انقسام العلم إلى الظاهر والباطن , وتقسيم الناس إلى العامة والخاصة , وتعطيل الشريعة ومسخها , ومسخ تعاليمها , ورفع التكليف وغير ذلك من الخرافات والترهات مما لا علاقة لها بالإسلام , قريبة ولا بعيدة , ولم يقصد من بثّها ودسها إلا ضرب الإسلام ومحوه من الوجود وتفريق كلمته , وتشتيت قوته , ودرء هيمنته , وخرق هيبته .
فكان هذا هو المقصود من تكوين التشيع وإنشائه , فأدى التشيع في سبيل ذلك خدمات جليلة , وكان أول ضحيته سيدنا الإمام المظلوم عثمان بن عفان الخليفة الراشد الثالث وصهر رسول الله , كما كان أول ثمرته التفرق والتمزق , والتشتت والتحزب في الأمة الإسلامية الواحدة , المتفقة العقائد , المتحدة الآراء والأفكار , فولدت الفرق , ونشأت الطوائف العديدة وبرزت الآراء الجديدة , وراجت بين المسلمين مذاهب لم تكن موجودة ولا معروفة من قبل , وكثير من المذاهب المنحرفة والعقائد الزائفة غذّيت من قبل التشيع , ونمّيت وربّيت , وأمدّت ودعّمت , ولو أنه بعد حين صار هذا الزيغ والضلال من لوازم تلك النحلة , وعلائم تلك الطائفة , حيث أنسى تقادم العهد المصدر الأصلي , والمنبع الحقيقي , والموجد الأول , والمنشئ الأصلي , وكان الهدف من هذا أن تعمّ الفتنة , ويكثر البلوى , وتبعد أمة محمد صلى الله عليه وسلم من محمد عليه الصلاة والسلام وإرشاداته وتوجيهاته , وعن الكتاب الذي أنزل على قلبه الطاهر , وعن أحكامه وضوابطه , وأن تضعف كذلك , ويضعف سلطانها , وينكمش حكمها , سلطتها و اختيارها .
فكان إحدى هذه الفرق والنحل والمشارب والمذاهب , الصوفية والتصوف , كما يظهر لمن درس كتب التاريخ والعقائد والمسالك , وتعمق في منشأ ومولد الطوائف والنحل أن كل فتنة ظهرت في تاريخ الإسلام , وكل ديانة طلعت من العدم إلى الوجود كان رأسها ومديرها , أو منشئها ومدبرها واحد من الشيعة .
وكذلك كان أمر الصوفية . فإن الثلاثة الذين اشتهروا في التاريخ الإسلامي باسم الصوفي ولقبه بادئ ذي بدء كان اثنان منهم من الشيعة أو متهمين بالتشيع , كما أن هؤلاء الثلاثة كلهم كانوا من موطن الشيعة آنذاك , وهو الكوفة .
فأبو هاشم الكوفي الذي فصلنا فيه القول فيما مر لم يرم بالتشيع ولكنه كان من الكوفة الشيعية , ومتهما بالزندقة والدهرية . أما جابر بن حيان فيذكره ماسينيون بقوله : ( وورد لفظ الصوفي لقبا مفردا لأول مرة في التاريخ في النصف الثاني من القرن الثامن الميلادي إذ نعت به جابر بن حيان وهو صاحب كيمياء شيعي من أهل الكوفة , له في الزهد مذهب خاص ) .
وذكره نيكلسون بقوله : ( جابر بن حيان الكيميائي المعروف كان يدعي جابر الصوفي , وأنه تقلد كما تقلد ذو النون المصري علم الباطن الذي يطلق عليه القفطي مذهب المتصوفين من أهل الإسلام ) .
ويذكر المستشرق التشيكوسلاوي بي كراؤس P. KRAUS وم بلسنر M. PLESSNER أن ( جابر بن حيان كان من الشيعة الغلاة , ولعله كان من القرامطة أو الإسماعيلية , وكان يرجح مثل النصيرية سلمان على محمد , كما كان يعتقد مثل الغلاة والنصيرية عقيدة تناسخ الأرواح ) .
وهذان المستشرقان ينقلان عن جابر بن حيان نفسه أنه يقول : ( إنه أخذ جميع علومه عن جعفر الصادق معدن الحكمة , وأنه ليس إلا الناقل المحض والمرتب ) .
وبمثل ذلك قال هولميارد الإنجليزي الذي نشر عديدا من كتب جابر بن حيان . وأما الشيعة فيعدونه من أعيانهم . فلقد كتب السيد محسن الأمين الشيعي المشهور في ترجمته أكثر من ثلاثين صفحة في كتابه ( أعيان الشيعة ) فيقول : ( أبو عبد الله , ويقال : أبو موسى جابر بن حيان بن عبد الله الطرطوسي الكوفي المعروف بالصوفي .... كان حكيما رياضيا فيلسوفا عالما بالنجوم طبيبا منطقيا رصديا مؤلفا مكثرا في جميع هذه العلوم وغيرها : كالزهد والمواعظ , من أصحاب الإمام جعفر الصادق عليه السلام , وأحد أبوابه , ومن كبار الشيعة , ومايأتي عند تعداد مؤلفاته يدل على أنه كان من عجائب الدنيا ونوادر الدهر , وأن عالما يؤلف ما يزيد على 3900 كتاب في علوم جهلها عقلية وفلسفية لهو حقا من عجائب الكون , فبينا هو فيلسوف حكيم ومؤلف مكثر في الحيل والنرنجيات والعزائم ومؤلف في الصنائع وآلات الحرب , إذا هو زاهد واعظ مؤلف كتبا في الزهد والمواعظ ) .
ثم نقل عن عديد من الشيعة أنهم ذكروا في كتبهم الرجالية , وعدّوه من تلامذة جعفر بن الباقر , ثم قال : ( يستفاد مما سلف أمور , وهي : تشيعه , وعلمه بصناعة الكيمياء , وتصوفه , وفلسفته , وتلمذته على الصادق عليه السلام , واشتهاره عند أكابر العلماء , واشتهار كتبه بينهم اشتهارا لا مزيد عليه ) .
