وُجُوبُ مَعْرِفَةِ الإمَامِ
وبمناسبة ما ذكرناه آنفا نريد أن نورد ههنا معتقدا شيعيا آخر مرتبطا بالعقيدة السالف ذكرها , وهو أنه يجب على الناس معرفة ذلك الإمام الذي لا تخلو الأرض منه , ومن مات ولم يعرف الإمام فقد مات ميتة جاهلية , أو ميتة كفر وضلال كما قال الشريف المرتضى الشيعي الملقب بعلم الهدى عند القوم :
( إن المعرفة بهم ( يعني بالأئمة ) كالمعرفة به تعالى , فإنها إيمان وإسلام , وأن الجهل والشك فيهم كالجهل والشك فيه فإنه كفر , وخروج من الإيمان , وهذه المنزلة ليست لأحد من البشر إلا لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة من بعده , علي وأولاده الطاهرين ... والذي يدل على أن معرفة إمامة من ذكرناه من الأئمة عليهم السلام من جملة الإيمان , وأن الإخلال بها كفر ورجوع عن الإيمان بإجماع الإمامية ) .
وقال الطوسي الملقب بشيخ الطائفة : ( دفع الإمامة كفر , كما أن دفع النبوة كفر , لأن الجهل بهما على حدّ واحد , وقد روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : من مات وهو لا يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية , وميتة الجاهلية لا تكون إلا على كفر ) .
ولقد أورد محدثو الشيعة روايات كثيرة في هذا المعنى في أبواب مستقلة بوبوها في مصنفاتهم , مثل الكليني في كافيّه , وابن بابويه القمي في كتبه , والطوسي في شافيه , والبرقي في محاسنه , والنعماني في غيبته , والحر العاملي في فصوله , والمجلسي في بحاره , والبحراني في برهانه , وغيرهم في غيره , حتى قال محدثهم العاملي : ( الآيات والروايات من طريق العامة والخاصة , والأدلة في ذلك أكثر من أن تحصى ) .
فهذا المعتقد من المبادئ الشيعية الأساسية التي بُنى عليها مذهب القوم . والمقصود منه أنه يجب على كل شخص أن يعتقد بعدم خلو الأرض من إمام , ثم يوجب على نفسه أن يعرفه , ويجعله قدوة له , وهاديا ومرشدا ومطاعا , فيأخذ منه معالم الدين , ويهتدي بهديه , ويسلك مسلكه , وينهج بمنهجه , وبدونه وبدون إرشاده وتوجيهه يضلّ الطريق , ويهوي في المزالق والمهالك , مزالق الكفر ومهالك الجاهلية .
هذا ما يعتقده الشيعة , ولم يكن غريبا أن يؤمن بهذا المبدأ , ويعتقد بهذا المعتقد مشائخ الصوفية , وكبراء التصوف , لأنهم وراءهم حذو القذة بالقذة , فقالوا : من لم يكن له شيخ فإمامه الشيطان كما ذكر ذلك المتصوفة عن أبي يزيد أنه قال : ( من لم يكن له أستاذ فإمامه الشيطان ) .
ويقول لسان الدين بن الخطيب : ( يكون المرتاض يعتمد على شيخ و يلقي أزمته بيده , ليهديه قبل أن تسبقه إليها يد الشيطان .
كن المعـــزي لا المعــــزى بــــه إن كــــــان لا بدّ من الـــــــواحد
ومما ينقل : من لم يكن له شيخ كان الشيطان شيخه ) .
وبمثل ذلك قال ابن عربي : ( اعلم أن مقام الدعوة إلى الله , وهو مقام النبوة والوراثة الكاملة , والحاصل فيه يقال له النبي في زمان النبوة , ويقال له الشيخ الوارث والأستاذ في حق العلماء بالله من غير أن يكونوا أنبياء وهو الذي قالت فيه السادة من أهل طريق الله , من لم يكن له أستاذ فإن الشيطان أستاذه ) .
وقال الشعراني : ( اعلم يا أخي أن أحدا من السالكين لم يصل إلى حالة شريفة في الطريق أبدا إلا بملاقاة الأشياخ ومعانقة الأدب معهم , والإكثار من خدمتهم , ومن ادعى الطريق بلا شيخ كان شيخه إبليس ... وقد كان الإمام أبو القاسم الجنيد رحمه الله يقول : من سلك بغير شيخ ضلّ وأضلّ ) .
وكتب في كتابه ( الأخلاق المتبولية ) نقلا عن علي المرصفي أنه قال : ( لو أن مريدا عبد الله تعالى كما بين السماء والأرض بغير شيخه فعبادته كالهباء المنثور ... وسمعت سيدي علي الخواص رجمة الله يقول : ( لو أن العبد قرأ ألف كتاب في العلم ولا شيخ له فهو كمن حفظ كتب الطبّ مع جهله بالداء والدواء ... وأن كل من لم يسلك الطريق على يد شيخ حكمه حكم من يعبد الله على حرف ) .
وهذا مثل ما قاله الشيعة نقلا عن أبي جعفر محمد الباقر أنه قال : ( إنما يعرف الله عز وجل ويعبده من عرف الله وعرف إمامه منّا أهل البيت , ومن لا يعرف الله عز وجل ولا يعرف الإمام منّا أهل البيت فإنما يعرف ويعبد غير الله هكذا والله ضلالا ) .
وعنه أنه قال : ( كل من دان الله عز وجل بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله فسعيه غير مقبول )
وعلى ذلك يقول نيكلسون بعد نقل كلام أبي يزيد البسطامي : ( من لم يكن له شيخ كان الشيطان شيخه , يقول بعده :
( هي فكرة يظهر أن لها صلة بالنظرية الشيعية , الذي كان عبد الله بن سبأ أول من قال بها ) .
