نُزُولُ الْوَحيِ وإتْيَان المَلاَئِكَة
وبعد هذا نرجع إلى أفكار الصوفية الأخرى ومعتقداتهم الخاصة بهم , لنرى التشيع المتستر الظاهر فيها , وتأثيره خفيا جليا ليرى الباحث والقارئ منهل التصوف ومنبعه , مصدره ومأخذه .
فإن الشيعة يرون بأن النبوة لم تختم على محمد صلوات الله وسلامه عليه , حيث لم يكن وحده في زمانه الذي كان ينزل عليه الوحي , ويأتي إليه الملك , ويكلمه الله من وراء حجاب , بل كان هناك شخص آخر في زمانه وبعده , كان له تلك الأوصاف كلها , بل وأكثر منها .
حيث أن رسول الله محمد صلوات الله وسلامه عليه لم يكن يكلمه الله إلا وحيا , أو من وراء حجاب , أو بإرسال رسول , فيوحي بإذنه ما يشاء .
وأما الإمام فكان ينزل عليه الوحي , ويرسل إليه رسول , ويكلمه الله ويناجيه بلا حجاب , وقد أعطى خصالا لم يسبقه إليها أحد , ثم توارث هذه الأوصاف من خلفه بعده إلى خاتم الأئمة .
ولقد ورد في كتب الشيعة الإثني عشرية – لا في كتب الإسماعيلية والغلاة - وفي أصحها عندهم ما ينصّ على ذلك مثل ما ذكر الكليني – وهو كالبخاري عند أهل السنة – في كافيّه عن جعفر الصادق – الإمام المعصوم السادس لدى القوم – أنه قال :
( ما جاء به عليُّ عليه السلام آخذ به وما نهى عنه انتهى عنه , جرى له من الفضل مثل ما جرى لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ولمحمد صلى الله عليه وآله وسلم الفضل على جميع من خلق الله عز وجل , المتعقّب عليه في شيء من أحكامه كالمتعقب على الله وعلى رسوله والراد عليه في صغيرة أو كبيرة على حدّ الشرك بالله , كان أمير المؤمنين عليه السلام باب الله الذي لا يؤتى إلا منه , وسبيله الذي من سلك بغيره هلك , وكذلك يجري لأئمة الهدى واحداً بعد واحد , جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بأهلها وحجته البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرى , وكان أمير المؤمنين صلوات الله عليه كثيراً ما يقول : أنا قسيم الله بين الجنة والنار وأنا الفاروق الأكبر وأنا صاحب العصا والميسم ولقد أقرّت لي جميع الملائكة والروح والرسل بمثل ما أقرّوا به لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ولقد حملت على مثل حمولته وهي حمولة الربّ وإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعى فيكسى , وادعى فأكسى ويستنطق واستنطق فأنطق على حد منطقه , ولقد أعطيت خصالا ما سبقني إليها أحد قبلي علمت المنايا والبلايا , والأنساب وفصل الخطاب , فلم يفتني ما سبقني , ولم يعزب ما غاب عني ) .
ونقل محمد بن حسن الصفار شيخ الكليني وأستاذه , الذي يعدّونه من أصحاب إمامهم الحادي عشر – حسب زعمهم – روايات كثيرة في صحيحه لإثبات نزول الوحي على أئمتهم , ونزول الملائكة عليهم تحت عناوين كثيرة في أبواب شتى , منها ما رواها عن حمران بن أعين أنه قال :
( قلت لأبي عبد الله ( جعفر ) عليه السلام : جعلت فداك , بلغني أن الله تعالى قد ناجى عليا عليه السلام ؟ قال : أجل , قد كان بينهما مناجاة بالطائف نزل بينهما جبريل ) .
لما دعا رسول الله صلى الله عليه وآله عليا يوم خيبر , فتفل في عينيه وقال له : إذا أنت فتحتها فقف بين الناس , فإن الله أمرني بذلك , قال أبو رافع : فمضى عليّ عليه السلام وأنا معه , فلما أصبح افتتح خيبر ووقف بين الناس و أطال الوقوف , فقال الناس : إن عليا عليه السلام يناجي ربه , فلما مكث ساعة أمر بانتهاب المدينة التي فتحها , قال أبو رافع : فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله , فقلت : إن عليا عليه السلام وقف بين الناس كما أمرته , قال قوم منهم :
( إن الله ناجاه , فقال : نعم يا رافع , إن الله ناجاه يوم الطائف ويوم عقبة ويوم حنين , ويوم غسل رسول الله ) .
ومثل هذه الروايات كثيرة لا تعدّ ولا تحصى .
هذا من ناحية , ومن ناحية أخرى يرى الشيعة أن أئمتهم أولئك أفضل من الأنبياء كما صرح بذلك الكليني أن الإمامة فوق النبوة والرسالة والخلة حيث نقل رواية عن جعفر بن محمد الباقر أنه قال :
( إن الله اتخذ إبراهيم عبدا قبل أن يتخذه نبيا , وإن الله اتخذه نبيا قبل أن يتخذه رسولا , وإن الله اتخذه رسولا قبل أن يتخذه خليلا , وإن الله اتخذه خليلا قبل أن يتخذه إماما ) .
وروى أيضا عن يوسف التمار أنه سمع جعفر بن الباقر أنه قال : ( ورب الكعبة , ورب البنية –ثلاث مرات – لو كنت بين موسى والخضر عليهما السلام لأخبرتهما أني أعلم منهما , و لأنبئتهما بما ليس في أيديهما لأن موسى والخضر عليهما السلام أعطيا علم ما كان , ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة ) .
وعنه أنه قال : ( إني لأعلم ما في السموات وما في الأرض , وأعلم ما في الجنة وما في النار , وأعلم ما كان وما يكون ) .
وقد بوب الحر العاملي صاحب موسوعة حديثية شيعية كبيرة بابا مستقلا بعنوان ( الأئمة الإثني عشر أفضل من سائر المخلوقات من الأنبياء والأوصياء السابقين والملائكة وغيرهم , وأن الأنبياء أفضل من الملائكة ) .
ثم أورد تحته روايات عديدة , منها ما رواها عن جعفر أنه قال : ( إن الله خلق أولي العزم من الرسل , وفضلهم بالعلم , وأورثنا علمهم , وفضلنا عليهم في علمهم , وعلم رسول الله ( ص ) ما لم يعلمهم , وعلمنا علم الرسول وعلمهم ) .
وعلى ذلك قال الخميني زعيم شيعة إيران اليوم في كتابه ( ولاية الفقيه ) ما نصّه : ( إن من ضروريات مذهبنا أنه لا ينال أحد المقامات المعنوية الروحية للأئمة حتى ملك مقرب ولا نبي مرسل , كما روي عندنا بأن الأئمة كانوا أنوارا تحت ظل العرش قبل تكوين هذا العالم .... وأنهم قالوا : إن لنا مع الله أحوالا لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل , وهذه المعتقدات من الأسس والأصول التي قام عليها مذهبنا ) .
فهذه هي عقائد الشيعة الإثني عشرية في أئمتهم بأنه يأتي إليهم جبريل , وينزل عليهم الوحي , ويكلمهم الله من وراء حجاب , ويناجيهم من دون حجاب , وأن النبوة لم تنقطع ولم تختم بمحمد صلوات الله وسلامه عليه , وأن الولاية أعظم وأفضل من النبوة والرسالة , وعلمهم بدون واسطة فصاروا يعلمون علم ما كان وما يكون , وفضلهم على الخلائق من الأنبياء والرسل .
والنصوص والروايات في هذا الخصوص جاوزت المئات , وعليها أسست وبنيت الديانة الشيعية نتيجة مؤامرة يهودية للقضاء على الإسلام ودعوة خاتم النبيين الناطق بالوحي صلى الله عليه وسلم .
هذا , وبعد هذا عندما نرجع إلى آراء الصوفية , وأفكارهم , عقائدهم ومعتقداتهم , كتبهم ورسائلهم , رواياتهم ومقولاتهم , تصريحاتهم وعباراتهم , نجد معظم هذه الأفكار وطابعها واضحا جليا , بل إنها عين هذه الترهات والخزعبلات , مبثوثة منشورة في كتب الأولين منهم والآخرين . وهاهي النصوص :
فيقول الصوفي الكبير عبد القادر الحلبي المعروف بابن قضيب البان : ( كل ما خصّت به الأنبياء , خصّت به الأولياء ) .
وما هي اختصاصات الأنبياء غير الوحي , ونزول الملائكة , وكلام الربّ معهم , وإخبارهم عن الغيب , وكونهم معصومين عن الخطأ والزلل في تبليغ رسالات الله , التي يريد ابن البان إشراك غيرهم معهم من الصوفية ؟ وهل لسائل أن يسأل : أو بعد مشاركة الغير يبقى الاختصاص اختصاصا ؟
وقبل أن نتعمق في هذا نريد أن نضع النقاط على الحروف , كي لا يتوهم المتوهم أننا نلزم القوم على ما لا يتقولونه ويعتقدونه . فنثبت من كتبهم أنفسهم , وبعباراتهم هم ما يبرهن قولنا , فيقول الشيخ الأكبر للصوفية رادّا على الغزالي : إن الغزالي غلط في التفريق بين نزول الملك على النبي والوليّ , مع أن النبي والوليّ كلاهما ينزل عليه الملك . وقد ذكر الشعراني أيضا بقوله : ( فإن قلت : قد ذكر الغزالي في بعض كتبه : إن الفرق بين تنزّل الوحي على قلب الأنبياء وتنزله على قلوب الأولياء نزول الملك , فإن الوليّ يلهم ولا ينزل عليه ملك قط , والنبي لا بد له في الوحي من نزول الملك به , فهل هذا صحيح ؟ فالجواب كما قاله الشيخ في الباب الرابع والستين وثلاثمائة : أن ذلك غلط ... قال الشيخ : وسبب غلط الغزالي وغيره في منع تنزل الملك على الوليّ عدم الذوق , وظنهم أنهم قد علموا بسلوكهم جميع المقامات و فلما ظنوا ذلك بأنفسهم ولم يروا ملك الإلهام نزل عليهم أنكروه , وقالوا : ذلك خاص بالأنبياء , فذوقهم صحيح وحكمهم باطل , مع أن هؤلاء الذين منعوا قائلون بأن زيادة الثقة مقبولة , وأهل الله كلهم ثقات .
قال : ولو أن أبا حامد وغيره اجتمعوا في زمانهم بكامل من أهل الله وأخبرهم بتنزل الملك على الوليّ لقبلوا ذلك ولم ينكروه . قال : وقد نزل علينا ملك فلله الحمد ) .
ولا ندري كيف يرد على الغزالي وهو القائل :
( ومن أول الطريق تبتدئ المكاشفات والمشاهدات , حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة , وأرواح الأنبياء , ويسمعون منهم أصواتا , ويقتبسون منهم فوائد .
ثم يرتقي الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق ) .
هذا ويقول ابن عربي في كتابه ( الجواب المستقيم عما سأل عنه الترمذي الحكيم ) زيادة على نزول الملك على الولي ّ : ( وليس الأمر كذلك , فقد رآه الأولياء في حال حديثه لهم , فكل قال ما شاهد ... ومشهده صحيح , وهذا كله إذا كان الحديث من الملك والروح ) . يعني أن الوليّ ينزل عليه الملك ويحدثه ويشاهده الوليّ ويراه وقت نزوله عليه , وكلامه به .
وبمثل ذلك يقول صوفي قديم آخر نجم الدين الكبري المتوفى 618 هـ أن الملائكة تنزل على الصوفية .
و بمثل ذلك قال الدباغ , وبعبارة أكثر وضوحا من هذه العبارات : ( وأما ما ذكروه في الفرق بين النبي والوليّ من نزول الملك وعدمه فليس بصحيح , لأن المفتوح عليه سواء كان وليا أو نبيا لا بد له أن يشاهد الملائكة بذواتهم على ما هم عليه , ويخاطبهم ويخاطبونه , وكل من قال : إن الوليّ لا يشاهد الملك و لا يكلمه فذاك دليل على أنه غير مفتوح عليه ) .
ونقل النفزي الرندي عن بعض المشائخ أنه قال : ( إن الملائكة تزورني فآنس بها , وتسلم عليّ فأسمع تسليمها ) .
وليس عامة الملائكة فحسب , بل جبريل أيضا كما ينص على ذلك الشعراني ناقلا عن الشيخ عبد الغفار القوصي أنه قال في كتابه المسمّى بالوحيد :
( أنّ الشيخ تاج الدين بن شعبان كان إذا سأله إنسان في حاجة يقول له : اصبر حتى يجيء جبريل ) .
وبذلك يقول ابن عربي أن القطب ينزل على قلبه الروح الأمين حيث يذكر في كتابه ( مواقع النجوم ) :
( وهذا المقام ( أي مقام القطب ) وهذه أسراره رفع الحجاب وأشرقت أنواره وبدا هــلال التــــــــمّ يســــــطع نــــــــــــــــوره للناظرين وزال عنه أســـــراره وتنـــــزل الـــــــروح الأميــــــــــــــــن لقـــــلبه يوم العروبة وأنقضت أو طــاره ) .
وينزل عليه بالأمر والنهي كما نص على ذلك الدباغ بقوله : ( ينزل الملك على الوليّ بالأمر والنهي ) . ( وتصير قلوبهم مهبطا للوحي ) .
ويسمعون كلام الله ( فإذا تحقق الصوفي بهذا الوصف صار وقته سرمدا , وشهوده مؤبدا , وسماعه متواليا متجددا يسمع كلام الله تعالى ) .
و ( يتلقاهم ملائكة الله مشرقين , يحيونهم بتحايا الملكوت , ويصبون عليهم ماء النبع من ينبوع البهاء ... ويقومون في هياكل القربات , يناجون مع أصحاب حجرات العزة ويسمعون صوتا كصوت رعد أو دويّ في الدماغ ) .
ويقول السهروردي المقتول سنة 587 هـ هذا أيضا أن الأولياء , ويسميهم إخوان التجريد ( يتعلمون العلم من روح القدس بلا تعلم بشرى , وتطيعهم مادة العالم العنصري , وينذرون الكون ويخبرونه بالجزئيات الواقعة في الماضي والمستقبل ) .
ويكتب الحكيم الترمذي في قضية مكالمة الله مع الوليّ : ( الولاية لمن ولى الله حديثه على طريق أخرى فأوصله إليه , فله الحديث , وينفصل ذلك الحديث ذلك الحديث من الله عز وجل على لسان الحق معه السكينة تتلقاه السكينة التي في قلب المحدّث , فيقلبه ويسكن إليه ) .
ونختم هذا على ما قاله ابن عربي في هذا الخصوص : ( اعلم يا بنيّ أن العبد المحقق الصوفي إذا صفا وتحقق صار كعبة لجميع الأسرار الإلهية من كل حضرة وموقف , ويرد عليه في كل يوم جمعة ما دام في ذلك المقام ستمائة ألف سرّ ملكوتي , واحد منها إلهي , وخمسة أسرار ربانية , ليس لها في حضرة الكون مدخل ) .
وليس هذا فحسب , بل يقولون بعروج المتصوفة إلى السماء , ووقوفهم بين يدي الربّ , ومناجاتهم به , وتكليمه إياهم , فيحكي ابن البان عن نفسه :
( أوقفني الحق على بساط الأسرار ... وارتقيت إلى السماء الأولى .. . ثم ارتقينا إلى السماء الثانية ... ثم انتهينا إلى السماء السابعة ... وفيها ملك على كرسي من نور ... وفي هذه السماء رضوان خازن الجنان , وأجمل الملائكة من جنده , وفيها إسرافيل رئيس عالم الجبروت , وهو الذي بشرني بالقرب والمنزلة الكريمة عند ربي , وبالسعادة في الآخرة والشفاعة في أمة محمد ( ص) , وفي هذه السماء رأينا إبراهيم الخليل مسندا إلى البيت المعمور ... ثم انتهينا إلى سبعين حجابا آخر ... حتى انتهيت إلى آخر حجاب هناك , وإذا بكرسي من اللؤلؤ منصبة قوائمه من الجوهر والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر , فأخذ آخذ بيدي وأجلسني عليه , ثم نزّل علىّ شيء ودخل جوفي من حيث لا أعلم , فقال لي شيئا في قلبي . ها قد أكرمك مولاك بالسكينة الربانية . فلما أحسّ باطني بها سكن كل جارحة فيّ . فكأني لم أر أشياء ولم يهلني شيء .
ثم نوديت من مكان قريب . وذلك من جهاتي الستّ : يا حبيبي و مطلوبي , السلام عليك , فغمضت عينيّ , وكنت أسمع بقلبي ذلك الصوت حتى أظنه من جوارحي لقربه مني , ثم نوديت : انظر عليّ , ففتحت عينيّ فصرت كلي أعينا , وكأن في باطني ما أراه في ظاهري , وصرت كأني برزخ بين كونين وقاب , كما يرى الرائي عند النظر في المرآة ما بخارجها . ثم سمعت بقارئ يقرأ قوله : آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله , لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير .
وإذا بذلك الحجاب قد رفع وأذن لي بالدخول . ولما دخلته رأيت الأنبياء صفوفا صفوفا ودونهم الملائكة , ورأيت أقربهم للحق أربعة أنبياء , ورأيت أولياء أمة محمد أقرب الناس إلى محمد وهو أقرب الخلق إلى الله تعالى وأقرب إليه أربعة أولياء , فعرفت منهم السيد محيى الدين عبد القادر , وهو الذي تلقاني إلى باب الحجاب , وأخذ بعضدي حتى دنوت من سيدنا محمد صلى الله عليه وآله , فناولني يمينه فأخذته بكلتا يديّ , فلا زال يجذبني ويدنيني حتى ما بقي بيني وبين ربي أحد , فلما حققت النظر في ربي ورأيته على صورة النبي , إلا أنه كالثلج أشبه شيء أعرفه في الوجود من غير رداء ولا ثياب . ولما وضعت شفتي على محل منه لأقبله أحسست ببرد الثلج سبحانه وتعالى , فأردت أخر صعقا , فمسكني سيدنا محمد صلى الله عليه وآله ) .
وأما ابن عربي فيجعل لعروجه محاكيا المعراج النبوي الشريف ويقول :
( بينما أنا نائم وسر وجودي متهجد قائم جاءني رسول التوفيق , ليهديني سواء الطريق , ومعه براق الإخلاص , عليه لبد الفوز ولجام الإخلاص , فكشف عن سقف محلىّ , وأخذ في نقضى وحلىّ , وشق صدري بسكين السكينة , وقيل لي : تأهب لارتقاء الرتبة المكينة , وأخرج قلبي في منديل , لآمن من التبديل , وألقى في طست الرضا , بموارد القضا , ورمى منه حظ الشيطان , وغسل بماء : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ... ثم أتيت بالخمر واللبن , فشربت ميراث تمام اللبن , وتركت الخمر حذرا أن أكشف السر بالسكر ... استفتح لي سماء الأجسام فرأيت سر روحانية آدم عليه السلام ... فاستفتح الرسول الوضاح , سماء الأرواح ... قال لي : مرحبا وأهلا – إلى آخر الخرافات والمختلقات ) .
ويقول أحد من المتقدمين من الصوفية نجم الدين كبري المقتول 618 هـ : ( أنه أيضا ممن عرج به إلى السماء ) .
كما نقل عن أبي الحسن الخرقاني أنه قال : ( صعدت ظهيرة إلى العرش لأطوف به فطفت عليه ألف طوفة أو كما قال , ورأيت حواليه قوما ساكنين مطمئنين فتعجبوا من سرعة طوافي وما أعجبني طوافهم , فقلت : من أنتم , وما هذه البرودة في الطواف ؟
فقالوا : نحن ملائكة , ونحن أنوار , وهذا طبعنا لا نقدر أن نجاوزه , فقالوا : ومن أنت وما هذه السرعة في الطواف ؟ فقلت : بل أنا آدميّ , وفيّ نور , ونار هذه السرعة من نتائج نار الشوق ) .
والجيلي كذلك ذكر عروجه ومعراجه , ورؤيته لسدرة المنتهى وتجليات الربّ تبارك وتعالى .
وكذلك يذكر النفزي الرندي المتوفى 792 هـ في تفسير قوله تعالى : وملكا كبيرا : ( أنه يرسل الله تعالى الملك إلى وليه , ويقول له : استأذن على عبدي , فإن أذن لك فادخل , وإلا فارجع , فيستأذن عليه من سبعين حجابا , ثم يدخل عليه ومعه كتاب من الله عز وجل عنوانه : من الحيّ الذي لا يموت إلى الحيّ الذي لا يموت , فإذا فتح الكتاب وجد مكتوبا فيه عبدي , اشتقت إليك فزرني , فيقول : هل جئت بالبراق ؟
فيقول : نعم , فيركب البراق , فيغلب الشوق على قلبه , فيحمله شوقه , ويبقى البراق إلى أن يصل إلى بساط اللقاء ) .
وهناك آخرون كثيرون ادعوا عروجهم إلى السماء , ومعراجهم أو مكالمتهم الرب , ومخاطبتهم إياه , ومنهم صالح بن بان النقا السوداني .
ودفع الله بن محمد الكاهلي الهذلي السوداني . وفتح الله بوراس القيرواني . ومحمد بن قائد اللواني العراقي . وأبو العباس المرسي . ومثل هؤلاء كثيرون لا يعدون ولا يحصون .
ويذكر الصوفي القديم المشهور عزيز الدين النسفي عن عروج المتصوفة إلى السماء : ( إن بعض الصوفية يعرجون إلى السماء الأولى ويطوفون حولها , وبعضهم يتجاوزون من السماء الأولى ... وبعضهم يصلون إلى العرش إذا أمكن لهم ) .
هذا بالنسبة للعروج , وأما من ناحية مكالمة الربّ لهؤلاء المتصوفة فللأهمية ننقل عبارة الجيلي كاملة , فيقول تحت عنوان ( تجليّ الصفات ) :
( ومن المكلمين من يذهب به الحق من عالم الأجسام إلى عالم الأرواح وهؤلاء أعلى مراتب . فمنهم من يخاطب في قلبه , ومنهم من يصعد بروحه إلى سماء الدنيا , ومنهم إلى الثانية والثالثة كل على حسب ما قسم له , ومنهم من يصعد به إلى سدرة المنتهى فيكلمه الله هناك , وكل من المكلمين على قدر دخوله في الحقائق تكون مخاطبات الحق له و لنه سبحانه وتعالى لا يضع الأشياء إلا في مواضعها . ومنهم من يضرب له عند عند تكليمه إياه نور له سرادق من الأنوار . ومنهم من ينصب له منبرا من نور . ومنهم من يرى نورا في باطنه فيسمع الخطاب من تلك الجهة النورية , وقد يرى النور كثيرا وأكثر مستديرا ومتطاولا . ومنهم من يرى صورة روحانية تناجيه , كلّ ذلك لا يسمى خطابا , إلا إنْ أعلمه الله أنه هو المتكلم , وهذا لا يحتاج فيه إلى دليل , بل هو على سبيل الوهلة فإن خاصية كلام الله لا تخفى , وأن يعلم أن كل ما سمعه كلام الله فلا يحتاج هناك إلى دليل ولا بيان , بل بمجرد سماع الخطيب يعلم العبد أنه كلام الله , وممن صعد به إلى سدرة المنتهى من قيل له حبيبي إنيتك هي هويتي وأنت عين هو وما هو إلا أنا , حبيبي بساطتك تركيبي وكثرتك واحديتي , بل تركيبك بساطتي وجهلك درايتي , أنا المراد بك أنا لك لا لي , أنت المراد بي أنت لي لا لك , حبيبي أنت نقطة عليها دائرة الوجود فكنت أنت العابد فيها والمعبود , أنت النور أنت الظهور أنت الحسن و الزين كالعين للإنسان والإنسان للعين :
أيا روح روح الروح والآية الكبرى ويا سلوة الأحزان للكبد الحرّى ويا منتهى الآمـــــال يا غاية المنى حديثك ما أحلاه عندي ومــا أمرا ويا كعبة التحقيق يا قبلة الصـــــفا ويا عرفــان الغيب يا طلعة الغرا أتيناك أخلفناك في مــــــــــلك ذاتنا تصرف لك الدنيا جميعا مع الأخرى فلولاك ما كنا ولولاي لم تــــــــكن فكنت وكنا والحقيـــــــقة لا تدرى فإياك نـــــعني بالمـــــعزة والغنى وإياك نعني بالفقيـــــــــر ولا فقرا )
فلينظر الباحث , وليتعمق و هل بقي هناك شيء خفي بعد هذا كله ؟ ولكننا لتوثيق ما هو موثق نورد نصوصا أخرى من أكابر القوم الآخرين , وأعاظمهم .
منها ما نقل المتصوفة عن أبي يزيد البسطامي أنه كثيرا ما كان يقول للفقهاء : ( أخذتم علمكم ميتا عن ميت , ونحن أخذنا علمنا عن الحيّ الذي لا يموت ) .
وهو الذي يذكرون عنه أنه ذكر معراجه ومكالمته الرب – تعالى الله عما يقولون به علوا كبيرا – فيقول : ( أدخلني في الفلك الأسفل , فدوّرني في الملكوت السفلي , فأراني الأرضين وما تحتها إلى الثرى , ثم أدخلني في الفلك العلوي فطوّف بي في السموات وأراني ما فيها من الجنان إلى العرش . ثم أوقفني بين يديه فقال لي : سلني أيّ رأيت حتى أهبه لك , فقلت : يا سيدي ما رأيت شيئا استحسنته فأسألك إياه , فقال : أنت عبدي حقا تعبدني لأجلي صدقا لأفعلن بك ) .
ونقل الآخرون الكثيرون عنه أيضا أنه قال : ( رفعني مرة فأقامني بين يديه , وقال لي : يا أبا يزيد , إن خلقي يحبون أن يروك .
فقلت : زيّني بوحدانيتك , وألبسني أنانيتك , وارفعني إلى أحديتك , حتى إذا رآني خلقك قالوا : رأيناك , فتكون أنت ذاك , ولا أكون أنا هنا ) .
ونقلوا مثل ذلك عن السري السقطي رواية عن الجنيد أنه قال : بتّ عند سري ليلة , فقال لي : أنائم أنت ؟
فقلت : لا .
فقال : أوقفني الحق بين يديه , فقال : أتدري لم خلقت الخلق ؟
قلت : لا . قال : خلقتهم فادّعوا محبتي , فخلقت الدنيا , فاشتغل بها من عشرة آلاف تسعة آلاف , وبقي ألف , فخلقت الجنة فاشتغل بها تسعمائة , وبقي مائة , فسلطت عليهم شيئا من بلائي , فاشتغل تسعون , وبقي عشرة , فقلت لهم : لا الدنيا أردتم , ولا في الجنة رغبتم , ولا من البلاء هربتم , فماذا تريدون ؟
قالوا : إنك تعلم ما نريد .
فقال : سأنزل عليكم من البلاء ما لا تطيقه الجبال , أفتثبتون ؟
قالوا : ألست أنت الفاعل ؟ قد رضينا بذلك . نحمد ذلك بك وفيك ولك . فقال : أنتم عبادي حقا .
ورووا عن الجنيد أنه قال : ( لي ثلاثون سنة أتكلم مع الله تعالى ) .
وعن صوفي قديم آخر سهل بن عبد الله التستري أنه قال :
( أنا منذ ثلاثين سنة أكلم الله والناس يتوهمون أني أكلمهم ) .
والشعراني نقل عن علي الخواص أنه قال : ( قد سمعت سيدي إبراهيم المتبولي يقول كثيرا : لي ثلاثون سنة وأنا مقيم في حضرة الله لم أخرج , وجميع ما أتكلم به إنما أكلم به الحق سبحانه وتعالى ) .
والرفاعية أيضا لا يريدون أن يقل شأن مرشدهم وهاديهم , وتنحط مكانته في أعين مريديه ومقلديه , فنقلوا عنه أنه كان كثيرا بينه وبين الربّ مناجاة ومخاطبات فنقلوا عن ابن جلال في جلاء الصد وا نصه :
( نقل عن السيد إبراهيم الأعزب أنه قال : كنت جالسا في الغرفة مع السيد أحمد الرفاعي رضي الله تعالى عنهما , ورأسه على ركبتيه , فرفع رأسه وضحك بأعلى صوته فضحكت أنا أيضا ثم ألححت عليه ليخبرني عن سبب ضحكه , فقال : أي إبراهيم , ناداني العزيز سبحانه : أني أريد أن أخسف الأرض , وأرمي السماء على الأرض .
فلما سمعت هذا النداء تعجبت , وقلت : إلهي , من ذا الذي يعارضك في ملكك وإرادتك ؟
قال سيدي إبراهيم : فأخذته الرعدة ووقع على الأرض وبقي في ذلك الحال زمانا طويلا ) .
وحينما رأى الشاذلية هذه المكانة العالية , والمنزلة الرفيعة لمرشد الرفاعية , الرفاعي , لم يرضوا أن يتخلفوا عنهم , فقالوا : إن ما لشاذلينا لم تكن مخاطبات فحسب , بل إن الله جل مجده هو الذي سماه بهذا الاسم , فيذكر الإمام الأكبر السابق للأزهر , الدكتور عبد الحليم محمود نقلا عن أبي الحسن الشاذلي كيفية نزوله من جبل زغوان , ومغادرته خلوته , فيقول :
( قيل لي : يا علي : اهبط إلى الناس ينتفعوا بك . فقلت : يا ربّ أقلني من الناس فلا طاقة لي بمخالطتهم . فقيل لي : انزل فقد أصحبناك السلامة , ودفعنا عنك الملامة . فقلت : تكلني إلى الناس آكل من دريهماتهم .
فقيل لي : أنفق يا علي , وأنا الملي , إن شئت من الجيب , وإن شئت من الغيب .
ونزل الشاذلي رضي الله عنه من على الجبل ليغادر شاذلة , ويستقبل مرحلة جديدة , فقد انتهت المرحلة الأولى التي رسمها له شيخه .
وقبل أن نغادر معه شاذلة إلى رحلته الجديدة نذكر ما حكاه رضي الله عنه فيما يتعلق بنسبته إلى شاذلة , قال :
قلت ك يا ربّ لم سميتني بالشاذلي ؟ ولست بشاذلي ؟
فقيل لي : يا علي , ما سميتك بالشاذلي وإنما أنت الشّاذّ لي . بتشديد الذال المعجمة يعني : المنفرد لخدمتي ومحبتي ) .
هذا ولقد نقلوا مثل هذه المكالمات والمناجاة بين ذي النون المصري والربّ تبارك وتعالى أيضا .
وقلما يوجد صوفي أو متصوف إلا وقد ادّعى مثل هذه الدعوى , وكتب التراجم وطبقات الصوفية مليئة بمثل هذه الأكاذيب والشناعات , والجرأة على الله , والإنتقاص من شأن نبينا صلوات الله وسلامه عليه خاتم النبيين وسيد المرسلين , حيث ينسبون إلى أنفسهم , أو إلى مرشديهم ومتصوفيهم ما لم يكن لبشر أن يحصل عليه , حتى سيد الخلائق وأفضل النبيين والمرسلين مثل ما أوردنا عنهم , ومثل مارووا عن فتح الله بوراس القيرواني أنه كان يقول :
( أشهدني الله تعالى ما في السموات السبع وما في الكرسي وما في اللوح المحفوظ وجميع ما في الحجب , وفككت طلاسم السموات السبع والفلك الثامن الذي فيه جميع الكواكب وجميع الفلك الثامن , وهم بنات نعش والجدي والقطب , ووصلت إلى الفلك التاسع الذي يسمونه الأطلس , ورصدت جداوله وأنا عند ذلك طفل صغير لم أبلغ الحلم ) .
وكان يقول : ( وفي الســــــماء الســـــــابعة شــــــاهدت ربي وكـــــــلّمته
                                                 وفوق العــــــرش والكرسي قـــــــــــد ناداني وخاطبته
 وما في اللوح المحفوظ من الآي والأمر والنهي قد حفظته
                                               وبيدي بــــــــــــــــاب الجنــــــــــان قد فتحتـــــه ودخلته
وما فــــــــــيه من الحـــــــــــور العين قد رأيته وحصـــــيته
                                             ومــــن رآني ورأي مــــــــــــــن رآني وحضـــــر مجلسي
في جنة عدن وبــــــستانـــــها قد أســـــــكنتـــــــــــــــــــــه ) .
ومثل ذلك ذكر الشعراني عن الدسوقي المتوفى 776هـ حيث قال : ( أنا كل وليّ في الأرض خلعته بيدي . ألبس منهم من شئت , أنا في السماء شاهدت ربي , وعلى الكرسي خاطبته , أنا بيدي أبواب النار أغلقتها , وبيدي جنة الفردوس فتحتها . من زارني أسكنته جنة الفردوس ) .
نعوذ بالله من مثل هذه الخرافات , ولا يؤاخذنا الله على نقل ما اقترفته الأيدي الأثيمة والألسن الخبيثة , ربنا لا تهلكنا بما فعل السفهاء منا إنْ هي إلا فتنتك تضلّ بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا و ارحمنا وأنت خير الغافرين . ثم إن الصوفية أصّلوا قاعدة وحكما عاما , وقالوا : ( ما كان وليّ متصل بالله تعالى إلا وهو يناجي ربه كما كان موسى عليه السلام يناجي ربه ) .
( وإذا صفا قلب الفقير صار مهبط الوحي ) .
والدباغ يقول : ( وكلام الحق سبحانه يسمعه المفتوح عليه إذا رحمه الله عز وجل سماعا خارقا للعادة فيسمعه من غير حرفه ولا صوت ولا إدراك لكيفية , ولا يختص بجهة دون جهة , بل يسمعه من سائر الجهات , بل ومن سائر جواهر ذاته , وكما لا يخص السماع له جهة دون أخرى , كذلك لا يخص جارحة دون أخرى يعني أنه يسمعه بجميع جواهره وسائر أجزاء ذاته فلا جزء ولا جوهر ولا سنّ ولا ضرس ولا شعرة منه إلا وهو يسمع به , حتى تكون ذاته بأسرها كأذن سامعة , , ثم ذكر اختلاف أهل الفتح في قدر السماع وبيّنه بما لا يذكر ) .
( وأن معراج الصوفية , وخرقهم السموات , ومكالمتهم الربّ , ومخاطبته إياهم جائز شرعا ونقلا , وهو المنقول عن الشاذلي , وابن عطاء الله في ( لطائف المنن ) , ومحمد السنوسي في كبراه , والشيخ عبد الباقي وغيرهم ) .
وقد نقل الشعراني عن الشاذلي قوله : ( لا إنكار على من قال : كلّمني الله كما كلّم موسى ) .
وأما ابن عربي القائل دوما : ( حدثني قلبي عن ربي , في كتبه ورسائله , و : ما صنفت كتابا عن تدبير واختيار إلا بأمر من الله وإرشاده ) . يقول في سماع الصوفي كلام الربّ عندما يبلغ الدرجة العليا , ويتحقق في مقامه , يقول :