ثم كتب تحت عنوان ( أما تشيعه ) : ( فيدل عليه عدّ ابن طاوس له في منجمي الشيعة , ورواية ابني بسطام عنه عن الصادق عليه السلام , وروايته خمسمائة رسالة للصادق عليه السلام كما ذكره اليافعي , ونقل ابن النديم عن الشيعة أنه من كبارهم وأحد الأبواب , وأنه إنما كان يعني بسيده جعفر هو الصادق , لا جعفر البرمكي , ولا ينافيه زعم الفلاسفة أنه منهم , فإنه لا تنافي بين كونه فيلسوفا وشيعيا , إذ المراد الفلسفة الإسلامية , لا فلسفة الحكماء القدماء التي قد تنافي الشريعة , وقول ابن النديم : أن له كتبا في مذاهب الشيعة كما تقدم ذلك كله ) .
ونقل أيضا عن الدكتور أحمد فؤاد الأهواني أن ( والد جابر بن حيان قتل في خراسان لاتهامه بالتشيع ) .
ونضيف إلى ذلك أن الرجالي الشيعي المشهور الطهراني أيضا عده من رجال الشيعة حيث ذكر في موسوعته كتابين له : ( كتاب الرحمة الصغير , وكتاب الرحمة الكبير لجابر بن حيان الصوفي الطوسي الكوفي المتوفى سنة مائتين من الهجرة ) .
وأما من متقدمي الشيعة فيذكره ابن النديم بقوله : ( وهو أبو عبد الله جابر بن حيان بن عبد الله الكوفي المعروف بالصوفي , واختلف الناس في أمره . فقالت الشيعة : أنه كان من كبارهم وأحد الأبواب , وزعموا أنه كان صاحب جعفر الصادق رضي الله عنه , وكان من أهل الكوفة .
وزعم قوم من الفلاسفة أنه كان منهم , وله في المنطق والفلسفة مصنفات . وزعم أهل صناعة الذهب والفضة أن الرياسة انتهت إليه في عصره , وأن أمره كان مكتوم . وزعموا أنه كان يتنقل في البلدان لا يستقر به بلد خوفا من السلطان على نفسه .
وقيل : إنه كان في جملة البرامكة ومنقطعا إليها , ومتحققا بجعفر بن يحيى . فمن زعم هذا قال : أنه عنى بسيده جعفر هو البرمكي . وقالت الشيعة : إنما عنى جعفر الصادق ) .
ثم أصدر رأيه في معتقداته بقوله : ( ولهذا الرجل كتب في مذاهب الشيعة ) .
ونقل عنه أنه (كان تلميذا لجعفر بن محمد الباقر , أو عبده ) .
ومما يدل على تشيعه وكونه من الحلوليين والمغالين في التشيع ما نقله في رسائله التي تنسب إليه أنه قال : ( بعد ما سمعت كلام الصادق في الكيمياء والطلسم فخررت ساجدا , فقال ( أي جعفر ) : لو كان سجودك لي وحدك لكنت من الفائزين , قد سجد لي آبائك الأولون , وسجودك لي سجودك لنفسك ) . وأما كونه تلميذا لجعفر فيقره الحاج خليفة في ( كشف الظنون ) , وابن خلكان في وفياته . وغيرهمـــــا . ولقد فات الدكتور الشيبي عندما أنكر على جابر بن حيان التصوف حيث قال : ( أن صلة جابر بالتصوف اسمية لأنه لم يكن صاحب مجاهدة أو خوف , أو نطاقا بأقوال زهدية , وإنما نقل عنه اشتغاله بالكيمياء ) .
قد فاته ما ذكره ابن النديم في فهرسته نقلا عن جابر بن حيان نفسه أنه قال : ( ألفت كتبا في الزهد والمواعظ ) .
وكذلك ما نقله هو نفسه عن ( أخبار الحكماء ) أن ( جابر بن حيان كان مشرفا على كثير من علوم الفلسفة ومتقلدا للعلم المعروف بعلم الباطن , وهو مذهب المتصوفين من أهل الإسلام , كالحارث المحاسبي , وسهل بن عبد الله التستري ونظرائهم ) .
وكذلك ما نقله فيليب حتى حيث قال : ( أنه ادعى مذهبا خاصا في الزهد ) .
فهذا هو أول الثلاثة الذين لقبوا بالصوفية , والذي توفي بين 160 إلى 200 هجرية على اختلاف في الأقوال .
عَبْـــــــــــــــــــــدك و أما الثاني فهو عبد الله الصوفي فأيضا ذكره كل من المستشرق ماسينيون والباحث الإيراني الشيعي الدكتور قاسم غني , والشيعي العراقي دكتور مصطفى الشيبي وغيرهم , شاهدين بأنه كان شيعيا مغاليا .
فيقول ما سينيون : ( أما صيغة الجمع ( الصوفية ) التي ظهرت عام 199هـ ( 814 م ) في خبر فتنة قامت بالإسكندرية فكانت تدل – قرابة ذلك العهد فيما يراه المحاسبي والجاحظ – على مذهب من مذاهب التصوف الإسلامي يكون شيعيا نشأ في الكوفة , وكان عبدك الصوفي آخر أئمته , وهو من القائلين بأن الإمامة بالتعيين , وكان لا يأكل اللحم , وتوفي ببغداد حوالي عام 210هـ ( 825 م) .
وإذن فكلمة ( صوفي ) كانت أول أمرها مقصورة على الكوفة ) .