الْـولاَيَة وَالْوصَــايَة
وتشابه آخر بين الصوفية والشيعة هو أن الصوفية أضفوا على أوليائهم عين تلك الأوصاف والاختيارات التي أضفى الشيعة على أئمتهم وأوصيائهم , فإن الشيعة يقولون : ( أن الأئمة ولاة أمر الله , وخزنة علم الله , وعيبة وحي الله ) .
ويروي أبو جعفر محمد بن الحسن الصفار المتوفى 290هـ شيخ الكليني , في بصائره , عن محمد الباقر بن علي زين العابدين أنه يقول : ( نحن جنب الله ونحن صفوته ونحن خيرته ونحن مستودع مواريث الأنبياء ونحن أمناء الله ونحن حجّة الله , ونحن أركان الإيمان , ونحن دعائم الإسلام , ونحن من رحمة الله على خلقه , ونحن الذين بنا يفتح الله وبنا يختم , ونحن أئمة الهدى , ونحن مصابيح الدجى , ونحن منار الهدى , ونحن السابقون , ونحن الآخرون , ونحن العلم المرفوع للخلق , من تمسك بنا لحق , ومن تخلف عنا غرق , ونحن قادة الغر المحجلين , ونحن خيرة الله , ونحن الطريق , وصراط الله المستقيم إلى الله , ونحن من نعمة الله على خلقه , ونحن المنهاج ونحن معدن النبوة , ونحن موضع الرسالة , ونحن الذين إلينا مختلف الملائكة , ونحن السراج لمن استضاء بنا , ونحن السبيل لمن اقتدى بنا , ونحن الهداة إلى الجنة , ونحن عز الإسلام , ونحن السنام الأعظم , ونحن الذين بنا نزل الرحمة وبنا تسقون الغيث , ونحن الذين بنا يصرف عنكم العذاب , فمن عرفنا ونصرنا وعرف حقنا وأخذ بأمرنا فهو منا وإلينا ) .
وروى الكليني عنه أيضا أنه قال : ( نحن خزان علم الله , ونحن تراجمة وحي الله , ونحن الحجة البالغة على من دون السماء ومن فوق الأرض ) .
ورووا عنه أيضا أنه قال : ( نحن المثاني التي أعطاها الله النبي صلى الله عليه وآله , ونحن وجه الله نتقلب في الأرض بين أظهركم , عرفنا من عرفنا , وجهلنا من جهلنا , من عرفنا فإمامه اليقين , ومن جهلنا فإمامه السعير ) .
والروايات في هذا المعنى كثيرة جدا , ومن أراد الإستزادة فليرجع إلى كتبنا الأربعة في هذا الموضوع , أو كتب الشيعة كبصائر الدرجات للصفار , والكافي للكليني , وبحار الأنوار للمجلسي , والفصول المهمة للعاملي , والبرهان للبحراني وغيرها من الكتب الشيعية الكثيرة .
مع العلم بأن كتاب الله القرآن الكريم , وكتب السنة النبوية المطهرة , وتراجم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خالية عن مثل هذه الخرافات والهفوات , والشركيات واليهوديات .
ولكن الصوفية استقوا مبادئهم وأفكارهم ومعتقداتهم من التشيع والشيعة , بدل الكتاب والسنة , فقالوا في أوليائهم ومتصوفيهم نفس ما قاله الشيعة في أئمتهم وأوصيائهم , فانظر ما كتبه أعظم مؤرخ صوفي في التاريخ القديم والحديث أبو نصر السراج الطوسي – حسب ما قاله طه عبد الباقي , والدكتور عبد الحليم محمود – ولاحظ التوافق الكامل والتشابه التام بين ألفاظه وعبارته وبين عبارة الشيعة وألفاظهم فهو ينبئ عن المصدر الأصلي , والمأخذ الحقيقي , والمنبع الأصيل , فيكتب :
( أن هذه العصابة أعني الصوفية هم أمناء الله عز وجل في أرضه , وخزنة أسراره وعلمه وصفوته من خلقه , فهم عباده المخلصون , وأولياءه المتقون , وأحباءه الصادقون الصالحون , منهم الأخيار والسابقون , والأبرار و المقربون , والبدلاء والصديقون , هم الذين أحيا الله بمعرفته قلوبهم , وزيّن بمعرفته جوارحهم , وألهج بذكره ألسنتهم , وطهر بمراقبته أسرارهم , سبق لهم منه الحسنى بحسن الرعاية ودوام العناية , فتوجهم بتاج الولاية , وألبسهم حلل الهداية , وأقبل بقلوبهم عليه تعطفاً , وجمعهم بين يديه تلطفاً , فاستغنوا به عما سواه , , وآثروا على ما دونه , وانقطعوا إليه , وتوكلوا عليه , وعكفوا ببابه , ورضوا بقضائه , وصبروا على بلائه , وفارقوا فيه الأوطان , وهجروا له الإخوان , وتركوا من أجله الأنساب , وقطعوا فيه العلائق , وهربوا من الخلائق , مستأنسين به مستوحشين مما سواه : { ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم } الآية : { فمنهم ظالم لنفسه } الآية : { قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى } ) .
ونقلوا عن ذي النون المصري أنه قال : ( هم حجج الله تعالى على خلقه , ألبسهم النور الساطع عن محبّته , ورفع لهم أعلام الهداية إلى مواصلته , وأقامهم مقام الأبطال لإرادته , وأفرغ عليهم الصبر عن مخالفته , وطهر أبدانهم بمراقبته , وطيبهم بطيب أهل مجاملته , وكساهم حالا من نسج مودّته , ووضع على رؤوسهم تيجان مسرته , ثم أودع القلوب من ذخائر الغيوب , فهي معلقة بمواصلته , فهمومهم إليه ثائرة , وأعينهم إليه بالغيب ناظرة , قد أقامهم على باب النظر من قربه , وأجلسهم على كرسي أطباء أهل معرفته ) .