( إنما يسمع الصوفي في هذا المقام ويمتثل ما يسمع – كما أنا ما زلت أسمع متحققا في مقامي من الحق ) . وأما إطلاعهم على الغيب , وإحاطتهم بعلم ما كان وما يكون , وإخبارهم بكل ما ظهر وما بطن فكتب القوم مليئة بهذه المختلقات , بل يمكن لقارئ كتب الصوفية والباحث في تراجمهم وطبقاتهم أن يقول : إن شخصا ما ينسب إلى هؤلاء الناس ويعدّ منهم إلا أن يكون حاملا لذلك العلم الذي هو من خاصة رب السموات والأرض , حيث أخبر عن ذاته سبحانه تبارك وتعالى : { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ } . وقال : { وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ } . وقال : { إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } . وأخبر عن نفسه بنفسه : { عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ } و : { عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } . والآية التي هي نصّ في المسألة حيث أمر نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يقول : { قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ } . كما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينفي عن نفسه الغيب : { قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ } .
ونقل عن مصطفاه عليه الصلاة والسلام أنه قال : { وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ } .
وقال نبيه مخاطبا إياه : { تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي و َلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ } .
والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا , والأحاديث النبوية كذلك .
ولكن القوم يقولون عكس ذلك متأثرين بالتشيع , وآخذين أفكارهم ومعتقداتهم , فيقول القشيري في بيان درجات السلوك : ( ثم في خلال هذه الأحوال قبل وصوله إلى هذا المقام الذي هو نهاية كان يرى جملة الكون يضيء بنور كان له حتى لم يخف من الكون عليه شيء وكان يرى جميع الكون من السماء والأرض رؤية عيان ولكن بقلبه , وكان لا يرى في هذا الوقت بعين لأنه شيء ولكن لم يكن هذه رؤية علم , بل لو تحرك في الكون ذرة أو نملة ) .
ونقل الكلاباذي عن أبي عبد الله الأنطاكي أنه قال : ( إذا جالستم أهل الصدق فجالسوهم بالصدق , فإنهم جواسيس القلوب , يدخلون في أسراركم , ويخرجون من هممكم ) .
ويقول ابن عجيبة الحسني : ( إن الحق سبحانه قسّم الخلق قسمين وفرقهم فرقتين : قسم اختصهم بمحبته , وجعلهم من أهل ولايته , ففتح لهم الباب , وكشف لهم الحجاب , فأشهدهم أسرار ذاته , ولم يحجبهم عنه بآثار قدرته ) .
فإذا كشف الحجاب , وفتح لهم الباب ( علم العوالم بأجمعها على ما هي عليه من تفاريعها من المبدأ إلى المعاد وعلم كل شيء , كيف كان ؟ وكيف هو كائن ؟ وكيف يكون ؟ وعلم ما لم يكن , ولم لا يكون ما لم يكن ؟ ولو كان ما لم يكن كيف كان يكون ؟ كل ذلك علماً أصليا حكيما كشفيا ذوقيا من ذاته لسريانه في المعلومات علما إجماليا تفصيلاً كليا جزئيا مفصلا في إجماله ... ومنهم من تجلى الله عليه بصفة السمع فيسمع نطق الجمادات والنباتات والحيوانات , وكلام الملائكة واختلاف اللغات , وكان البعيد عنه كالقريب ) .
وقال عماد الدين الأموي : ( إذا انكشفت الحجب عن القلب تجلى فيه شيء مما هو مستور في اللوح المحفوظ , ولمع في القلب من وراء ستر الغيب شيء من غرائب العلم ) .
وأيضا : ( يشرف على الملكوت الأعظم , ويرى عجائبه , ويشاهد غرائبه , مثل اللوح , والقلم , واليمين الكاتبة , وملائكة الله تعالى يطوفون , حول العرش يسبحون بحمد ربهم , وبالبيت المعمور , ويسبحونه ويقدسونه , ويفهم كلام المخلوقين من الحيوانات والجمادات , ثم يتخطى منها إلى معرفة الخالق للكل والمالك للكل فتغشاهم الأنوار , وتتجلى لقلوبهم الحقائق ) .
ويقول الدباغ وهو يذكر بعض ما يشاهده المفتوح عليه وهو الولي عنده , فيقول : ( أما في المقام الأول فإنه يكاشف فيه بأمور , منها : أفعال العباد في خلواتهم . ومنها : مشاهدة الأرضين السبع والسموات السبع , ومنها مشاهدة النار التي في الأرض الخامسة , وغير ذلك مما في الأرض والسماء ... ومن الأشياء التي يشاهدونها : اشتباك الأرضين بعضها ببعض , وكيف تخرج من أرض إلى أرض أخرى , وما تمتاز به أرض عن أرض أخرى , والمخلوقات التي في كل أرض .
ومنها : مشاهدة اشتباك الأفلاك بعضها ببعض , ما نسبتها من السموات وكيف وضع النجوم التي فيها . ومنها : مشاهدة الشياطين وكيف توالدها . ومنها : مشاهدة الجن وأين يسكنون ؟ ومنها : مشاهدة سير الشمس والقمر والنجوم ... وأما ما يشاهده في المقام الثاني فإنه يكاشف بالأنوار الباقية كما كوشف في المقام الأول بالأمور الظلمانية الفانية , فيشاهد في المقام الملائكة والحفظة والديوان والأولياء الذين يعمرونه ... وأما المقام الثالث فإنه يشاهد فيه أسرار القدر في تلك الأنوار المتقدمة .
وأما المقام الرابع فإنه يشاهد فيه النور الذي ينبسط عليه الفعل , وينحل فيه كانحلال السمّ في الماء , فالفعل كالسم والنور كالماء ... وفي المقام الخامس يشاهد انعزال الفعل عن ذلك النور , فيرى النور نورا , والفعل فعلا ... والمفتوح عليه لا يغيب عليه ما في أرحام الأنثى فضلا عن غيره ) .
وكان الدباغ هذا يرى أيضا أن المتصوفة لا يعرفون الغيب فحسب , بل يعرفون الغيوب الخمسة التي ذكرها الله تعالى في محكم كتابه أنه لا يعلمها أحد غيره بقوله :
{ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }
ولكنه ابن المبارك ينقل عنه قائلا : ( قلت للشيخ : ( أي عبد العزيز الدباغ ) رضي الله عنه : إن علماء الظاهر من المحدثين وغيرهم اختلفوا في النبي صلى الله عليه وسلم , هل كان يعلم الخمس المذكورات في قوله : { إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } , فقال رضي الله عنه وعن سادتنا العلماء :
كيف يخفى أمر الخمس عليه والواحد من أهل التصوف من أمته الشريفة لا يمكنه التصرف إلا بمعرفة هذه الخمس ) .
والجدير بالذكر أن هذا هو القائل : ( ما السموات والأرضون السبع في نظر العبد المؤمن إلا كحلقة ملقاة في فلاة ) .
وأيضا : ( إن الجنين إذا سقط من بطن أمه يراه العارف في تلك الحالة إلى آخر عمره ) .
أما الرفاعي أحمد فنقلوا عنه أنه قال : ( إن العبد ما يزال يرتقي من سماء إلى سماء حتى يصل إلى محل الغوث , ثم ترتفع صفته إلى أن تصير صفة من صفات الحق , فيطلعه على غيبه حتى لا تنبت شجرة , ولا تحضر ورقة إلا بنظره , ويتكلم هناك عن الله بكلام لا تسعه عقول الخلائق ... وكان يقول : إن القلب إذا انجلى من حبّ الدنيا وشهوتها صار كالبلّور , وأخبر صاحبه بما مضى وبما هو آت من أحوال الناس ) . ونقل ذلك الشعراني أيضا منه في طبقاته .
ونقلوا عن الشبلي أنه قال : ( لو دبت نملة سوداء على صخرة صماء في ليلة ظلماء ولم أشعر بها أو لم أعلم بها لقلت أنه ممكور بي ) . وهذا قول الله الجليّ الصريح الواضح البيّن : { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }
ومع أمر الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول : 
{ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ } وقول الله عز وجل : { تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ }
ولكن القوم عكس ذلك يقولون ما ألقى الشيطان إليهم من عقائد شيعية , ومعتقدات يهودية , وكان السحرة والكهان .
ولقد أدّب الله تبارك وتعالى نبيه ونجيه وصفيه سيد البشر قائد النبيين والمرسلين صلى الله عليه وسلم على جوابه لمن سأله عن أصحاب الكهف وعددهم , رجاء بأن ينزل عليه الوحي , ويخبر الله عز وجل عنهم , والوحي كان ينزل , وجبريل كان يأتي , واتصاله كان قائما بالسماء فقال مرسله ومنزل الوحي عليه : { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ( 23 ) إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا } . وقبله أقرت الملائكة بقصور علمهم , واعترافهم بعدم إحاطتهم بملكوت السماء يوم قالوا :{ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } فأقرهم الله عز وجل على القصور وعدم المعرفة بالغيب بقوله : { قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ }
هذا وأما المنوفي الحسيني فينقل عن إبراهيم الدسوقي أنه كان يقول :
( إن للأولياء الإطلاع على ما هو مكتوب على أوراق الشجر والماء والهواء وما في البر والبحر وما هو مكتوب على صفحة قبة خيمة السماء , وما في جباه الإنس والجان مما يقع لهم في الدنيا والآخرة ) .
وأما الشاذلي فنقلوا عنه : ( من عبد الله باسمه الحيّ المحيي وأكثر منه , ولا حد لأكثره , شاهد حياة كل شيء ومحييه . ومن ذكر بهم جميعا صعدت روحه إلى الملأ الأعلى , وصعدت روحه إلى العرش , ليكتب عند الله من الكاملين الصديقين ) . وقال أفضل الدين : ( لا يعطى أحد القطبية حتى يعرف جميع عوالم هذه العروش والكراسي والسموات والأرضين بأسمائهم وأنسابهم وأعمارهم وأعمالهم ) .
ونقل الشعراني عن إبراهيم المتبولي أنه قال : ( يرتسم الوجود كله في قلب الفقير ( أي الصوفي ) فيراه من قلبه . وإيضاح ذلك أن القلب إذا انجلى صار كالمرآة الكبيرة , فإذا قابلها بالعالم العلوي والسفلي ارتسم كله فيها ) .
وروى أيضا عن علي الخواص أنه قال : ( لا يكمل إيمان عبد حتى يصير الغيب عنده كالشهادة في عدم الريب ) .
ويقول محمد ضيف الله الجعلي السوداني : ( كشف الأولياء على قسمين : منهم من ينظر في اللوح فإنه لا يتغير ولا يتبدّل كسيدي علي الخواص . ومنهم من ينظر في ألواح المحور والإثبات , وعدتها ثلاثمائة وستون لوحا فإنها تتغير وتتبدّل , فإذا أخبر الوليّ بكلام ولم يقع فلا ينكر عليه بأن يقال : كذب , بل يحمل على أنه نظر في ألواح المحور والإثبات ) .
فانظر هذه الخرافة المختلقة ما أشنعها وأقبح بها .
وأما ابن عربي ومدرسته فقد تكلموا في مثل هذا كثيرا , ولا يخلو كتاب من كتبهم عن مثل هذه الخرافات والموبقات , فيقول ابن عربي : ( فأما العلم اللدني , فمتعلقه الإلهيات وما يؤدي إلى تحصيلها من الرحمة الخاصة . وأما علم النور فظهر سلطانه في الملأ الأعلى قبل وجود آدم بآلاف السنين من أيام الرب .
وأما علم الجمع والتفرقة فهو البحر المحيط , الذي اللوح المحفوظ جزء منه , ومنه يستفيد العقل الأول , وجميع الملأ الأعلى منه يستمدون . وما ناله أحد من الأمم سوى أولياء هذه الأمة . وتتنوع تجلياته في صدورهم على ستة آلاف ومائتين .
فمن الأولياء من حصّل جميع هذه الأنواع , كأبي يزيد البسطامي , وسهل بن عبد الله , ومنهم من حصّل بعضها ) .
ويقول في إحدى رسائله : ( للأرواح الإنسانية إذا صفت وزكت معارج في العالم العلوي المفارق وغير المفارق فينظر مناظر الروحانيات المفارقة , فترى مواقع نظرهم في أرواح الأفلاك ودورانها بها , فينزل مع حكم الأدوار وترسل طرفها في رقائق التنزيلات حتى ترى مساقط نجومها في قلوب العباد , فتعرف ما تحويه صدورهم وما تنطوي عليه ضمائرهم , وما تدل عليه حركاتهم ... وإذا توجهت الأسرار نحو قارئها بفناء وبقاء , وجمع وفرق سقطت عليها أنوار الحضرة الإلهية من حيثها , لا من حيث الذات , فأشرقت أرض النفوس بين يديه فالتفت فعلم ما أدركه بصره وأخبر بالغيب وبالسرائر وبما تكنه الضمائر وما يجري في الليل والنهار ) .
ويقول : ( من يكن الحق سمعه وبصره فكيف يخفى عليه شيء ) .
وقال : ( يرتقي الوليّ إلى عالم الغيب فيشاهد اليمين ماسكة قلمها وهي تخطط في اللوح ) .
و : ( من الصوفية من لا يزال عاكفا على اللوح , ومنهم من يشهده تارة تارة ) .
ونقل ابن عربي في كتابه عن الجنيد أنه قال : ( العارف هو الذي ينطق عن سرّك وأنت ساكت ) .
ولقد بيّن في إحدى كتبه طريق إطلاع الصوفية على الغيب فقال : ( الكشف والإطلاع على الغيب يكون بطريق التجلي , إما بالتنزل أو بالعروج ) .
ويقول أيضا : ( تتجلى صورة العقل في ذات الخليقة , فتلوح له أسرار والعلم المنقوشة فيه ) .
فهذه هي آراء ابن عربي وأقواله , صريحة في معناها , جلية في مغزاها , واضحة في مرادها , لا غموض فيها ولا تعقيد , ولا تحتاج إلى التبيين والتوضيح .
وأما تلميذه محمد بن إسحاق القونوي المتوفى 673 هـ فيقول : ( إن الكمل ومن شاء الله من الأفراد أهل الإطلاع على اللوح المحفوظ , بل وعلى المقام القلمي , بل وعلى حضرة العلم الإلهي , فيشعرون بالمقدر كونه لشبق العلم بوقوعه ) .
ويقول شهاب الدين السهروردي المقتول : ( الأنبياء والفضلاء المتألهون يتيسر لهم الإطلاع على المغيبات , لأن نفوسهم إما قوية بالفطرة أو تتقوى بطرائقهم وعلومهم , فينتقشون بالمغيبات , لأن نفوسهم كالمرايا المصقولة تتجلى فيها نقوش من الملكوت . فقد يسري شبح إلى الحس المشترك , يخاطبهم ألدّ مخاطبة وهو في أشرف صورة , وربما يرون الغيب بالحس المشترك مشاهدة , وربما يسمعون صوت هاتف , أو يقرؤن من مسطور ) .
وقال لسان الدين بن الخطيب في روضته : ( النفوس عند صفائها تتشبه بالملأ الأعلى , وتنتقش فيها أمثلة الكائنات المتعشقة فيه بنوع ما , وتشاهد المحجوبات , وتؤثر في العوالم السفلية ) .
وبمثل ذلك يقول داود بن محمود القيصري : ( إذا خلص الرجل , وصفا وقته , وطاب عيشه بالإلتذاذ بما يجده في طريق المحبوب , بصر باطنه , فيظهر له لوامع أنوار الغيب , وينفتح له باب الملكوت , ويلوح منه لوايح ) .
والترمذي الملقب بالحكيم يقول : ( إن الأولياء لهم علامات وعلوم , وأما ما يعرفونه من العلوم فهي ( علم البدء , وعلم الميثاق , وعلم المقادير , وعلم الحروف , فهذه أصول الحكمة , وهي الحكمة العلمية , وإنما يظهر هذا العلم عن كبراء الأولياء ويقبله من له حظ في الولاية ) .
ويقول الجيلي عبد الكريم : ( كل واحد من الأفراد والأقطاب له التصرف في جميع الممكلة الوجودية , ويعلم كل واحد منهم ما اختلج في الليل والنهار فضلا عن لغات الطيور .
وقد قال الشبلي رحمه الله تعالى : لو دبّت نملة سوداء على صخرة صماء في ليلة ظلماء ولم أسمعها لقلت : أني مخدوع أو ممكور بي . وقال غيره : لا أقول : ولم أشعر بها لأنه لا يتهيأ لها أن تدبّ إلا بقوتي وأنا محركها ) .
هذا ومثل هذا أكثر من أن يسعه كتاب , أو تشمله رسالة , ولقد تأتي حكايات المتصوفة المتضمنة إخبارهم بالغيب , وإحاطتهم بجميع علوم الكون وأحواله , وإطلاعهم على ما كان وما يكون في محله وفي باب مستقل إن شاء الله .
 