وكتب دكتور ( قاسم غني ) عنه : ( كان رجلا معتزلا الناس , زاهدا , وكان أول من لقب بلقب الصوفي – وأضاف الدكتور قاسم غني : وهذا اللفظ كان يطلق في تلك الأيام على بعض زهاد الشريعة من الكوفيين , وقد أطلقت هذه الكلمة أيضا في سنة 199هـ على بعض الناس مثل ثوار الإسكندرية , ولأن عبدك كان لا يأكل اللحم , عده بعض المعاصرين من الزنادقة . وكذلك يقول ماسينيون : لم يكن السالكون في القرون الأولى يعرفون باسم الصوفية , وقد عرف الصوفي في القرن الثالث , وأول من اشتهر في بغداد بهذا الاسم هو عبدك الصوفي الذي كان من كبار شيوخهم وأقطابهم , وهو سابق على بشر بن الحارث الحافي المتوفى سنة مائتين وسبع وعشرين , وأيضا قبل السري السقطي المتوفى في سنة مائتين وخمس وعشرين .
وبناء على ذلك نالت كلمة الصوفي شهرة في بادئ الأمر في الكوفة , ثم أصبحت أهميتها كبيرة بعد نصف قرن في بغداد , وصار المقصود من كلمة الصوفية جماعة عرفاء العراق بازاء جماعة الملامتية الذين كانوا من عرفاء خراسان , وتجاوز الإطلاق حده منذ القرن الرابع وما بعده . وأصبح المقصود من إطلاق كلمة الصوفية , جميع عرفاء المسلمين . وارتداء الصوف أي الجبة البيضاء الصوفية الذي كان حوالي أواخر القرن الأول من عادة الخوارج والمسيحيين ) .
هذا ونقل الشيبي عن السمعاني أنه قال : ( إن اسم عبدك هو عبد الكريم , وأن حفيده محمد بن علي بن عبدك الشيعي كان مقدم الشيعة ) . ثم قال : ( وهكذا يبدو عبدك جامعا لاتجاهات عديدة مختلفة نابعة من التشيع , الممتزجة بالزهد المتأثر بظروف الكوفة التي انتقل منها كثير من سكانها إلى بغداد , بعد أن صارت عاصمة للدولة الجديدة , والمهم في شأن عبدك أنه أول كوفي يطلق عليه اسم صوفي بعد انتقاله إلى بغداد ... وقد رأينا أن لبس الصوف قد نبع من بيئة الكوفة التي عرفت بتمسكها بالتشيع ومعارضتها وحربها بالسيف أو بالقول أو بالقلب لمن نكل بالأئمة العلويين , وذلك – إذا صح – يقطع بأن التصوف في أصوله الأولى كان متصلا بالتشيع ) .
هذا ولقد ذكره أيضا من المتقدمين الملطي بقوله : ( إن عبدك كان رأس فرقة من الزنادقة الذين زعموا أن الدنيا كلها حرام محرم لا يحل الأخذ منها إلا القوت من حيث ذهب أئمة العدل , ولا تحل الدنيا إلا بإمام عادل وإلا فهي حرام , ومعاملة أهلها حرام , فحل لك أن تأخذ القوت من الحرام من حيث كان ) .
فهذا هو الرجل الثاني الذي لقب بلقب الصوفي بداية الأمر .
وأما الثالث فلقد ذكرناه فيما مر , وهو كوفي أيضا , ولكنه من العجائب فهو وإن لم يكن متهما بالتشيع متهم بالزندقة والدهرية كما ذكر الحاج معصوم علي : كان يلبس لباسا طويلا من الصوف كفعل الرهبان , ويرى أنه كان يقول بالحلول والإتحاد مثل النصارى , غير أن النصارى أضافوا الحلول والاتحاد إلى عيسى عليه السلام وأضافهما هو إلى نفسه , وكان مترددا بين هاتين الدعوتين , ولم يعلم على أيهما استقر في النهاية – ونقل عن كتاب أصول الديانات أنه - : كان أمويا وجبريا في الظاهر وباطنيا ودهريا في الباطن , وكان مراده من وضع هذا المذهب أن يثير الاضطراب في الإسلام ) .
ومن الغرائب أن شخصا آخر وهو ذو النون المصري الذي يقال عنه : ( أنه أول من عرف التوحيد بالمعنى الصوفي ) .
وهو : ( رأس هذه الطائفة , فالكل قد أخذ عنه وأنتسب إليه , وقد كان المشائخ قبله ولكنه أول من فسر الإرشادات الصوفية وتكلم في هذا الطريق ) . وأنه : ( هو أول من تكلم في بلده في ترتيب الأحوال ومقامات أهل الولاية ) . كما أثر عنه بأنه ( أول من وضع تعريفات للوجد والسماع ) .
وعلى ذلك قال بحق , الكاتب الإنجليزي المشهور عن الصوفية : ( هو أحق رجال الصوفية على الإطلاق بأن يطلق عليه اسم واضع التصوف , وقد اعترف له بالفضل في هذا الميدان كتّاب التراجم المؤرخون من المسلمين ) .
فهذا هو الشخص الآخر من واضعي التصوف , وكان أيضا متهما بالزندقة والاشتغال بالسحر والطلسمات كما نقل الإمام الذهبي عن يوسف بن أحمد البغدادي أنه قال : ( كان أهل ناحيته يسمونه بالزنديق ) .
ونقل أيضا عن السلمي أنه قال :
( ذو النون أول من تكلم ببلدته في ترتيب الأحوال , ومقامات الأولياء , فأنكر عليه عبد الله بن عبد الحكم , وهجره علماء مصر . وشاع أنه أحدث علما لم يتكلم فيه السلف , وهجروه حتى رموه بالزندقة . فقال أخوه : أنهم يقولون : إنك زنديق . فقال :
ومالي سوى الإطراق والصمت حيلة ووضعي كفى تحت خدي وتذكاري ) . وقال الإمام الذهبي : ( وقل ما روى الحديث ولا كان يتقنه , وقال الدارقطني : روى عن مالك أحاديث فيها نظر ) .