وأيضا : ( هم خرس فصحاء , وعمي بصراء , عنهم تقصر الصفات , وبهم تدفع النقمات , وعليهم تنزل البركات , فهم أحلى الناس منقطعا ومذاقا , وأوفى الناس عهدا وميثاقا , سراج العباد , ومنار البلاد , ومصابيح الدجى , معادن الرحمة , ومنابع الحكمة ) .
وقال ابن عجيبة : ( هم باب الله الأعظم , ويد الله الآخذة بالداخلين إلى حضرة الله , فمن مدحهم فقد مدح الله , ومن ذمّهم فقد ذمّ الله ) .
وقال ابن قضيب البان : ( القطب فاروق الوقت , وقاسم الفيض , وإليه مفوّض أزمّة الأمور , وقلب قطب خزانة أرواح الأنبياء , وله بكل وجه وجه , وأرواح الأنبياء خزائن أسرار الحق .... الكون كله صورة القطب ... وهو الباب الذي لا دخول ولا خروج إلا منه ... وفؤاد القطب شمعة نصبت لفراش أرواح العالم , و نطقه شهد حقائق المعارف , الذي فيه شفاء أسرار المقربين , وصلاح مشاهد العارفين , وغذاء أفئدة الواصلين ... نفس القطب صور برزخ الشئون الصفاتية , وعقله اسرافيله , ومن نفسه قيام عمود السموات الروحية والأرضين الجسمية , وإرادته المأثرة فيهما , ومن إختياره همم أهل زمانه ... القطب الفرد الواحد في كل زمان الحقيقة المحمدية , ولكل زمان قطب منها , وهو خطيب سر الولاء بكلمة : بلى ) .
هذا وأن ابن عربي قال بصراحة ووضوح بدون إبهام ولا إيهام :
( أنا القرآن والسبع المثاني وروح الروح لا روح الأواني
فــؤادي عند معلومي مقيم يشاهده وعنـــــــــدكم لساني ) .
ويعتقد الشيعة أن أئمتهم يعرفون جميع الألسن واللغات , وحتى لغات الطيور والوحوش . فيذكر الصفار في بصائره العناوين الأربعة لبيان علوم أئمته :
( باب في الأئمة عليهم السلام أنهم يعرفون الألسن كلها ) . ( باب في الأئمة أنهم يتكلمون الألسن كلها ) . ( باب في الأئمة أنهم يعرفون منطق الطير ) . ( باب في الأئمة عليهم السلام أنهم يعرفون منطق البهائم , ويعرفونهم , ويجيبونهم إذا دعوهم ) .
ثم يورد تحتها روايات كثيرة تنبئ وتدل على كل ما ذكره في العناوين .
فمثلا يروي عن جعفر بن الباقر أنه قال : ( قال الحسن بن علي عليه السلام : إن لله مدينتين , إحداهما بالمشرق , والأخرى بالمغرب , عليهما سوران من حديد , وعلى كل مدينة ألف ألف مصراع من ذهب , وفيها سبعون ألف ألف لغة يتكلم كل لغة بخلاف لغة صاحبه , وأنا أعرف جميع اللغات وما فيهما وما بينهما وما عليهما حجة غيري والحسين أخي ) .
ويروي عن محمد الباقر أنه قال :
( علمنا منطق الطير , وأوتينا من كل شيء ) .
وغير ذلك من الروايات الكثيرة , وأورد مثلها كل من الكليني في كافيّه , والحرّ العاملي في الفصول المهمة .
ومثل ذلك ذكر المتصوفة في كتبهم عن أوليائهم ومشائخهم , فيقول الشعراني في طبقاته عن إبراهيم الدسوقي : ( وكان رضي الله عنه يتكلم بالعجمي والسرياني والعبراني والزنجي , وسائر لغات الطيور والوحوش ) .
وقال عماد الدين الأموي : ( العارفون يفهمون كلام المخلوقين من الحيوانات والجمادات ) .
وكتب الشعراني في كتابه ( الأنوار المقدسية ) :
( الولي يعطيه الله تعالى معرفة سائر الألسن الخاصة بالإنس والجن , فلا يخفى عليه فهم كلام أحد منهم ) .
وذكر القوم حكايات كثيرة عن متصوفيهم تشتمل على تكلمهم مع السباع والطيور وغيرها , سنذكرها في الجزء الثاني من هذا الكتاب في باب مستقل إن شاء الله .
ولكن للطرافة نذكر حكاية واحدة ذكرها الشعراني في طبقاته الكبرى , فيقول :
( أقام الشيخ أبو يعزي في بدايته خمس عشرة سنة في البر , لا يأكل إلا من حبّ الشجر في البادية , وكانت الأسد تأوي إليه والطير يعكف عليه .
وكان إذا قال للأسد : لا تسكني هنا , تأخذ أشبالها وتخرج بأجمعها .
قال الشيخ أبو مدين رضي الله عنه : زرته مرة في الصحراء وحوله الأسد والوحوش والطير , تشاوره على أحوالها , وكان الوقت وقت غداء , فكان يقول لذلك الوحش : اذهب إلى مكان كذا وكذا , فهناك قوتك , ويقول للطير مثل ذلك فتنقاد لأمره .
ثم قال : يا شعيب , إن هذه الوحوش والطيور أحبت جواري فتحملت ألأم الجوع لأجلي , رضي الله عنه ) .
فهذا هو التطابق الكلي بين الشيعة والصوفية في هذه القضية .
الْحُلُولُ والتَّناسخ وإن فرقا من الشيعة يعتقدون في أئمتهم بأنهم هم الذين ظهروا في مختلف الصور في الأزمنة المتعددة , والأمكنة المختلفة , وهم الذين ظهروا في أيام آدم بصورة آدم , وفي دور نوح بنوح , وكذلك شيث وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم في زمانهم , وأن أئمتهم هم الذين نجّوا نوحا , وأغرقوا الخلق في عهد نوح , وخرقوا السفينة , وقتلوا الغلام وغير ذلك .