 
 
 
 
المسَاوَاة بَيْنَ النَّبِيِّ وَ الوَليّ
وأما تسوية الصوفية بين الولاية والنبوة , بل وتفضيلهم الولاية على النبوة والرسالة , والأولياء على أنبياء الله ورسله , مثل الشيعة , فتدل عليه عبارات القوم وتصريحاتهم , فيقول لسان الدين ابن الخطيب : ( الولاية : أن يتولى الله الواصل على حضر قدسه , بكثير مما تولى به النبي , من حفظ وتوفيق , وتمكين واستخلاف وتصريف .
فالولي يساوي النبي في أمور , منها : العلم من غير طريق العلم الكسبي , والفعل بمجرد الهمة , فيما لم تجر به العادة أن يفعل إلا بالجوارح والجسوم , مما لا قدرة عليه لعالم الجسوم .
كان الفضيل بن عياض , على جبل من جبال منى , فقال : لو أن وليا من أولياء الله أمر هذا الجبل أن يميد لماد , فتحرك الجبل , فقال : اسكن . لم أردك بهذا , فسكن الجبل . ويفعل بالهمة في عالم الخيال وفي الحس , فإنه يسمع ويرى , ما لا يرى ولا يسمع وهو بين الناس .
ويفارق الولي النبي في المخاطبة الإلهية , والمعارج , فإنهما يجتمعان في الأصول وهي المقامات , إلا أن النبي يعرج بالنور الأصلي , والولي يعرج بما يفيض من ذلك النور الأصلي , وإن جمعهما مقام اختلفا بالوحدة في كل مقام , من فناء وبقاء , وجمع وفرق . والولي يأخذ المواهب بواسطة روحانية نبيه , ومن مقامه يشهد , إلا ما كان من الأولياء المحمديين , فإنه لما كان نبيهم صلوات الله وسلامه عليه جامعا لمقامات الأنبياء ( أورثهم الله مقامات الأنبياء ) وأوصل إليهم أنوارهم , من نور نبيهم الوارث , وبوساطته , فإنه هو الذي أعطى جميع الأنبياء والرسل مقاماتهم في عالم الأرواح .
ثم شاركت الأولياء الأنبياء في الأخذ عنه , وإليه الإشارة بقوله ( أولياء أمتي أنبياء من دونهم ) فقد يرث ولي من الأولياء آدم , أو إدريس , أو إسحاق , أو إسماعيل , أو يوسف , أو موسى , أو عيسى , لكن لا يتوصل إلى نوره ولا حاله إلا من محمد صلوات الله وعليهم وسلامه , إلا القطب وحده , فإنه على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ( ولمثل هذا المقام الكريم فليعمل العاملون ) )
و ( أن الأولياء لهم أربعة مقامات : الأول مقام خلافة النبوة , والثاني مقام خلافة الرسالة , والثالث مقام خلافة أولي العزم , والرابع خلافة مقام أولي الاصطفاء . فمقام خلافة النبوة للعلماء. ومقام خلافة الرسالة للأبدال. ومقام خلافة أولي العزم للأوتاد . ومقام خلافة الاصطفاء للأقطاب .
فمن الأولياء من يقوم في عالم مقام الأنبياء , ومنهم من يقوم في عالم مقام الرسل , ومنهم من يقوم في عالم مقام أولي العزم , ومنهم من يقوم في عالم مقام أولي الاصطفاء ) .
وعلى ذلك قالوا :
( الولاية ظل النبوة , والنبوة ظل الإلهية .... فالأنبياء عليهم السلام مصادر الحق , والأولياء مظاهر الصدق ... والأولياء خصوا بإشارات نبوية , و إطلاعات حقيقة , وأرواح نورية , وأسرار قدسية , وأنفاس روحانية , ومشاهدات أزلية ) .
وبمثل هذا قال الكمشخانوي في كتابه جامع أصول الأولياء .
وآخر قال بوضوح أكثر : ( ما قيل في النبي يقال في الوليّ ) .
وكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حكى عن الله عز وجل أنه قال : ( أولئك كلامهم كلام الأنبياء ) .
 