والصوفي المشهور فريد الدين العطار يكتب في ترجمته أنه ( كان من الملامتية لأنه أخفى تقواه بظهوره في الناس بالاستخفاف بأمور الشرع , ولذلك عده المصريون زنديقا , ولو أنهم اعترفوا له بالولاية بعد موته ) .
وقد ذكره ابن النديم من الملمين بعلم الكيمياء , والعارفين به والكاتبين فيه .
ويذكره القفطي بقوله : ( ذو النون بن إبراهيم الإخميمي المصري , من طبقة جابر بن حيان في انتحال صناعة الكيمياء , وتقلد علم الباطن والإشراف على كثير من علوم الفلسفة . وكان كثير الملازمة لبر با بلدة إخميم , فإنها بيت من بيوت الحكمة القديمة , وفيها التصاوير العجيبة والمثالات الغريبة التي تزيد المؤمن إيمانا , والكافر طغيانا . ويقال : أنه فتح عليه علم ما فيها بطريق الولاية . وكانت له كرامات ) .
وكذلك المسعودي يذكر أنه ( جمع معلوماته عن ذي النون من أهل إخميم عندما زار هذا البلد . وهو يروي عنهم أن أبا الفيض ذا النون المصري الإخميمي الزاهد كان حكيما سلك طريقا خاصا , وأتخذ في الدين سيرة خاصة , وكان من المعنيين بحل رموز البرابي في إخميم , كثير التطواف بها . وأنه وفق إلى حل كثير من الصور والنقوش المرسومة عليها , ثم يذكر المسعودي ترجمة لطائفة من هذه النقوش التي ادعى ذو النون أنه قرأها وحلها ) .
ثم وبعد ذكر هذه العبارات كتب نيكلسون ما خلاصته : ( أن ذا النون كان كثير العكوف على دراسة النقوش البصرية المكتوبة على المعابد وحل رموزها , كما كانت مصر القديمة في نظر المسلمين مهد علوم الكيمياء والسحر وعلوم الأسرار , وكان هو من أصحاب الكيمياء والسحر مع أن الإسلام حرم السحر , ولذلك ستره بلباس الكرامات , ومن هنا بدا تأثير السحر في التصوف , ويؤيد ذلك استخدام ذي النون الأدعية السحرية واستعماله البخور لذلك كما ذكره القشيري في رسالته ) .
فهذا هو الرجل الآخر من الثلاثة الأول الذين يقال عنهم بأنهم أول من لقبوا بهذا اللقب , ووصفوا بهذا الوصف , وعرفوا بهذا الرسم أو عرّفوا هذا الطريق إلى الناس بادئ ذي بدء .
سَلاَسِلُ التّصَوّف
ومن شواهد تأثر التصوف بالتشيع وعلمائها أن سلاسل التصوف كلها ما عدا النادر القليل منها تنتهي إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه دون سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , وفي طرق إسنادها إلى علي أسماء أئمة الشيعة المعصومين حسب زعمهم من أولاد علي رضي الله عنه دون غيرهم , وأن رؤساء هذه العصابة يذكر لهم اتصال وثيق , وصلات وطيدة مع أئمة القوم كما يذكر في تراجمهم وسيرهم وأحوالهم , إضافة إلى ذلك أن الخرقة الصوفية لا يبدأ ذكرها أيضا إلا من علي رضي الله عنه أيضا .
فإن علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع كونه من سادة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشرافهم , ومن العشرة المبشرين بالجنة , ورابع الأربعة من الخلفاء الراشدين الذين خلفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته لقيادة هذه الأمة وتسيير أمورها ولكنه لم يكن أزهد من أبي بكر الصديق رضي الله عنه , ولا من عمر الفاروق رضي الله عنه ( أبي بكر الصديق السابق بالتصديق الملقب بالعتيق , المؤيد من الله بالتوفيق , صاحب النبي صلى الله عليه وسلم في الحضر والأسفار , ورفيقه الشفيق في جميع الأطوار , وضجيعه بعد الموت في الروضة المحفوفة بالأنوار , المخصوص في الذكر الحكيم بمفخر فاق به كافة الأخيار , وعامة الأبرار , وبقي له شرفه على كرور الأعصار , ولم يسم إلى ذروته همم أولي الأيدي والأبصار , حيث يقول علم الأسرار : ثاني اثنين إذ هما في الغار , إلى غير ذلك من الآيات والآثار , ومشهور النصوص الواردة فيه والأخبار , التي غدت كالشمس في الانتشار , وفضل كل من فاضل , وفاق كل من جادل وناضل , ونزل فيه : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل , توحد الصديق , في الأحوال بالتحقيق , واختار الاختيار من الله دعاه إلى الطريق , فتجرد من الأموال , والأغراض , وانتصب في قيام التوحيد للتهدف والأغراض , صار للمحن هدفا , وللبلاء غرضا , وزهد فيما عزله جوهرا كان أو عرضا ) .
( ومات ولم يترك دينارا ولا درهما ) . ( وكفن في ثوبين مستعملين قديمين ) .
وقال في آخر لحظاته من الحياة موصيا أهله وورثته : ( أما إنّا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم دينارا ولا درهما ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم في بطوننا , ولبسنا من خشن ثيابهم على ظهورنا وليس عندنا من فيء المسلمين قليل ولا كثير إلا هذا العبد الحبشي , وهذا البعير الناضح , وجرد هذه القطيفة , فإذا مت فابعثي بهن إلى عمر وأبرئي منهن . ففعلت . فلما جاء الرسول بكى عمر حتى جعلت دموعه تسيل في الأرض ويقول : رحم الله أبا بكر لقد أتعب من بعده ) .