فهاهم يكذبون على علي رضي الله عنه أنه قال : ( أنا ومحمد نور واحد من نور الله ... أنا صاحب الرجفة , صاحب الآيات ... أنا أهلكت القرون الأولى , وأنا النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون ... أنا الكتاب ... أنا اللوح المحفوظ ... أنا القرآن الحكيم ... أنا محمد ومحمد أنا ... إن ميتنا لم يمت , وقتيلنا لم يقتل , ولا نلد ولا نولد ... وأنا الذي نجّيت نوحا ... ونطقت على لسان عيسى بن مريم في المهد , فآدم وشيث ونوح وسام وإبراهيم وإسماعيل وموسى ويوشع وعيسى وشمعون ومحمد وأنا كلنا واحد ... أنا أحيي وأميت ... وكذلك الأئمة المحقون من ولدي , لأنا كلنا شيء واحد يظهر في كل زمان ) .
ورروا عنه أيضا أنه قال لسلمان : ( أنا أحيي الموتى , وأعلم ما في السماوات والأرض , وأنا الكتاب المبين , يا سلمان , محمد مقيم الحجة , وأنا حجة الحق على الخلق , وبذلك الروح عرج به إلى السماء , أنا حملت نوحا في السفينة , أنا صاحب يونس في بطن الحوت , وأنا الذي حاورت موسى في البحر , وأهلكت القرون الأولى , أعطيت علم الأنبياء والأوصياء , وفصل الخطاب , وبي تمت نبوة محمد , أنا أجريت الأنهار والبحار , وفجرت الأرض عيونا , أنا كاب الدنيا لوجهها , أنا عذاب يوم الظلمة , أنا الخضر معلم موسى , أنا معلم داود وسليمان , أنا ذو القرنين , أنا الذي دفعت سمكها بإذن الله عز وجل , أنا دحوت أرضها , أنا عذاب يوم الظلمة , أنا النادي من مكان بعيد , أنا دابة الأرض , أنا كما يقول لي رسول الله ( ص ) : أنت يا علي ذو قرنيها , وكلا طرفيها, ولك الآخرة والأولى , يا سلمان إن ميتنا إذا مات لم يمت , ومقتولنا لم يقتل , وغائبنا لم يغب , ولا نلد ولا نولد في البطون , ولا يقاس بنا أحد من الناس , أنا تكلمت على لسان عيسى في المهد , أنا نوح , أنا إبراهيم , أنا صاحب الناقة , أنا صاحب الرجفة , أنا صاحب الزلزلة , أنا اللوح المحفوظ , إليّ إنتهى علم ما فيه , أنا أنقلب في الصور كيف شاء الله , من رآهم فقد رآني , ومن رآني فقد رآهم , ونحن في الحقيقة نور الله الذي لا يزول ولا يتغيّر ) .
ورووا عن جعفر بن الباقر أنه قال : ( أنا من نور الله , نطقت على لسان عيسى بن مريم في المهد , فآدم وشيث ونوح وسام وإبراهيم وإسماعيل وموسى ويوشع وعيسى وشمعون ومحمد كلنا واحد , من رآنا فقد رآهم ... أنا أحيي وأميت وأخلق وأرزق, وأبرئ الأكمه والأبرص , وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم بإذن ربي , وكذلك الأئمة المحقون من ولدي لأنا كلنا شيء واحد ) .
وذكروا عن راشد الدين بن سنان السوري الداعي الإسماعيلي أنه قال : ( ظهرت بدرو نوح فغرقت الخلائق ... وظهرت في دور إبراهيم على ثلاث مقالات ... خرقت السفينة , وقتلت الغلام , وأقمت الجدار , .. ثم ظهرت بالسيد المسيح , فمسحت بيدي الكريمة عن أولادي الذنوب , وكنت بالظاهر شمعون – إلى آخر الهفوات والخرافات ) .
فهذه الروايات تدل صراحة على إعتقاد القوم بالحلول والتناسخ , وأن أئمتهم خلقوا من نور الله الذي لم يتغير ولم يتبدل , ولكن هذا النور كان يحل في أجسام مختلفة في أزمنة مختلفة , وكان يلبس ألبسة متنوعة متفرقة , فبذلك الجسد واللباس كان يسمّى بتلك الأسماء , فتارة بآدم , وتارة بنوح , وتارة بإبراهيم , وتارة بموسى , وتارة بعيسى , وتارة بمحمد , مع أن هذا النور كان بجوهره واحدا .