 
 
 
 
 
 
 
تَفْضِيلُ الوَليّ عَلَى النَّبِيِّ
ولم يقتصر القوم على مثل هذه السخافات والأباطيل , بل زادوا في غلوائهم حيث فضلوا الولاية على النبوة والرسالة , والأولياء على الأنبياء والمرسلين , فقالوا : ( خضنا بحورا وقفت الأنبياء بسواحلها ) .
و( معاشر الأنبياء , أو تيتم اللقب , وأوتينا ما لم تؤتوه ) .
ونقلوا عن البسطامي أنه قال : ( تالله أن لوائي أعظم من لواء محمد صلى الله عليه وسلم , لوائي من نور تحته الجان والجن والإنس , كلهم من النبيين ) .
وهذا ما صرّح به بعضهم : ( مقـــــام النـــــبوة في بـــــــرزخ فـــــويق الرســــــول ودون الوليّ ) .
لأن ( الولاية : هي الفلك الأقصى , من سبح فيه اطلع , ومن اطلع علم , ومن علم تحول في صورة ما علم . فذلك الوليّ المجهول الذي لا يعرف , والنكرة التي لا تتعرّف , لا يتقيد بصورة , ولا تعرف له سريرة , يلبس لكل حالة لبوسها , أما نعيمها وإمّا بؤسها .
يـــــــوماً يمـــــــان إذا لاقيت ذا يـــمن وإن لاقيـــــــت معـــــــديا فعدنان
إمعة , لما في فلكه من السعة ) .
و ( إن الولاية هي المحيطة العامة , وهي الدائرة الكبرى , فمن حكمها أن يتولى الله من شاء من عباده بنبوة وهي من أحكام الولاية , وقد يتولاه بالرسالة وهي من أحكام الولاية أيضا . فكل رسول لابد أن يكون نبيا , وكل نبيّ لابد أن يكون وليا , فكل رسول لابد أن يكون وليا . فالرسالة بخصوص مقام في الولاية , والرسالة في الملائكة دنيا و آخرة , لأنهم سفراء الحق لبعضهم ... والرسالة في البشر لا تكون إلا في الدنيا , وينقطع حكمها في الآخرة , وكذلك تنقطع في الآخرة بعد دخول الجنة والنار نبوة التشريع , لا نبوة العامة .
وأصل الرسالة في الأسماء الإلهية . وحقيقة الرسالة إبلاغ كلام من متكلم إلى سامع . فهي حال لا مقام , ولا بقاء لها بعد انقضاء التبليغ , وهي تتجدد ) .
بخلاف الولاية فإنها لا تنقطع أبدا , ولا تحدّ , لا بالزمان ولا بالمكان , ولها الإنباء العام ( والله لم يتسمّ بنبي ولا برسول , وتسمّى بالوليّ , واتصف بهذا الاسم , فقال : الله ولي الذين آمنوا , وقال : هو الوليّ الحميد , وهذا الاسم باق جار على عباد الله دنيا وآخرة ) .
وأن الولي يعلم علمين : علم الشريعة , وعلم الحقيقة , أي الظاهر والباطن , والتنزيل والتأويل , حيث أن الرسول من حيث هو رسول ليس له علم إلا بالظاهر والتنزيل والشريعة ( فإذا رأيت النبي يتكلم بكلام خارج عن التشريع فمن حيث هو وليّ عارف , ولهذا مقامه من حيث هو عارف أتمّ وأكمل من حيث هو رسول أو ذو تشريع وشرع ) .
وأن النبي والرسول يستمدّ بالعلم والمعرفة من الملك الذي يبلغه الوحي الإلهي بواسطته , ولا يمكنه الأخذ من الله مباشرة , والوليّ يستمد المعرفة من حيث يأخذها الملك الذي يؤدي بدوره إلى الأنبياء والرسل ( فمرجع الرسول والنبي المشرع إلى الولاية والعلم ) .
فلذلك قال ابن عربي بصراحة لا تحتمل التأويل : ( وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من مشكاة الرسول الخاتم , ولا يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الوليّ الخاتم , حتى أن الرسل لا يرونه – متى رأوه – إلا من مشكاة خاتم الأولياء : فإن الرسالة والنبوة – أعني نبوة التشريع ورسالته – تنقطعان , والولاية لا تنقطع أبداً . فالمرسلون , من كونهم أولياء , لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء , فكيف من دونهم من الأولياء ؟ وإن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع , فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إليه , فإنه من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلى ... لما مثل النبي صلى الله عليه وسلم النبوة بالحائط من اللبّن وقد كَمُلَ سوى موضع لبِنَة , فكان صلى الله عليه وسلم تلك اللبنة . غير أنه صلى الله عليه وسلم لا يراها كما قال لبِنَة واحدة . وأما خاتم الأولياء فلا بد له من هذه الرؤيا , فيرى ما مثله به رسول الله صلى الله عليه وسلم , ويرى في الحائط موضع لبِنَتين , واللبن من ذهب وفضة . فيرى اللبنتين اللتين تنقص الحائط عنهما وتكمل بهما , لبنة ذهب ولبنة فضة , فلا بد أن يرى نفسه تنطبع في موضع تينك اللبنتين , فيكون خاتم الأولياء تينك اللبنتين . فيكمل الحائط . والسبب الموجب لكونه رآها لبنتين أنه تابع لشرع خاتم الرسل في الظاهر وهو موضع اللبنة الفضة , وهو ظاهره وما يتبعه فيه من الأحكام , كما هو آخذ عن الله في السر ما هو موضع اللبنة الذهبية في الباطن , فإنه أخذ من المعدن الذي يأخذ من الملك الذي يوحى به إلى الرسول .. فإن فهمت ما أشرت به فقد حصل لك العلم النافع بكل شيء . فكل نبي من لدن آدم إلى آخر نبي ما منهم أحد يأخذ إلا من مشكاة خاتم النبيين , وإن تأخر وجود طينته , فإنه بحقيقته موجود , وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ( كنت نبياً وآدم بين الماء والطين ) . وغيره من الأنبياء ما كان نبيا إلا حين بُعثَ , وكذلك خاتم الأولياء كان وليا وآدم بين الماء والطين , وغيره من الأولياء ما كان ولياً إلا بعد تحصيله شرائط الولاية من الأخلاق الإلهية في الاتصاف بها من كون الله تعالى تسمى ( بالولي الحميد ) . خاتم الرسل من حيث ولايته , نسبته مع الخاتم للولاية نسبة الأنبياء والرسل معه , فإنه الولي الرسول النبي . وخاتم الأولياء الولي الوارث الآخذ عن ألأصل المشاهد للمراتب ) .
ولا أدري كيف يدافع من يدافع عن ابن عربي بأنه لا يفضل الولي على النبي , وبعد هذه التصريحات كلها ؟ حيث يجعل خاتم الأولياء منبع العلوم , ومصدر الفيض لجميع الأنبياء والرسل , وأنهم لا يستمدون إلا منه , و لا يستقون إلا من ذلك المنهل والمورد , ولا يستضيئون إلا من مشكاته , وهذا الفيض الشيثي والعزيري نص في القضية .
ولذلك ردّ شيخ الإسلام ابن تيمية في رسائله بشدّة عليه , وعلى من نهج منهجه وسلك مسلكه , في رسائله وكتبه , ونسب كلامه إلى الكفر الذي تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا .
وقال شيخ الإسلام في فتاواه : ( وكذا لفظ ( خاتم الأولياء ) لفظ باطل لا أصل له , وأول من ذكره محمد بن علي الحكيم الترمذي , وقد انتحله طائفة كل منهم يدعي أنه خاتم الأولياء : كابن حمويه وابن عربي وبعض الشيوخ الضالين بدمشق وغيرها , وكل منهم يدعي أنه أفضل من النبي عليه السلام من بعض الوجوه , إلى غير ذلك من الكفر والبهتان , وكل ذلك طمعاً في رياسة خاتم الأولياء لما فاتتهم رياسة خاتم الأنبياء , وقد غلطوا , فإن خاتم الأنبياء إنما كان أفضلهم للأدلة الدالة على ذلك , وليس كذلك خاتم الأولياء . فإن أفضل أولياء هذه الأمة السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار , وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر رضي الله عنه , ثم عمر رضي الله عنه و ثم عثمان رضي الله عنه , ثم علي رضي الله عنه , وخير قرونها القرن الذي بعث فيه النبي صلى الله عليه وسلم , ثم الذين يلونهم , ثم الذين يلونهم , وخاتم الأولياء في الحقيقة آخر مؤمن تقي يكون في الناس , وليس ذلك بخير الأولياء , ولا أفضلهم بل خيرهم وأفضلهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه تعالى عنه , ثم عمر : اللذان ما طلعت شمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل منهما ) .
وقبل أن نورد نصوصا أخرى من القوم ممن خلف ابن عربي في مثل هذه المقولات وسبقوه نودّ أن نلفت أنظار القراء والباحثين إلى أن خاتم الأولياء الذي صعد وارتقى تلك المنزلة الكبرى , وحاز ذلك المنصب العظيم حتى ازداد على أنبياء الله ورسله , لم يكن عند ابن عربي إلا هو نفسه كما يقول في فتوحاته :
( أنا ختــــــــم الولاية دون شـك
 لورثي الهاشمي مع المســـيح
كـــــــــما أني أــــبو بـكر عتيق
أجـــــــاهل كلّ ذي جسـم وروح بــــــأرواح مثــــقفة طــــــــوال وتــــــــــــــرجمة بقرآن فصيح أشــــــدّ على كتــــيبة كل عــقل تـنازعني على الوحي الصريح لي الورع الذي يســمو اعتلاء على الأحــــوال بالنبأ الصحيح وســــاعدني عليه رجال صدق من الورعين من أهــل الفتوح يوالون الوجـــــــوب وكلّ ندب ويستثنون سلــــــــطنة المبيح ) .
وهناك تصريحات أخرى منه ومن أتباعه , نذكرها في ترجمته في باب مستقل في الجزء الثاني من هذا الكتاب , تحت تراجم كبراء المتصوفين – إن شاء الرحمن - .
وأما الحكيم الترمذي الذي منه أخذ ابن عربي تلك الفكرة في أخذ النبي العلم والمعرفة من الملك , وأخذ الوليّ بدون واسطة , فيقول في جواب سؤال : ما الفرق بين النبوة والولاية ؟ :
( الفرق بين النبوة والولاية أن النبوة كلام ينفصل من الله وحيا , ومعه روح من الله فيقضي الوحي ويختم بالروح ... والولاية لمن ولى الله حديثه على طريق أخرى , فأوصله إليه فله الحديث , وينفصل ذلك الحديث من الله عز وجل , على لسان الحق معه السكينة , تتلقاه السكينة في قلب المحدّث , فيقبله ويسكن إليه ) .
ثم يذكر خاتم الأولياء فيقول : ( لما قبض الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم صيّر في أمته أربعين صديقا بهم تقوم الأرض , وهم آل بيته , فكلما مات واحد منهم خلفه من يقوم مقامه , حتى إذا انقرض عددهم وأتى وقت زوال الدنيا إبتعث الله وليا اصطفاه واجتباه , وقرّبه وأدناه , وأعطاه ما أعطى الأولياء , وخصّه بخاتم الولاية , فيكون حجة الله يوم القيامة على سائر الأولياء فيوجد عنده بذلك الختم صدق الولاية على سبيل ما وجد عند محمد صلى الله عليه وسلم من صدق النبوة فلم ينله العدو , ولا وجدت النفس إليه سبيلا إلى الأخذ بحظها من الولاية .
فإذا برز الأولياء يوم القيامة و اقتضوا صدق الولاية والعبودية وجد الوفاء عند هذا الذي ختم الولاية تماما , فكان حجة الله عليهم وعلى سائر الموحدين من بعدهم , وكان شفيعهم يوم القيامة , فهو سيدهم , ساد الأولياء , كما ساد الأنبياء , فينصب له مقام الشفاعة , ويثني على الله تعالى ثناء ويحمده بمحامد يقرّ الأولياء بفضله عليهم في العلم بالله تعالى .
فلم يزل هذا الولي مذكورا في البدء , أولا في الذكر , وأولا في العلم , ثم هو الأول في المشيئة , ثم هو الأول في اللوح المحفوظ , ثم الأول في الميثاق , ثم الأول في المحشر , ثم الأول في الجوار , ثم الأول في الخطاب , ثم الأول في الوفادة , ثم الأول في الشفاعة , ثم الأول في دخول الدار , ثم الأول في الزيارة , فهو في كل مكان أول الأولياء ) .
وقد سئل : أين مقامه ؟ فقال : ( في أعلى منازل الأولياء , في ملك الفردانية , وقد انفرد في وحدانيته , ومناجاته كفاحا في مجالس الملك , وهداياه من خزائن السعي . قال : وما خزائن السعي ؟ قال : إنما هي ثلاث خزائن : المنن للأولياء , وخزائن السعي لهذا الإمام القائد , وخزائن القرب للأنبياء عليهم السلام , فهذا ( خاتم الأولياء ) مقامه من خزائن المنن , ومتناوله من خزائن القرب , فهو في السعي أبدا , فمرتبته هنا , ومتناوله من خزائن الأنبياء عليهم السلام , قد انكشفت له الغطاء عن مقام الأنبياء ومراتبهم وتحفهم ) .
ويقول أيضا : ( وقد يكون في الأولياء من هو أرفع درجة , وذاك عبد قد ولى الله استعماله , فهو في قبضته يتقلب , به ينطق , وبه يسمع , وبه يبصر , وبه يبطش , وبه يعقل , شهره في أرضه , وجعله إمام خلقه و وصاحب لواء الأولياء , وأمان أهل الأرض , ومنظر أهل السماء , وريحانة الجنان , وخاصة الله , وموضع نظره , ومعدن سره , وسوطه في أرضه , يؤدب به خلقه , ويحيي القلوب الميتة برؤيته , ويرد الخلق إلى طريقه , وينعش به حقوقه , مفتاح الهدى , وسراج الأرض , وأمين صحيفة الأولياء , و قائدهم , والقائم بالثناء على ربه , بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ! , يباهي به الرسول في ذلك الموقف , وينوه الله باسمه في ذلك المقام , ويقر عين رسول الله صلى الله عليه وسلم ! , قد أخذ الله بقلبه أيام الدنيا , ونحله حكمته العليا , وأهدى إليه توحيده , ونزه طريقه عن رؤية النفس , وظل الهوى , وأئتمنه على صحيفة الأولياء , وعرّفه مقاماتهم , وأطلعه على منازلهم . فهو سيد النجباء , وصالح الحكماء , وشفاء الأدواء , وإمام الأطباء . كلامه قيد القلوب , ورؤيته شفاء النفوس , وإقباله قهر الأهواء , وقربه طهر الأدناس , فهو ربيع يزهر نوره أبداً , وخريف يجنى ثماره دأبا , وكهف يلجأ إليه , ومعدن يؤمل ما لديه , وفصل بين الحق والباطل . وهو الصديق والفاروق والولي والعارف والمحدّث . هو واحد الله في أرضه ) .
وأما ما قاله المتأخرون فهو أظهر وأصرح , فيقول داود القيصري : ( فالنبوة دائرة تامة مشتملة على دوائر متباينة متفاوتة في الحيطة , وقد علمت أن الظاهر لا يأخذ التأييد والقوة والتصرف والعلوم , وجميع ما يفيض من الحق تعالى عليه إلا بالباطن : وهو مقام الولاية , المأخوذ من الولي , وهو القرب , والوليّ بمعنى الحبيب أيضا منه .
فباطن النبوة الولاية , وهي تنقسم بالعامة والخاصة . فلأولى تشتمل على كل من آمن بالله وعمل صالحا , على حسب مراتبهم كما قال الله تعالى : { الله وليّ الذين آمنوا } .
والثانية تشتمل على الواصلين من السالكين فقط , عند فنائهم فيه وبقائهم به في الولاية الخاصة , عبارة عن فناء العبد في الحق . فالوليّ هو الفاني فيه الباقي به . .... وهذا الفناء موجب لأن يتعين العبد بتعيّنات حقانية وصفات ربانية مرة أخرى , وهو البقاء بالحق , فلا يرتفع التعين منه مطلقا , وهذا المقام دايرة أتمّ وأكبر من دايرة النبوة , لذلك انختمت النبوة , والولاية دائمة , وجعل الوليّ , اسما من أسماء الله تعالى دون النبي , ولما كانت الولاية أكبر حيطة من النبوة وباطنا لها , شملت الأنبياء والأولياء . فالأنبياء هم أولياء فانون بالحق , باقون به , منبئون عن الغيب وأسراره .... ولا نهاية لكمال الولاية , فمراتب الأولياء غير متناهية ) .
هذا ومثل هذا كثير عنده .
وهناك تلميذ آخر لابن عربي شيعي , فقال مثل ما قاله القيصري : ( وفي الحقيقة : الولاية هي باطن النبوة , والفرق بين النبي والرسول والوليّ أن النبي والرسول لهما التصرف في الخلق بحسب الظاهر والشريعة , والولي له التصرف فيهم بحسب الباطن والحقيقة ومن هذا قالوا : النبوة تنقطع , والولاية لا تنقطع أبدا ) .
وقال النسفي عزيز الدين بن محمد المتوفى 671 هـ في كتابه ( زبدة الحقائق ) : ( إن طائفة من الصوفية ذهبت إلى تفضيل الولاية على النبوة , وقالوا : أن النبوة باطنها الولاية , وأما الولاية فباطنها عالم الإله ) .
هذا ما ذكره في كتابه ( زبدة الحقائق ) , وبمثل ذلك ذكر في كتابه ( الإنسان الكامل) .
وأما ما قاله في كتابه ( كشف الحقائق ) فهو : ( أيها العارف , إن العارفين عند أهل الوحدة ثلاثة طوائف : حكماء وأنبياء وأولياء , فالحكيم من يكون عارفا بطبائع الأشياء , والنبي من يكون عارفا بطبائع الأشياء وخواصّها , والولي من يكون عارفا بطبائع الأشياء وخواصّها وحقائقها , فظهر أنه لا يوجد في العالم أحد يضاهي الوليّ في العلم والقدرة , لأن الله له تجليّان : تجلي عام , تجلي خاص .
فالتجلي العام عبارة عن أفراد الموجودات , والتجلي الخاص عبارة عن الوليّ , وهذا هو معنى قول الله عز وجل : { فالله هو الوليّ وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما } ) .
ويقول في موضع آخر من كتابه : ( المعرفة تنقسم إلى ثلاثة أقسام : الأول معرفة طبيعة كل شيء , وهذه رتبة الحكماء , والثاني معرفة خاصية كل شيء , وهذه رتبة الأنبياء , والثالث معرفة حقيقة كل شيء , وهذه رتبة الأولياء , وأعلم أن أهل الوحدة فضّلوا النبي على الحكيم , والوليّ على النبيّ , فإن كل نبي حكيم , وكل وليّ نبيّ , وليس كل نبي وليّ ) .
وأما الصوفي آخر سعد الدين حمويه فيقول في مثنويّه : ( واو الولاية أقرب إلى الحضرة الإلهية من نون النبوة , فلأجل هذا التقرب تعتبر الولاية أفضل من النبوة , ثم يبيّن ذلك في أبياته قائلا :
الحرف الأول من كلمة الولاية هو الـــواو والواو في وســــطها ألف أيها المــــــريد والحرف الأول من كلمة النبوة هو النون والنـــــــون في وســــــــطها حرف الواو فإذن الــــــــــوليّ قــــــلب النبي وروحه وروح الـــــــــوليّ هو ذات الله ونفـــسه ) .
فهذه هي عقيدة المتصوفة في الأولياء , والولاية , عين تلك العقيدة الشيعية الشنيعة التي ذكرناها من قبل , وهي تتضمن تفضيل الأولياء على أنبياء الله ورسله , والبعض الآخر كتموها عملا بالتقية التي لم يأخذوها أيضا إلا من الشيعة كما سنذكرها .
فإن الوليّ عندهم فوق الرسول والنبي , ودون الله قليلا , وأحيانا يحذفون هذا الفرق البسيط أيضا بينه وبين الله , ويجعلونه ذات الله وعينه , سواء اتحد به , أو ذلك اتحد به , وعلى ذلك قالوا :
( لو كشف عن حقيقة الوليّ لعبد ) .
 