وعمر الفاروق رضي الله عنه ( ذو المقام الثابت المأنوق , أعلن الله تعالى به دعوة الصادق المصدوق , وفرق به بين الفصل والهزل , وأيد بما قواه به من لوامع الطول , ومهد له من منائح الفضل شواهد التوحيد , وبدد به مواد التنديد , فظهرت الدعوة , ورسخت الكلمة , فجمع الله تعالى بما منحه من الصولة , ما نشأت لهم من الدولة , فعلت بالتوحيد أصواتهم بعد تخافت , وتثبتوا في أحوالهم بعد تهافت , غلب كيد المشركين بما ألزم قلبه من حق اليقين , لا يلتفت إلى كثرتهم وتواطيهم , ولا يكترث لممانعتهم وتعاطيهم , إتكالا , اتكالا على من هو منشئهم وكافيهم , واستنصارا بمن هو قاصمهم وشافيهم , محتملا لما احتمل الرسول , ومصطبرا على المكاره لما يؤمل من الوصول , ومفارقا لمن اختار التنعم والترفيه , ومعانقا لما كلف من التشمر والتوجيه , المخصوص من بين الصحابة بالمعارضة للمبطلين , والموافقة في الأحكام لرب العالمين , السكينة تنطق على لسانه , والحق يجري الحكمة عن بيانه , كان للحق مائلا , وبالحق صائلا , وللأثقال حاملا , ولم يخف دون الله طائلا ) .
و( كان بين كتفيه أربع رقاع , وإزاره مرقوع بأدم , وخطب على المنبر وعليه إزار فيه اثني عشر رقعة , وأنفق في حجته ستة عشر دينارا , وقال لابنه : قد أسرفنا . وكان لا يستظل بشيء غير أنه كان يلقى كساءه على الشجر ويستظل تحته , وليس له خيمة ولا فسطاط ) .
وقال في وصيته التي وصى بها ابنه في آخر لحظة من عمره , وقد استسلف مالا من بيت مال المسلمين : ( بع فيها أموال عمر , فإن وفت وإلا فسل بني عدي , وإن وفت وإلا فسل قريشا و لا تعدهم ) .
وإلى ذلك أشار شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاجه ردّا على الشيعة الذين قالوا : إن عليا كان أزهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : ( أزهد الناس بعد رسول الله الزهد الشرعي أبو بكر وعمر , وذلك أن أبا بكر كان له مال يكسبه فأنفقه مله في سبيل الله ... ولقد تلا أبا بكر عمر في هذا الزهد , وكان فوق علي في ذلك يعني في إعراضه عن المال واللذات .
وأما علي رضي الله عنه فتوسع في هذا المال من حله , ومات عن أربع زوجات وتسعة عشر أم ولداً سوى الخدم , وتوفي عن أربعة وعشرين ولدا من ذكر وأنثى , وترك لهم من العقار والضياع ما كانوا به أغنياء قومهم ومياسيرهم , هذا أمر مشهور لا يقدر على إنكاره من له أقل علم بالأخبار ... فصح بالبرهان الضروري أن أبا بكر رضي الله عنه أزهد من جميع الصحابة رضي الله عنهم , ثم عمر ) .
هذا وكان في أصحاب رسول الله زهاد آخرون ولكن المتصوفة لم ينهوا سلسلة سندهم إلا إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه مثل الشيعة الذين يجعلونه أول إمام لهم . كما نقل الهجويري عن الجنيد أنه قال : ( شيخنا في الأصول والبلاء على المرتضى , أي أن علي بن أبي طالب هو إمام هذه الطريقة في العلم والمعاملة , فأهل الطريقة يطلقون على علم الطريقة اسم الأصول , ويسمون تحمل البلاء فيها بالمعاملات ) .
وهو الذي نقل عنه العطار أنه قال : ( ولقد وهبه الله تعالى من العلم والحكمة والكرامة , وماذا كنا نصنع لو لم ينطق المرتضى بهذا القول على سبيل الكرامة ) . ويقول الطوسي أبو نصر السراج :
( ولأمير المؤمنين علي رضي الله عنه خصوصية من بين جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعاني جليلة , وإشارات لطيفة , وألفاظ مفردة , وعبارة وبيان للتوحيد والمعرفة والإيمان والعلم , وغير ذلك , وخصال شريفة تعلق وتخلق به أهل الحقائق من الصوفية ) . ( وأما علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فذاك مدينة العلم , وأول آخذ لبيعة الطريق – طريق الأولياء – وأول ملقن بالذكر والسر من الرسول صلى الله عليه وسلم ) . لأن جبريل عليه السلام نزل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أولا بالشريعة , فلما تقررت ظواهر الشريعة واستقرت نزل إليه بالحقيقة المقصودة والحكمة المرجوه من أعمال الشريعة وهي الإيمان والإحسان فخص رسول الله صلى الله عليه وسلم بباطن الشريعة بعض أصحابه دون البعض .
وكان أول من أظهر علم القوم وتكلم فيه سيدنا على كرم الله وجهه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) .
فإن عليا رضي الله عنه حسب كلام المتصوفة : ( من أصحاب العلم وممن يعلمون من الله ما لم يعلمه غيره ) .
ولا جبرائيل وميكائيل لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لما لقن علي بن أبي طالب رضي الله عنه , وخلع عليه ذلك صار يقول : عندي من العلم الذي أسرّه إلىّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عند جبريل ولا ميكائيل ) .
وعلى ذلك نقل الطوسي عن الوجيهي أنه قال : سمعت أبا علي الروذباري يقول : سمعت جنيدا رحمه الله يقول : ( رضوان الله على أمير المؤمنين علي , رضي الله عنه , لولا أنه اشتغل بالحروب لأفادنا من علمنا هذا معاني كثيرة , ذاك امرؤ أعطى علم اللّدني , والعلم اللّدني هو العلم الذي خصّ به الخضر عليه السلام , قال تعالى : { وعلمناه من لدنّا علما } ) .
ورسول الله صلى الله عليه وسلم جعله بمنزله هارون من موسى مع الفضل العظيم لأبي بكر ( ولم يشرك الحبيب الرسول المقرب الخليل في مقام الخلّة كما صلح أن يشرك معه في مقام الأخوة عليا كرم الله وجهه فقال : علي مني بمنزلة هارون من موسى ) .