فهذا عين ما قالته الصوفية حيث سمّوا ذلك النور الأزلي , والجوهر الأصلي الحقيقة المحمدية والصورة المحمدية , فهذه الحقيقة هي التي كانت تتجلى في أجسام مختلفة , وتنادي بذلك الاسم , فاختلف أسماؤها حسب الزمان والأجساد , مع أنها كانت واحدة , كما يقول الجيلي :
( أعلم حفظك الله أن الإنسان الكامل هو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره , وهو واحد منذ كان الوجود إلى أبد الآبدين , ثم له تنوع في ملابس ويظهر في كنائس , فيسمى به باعتبار لباس , ولا يسمى به باعتبار لباس آخر , فاسمه الأصلي الذي هو له محمد , وكنيته أبو القاسم , ووصفه عبد الله , ولقبه شمس الدين , ثم له باعتبار ملابس أخرى أسام , وله في كل زمان اسم ما يليق بلباسه في ذلك الزمان , فقد اجتمعت به صلى الله عليه وسلم وهو في صورة شيخي الشيخ شرف الدين إسماعيل الجبرتي , ولست أعلم أنه النبي صلى الله عليه وسلم , وكنت أعلم أنه الشيخ , وهذا من جملة مشاهد شاهدته فيها بزبيد سنة ست وتسعين وسبعمائة , وسر هذا الأمر تمكنه صلى الله عليه وسلم من التصور بكل صورة , فالأديب إذا رآه في الصور المحمدية التي كان عليها في حياته فإنه يسميه باسمه , وإذا رآه في صورة ما من الصور وعلم أنه محمد , فلا يسميه إلا باسم تلك الصورة , ثم لا يوقع ذلك الاسم إلا على الحقيقة المحمدية , ألا تراه صلى الله عليه وسلم لما ظهر في صورة الشبلي رضي الله عنه قال الشبلي لتلميذه : أشهد أني رسول الله , وكان التلميذ صاحب كشف فعرفه , فقال : أشهد أنك رسول الله , وهذا أمر غير منكور , وهو كما يرى النائم فلانا في صورة فلان . وأقل مراتب الكشف أن يسوغ به في اليقظة ما يسوغ به في النوم , لكن بين النوم والكشف فرق , وهو أن الصورة التي يرى فيها محمد صلى الله عليه وسلم في النوم ولا يوقع اسمها في اليقظة على الحقيقة المحمدية إلى حقيقة تلك الصورة في اليقظة , بخلاف الكشف فإنه إذا كشف لك عن الحقيقة أنها متجلية في صورة من صور الآدميين , فيلزمك إيقاع اسم تلك الصورة على الحقيقة المحمدية ويجب عليك أن تتأدب مع صاحب تلك الصورة تأدبك مع محمد صلى الله عليه وسلم , لما أعطاك الكشف أن محمدا صلى الله عليه وسلم متصور بتلك الصورة , فلا يجوز ذلك بعد شهود محمد صلى الله عليه وسلم فيها أن تعاملها بما كنت تعاملها به من قبل , ثم إياك أن تتوهم شيئا في قولي من مذهب التناسخ , حاشا لله وحاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون ذلك مرادي , بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم له من التمكين في التصور بكل صورة يتجلى في هذه الصورة , وقد جرت سنته صلى الله عليه وسلم أنه لا يزال يتصور في كل زمان بصورة أكملهم ليعلي شأنهم ويقيم ميلانهم , فهم خلفاؤه في الظاهر وهو في الباطن حقيقتهم ) .
وهذا ما قاله الدكتور أبو العلاء العفيفي معلقا على الفصّ السابع والعشرين ( فصّ حكمة فردية في كلمة محمدية ) من فصوص ابن عربي , فقال : ( شاع من أوائل عهد الإسلام القول بأزلية محمد عليه السلام , أو بعبارة أدق بأزلية ( النور المحمدي ) . وهو قول ظهر بين الشيعة أولاً ولم يلبث أهل السنة أن أخذوا به , واستند الكل في دعواهم إلى أحاديث يظهر أن أكثرها موضوع . من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أنا أول الناس في الخلق ) ومنها : ( أول ما خلق الله نوري ) , ومنها : ( كنت نبيا وآدم بين الماء والطين ) وغير ذلك من الأحاديث التي استنتجوا منها أنه كان لمحمد عليه السلام وجود قبل وجود الخلق , وقبل وجوده الزماني في صورة النبي المرسل , وأن هذا الوجود قديم غير حادث , وعبروا عنه بالنور المحمدي . وقد أفاضت الشيعة في وصف هذا النور المحمدي , فقالوا أنه ينتقل في الزمان من جيل إلى جيل , وأنه هو الذي ظهر بصورة آدم ونوح وإبراهيم وموسى وغيرهم من الأنبياء , ثم ظهر أخيرا بصورة خاتم النبيين محمد عليه السلام . وبهذا أرجعو جميع الأنبياء من آدم إلى محمد , وكذلك ورثة محمد إلى أصل واحد . وهو قول نجد له صدى في الغنوصية المسيحية . يقول الأب كليمنت الإسكندري : ( ليس في الوجود إلا نبي واحد وهو الإنسان الذي خلقه الله على صورته , والذي يحل فيه روح القدس , والذي يظهر منذ الأزل في كل مكان وزمان بصورة جديدة ) .
نجد لكل هذا الكلام نظيرا في كتب ابن عربي فيما يسميه الكلمة المحمدية أو الحقيقة المحمدية أو النور المحمدي . فهو لا يقصد بالكلمة المحمدية في هذا الفص محمداً الرسول , وإنما يقصد الحقيقة المحمدية التي يعتبرها أكمل مجلى خلقي ظهر فيه الحق , بل يعتبره الإنسان الكامل والخليفة الكامل بأخص معانيه . وإذا كان كل واحد من الموجودات مجلى خاص لبعض الأسماء الإلهية التي هي أرباب له , فإن محمدا قد انفرد بانه مجلى للاسم الجامع لجميع تلك الأسماء , وهو الاسم الأعظم الذي هو ( الله ) . ولهذا كانت له مرتبة الجمعية المطلقة , ومرتبة التعين الأول والذي تعينت به الذات الأحدية , إذ ليس فوقه إلا هذه الذات المنزهة في نفسها عن كل تعين وكل صفة واسم ورسم .
ولهذه الحقيقة المحمدية التي هي أول التعينات – وإن شئت فقل أول المخلوقات – وظائف أخرى ينسبها إليها ابن عربي . فهي من ناحية صلتها بالعالم مبدأ خلق العالم , إذ هي النور الذي خلقه الله قبل كل شيء وخلق منه كل شيء . أو هي العقل الإلهي الذي تجلى الحق فيه لنفسه في حالة الأحدية المطلقة , فكان هذا التجلي بمثابة أول مرحلة من مراحل التنزل الإلهي في صور الوجود . فلما انكشفت له حقيقة ذاته وكمالاتها , وما فيها من أعيان الممكنات التي لا تحصى , أحب إظهار كمالاته في صور تكون له بمثابة المرايا التي يرى فيها نفسه , فكانت أعيان الممكنات الخارجية تلك المرايا .