 
 
إجْــرَاءُ النُّــبُوة
وبهذه المناسبة نريد أن نذكر ههنا عقيدة صوفية خبيثة أخرى , أخذوها من بعض فرق الشيعة , من الخطابية , والخرمية , والمنصورية وغيرها بأن رسالة الله لا تنقطع أبدا , وأن النبوة جارية , ويأتي نبيّ حينا بعد حين .
وهم بدورهم أخذوها من اليهودية مثل العقائد الأخرى كما ذكره ولهوزن : ( أن النبي الصادق واحد يعود أبدا ) .
ومعلوم أن هذه العقيدة لم تعتنقها فرق الشيعة إلا للقضاء على الإسلام وهدم كيانه , وفتح الأبواب على الدجالين والكذابين لترويج نبواتهم الباطلة ودعاويهم الكاذبة , وإخراج المسلمين عن حظيرة الإسلام , وإدخالهم في بؤرة الكفر والإرتداد , وإبعادهم عن محمد الصادق المصدوق الأمين عليه الصلاة والسلام وعن شريعته السماوية السمحاء , ونشر الفتن والقلاقل بينهم , وفكّ جمعيتهم , وتشتيت شملهم , وتفريق كلمتهم , وتمزيق جماعتهم , والقضاء على شأنهم وشوكتهم , وسدّ سيل النور كي لا يعمّ المعمورة , ويشمل الكون , ووضع العراقيل في طريقه , مخالفين النصوص الصريحة المعارضة في كلام الله المحكم , وحديث رسول الله الثابت عنه عليه الصلاة والسىلام مثل قوله جل وعلا : { مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ } .
وقوله تبارك وتعالى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا } .
وقوله جلّ من قائل : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } . وقوله : { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا } .
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنا خاتم النبيين لا نبيّ بعدي )    .
وقوله عليه الصلاة والسلام : إني آخر الأنبياء ومسجدي آخر المساجد ) . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أحسن بنيانه , ترك منه موضع لبنة , فطاف به النظار يتعجبون من حسن بنيانه إلا موضع تلك اللبنة , فكنت أنا سددت موضع اللبنة , ختم بي البنيان , ختم بي الرسل ) .
وغيرها من الأحاديث الكثيرة الكثيرة في هذا المعنى ولكن القوم يقولون عكس ذلك , معرضين عن كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم , متبعين غير سبيل المؤمنين , فيقول شيخهم الأكبر متفوها الكفر الصريح : ( ويجمع النبوة كلها أم الكتاب , ومفتاحها : بسم الله الرحمن الرحيم . فالنبوة سارية إلى يوم القيامة في الخلق . وإن كان التشريع قد انقطع , فالتشريع جزء من أجزاء النبوة , فإنه يستحيل أن ينقطع خبر الله وأخباره من العالم , إذ لو انقطع لم يبق للعالم غذاء يتغذى به في بقاء وجوده : قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا , : ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله , وقد أخبر الله أنه ما من شيء يريد إيجاده إلا يقول له : كن , فهذه كلمات الله لا تنقطع , وهي النداء العام لجميع الموجودات . فهذا جزء واحد من أجزاء النبوة لا ينفد , فأين أنت من باقي الأجزاء التي لها ) .
فهذه هي عقيدة القوم بلسان قدّيسهم , وفي فتوحاته التي يقولون فيها , وفيه :
فتــــوحات شيخي غادة مدنية كستها نفيسات العـــلوم ملابسا فلا عجب لو تشتهيها نفوسنا وأبحاثها أبدت إليــــــــنا نفائسا فلله دّر الشـــيخ أكبر عصره بأنفـاسه لا زال يحيى المجالسا
وهذه العقيدة هي التي شجعت الكثيرين من المتنبئين والكذابين على الله أن يدّعو النبوة بعد محمد صلوات الله وسلامه عليه , مثل الغلام القادياني الذي استشهد على تنبئه بكلام ابن عربي هذا , وغيره من الدجاجلة الآخرين , مع تصريح رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالون , كلهم يزعم أنه رسول الله , وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي ) .
ولكن ابن عربي يقول معاكسا لذلك في فتوحاته : ( ويتضمن هذا الباب المسائل التي لا يعلمها إلا الأكابر من عباد الله , الذين هم في زمانهم بمنزلة الأنبياء في زمان النبوة , وهي النبوة العامة . فإن النبوة التي انقطعت بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هي نبوة التشريع لا مقامها فلا شرع يكون ناسخا لشرعه صلى الله عليه وسلم , ولا يزيد في حكمه شرعا آخر , وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم : إن الرسالة والنبوة انقطعت , فلا رسول بعدي ولا نبي , أي لا نبيّ بعدي يكون على شرع يكون مخالفا لشرعي , بل إذا كان , يكون تحت حكم شريعتي ... فهذا هو الذي انقطع وسدّ بابه , لا مقام النبوة ) .
فهل يقول المتنبئون الدجالون الكذابون غير هذا ؟
فإنهم لا يلتقطون إلا من موائد الصوفية وخوانها , ولا يستوحون إلا من أمثال شيخهم الأكبر .
ويقول ابن عربي كذلك مجيبا على سؤال الترمذي الملقب بالحكيم : أين مقام الأنبياء من مقام الأولياء ؟ يجيب على هذا ويقول : ( وإن كان سؤاله عن مقام الأنبياء من الأولياء , أي أنبياء الأولياء – وهي النبوة التي قلنا أنها لم تنقطع , فإنها ليست نبوة الشرائع – وكذلك في السؤال عن مقام الرسل , الذين هم أنبياء فلنقل في جوابه : أن أنبياء الأولياء , مقامهم من الحضرات الإلهية الفردانية , والاسم الإلهي الذي تعبدهم ( هو ) الفرد , وهم المسمون الأفراد . فهذا هو مقام نبوة الولاية , لا نبوة الشرائع . وأما مقام الرسل , الذين هم أنبياء فهم الذين لهم خصائص على ما تعبدوا به أتباعهم . كمحمد صلى الله عليه وسلم , فيما قيل له : ( خالصة لك من دون المؤمنين ) في النكاح بدون الهبة . فمن الرسل من لهم خصائص على أمتهم ومنهم من لا يختصه الله بشيء دون أمته .
وكذلك الأولياء  : فيهم أنبياء , أي خصوا بعلم لا يحصل إلا لنبي , من العلم الإلهي . ويكون حكمهم من الله , فيما أخبرهم به , حكم الملائكة . ولهذا قال (تعالى ) في نبي الشرائع : ( ما لم تحط به خبرا ) , أي ما هو ذوقك , يا موسى ! مع كونه كليم الله . فخرق ( الخضر ) السفينة , وقتل الغلام حكماً , وأقام الجدار - مكارم خلق – عن حكم أمر الإلهي , ( هذا كله ) كخسف البلاد على يدي جبريل ومن كان من الملائكة . ولهذا كان الأفراد من البشر بمنزلة المهيمن من الملائكة , وأنبياؤهم منهم بمنزلة الرسل من الأنبياء ) .
هذا ويقول الآخرون مثل ما قاله ابن عربي , فيقول الفرغاني :
( أما الولاية فهي التصرف في الخلق بالحق , وليست في الحقيقة إلا باطن النبوة , لأن النبوة ظاهرة الأنباء , وباطنها التصرف في النفوس بإجراء الأحكام عليها .
والنبوة مختومة من حيث الأنباء , إذ لا نبيّ بعد محمد صلى الله عليه وسلم , دائمة من حيث الولاية والتصرف ) .
وأما السهروردي المقتول فيقول : ( إن اتفق في الوقت متوغل في التأله والبحث فله الرياسة , وإن لم يتفق فالمتوغل في التأله المتوسط في البحث . وإن لم يتفق فالحكيم المتوغل في التأله عديم البحث , وهو خليفة الله . ولا تخلو الأرض من متوغل في التأله أبدا ) .
فهذه هي عقيدة أخرى منافية للإسلام ومخالفة له , ومعارضة لأسسه وقواعده , مناقضة لشرعته وتعاليمه , متبطنة الكفر أشد الكفر , ومتضمنة الارتداد كل الارتداد , مأخوذة من الشيعة واليهودية .
ومعروف أنهم لم يخترعوا هذه العقيدة ولم يختلقوها ليوصلوا المتصوفة إلى مقام النبوة ومكانتها كما وصّل الشيعة إليها أئمتهم , فوصفوهم بجميع أوصاف النبوة , واختصاصاتها , ومن أهمها العصمة .
 