وكان له مقام ومنزلة عند الصوفية إلى أن نقل الشعراني عن أحد المتصوفين أنه قال : ( إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه رفع كما رفع عيسى عليه السلام , وسينزل كما ينزل عيسى عليه السلام – ثم يقول الشعراني : قلت : وبذلك قال سيدي على الخواص رضي الله عنه فسمعته يقول : إن نوحا عليه السلام أبقى من السفينة لوحا على اسم علي بن أبي طالب رضي الله عنه يرفع عليه إلى السماء فلم يزل محفوظا في صيانة القدرة حتى رفع علي بن أبي طالب رضي الله عنه ) .
فهذا هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومكانته , ومنزلته , وشأنه , وقد نقل باحث شيعي عن جلال الدين الرومي الصوفي الفارسي المشهور أنه قال في أبياته ما تدلّ على رؤيتهم إلى علي وعقيدتهم فيه , فيقول :
( مـــــنذ كـــــانت صـــــــــــــورة تركيب العـــالم كان عليّ
مـــــــنذ نقشـــــت الأرض وكـــــان الزمــــــان كان عليّ
ذلك الفاتح الذي انتزع باب خيبر بحملة واحدة كان عليّ
كلــــــــما تأملت في الآفــــــاق ونظــــــــــــرت
أيقــــــــــــــنت بأنـــــــــــه في المــــوجــودات كان عليّ
إن مـــن كــــــان هو الـــوجـــود , ولـــــولاه لســـــــــرى العــدم في العالم الموجود ( إياه ) كان عليّ إن ســـــر العالمـــــين الظاهر والبـــــاطن الـــــذي بدا في شمـــــس تبريـــــــــــز كان عليّ ) .
وهذا الغلو في علي بن أبي طالب رضي الله عنه عندما يقارن بالغلو الشيعي فيه , ليس بأقلّ منه في صورة من الصور .
وإليه تنتسب سلاسل التصوف كلها كما قال محمد معصوم شيرازي الملقب بمعصوم علي شاه : ( ولابد لكل سلسلة من سلاسل التصوف من الأزل إلى الأبد , ومن آدم إلى انقراض الدنيا أن تكون متصلة بسيد العالمين وأمير المؤمنين ) . لأنه ( أزهد الصحابة عند المتصوفة ) . كما هو ( رأس الفتوة وقطبها ) .
فأول وليّ عند المتصوفة هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه , ومنه إنتقل الولاية إلى غيره من الأولياء كما أنه أول إمام عند الشيعة , وتسلسلت منه فورثها غيره , وكذلك الفتوة والقطبية , وهو الذي ألبس خرقته الحسن البصري , وهذه الخرقة التي يلبسها المتصوفة خلفاءهم وورثتهم .
وينصّ على تشيع هذا ابن خلدون في مقدمته حيث يقول عند ذكر الصوفية : ( إنهم لما أسندوا لباس خرقة التصوف ليجعلوه أصلا لطريقتهم وتخيّلهم رفعوه إلى عليّ رضي الله عنه وهو من هذا المعنى أيضا , وإلا فعليّ رضي الله عنه لم يختصّ من بين الصحابة بتخليه ولا طريقة في اللباس ولا الحال , بل كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما أزهد الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثرهم عبادة , ولم يختصّ أحد منهم في الدين بشيء يؤثر عنه في الخصوص , بل كان الصحابة كلهم أسوة في الدين والزهد والمجاهدة , يشهد لذلك من كلام هؤلاء المتصوفة في أمر الفاطمي وما شحنوا كتبهم في ذلك مما ليس لسلف المتصوفة فيه كلام بنفي أو إثبات , وإنما هو مأخوذ من كلام الشيعة والرافضة ومذاهبهم في كتبهم والله يهدي إلى الحق ) .
وهذا إضافة إلى أن هذه الخرقة ونسبتها إلى عليّ , ورواية لبس الحسن البصري كلها باطل , لا أصل له , لأنه ( لم يثبت لقاء الحسن مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه على القول الصحيح , لأن عليا رضي الله عنه انتقل من المدينة إلى الكوفة والحسن صغيرا ) .
وعلى كل فإن الصوفية ينهون سند لبس الخرقة إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه , كما ينهون إليه سلاسلهم . ولا يقتصرون على عليّ بن أبي طالب وحده , بل يقولون مثل ما يقوله الشيعة تماما : ( وثامن الفتيان بعد النبوة والرسالة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه حيث أسلم صبيا , وجاهد في سبيل الله مراهقا , وبوأه الله قطبانية الأولياء رجلا وكهلا . وعنه أخذ الفتوة ابناه الحسن والحسين وهي أعلى مقامات الولاية عد القطبانية التي هي منها والصديقة التي هي كمالها .
ومن دلائل فتوة الحسن رضي الله عنه أن آثر الخلافة الباطنة على الخلافة الظاهرة , وتنازل عن الظاهرة حقنا لدماء المسلمين .
ومن دلائل فتوة الحسين أن الشهيد الأعظم في سبيل الله وفي سبيل الأمانة .
ومن الخصائص التي خصّ الله تعالى بها عليا كرم الله وجهه أنه إذا كان الرسول مدينة العلم فعليّ بابها , وإن كان للفروسية أو الولاية فتيان فهو فتاهما الأول . فعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه أول فتيان هذه الأمة وفتى أوليائها , وحسبه في ذلك أن أراد إفتداء الرسول بنفسه ) .
ويقول أيضا : ( إن علي بن أبي طالب أخذ البيعة الخاصة بطريق الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولقن بها ابنه الحسن , ثم الحسين ) .
وكان الصوفي المشهور أبو العباس المرسي تلميذ الشاذلي يقول : ( طريقنا هذه لا تنسب للمشارقة ولا للمغاربة , بل واحد عن واحد إلى الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه , وهو أول الأقطاب ) .