ومن ناحية صلة الحقيقة المحمدية بالإنسان , يعتبرها ابن عربي صورة كاملة للإنسان الكامل الذي يجمع في نفسه جميع حقائق الوجود , ولذلك يسميها آدم الحقيقي , والحقيقة الإنسانية . ويعدها من الناحية الصوفية مصدر العلم الباطن , ومنبعه , وقطب الأقطاب .
في هذا الوصف الإجمالي لما يسميه ابن عربي ( الكلمة المحمدية ) , أو الحقيقة المحمدية , عناصر مختلفة مستمدة من الفلسفة الأفلاطونية الحديثة , والفلسفة المسيحية واليهودية , مضافاً إلى ذلك بعض أفكار من مذهب الإسماعيلية الباطنية والقرامطة . مزج جميع تلك العناصر على طريقته الخاصة , فضيع بذلك معالم الأصول التي أخذ عنها , وخرج على العالم بنظرية في طبيعة الحقيقة المحمدية , لا تقل في خطرها وأهميتها في تاريخ الأديان عن النظريات التي وضعها المسيحيون في طبيعة المسيح , أو النظريات اليهودية أو الرواقية , أو اليونانية التي تأثرت بها في النظرية المسيحية ) .
وبمثل ذلك قال الفرغاني : ( وكل نبي من آدم عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم مظهر من مظاهر نبوة الروح الأعظم . فنبوته ذاتية دائمة , ونبوة المظاهر عرضية منصرمة , إلا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم , فإنها دائمة غير منصرمة , إذ حقيقته حقيقة الروح الأعظم , وصورته صورة الحقيقة التي ظهر فيها بجميع أسمائها وصفاتها . وسائر الأنبياء مظاهرها ببعض الأسماء والصفات . تجلت في المظهر المحمدي بذاتها وجميع صفاتها , وختم به النبوة , فكان الرسول صلى الله عليه وسلم سابقا على جميع الأنبياء من حيث الحقيقة , متأخرا عنهم من حيث الصورة , كما قال : نحن الآخرون السابقون , وقال : كنت نبيا وآدم بين الماء والطين : وفي رواية أخرى : بين الروح والجسد : أي لا روحا ولا جسدا ) .
ويدل أيضا على إعتقاد الصوفية بالتناسخ ما ذكره الدباغ في الإبريز بأن روح الولي تقدر على أن تخرج من ذات الولي وتتصور بصورة غير صورته .
وأيضا ما ذكره الشعراني عن صوفي أنه ( ظهر لأعدائه في هيئة أسد عظيم ) .
وكذلك ذكر المنوفي في جمهرته صوفيا ( كان يظهر في مظهر السباع والفيلة ) .
فالحاصل أن الصوفية اقتبسوا من الشيعة هذه الأفكار , وأخذوا منهم هذه العقائد الزائفة الزائغة الباطلة , وقالوا عن أوليائهم مثل ذلك , بل زادوا عليهم في غلوائهم وغيّهم وضلالهم , حيث قالوا نقلا عن إبراهيم الدسوقي أنه قال عن نفسه في أبياته :
( أنا ذلك القطب المبــــــارك أمـــــــره فإن مدار الكل من حــول ذروتي أنا شمـس إشـــــــراق العقول ولم أفل ولا غبت إلا عن قلوب عمـــــية يروني في المــــــــرآة وهي صـــــدية وليس يروني بالمرآة الصـــقيلة وبي قامت الأنبــــــــاء في كل أمــــــة بمختلف الآراء والكــــــــل أمتي ولا جـــــــــامع إلا ولي فــــــــيه منبر وفي حضرة المختار فزت ببغيتي بذاتي تقـــوم الــــــــذات في كل ذروة أجـدد فيــها حلــــــة بعد حلـــــــة فليلى وهنـــــد والربــــــــاب وزينــب وعلوى وســــلمى بعدها وبثــينة عبارات أسماء بغـــــــــــير حقيـــــقة وما لوحوا بـــالقصد إلا لصورتي نعم نشأتي في الحـــــــب من قبل آدم وسرى في الأكوان من قبل نشأتي أنا كنت في العلياء مع نور أحمـــــــد على الــدرة البيـــضاء في خلويتي أنا كــــنت في رؤيــا الذبيح فــــداءه بلــــطف عنـــايات وعين حقيــــقة أنا كنت مع إدريــــــس لما أتى العلا وأسكن الفــــردوس أنعم بقـــــــعة أنا كنت مع عيسى على المهد ناطقا وأعـــــــــــطيت داودا حلاوة نغمة أنا كنت مع نوح بما شهد الــــورى بحـارا وطـــــــوفانا على كف قدرة أنا القطب شيخ الوقت في كل حـالة أنا العبد إبراهيم شيــــــخ الطريقة ) .
ورووا عن أحد المتصوفة البارزين أنه كان يقول :
( أنا موسى الكليم في مناجاته , أنا عليّ في حملاته , أنا كل وليّ في الأرض خلقته بيدي , ألبس منهم من شئت , أنا في السماء شاهدت ربي , وعلى الكرسي خاطبته , أنا بيدي أبواب النار إن أغلقتها أغلقها بيدي , وبيدي جنة الفردوس إن فتحتها أفتحها , ومن زارني أدخلته جنة الفردوس ) .
وقال فتح الله بوراس :
( أنا كل ولي في الأرض قد أوليتـــــــــــــــه أنا كل حكيم من أهل السماء قد علمتــــــــه وأيوب من جميع الأمراض قد أشفيــــــــــــه وبصر يعقوب أنا الذي قد رددتـــــــــــــــــه وابنه يوسف من الجبّ الغريق قد أظهرتـــه ويونس من بطن الحوت بالعراء قد نبذتـــه ونوح من بحر الطوفان أنا الذي أنجيتـــــــه وفي السماء السابعة شاهدت ربيّ وكلّمتــه وبيدي باب الجنان قد فتحته ودخلتــــــــــــه وما فيه من الحور العين قد رأيته وحصيته ومن رآني ورأى من رآني وحضر مجلسي في جنة عدن وبستانها قد أسكنتـــــــــــــــه ) .