 
الــعِصْـمَة
فالعصمة في تبليغ رسالات الله ضرورية للأنبياء والرسل كي لا يقع الخطأ والغلط في أداء أوامر الله ونواهيه , وأحكام الله وإرشاداته , فيدعمون ويسددون بالوحي ونزول الملائكة عليهم , فما ينطقون عن الهوى , ويجب اتباعهم في كل ما يقولونه ويأمرون به , لسلامتهم من الخطأ , والزلل بخلاف غيرهم , فإنه يمكن عليهم الخطأ والنسيان , والزلل والغلط , فلا يؤمن جانبهم من هذه الأمور كلها .
ولكن الشيعة الذين جعلوا أئمتهم كالأنبياء أو المشاركين في النبوة والمضاهين لها , اختلقوا لهم هذه المكانة , وادعوا لهم هذه المنزلة , فقالوا : ( إن الإمام يجب أن يكون معصوما ) .
وقال ابن بابويه القمي الملقب بالصدوق عند الشيعة : ( اعتقادنا في الأنبياء والرسل والأئمة والملائكة عليهم السلام أنهم معصومون مطهرون من كل دنس , وأنهم لا يذنبون ذنبا صغيرا ولا كبيرا , و لا يعصون ما أمرهم , ويفعلون ما يؤمرون , ومن نفى عنهم العصمة في شيء من أحوالهم فقد جهلهم , ومن جهلهم فهو كافر . واعتقادنا فيهم أنهم معصومون موصوفون بالكمال والتمام والعلم من أوائل أمورهم وأواخرها , لا يوصفون في شيء من أحوالهم بنقص ولا عصيان ولا جهل ) .
وقال خاتمة محدثي الشيعة ملاّ باقر المجلسي : ( الشرط الثاني في الإمام أن يكون معصوما , وإجماع الإمامية منعقد على أن الإمام مثل النبيّ صلى الله عليه وآله معصوم من أول عمره إلى آخر عمره من جميع الذنوب الصغائر والكبائر والأحاديث المتواترة على هذا المضمون واردة ) .
ورووا في هذا الخصوص روايات مكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم , وعلى عليّ رضي الله عنه وأولاده .
منها ما رواها ابن بابويه القمي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه أنه قال : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : أنا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون ) .
وروى المفيد في أماليه عن جعفر بن محمد أنه قال : ( إن الله فرض ولايتنا وأوجب مودتنا ,والله , ما نقول بأهوائنا , ولا نعمل بآرائنا , ولا نقول إلا ما قال ربنا عز وجل ) .
وقال ابن بابويه القمي في كتاب الخصال مفسرا قول الله عز وجل : لا ينال عهدي الظالمين , يقول في تفسير : ( فإذن لا يكون الإمام إلا معصوما , ولا تعلم عصمته إلا بنصّ الله عز وجل عليه ) .
وبمثل ذلك قال المتصوفة في كبرائهم وأوليائهم .
وقبل أن نذكر النصوص في هذا الخصوص نورد ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الباب عن الشيعة ومن تبعهم في ذلك من المتصوفين : ( وكذلك الرافضة موصوفون بالغلو عند الأمة فإن فيهم من ادّعى الإلهية في علي وهؤلاء شر من النصارى وفيهم من ادعى النبوة فيه ومن أثبت نبيا بعد محمد فهو شبيه بأتباع مسيلمة الكذاب وأمثاله من المتنبئين إلا أن عليا رضي الله عنه بريء من هذه الدعوة بخلاف من ادعى النبوة لنفسه كمسيلمة وأمثاله وهؤلاء الإمامية يدعون ثبوت إمامته بالنص وأنه كان معصوما هو وكثير من ذريته وأن القوم ظلموه وغصبوه ودعوى العصمة تضاهي المشاركة في النبوة فإن المعصوم يجب إتباعه في كل ما يقول لا يجوز أن يخالف في شيء وهذه خاصة الأنبياء ولهذا أمرنا أن نؤمن بما أنزل إليهم فقال تعالى { قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } فأمرنا أن نقول آمنا بما أوتى النبيون وقال تعالى { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } وقال تعالى { ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين } فالإيمان بما جاء به النبيون مما أمرنا أن نقوله ونؤمن به وهذا مما اتفق عليه المسلمون أنه يجب الإيمان بكل نبي ومن كفر بنبي واحد فهو كافر ومن سبه وجب قتله باتفاق العلماء وليس كذلك من سوى الأنبياء سواء سموا أولياء أو أئمة أو حكماء أو علماء أو غير ذلك فمن جعل بعد الرسول معصوما يجب الإيمان بكل ما يقول فقد أعطاه معنى النبوة و إن لم يعطه لفظها ويقال لهذا ما الفرق بين هذا وبين أنبياء بني إسرائيل الذين كانوا مأمورين باتباع شريعة التوراة وكثير من الغلاة في المشايخ يعتقد أحدهم في شيخه نحو ذلك ويقولون الشيخ محفوظ ويأمرون باتباع الشيخ في كل ما يفعل لا يخالف في شيء أصلا وهذا من جنس غلو الرافضة والنصارى والإسماعيلية تدعي في أئمتها أنهم كانوا معصومين وأصحاب ابن تومرت الذي ادعى أنه المهدي يقولون أنه معصوم ويقولون في خطبة الجمعة الإمام المعصوم والمهدي المعلوم ويقال أنهم قتلوا بعض من أنكر أن يكون معصوماً ومعلوم أن كل هذه الأقوال مخالفة لدين الإسلام للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها فإن الله تعالى يقول { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول } الآية فلم يأمرنا بالرد عند التنازع إلا إلى الله والرسول فمن أثبت شخصا معصوما غير الرسول أوجب رد ما تنازعوا فيه إليه لأنه لا يقول عنده إلا الحق كالرسول وهذا خلاف القرآن وأيضا فإن المعصوم تجب طاعته مطلقا بلا قيد ومخالفه يستحق الوعيد والقرآن إنما أثبت هذا في حق الرسول خاصة قال تعالى { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم اله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا } وقال { ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا } . فدل القرآن في غير موضع على أن من أطاع الرسول كان من أهل السعادة ولم يشترط في ذلك طاعة معصوم آخر ومن عصى الرسول كان من أهل الوعيد وإن قدر أنه أطاع من ظن أنه معصوم فالرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي فرق الله به بين أهل الجنة وأهل النار وبين الأبرار والفجار وبين الحق والباطل وبين الغي والرشاد والهدى والضلال وجعله القسيم الذي قسم به عباده إلى شقي وسعيد فمن اتبعه فهو السعيد ومن خالفه فهو الشقي وليست هذه المرتبة لغيره ولهذا اتفق أهل العلم أهل الكتاب والسنة على أن كل شخص سوى الرسول فإنه يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يجب تصديقه في كل ما أخبر وطاعته في كل ما أمر فإنه المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) . وهو كما قال شيخ الإسلام أن الصوفية يعتقدون في أوليائهم ما يعتقد الشيعة في أئمتهم من تأليههم , وجعلهم أنبياء أو كالأنبياء , معصومين , ولو أنهم كثيرا ما يتجنبون عن استعمال هذه اللفظة , ويستبدلونها بالحفظ , ولا يقصدون من ورائها إلا العصمة التي يستعملها الشيعة توقيا وتحفظا من طعن الطاعنين واعتراض المعترضين , وسترا لتك الصلة الوثيقة التي تربطهم مع الشيعة , لو أن بعض المتهورين منهم لم يراعوا هذا الكتمان والإخفاء , وباحوا بهذا السر جهرا وعلنا , عارفين بأن تقيتهم هذه لا تسمن ولا تغني من جوع , لأن المراد من كلتا اللفظتين واحد , لا اختلاف بينهما من حيث المدلول , فقال قائلهم : ( وأما صور تلقيات الموحدين الخطابية فهو أن تنبعث اللطفية الإنسانية مجردة عن الفكر طالبة ما لا تعلم منه إلا نسبة الوجود إليه بتقييدها به فإذا نزل هذا العقل بحضرة من الحضرات نزل إليه بحكم التدلي أو برز له أو ظهر له اسم من الأسماء الحسنى بما فيه من الأسرار فيهبه بحسب تجريده وصحة قصده وعصمته في طريقه فيرجع إلى عالم كونه عالما بما ألقي إليه من علم ربه بربه أو من علم ربه بضرب من كونه ثم ينزل نزولا آخر هكذا أبدا ( ما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي ) وهو خير البشر وأكثرهم عقلا وأصحهم فكرة وروية فأين الفكر هنا هيهات تلف أصحاب الأفكار والقائلون باكتساب النبوة والولاية كيف لهم ذلك والنبوة والولاية مقامان وراء طور العقل ليس للعقل فيهما كسب بل هما اختصاصان من الله تعالى لمن شاء ) .
فاستعمل الشيخ الأكبر للصوفية العصمة للأنبياء والأولياء , وسوّى بينهما , ولم ير الفرق في كونهما مصطفين مختارين من قبل الله عز وجل , ومزلتهما ومكانتهما لا تدركان بالعقل , ومنصبهما لا يكتسب .
وقال في مقام آخر : ( إن من شرط الإمام الباطن ( يعني الولي ) أن يكون معصوما , وليس الظاهر إن كان غيره مقام العصمة ) .
وبمثل ذلك قال أبو الحسن الشاذلي : ( إن من خواص القطب إمداد الله له بالرحمة والعصمة والخلافة والنيابة ) .
وروى صوفي قديم أبو عبد الرحمن السلمي في ( طبقات الصوفية) عن أبي بكر محمد الدينوري أنه سئل عن علامة الصوفي ما هي ؟ فقال : ( أن يكون مشغولا بكل ما هو أولى به من غيره , ويكون معصوما عن المذمومات ) .
ونقل الدكتور عبد الحليم محمود عن صوفي متقدم أبي بكر الواسطي المتوفى 320هـ أنه قسّم المتصوفة على ثلاثة أقسام , فقال : ( الناس على ثلاث طبقات , الطبقة الأولى : منّ الله عليهم بأنوار الهداية , فهم معصومون من الكفر والشرك والنفاق . والطبقة الثانية : منّ الله عليهم بأنوار العناية فهم معصومون من الصغائر والكبائر . والطبقة الثالثة : منّ الله عليهم بالكفاية فهم معصومون عن الخواطر الفاسدة وحركات أهل الفضيلة ) .
ويزيل السهروردي عبد القاهر في عوارفه بعض الحجاب عن ذلك السرّ الذي طالما أخفاه على تشيّعهم , ومصدر تصوفهم , ومنبع أفكارهم , فيقول : ( الشيخ للمريدين أمين الإلهام , كما أن جبريل أمين الوحي , فكما لا يخون جبريل في الوحي , لا يخون الشيخ في الإلهام , وكما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى فالشيخ مقتد برسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا , لا يتكلم بهوى النفس ) .
لأن الشيخ ( والعرف معدن علم الله , مرضع أرواح الطالبين بنفسه , صحف أسرار ربّ العالمين بروحه , العارف وأن كان بدويا وحشيا فهو معدن العقل والعلم ) .
وهم معصومون ( لأنهم أطفال في حجر الحق ) . ( كالأب الشفيق ) . أو ( كولد اللبوة في حجرها ) .
و ( أنهم قائمون بالله , قد تولى الله أمرهم , فإذا ظهرت منهم طاعة , لم يرجوا عليها ثوابا , لأنهم لم يرو أنفسهم محلا لها , وإن ظهرت منهم زلّة فالدية على العاقلة , لم يشاهدوا غيره في الشدة والرخاء , قيامهم بالله , ونظرهم إليه , وخوفهم هيبته , ورجاؤهم الأنس به ) .
و ( أنهم لا يعرفون إبليس والشيطان ) . ( وأما خلق الله أهون عليهم من إبليس , ولولا أن الله أمرهم أن يتعوذوا منه ما تعوذوا منه ) .
ولربما استعملوا الحفظ على أوليائهم ومتصوفيهم , بدل العصمة الشيعية لأئمتهم , لكن في نفس المعنى والمقصود , فقالوا : ( ومن شرط الوليّ أن يكون محفوظا , كما أن من شرط النبي أن يكون معصوما ) .
لأن الحق يتولى تصريفه ( فيصرّفه في وظائفه وموافقاته , فيكون محفوظا فيما لله عليه , مأخوذا عما له وعن جميع المخالفات , فلا يكون له إليها سبيل وهو العصمة ) .
و ( أن تصير الأشياء كلها له واحدة , فتكون كل حركاته في موافقات الحق دون مخالفاته ) .
و ( لطائف الله في عصمة أنبيائه وحفظ أوليائه أكثر من أن تقع تحت الإحصاء والعدّ ) .
وبمثل ذلك قال القشيري : ( الوليّ له معنيان : أحدهما : فعيل بمعنى مفعول , وهو من يتولى الله سبحانه وتعالى أمره , قال تعالى ك { وهو يتولى الصالحين } , فلا يكله إلى نفسه لحظة , بل يتولى الحق سبحانه رعايته . والثاني : فعيل مبالغة من الفاعل , وهو الذي يتولى عبادة الله وطاعته , فعبادته تجري على التوالي , من غير أن يتخللها عصيان .
وكلا الوصفين واجب حتى يكون الوليّ وليا : يجب قيامه بحقوق الله تعالى على الاستقصاء والاستيفاء , ودوام حفظ الله تعالى إياه في السراء والضراء ) .
وقال أيضا : ( فإن قيل : ما معنى الوليّ ؟ قيل : يحتمل أمرين : أحدهما أن يكون فعيلا مبالغة من الفاعل , كالعليم والقدير وغيره فيكون معناه : من توالت طاعاته من غير تخلل معصية .
ويجوز أن يكون فعيلا بمعنى مفعول , كقتيل بمعنى مقتول , وجريح بمعنى مجروح , وهو الذي يتولى الحق سبحانه , حفظه وحراسته على الادامة والتوالي , فلا يخلق له الخذلان الذي هو قدرة العصيان , وإنما يديم توفيقه الذي هو قدرة الطاعة , قال الله تعالى : { وهو يتولى الصالحين } ) .
وبمثل ذلك قال الحكيم الترمذي تحت عنوان ( وليّ حق الله ووليّ الله ) : ( فهؤلاء كلهم أولياء حقوق الله , وهم أولياء الله يصيرون إلى الله تعالى في مراتبهم , فيحلون بها ويتنسمون روح القرب , ويعيشون في فسحة التوحيد والخروج عن رقّ النفس , قد لزموا المراتب , فلا يشتغلون بشيء إلا بما أذن لهم فيه من الأعمال . فإذا صرفهم الله من المرتبة إلى عمل أبدانهم حرسهم , فيمضون مع الحرس في تلك الأعمال , ثم ينقلبون إلى مراتبهم , هذا دأبهم ) .
وعلق ابن عجيبة على قول الشبلي : ( الصوفية أطفال في حجر الحق تعالى ) , علق عليه بقوله : ( يعني أنه يتولى حفظهم وتدبيرهم على ما فيه صلاحهم ولا يكلهم إلى أنفسهم ) .
وظاهر أن من يكون هذا شأنه لا يكون إلا معصوما محضا , لذلك أن الصوفية حينما يستعملون الحفظ , لا يريدون من وراء ذلك إلا العصمة , ولذلك ذكر الهجويري كلتا اللفظتين في معنى واحد , بصورة الألفاظ المترادفة حيث حكى عن الجنيد أنه قال ك ( تمنيت وقتا ما أن أرى إبليس - عليه اللعنة – وذات يوم كنت واقفا بباب المسجد , فإذا بشيخ يقبل من بعيد متجها إلى , فلما رأيته أحسست وحشة في قلبي , فلما اقترب مني قلت : من أنت أيها الشيخ , إذ لا طاقة لعيني برؤية وجهك من الوحشة , لا طاقة لقلبي بالتفكير فيك من الهيبة ؟ قال : أنا الذي تتمنى مشاهدتي . قلت : يا ملعون ! ما منعك أن تسجد لآدم ؟ قال : يا جنيد كيف تصور أني أسجد لغيره ؟ قال الجنيد : فتحيرت في كلامه , فنوديت في سري أن : ( قل له : كذبت , لو كنت خرجت عن أمره ونهيه . فسمع النداء من قلبي , فصاح وقال : أحرقتني بالله ! وغاب ) .
ثمّ علق عليها بقوله : ( وفي هذه الحكاية دليل على حفظه وعصمته , لأن الله سبحانه وتعالى يحفظ أولياءه في كل الأحوال من كيد الشيطان ) .
وتؤيد وتدعم أنهم يدّعون أولياءهم ومتصوفيهم معصومين , مقولاتهم في كتبهم أنه لا يجوز الاعتراض على وليّ من أوليائهم أو على أحد من متصوفيهم , لو كان عمله يعارض الشرع , أو يظهر بصورة منكرة , فيقول الشعراني : ( من دخل في صحبة شيخ , ثم اعترض عليه بعد ذلك فقد نقض عهد الصحبة ) .
ثم نقل حكايتان خبيثتين تدلان على عقيدة القوم في مشائخهم وكونهم معصومين , فيقول : ( كان أبو سهل الصعلوكي رحمه الله يقول : كان لبعض الأشياخ مجلس يفسر فيه القرآن العظيم فأبدله بمجلس قوال , فقال مريد بقلبه : كيف يبدل مجلس القرآن بمجلس قوال ؟ فناداه الشيخ : يا فلان , من قال لشيخه : لم , لم يفلح . فقال المريد : التوبة ... وزار أبو تراب النخشبي وشقيق البلخي أبا يزيد البسطامي , فلما قدّم خادمه السفرة قلا له : كل معنا يا فتى , فقال : لا , إني صائم . فقال له أبو تراب : كل , ولك أجر صوم شهر . فقال : لا , فقال له شقيق : كل , ولك أجر صوم سنة , فقال : لا , فقال أبو يزيد : دعوا من سقط من عين رعاية الله عز وجل , فسرق ذلك الشاب بعد سنة , فقطعت يده عقوبة له على سوء أدبه مع الأشياخ , ثم نقل عن الشيخ برهان الدين أنه قال : من لم ير خطأ الشيخ أحسن من صوابه لم ينتفع به ) .
وبمثل ذلك قال شيخ الأزهر السابق نقلا عن سيده أحمد الدردير أنه قال : ( فالآداب التي تطلب من المريد في حق شيخه أوجبها تعظيمه وتوقيره ظاهرا وباطنا , وعدم الاعتراض عليه في أيّ شيء فعله , ولو كان ظاهره أنه الحرام , ويؤول ما انبهم عليه , وتقديمه على غيره , وعدم الالتجاء لغيره من الصالحين , فلا يزور وليا من أهل العصر , ولا صالحا إلا بإذنه , ولا يحضر مجلس غيره إلا بإذنه , ولا يسمع من سواه حتى يتمّ سقيه من ماء سرّ شيخه ) .
فهل هناك ضلال بعد هذا الضلال , وتسفيه للعقول بعد هذا كله ؟ ومن رجل جعل شيخا لأكبر جامعة إسلامية وأقدمها في العالم ؟
{ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ } .
ولطرافة كلام الشيخ ننقل ههنا ما كتبه في آداب المريد , فيقول : ( ومن آداب المريد للشيخ : أن لا يكثر الكلام بحضرته ولو باسطه , ولا يجلس على سجادته , ولا يسبح بسبحته , ولا يجلس في المكان المعدّ له , ولا يلح عليه في أمر , ولا يسافر , ولا يتزوج , ولا يفعل فعلا من الأمور المهمة إلا بإذنه , ولا يمسك يده للسلام مثلا ويده مشغولة بشيء كقلم أو أكل أو شرب , بل سلم بلسانه , وينتظر بعد ذلك ما يأمر به , وأن لا يمشي أمامه ولا يساويه في مشي إلا بليل مظلم ليكون مشيه أمامه صونا له من مصادفة ضرر ... وأن يرى كل بركة حصلت له من بركات الدنيا والآخرة فببركته ... وأن يصبر على جفوته وإعراضه عنه , ولا يقول : لم فعل بفلان كذا ولم يفعل بي كذا , وإلا لم يكن مسلما له قيادة : إذ من أعظم الشروط تسليم قيادة له ظاهرا وباطنا ... وأن يجعل كلامه على ظاهره فيمتثله إلا القرينة صارفة عن إردادة الظاهر , فإذا قال له : اقرأ كذا , أو صلّ كذا , أو صم كذا وجب عليه المبادرة , وكذا إذا قال له وهو صائم : أفطر وجب عليه الفطر , أو قال : لا تصلّ كذا إلى غير ذلك ... وأن لا يدخل عليه في خلوة إلا بإذنه , وأن لا يرفع الستارة التي فيها الشيخ إلا بإذنه وإلا هلك كما وقع لكثير ) .
فلنرجع إلى موضوعنا ونقول : إن القوم يجعلون متصوفيهم معصومين حيث لا يجيزون الاعتراض عليهم , ويقولون : ( من قال لأستاذه : لِمَ لا يفلح ) . لأن ( الشيخ في أهله كالنبي في أمته ) .
وعلى ذلك قال القشيري : ( من شرط المريد أن لا يكون بقلبه اعتراض على شيخه ) .
وهناك حكايات ومقولات كثيرة في هذا المعنى تنبئ وتدلّ صراحة على أن عصمة المتصوفة وأوليائهم , مثل عصمة الأنبياء , وبتعبير صحيح كعصمة أئمة الشيعة , مثل الحكاية التي رواها ابن عجيبة في فتوحاته , عن بعض مشائخه قال : ( رأيت يوما شخصا استحسنته فإذا لطمه وقعت على عيني , فسالت على خدي , فقلت : آه فقيل لي : لحظة بلطمة , لو زدت لزدناك ) .
فمن كان هذا القائل يا ترى ؟ فانظر كيف يدّعون العصمة حتى من النظر إلى أحد بتلذذ ؟
وكذلك نقل أحد الرفاعيين عن الرفاعي أنه قال : ( قال لي الشيخ يعقوب : رأيت الشيطان واقفا على باب داري فهممت بضربه , فقال : أي يعقوب , أنتم أهل الإنصاف , إن في بيتكم الأحمر والأصفر ( أي الذهب والفضة أو الدنانير والدراهم ) , وهما لي كيف لم أجيء إلى بيتكم ؟ ) .
صوفيّ رأى الشيطان وهمّ بضربه , فالمعنى أن الصوفي لا يمكن أن يغويّه الشيطان , فإذن هو معصوم عن الوقوع في المعاصي والخطايا , والزلات والسيئات . هذا ومثل هذا كثير . فهذه هي العقيدة الأخرى التي أخذها الصوفية من الشيعة , إن دلت على شيء دلت على روابط عتيقة بين التصوف والتشيع , وكون الأول مأخوذا عن الثاني .
 