وقالوا : ( وكان من أوائل أهل طريق الله بعد الصحابة علي بن الحسين زين العابدين , وابنه محمد بن علي الباقر , وابنه جعفر بن محمد الصادق , وذلك بعد علي والحسن والحسين رضي الله عنهم جميعا ) .
ويقول الكلاباذي في الباب الثاني من تعرفة : ( ممن نطق بعلومهم , وعبر عن مواجيدهم , ونشر مقاماتهم , ووصف أحوالهم قولا وفعلا بعد الصحابة رضوان الله عليهم : علي بن الحسين زين العابدين . وابنه محمد الباقر . وابنه جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهم ) .
فانظر الترتيب , وهذا نفس ترتيب الشيعة لأئمتهم , حيث يعدّون الإمام الأول والثاني والثالث عليه وابنه الحسن والحسين , والرابع والخامس و السادس : زين العابدين , ومحمد الباقر , وجعفر بن محمد الباقر . ثم الإمام السابع والثامن عندهم : موسى بن جعفر الملقب بالكاظم , وعلي بن موسى الكاظم الملقب بالرضا , من الأئمة الإثني عشر . وهاهو الشعراني أيضا يعدهم أئمة , واثني عشر أيضا , عندما يذكر من بين الصوفية وأولياء الله موسى بن جعفر , فيقول : ( ومنهم موسى الكاظم رضي الله عنه أحد الأئمة الإثني عشر , وهو موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ... وكان يكنّى بالعبد الصالح لكثرة عبادته واجتهاده وقيامه بالليل , وكان إذا بلغه عن أحد يؤذيه يبعث إليه بالمال ) .
وأما علي بن موسى الرضا فيقولون عنه : ( أن شيخ مشائخ الصوفية معروف الكرخي أسلم على يديه ) .
ويكتب القشيري عنه : ( أبو محفوظ معروف بن فيروز الكرخي كان من المشائخ الكبار , مجاب الدعوة , يستشفى بقبره , يقول البغداديون : قبر معروف ترياق مجرب , وهو من موالي علي بن موسى الرضا رضي الله عنه ) .
وزاد السلمي في طبقاته , والجامي في نفحاته أنه كان من حجبه , فيقول : ( معروف بن فيروز , ويقال : معروف بن علي , ويلقب بالزاهد , وهو من أجلة المشائخ وقدمائهم , والمعروفين بالورع والفتوة . كان أستاذ سري السقطي , وصحب داؤد الطائي . وكان معروف أسلم على يد علي بن موسى الرضا , وكان بعد إسلامه يحجبه , فازدحم الشيعة يوما على باب علي بن موسى , فكسروا أضلع معروف , فمات , ودفن ببغداد , وقبره ظاهر , ويتبرك الناس بزيارته ) .
والجدير بالذكر أن معروف الكرخي أستاذ السري السقطي , وخال وأستاذ لسيد الطائفة جنيد البغدادي , ولذلك( يروي الجنيد عن السري السقطي , وهو عن معروف الكرخي , وهو عن علي بن موسى الرضا , عن أبيه موسى الكاظم , عن أبيه محمد الباقر , عن أبيه زين العابدين , عن أبيه الحسين بن علي بن أبي طالب , عن علي بن أبي طالب ) .
وكتب عنه شيخ الأزهر السابق والصوفي المعاصر الدكتور عبد الحليم محمود عن الرضا :
( له كرامات كثيرة : منها أنه قال لرجل صحيح سليم : استعد لما لا بدّ منه , فمات بعد ثلاثة أيام , وروى الحاكم أن أبا حبيب قال : رأيت المصطفى عليه الصلاة والسلام في النوم , في المنزل الذي ينزله الحاج ببلدنا , فوجدت عنده طبقا من خوص فيه تمر , فناولني ثماني عشرة تمرة , وبعد عشرين يوما قدم علي الرضا من المدينة ونزل ذلك المنزل , وفزع الناس للسلام عليه , ومضيت نحوه فإذا هو جالس بالموضع الذي رأيت المصطفى جالسا فيه , وبين يديه طبق فيه تمر صيحاني , فناولني قبضة فإذا عدتها بعدد ما ناولني المصطفى , فقلت : زدني . فقال : لو زادك رسول الله لزدناك ) .
ومن الطرائف أن ذكر الثمانية هؤلاء من أئمة الشيعة الإثني عشر بالتسلسل الشيعي في كتب المتصوفة الكثيرين مثل ما يذكرون عن الرفاعي أحمد الكبير أنه ( أخذ العهد والطريق من يد خاله شيخ الشيوخ صاحب الفتح الصمداني سيدنا منصور البطائحي الرباني وهو لبسها من خاله سيدنا الشيخ أبي المنصور الطيب وهو لبسها من ابن عمه الشيخ أبي سعيد يحيى البخاري الأنصاري وهو لبسها من الشيخ أبي الترمذي وهو لبسها من الشيخ أبي القاسم السندوسي الكبير وهو لبسها من الشيخ أبي محمد دويم البغدادي وهو لبسها من خاله الشيخ سري السقطي وهو لبسها من الشيخ معروف الكرخي وهو لبسها من إمام الزمان وحجة أهل العرفان الإمام ابن الإمام علي الرضي وهو لبسها من أبيه نور حدقة العناية والإمامة ونور حديقة الولاية والكرامة ملجأ الأولياء الأعاظم أبي الحسن موسى الكاظم وهو لبسها من أبيه صاحب القدم السابق الإمام جعفر الصادق وهو لبسها من أبيه صاحب السر الطاهر الإمام محمد الباقر وهو لبسها من أبيه كهف المحتاجين وإمام الأفراد أبي محمد الإمام زين العابدين علي السجاد وهو لبسها من أبيه أحد سبطي رسول الله شهيد كربلاء الإمام الحسين أبي عبد الله وهو لبسها من أبيه إمام الأئمة ومجن هذه الأمة صاحب القدر العظيم والشرف الجلي أمير المؤمنين الإمام أبي الحسن علي رضي الله عنه وعنهم أجمعين ) .