وذكر فريد الدين العطار عن أبي يزيد البسطامي أنه سئل عن العرش والكرسي فقال :
( أنا العرش والكرسي , وقال : أنا إبراهيم , وأنا موسى , وأنا محمد ) .
وهذا عين مارواه الشيعة أنفسهم عن عليّ رضي الله عنه أنه قال : ( أنا اللوح , وأنا القلم , وأنا العرش , و أنا الكرسي , وأنا السماوات السبع , وأنا الأسماء الحسنى , والكلمات العليا ) .
والجدير بالذكر أن الصوفية ينقلون لبيان معتقداتهم نفس الروايات الموضوعة المكذوبة التي يرويها الشيعة عن عليّ رضي الله عنه وأولاده .
فمثلا يروي الشعراني ومحمد الرفاعي وغيرهما عنه رضي الله عنه أنه كان يقول في خطبته على رؤوس الأشهاد : ( أنا نقطة بسم الله , أنا جنب الله , الذي فرطتم فيه , أنا القلم وأنا اللوح المحفوظ , وأنا العرش وأنا الكرسي , وأنا السماوات السبع والأرضون ) .
مَرَاتِبُ الصّوفيَّـة
وأما مراتب الصوفية , التي وضعوها لبيان طبقات المتصوفة ومكانتهم , وقدرتهم واختيارهم على الخلق , وأعدادهم , وهم حسب كلام لسان الدين بن الخطيب : ( خواصّ الله في أرضه , ورحمة الله في بلاده على عباده : الأبدال , والأقطاب , والأوتاد , والعرفاء , والنجباء , والنقباء , وسيدهم الغوث ) .
ولدى الهجويري هم : ( أهل الحل والعقد , وقادة حضرة الحق جل جلاله , فثلاثمائة يدعون الأخيار , وأربعون آخرون يسمون الأبدال , وسبعة آخرون يقال لهم : الأبرار , وأربعة يسمون الأوتاد , وثلاثة آخرون يقال لهم : النقباء , وواحد يسمى القطب والغوث . وهؤلاء جميعا يعرفون أحدهم الآخر , ويحتاجون في الأمور لإذن بعضهم البعض ) .
ومثل ذلك ذكرهم الجرجاني في تعريفاته : ( القطب , وهو الغوث : عبارة عن الواحد الذي هو موضع نظر الله من العالم في كل زمان ومكان , وهو على قلب إسرائيل عليه السلام .
الإمامان : هما شخصان , أحدهما عن يمين الغوث ونظره في الملكوت , والآخر عن يساره , ونظره في الملك , وهو أعلى من صاحبه , وهو الذي يخلف الغوث .
الأوتاد : عبارة عن أربعة رجال منازلهم على منازل أربعة أركان من العالم : شرق وغرب وشمال وجنوب , مع كل واحد منهم مقام تلك الجهة .
البدلاء : هم سبعة , ومن سافر من القوم من موضعه وترك جسدا على صورته حتى لا يعرف أحد أنه فقد , فذلك هو البدل لا غير , وهم على قلب إبراهيم عليه السلام .
النجباء : أربعون , وهم المشغولون بحمل أثقال الخلق فلا يترفون إلا في حق الغير .
النقباء : هم الذين استخرجوا خبايا النفوس , وهم ثلاثمائة ) .
وهذا الترتيب مأخوذ عن ابن عربي في فتوحاته كما قال : ( والمجمع عليه من أهل الطريق أنهم على ست طبقات أمهات : أقطاب , وأئمة , وأوتاد , وأبدال , ونقباء , ونجباء ) .
ومثل ذلك ورد في ( الوصية الكبرى ) لشيخ العروسية عبد السلام الفيتوري . وفي ( جامع الأصول في الأولياء ) للكمشخانوي .
وفي ( طبقات السلمي ) للسلمي . ولا بأس في إيراد عبارة داود بن محمود القيصري ههنا , لما فيها من زيادة توضيح لها الأمر , فيقول : ( ولهم مراتب . الأولى مرتبة القطبية , ولا يكون فيها أبداً إلا واحد بعد واحد , ويسمى غوثا , لكونه مغيثاً للخلق في أحوالهم . ثم مرتبة الإمامين , وهما كالوزيرين للسلطان . أحدهما صاحب اليمين , وهو المتصرف بإذن القطب في عالم الملكوت والغيب , وثانيهما صاحب اليسار , وهو المتصرف في عالم الملك والشهادة . وعند إرتحال القطب إلى الآخرة , لا يقوم مقامه , منهما و إلا صاحب اليسار , لكونه أكمل في السير من صاحب اليمين : لأنه , بَعْدُ , ما نزل في السير من عالم الملكوت إلى عالم الملك , وصاحب اليسار نزل إليه , وكملت دايرته في السير والوجود . ثم مرتبة الأربعة , كالأربعة من الصحابة , رصي اله عنهم أجمعين! ثم مرتبة البدلاء السبعة , الحافظين للأقاليم السبعة . وكل منهم قطب للإقليم الخاص به . ثم مراتب الأولياء العشرة , كالعشرة المبشرة . ثم مراتب الإثني عشر , الحاكمين على البروج الإثني عشر , وما يتعلق بها ويلزمها من حوادث الأكوان . ثم العشرين والأربعين والتسعة والتسعين , مظاهر الأسماء الحسنى , إلى الثلاثمائة والستين . وهؤلاء قايمون في العالم على سبيل البدل , في كل زمان , ولا يزيد عددهم ولا ينقص إلى يوم القيامة . وغيرهم من الأولياء يزيدون وينقصون , بحسب ظهور التجلي الإلهي وخفائه . وبعدهم : مرتبة الزهاد والعبّاد والعلماء من المؤمنين , الكائنين في كل زمان إلى يوم الدين . وجميع هؤلاء المذكورين , داخلون في حكم القطب . والأفراد الكمّل , الذين تعادل مرتبتهم مرتبة القطب إلا في الخلافة , هم الخارجون من حكمه . فإنهم يأخذون من الله , سبحانه , ما يأخذون من المعاني والأسرار الإلهية بخلاف الداخلون في حكمه , فإنهم لا يأخذون شيئا إلا منه ) .