 
عَدَمُ خُلُوِّ الأرْضِ مِنَ الْحُجَّةِ
من العقائد الشيعية المعروفة , الخاصة بهم أن الأرض لا تخلو من الحجة , وهو الإمام عندهم فلقد بوب محدثوهم وفقاؤهم ومتكلموهم أبوابا مستقلة لبيان هذه العقيدة المختلقة المصطنعة , وأوردوا فيها روايات مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم , وعلى عليّ رضي الله عنه وأولاده , أئمة القوم حسب زعمهم , وآراء كبرائهم , وعبارات قادتهم .
فلقد أورد محدثهم الكبير الكليني - وهو بمنزلة البخاري عند المسلمين السنة – في كافيه الذي هو أحد الصحاح الأربعة الشيعية , وبمنزلة صحيح البخاري عند أهل السنة روايات عديدة تحت عنوان : لو لم يبق في الأرض إلا رجلان لكان أحدهما الحجة : ومنها ما رواها عن جعفر بن محمد الباقر أنه قال : ( لو لم يكن في الأرض إلا اثنان لكان الإمام أحدهما ) .
كما أورد روايات كثيرة في باب : ( أن الأرض لا تخلو من حجة ) : منها ما رواها أيضا عن جعفر أنه سئل : ( أتخلو الأرض بغير إمام ؟ قال : لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت بأهلها ) .
وبمثل ذلك روى ابن بابويه القمي المتوفى 381هـ أحد رجال الصحاح الأربعة الشيعية , في عيونه عن علي بن موسى الرضا – الإمام الثامن المعصوم لدى القوم – أنه سئل : ( أتخلو الأرض من حجة ؟ فقال : لو خلت الأرض طرفة عين من حجة لساخت بأهلها ) .
وكذلك بوّب القمي بابا مستقلا في كتابه ( كمال الدين وتمام النعمة ) العلة التي من أجلها يحتاج إلى إمام : وأورد فيه أكثر من عشرين رواية : منها ما رواها عن الباقر بن علي زين العابدين : ( لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله ) .
وأورد الملا باقر المجلسي في بحاره أكثر من مائة حديث عن أئمته في هذا المعنى , منها ما رواها عن علي بن الحسين أنه قال : ( ولم تخل الأرض منذ خلق الله آدم عليه السلام من حجة فيها , ظاهر مشهور أو غائب مستور , ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة لله فيها , ولولا ذلك لم يعبد الله ) .
وكتب القوم مليئة من مثل هذه الروايات والأحاديث , نكتفي على هذا القدر من البيان .
وإن الصوفية لأخذوها منهم بكاملها بدون أيّ تغيير وتبديل , غير أنهم جعلوا الحجة وليّا من أوليائهم , أو صوفيا من جماعتهم بدل الإمام لدى الشيعة , فيقول أبو طالب المكي في قوته , مستعملا حتى الألفاظ الشيعية ومصطلحاتهم نقلا عن علي رضي الله عنه أنه قال : ( لا تخلو الأرض من قائم لله تعالى بحجة , إمّا ظاهر مكشوف , وإمّا خائف مقهور لئلا تبطل حجج الله تعالى وبيّناته ) .
 
ومثل ذلك أورد الطوسي السراج أبو نصر عنه : ( لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة لئلا تبطل آياته , وتدحض حججه ) .
وبمثل ذلك قال الحكيم الترمذي , وأحمد بن زرّوق : ( لا تخلو الدنيا في هذه الأمة من قائم بالحجة ) .
وقال السلمي في مقدمة طبقاته :
( واتبع ( الله ) الأنبياء عليهم السلام بالأولياء , يخلفونهم في سننهم , ويحملون أمتهم على طريقتهم وسمتهم , فلم يخل وقتا من الأوقات من داع إليه بحق أو دال عليه ببيان وبرهان . وجعلهم طبقات في كل زمان , فالوليّ يخلف الوليّ ... فعلم صلى الله عليه وسلم أن آخر أمته لا يخلو من أولياء وبدلاء , يبيّنون لأمته ظواهر شرائعه وبواطن حقائقه ) .
وقال ابن عربي : ( لا يخلو زمان عن كامل ) .
وقال أحد أتباعه البارين علاء الدولة السمناني :
( ولا بدّ في كل حين من مرشد يرشد الخلق إلى الحق , خلافة عن النبي المحق , ولابدّ للمرشد من التأييد الإلهي , ليمكن له تسخير المسترشدين , وإفادة المستفيدين , وتعليم المتعلمين ... وهو العالم , الوليّ , الشيخ . وإلى هذا أشار النبي عليه السلام حيث قال : الشيخ في قومه كالنبي في أمته ... ولا يكون قطب الإرشاد في كل زمان من الأزمان إلا واحد يكون قلبه على قلب المصطفى صاحب الوراثة الكاملة ) .
وقال صاحب الجمهرة :
( قد صحت الروايات والنصوص المؤكدة الثابتة بالكتاب والسنة على أن الأرض لا تخلو من قائم لله بحجة , ومن عارف بالحقيقة الكامنة خلف الظواهر , ومن مميّز بين اللباب والقشور , وعابد لله على الوجه الصحيح , وسائر إلى الله على بصيرة صريحة , وعقيدة وضاءة إلى أن تقوم الساعة ) .
ونقل عن قطب الدين القسطلاني في كتاب له في التصوف :
( أن الله بحكمته ونعمته أقام في كل عصر من جعل له لسانا معبرا عن عوارف المعارف الإلهية , مخبرا عن لطائف العواطف الربانية , يصل الله به ما أنقطع من علوم الأنبياء ومعارف الأولياء ) .
 
 
وقال لسان الدين بن الخطيب :
( ولا بدّ عندهم أن يكون في العالم شخص واصل إليه في كل زمان , وهو الخليفة المتلقي عن الله أسرار الموجودات , أما ظاهرا فنبيّ ورسول أو باطنا فقطب ) .
وقال الشعراني نقلا عن عليّ الخواص أنه قال :
( من نعم الله تعالى على عباده كونه تعالى لا يخلي الأرض من قائم له بحجة في دينه , رضية لولايته , وأختاره لمعاملته , يبين به دلالاته , يوضح به طرقاته , فطوبى لمن كان كذلك في هذا الزمان ) .
وهذا ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية في فتاواه بعد ذكر كلام الصوفية في هذا الخصوص :
( وهذا من جنس دعوى الرافضة أنه لابدّ في كل زمان من إمام معصوم يكون حجة الله على المكلفين , لا يتم الإيمان إلا به ) .

المراجع

الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

التصانيف

تصنيف :الأبحاث