وذكر الرفاعي نفسه بصورة أخرى , ويقول : ( أكمل التوبة الفورية في مقام البضعية , من حيث التحلي بحلوة الطينة الذاتيةالأحمدية , إنما هي توبة السيدة البتول العذراء , سيدتنا وقرة أعيننا فاطمة أم السبطين الزهراء سلام الله ورضوانه عليها , وقام عنها بنوبة الجزء الأزهري بعلها المأمون المنوه على جلالة قدره وعظيم مكانته بطالعه ( علي مني بمنزلة هارون من موسى ) الحديث . فأدرع بدرع الخلافة البضعية متحكما في مشهد الخلافة الأمرية , إصالة في مشهد الخلافة البضعية وكالة حتى لقي الله , فأدرع بمطرها النوراني السبطان السعيدان الشهيدان الحسن والحسين سلام الله وتحياته عليهما , ودارت هذه التوبة الجامعة المحمدية في الأسباط الطاهرين سبطاً بعد سبط إلى أن صينت في مقام الكنزية المضمرة إلى ولي الله المهدي الخلق الصالح سلام الله عليه , فتلقاها عنه من مقام الألباس النواب الجامعون المحمدون , فهم إلى عهدنا هذا من بني الإمام الحسين السبط شهيد كربلاء عليه وعليهم نوافح السلام والرضوان ) .
ولذلك كتب محمد معصوم شيرازي : أن علي بن أبي طالب خاتم الولاية المحمدية , فكميل بن زياد النخعي , والحسن البصري , وأويس القرني أخذوا عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام . والشقيق البلخي أخذ عن الكاظم عليه السلام . والشيخ أبو زيد أخذ عن جعفر الصادق . والشيخ معروف أخذ عن الرضا , والشيخ سري أخذ عنه , والشيخ جنيد أخذ عن السري , وهو ومن الغرائب أن المتصوفة يعتقدون للحسن العسكري ابنا , كالشيعة الإثني عشرية , مع إتفاق أهل السنة والمؤرخين , وشهادة الشيعة ونقيب الأشراف وأخوه العسكري وأمه بأنه لم يولد له ولد , وأثبت رواية فيه وأقوم حجة ما رواه الكليني بنفسه , والآخرين من مؤرخي الشيعة وأعلامهم أن الحسن العسكري لما دفن ( أخذ السلطان والناس في طلب ولده , وكثر التفتيش في المنازل والدور , وتوقفوا عن قسمة ميراثه , ولم يزل الذين وكلوا بحفظ الجارية التي توهم عليها الحمل ملازمين حتى تبيّن بطلان الحمل , فلما بطل الحمل قسم ميراثه بين أمه وأخيه جعفر , وادعت أمه وصيته وثبت ذلك عند القاضي ) .
وذكر هذا الخبر جميع مؤرخي الشيعة ومؤلفيهم ومحدثيهم من المفيد في الإرشاد . والطبرسي في إعلام الورى . والأربلي في كشف الغمة . والملا باقر المجلسي في جلاء العيون . وصاحب الفصول في الفصول المهمة . والعباس القمي في منتهى الآمال . وقال النوبختي الشيعي المشهور في فرقه : ( أن الحسن توفى ولم يوله أثر , ولم يعرف له ولد ظاهر , فاقتسم ميراثه أخوه جعفر وأمه ) .
لكن المتصوفة يقولون أنه ولد للحسن العسكري ولد , وهو الذي سيخرج مهديا , كعقيدة الشيعة تماما بدون أدنى تغيير , فاسمع ماذا يقولون : ( فهناك بترقب خروج المهدي عليه السلام , وهو من أولاد حسن العسكري , ومولده عليه السلام ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين وهو باق إلى أن يجتمع بعيسى بن مريم عليه السلام , فيكون عمره إلى وقتنا هذا , وهو سنة ثمان وخمسين و تسعمائه سبعمائة سنة وست سنين . هكذا أخبرني الشيخ حسن العراقي المدفون فوق كوم الرئيس المطل على بركة الرطل بمصر المحروسة على الإمام المهدي حين اجتمع به .
ووافقه على ذلك شيخنا سيدي علي الخواص رحمهما الله تعالى . وعبارة الشيخ محيي الدين في الباب السادس والستين وثلاثمائة من الفتوحات ك وأعلموا أنه لابد من خروج المهدي عليه السلام لكن لا يخرج حتى تمتلئ الأرض جورا وظلما فيملؤها قسطا وعدلا ولو لم يكن من الدنيا إلا يوم واحد طوّل الله تعالى ذلك اليوم حتى يلي ذلك الخليفة وهو من عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ولد فاطمة رضي الله عنها جده الحسين بن علي بن أبي طالب , ووالده حسن العسكري بن الإمام النقي بالنون ابن محمد التقي بالتاء ابن الإمام على الرضا ابن الإمام موسى الكاظم ابن الإمام جعفر الصادق ابن الإمام محمد الباقر ابن الإمام زين العابدين علي بن الإمام الحسين ابن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ) .
وكذلك الرفاعيون , حيث يعدّون الرفاعي الإمام الثالث عشر بعد الثاني عشر الموهوم الذي لم يولد .
فهذه هي عقائد المتصوفة في علي بن أبي طالب رضي الله عنه , وأئمة الشيعة من أولاده , فإليهم ينتسبون , وبمسلكهم يسلكون , وبخرافاتهم يتمسكون .
وهذا وحده كاف لبيان تأثر التشيع في التصوف .
ونختم كلامنا في هذا على مقولة صوفي كبير وهو أبو الظفر ظهير الدين القادري حيث يقول : القطبية كانت للأئمة الإثني عشر بطريق الاستقلال , ولمن بعدهم بطريق النيابة.
المراجع
موسوعة العقيدة والسنة
التصانيف
تصنيف :الأبحاث