وقد ذكرهم المستشرق الفرنساوي ماسينيون بقوله : ( ويزعم الصوفية أن العالم يدوم بقاؤه بفضل تدخل طبقة من الأولياء المستورين عددهم محدود , وكلما قبض منهم واحد خلفه غيره , ورجال الغيب هم : ثلاثمائة من النقباء , وأربعون من الأبدال , وسبعة أمناء , وأربعة عمد , ثم القطب , وهو الغوث ) .
فهذه المراتب والترتيب والأعداد لم يأخذها المتصوفة إلا من الشيعة أيضا , وخاصة من الشيعة الإسماعيلية والنصيرية كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في رسائله وفتاواه :
( وأما الأسماء الدائرة على ألسنة كثير من النساك والعامة مثل الغوث الذي يكون بمكة , والأوتاد الأربعة , والأقطاب السبعة , والأبدال الأربعين , والنجباء الثلاثمائة , فهذه الأسماء ليست موجودة في كتاب الله , ولا هي أيضا مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح ولا ضعيف محتمل , إلا لفظ الأبدال فقد روي فيهم حديث شامي منقطع الإسناد عن علي بن أبي طالب مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن فيهم – يعني أهل الشام – الأبدال أربعين رجلا , كلما مات رجل أبدله الله مكانه رجلا : ولا توجد هذه الأسماء في كلام السلف كما هي على هذه الترتيب .... وهذا من جنس دعوى الرافضة أنه لا بد في كل زمان من إمام معصوم يكون حجة الله على المكلفين لا يتم الإيمان إلا به , ثم مع هذا يقولون : أنه كان صبيا دخل السرداب من أكثر من أربعمائة وأربعين سنة , ولا يعرف له عين ولا أثر , ولا يدرك له حس ولا خبر . وهؤلاء الذين يدعون هذه المراتب فيهم معناها للرافضة من بعض الوجود , بل هذا الترتيب والاعتداد يشبه من بعض الوجوه ترتيب الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم في السابق والتالي والناطق والأساس والحدّ وغير ذلك من الترتيب الذي ما أنزل الله به من سلطان ) .
وبذلك قال ابن خلدون في هذا الخصوص , والمسائل الأخرى التي ذكرناها بأن المتصوفة أخذوها من التشيع , فيقول : ( إن هؤلاء المتأخرين من المتصوفة المتكلمين في الكشف وفيما وراء الحس توغلوا في ذلك فذهب الكثير منهم إلى الحلول والوحدة كما أشرنا إليه وملأوا الصحف من مثل الهروي في كتاب المقامات له وغيره وتبعهم ابن عربي وابن سبعين وتلميذهما ابن العفيف وابن الفارض والنجم الإسرائيلي في قصائدهم وكان سلفهم مخالطين للإسماعيلية المتأخرين من الرافضة الدائنين أيضا بالحلول و إلهية الأئمة مذهباً لم يعرف لأولهم فأشرب كل واحد من الفريقين مذهب الآخر واختلط كلامهم وتشابهت عقائدهم وظهر في كلام المتصوفة القول في القطب ومعناه رأس العارفين يزعمون أنه لا يمكن أن يساويه أحد في مقامه في المعرفة حتى يقبضه الله ثم يورث مقامه لآخر من أهل العرفان وقد أشار إلى ذلك ابن سينا في كتاب الإشارات في فضول التصوف منها فقال جل جناب الحق أن يكون شرعه لكل وارد أو يطلع عليه إلا الواحد بعد الواحد وهذا كلام لا تقوم عليه حجة عقلية ولا دليل شرعي وإنما هو من أنواع الخطابة وهو بعينه ما تقوله الرافضة ودانوا به ثم قالوا بترتيب وجود الأبدال بعد هذا القطب كما قاله الشيعة في النقباء ) .
هذا وقد اقر بذلك أحمد أمين المصري , فكتب : ( أن الصوفية اتصلت بالتشيع اتصالاً وثيقاً , وأخذت فيما أخذت عنه فكرة المهدي , وصاغتها صياغة جديدة وسمته ( قطبا) , وكونت مملكة من الأرواح على نمط مملكة الأشباح , وعلى رأس هذه المملكة الروحية القطب , وهو نظير الإمام أو المهدي في التشيع , والقطب هو الذي ( يدبر الأمر في كل عصر , وهو عماد السماء , ولولاه لوقعت على الأرض ) , ويلي القطب النجباء , قال ابن عربي في الفتوحات المكية : ( وهم اثنا عشر نقيباً في كل زمان , لا يزيدون ولا ينقصون , على عدد بروج الفلك الاثني عشر , كل نقيب عالم بخاصية كل برج وبما أودع الله تعالى في مقامه من الأسرار والتأثيرات ... وأعلم أن الله تعالى قد جعل بأيدي هؤلاء النقباء علوم الشرائع المنزلة , ولهم استخراج خبايا النفوس وغوائلها , ومعرفة مكرهات وخداعها , وإبليس مكشوف عندهم , يعرفون منه ما لا يعرفه من نفسه , وهم من العلم بحيث إذا رأى أحدهم وطأة شخص في الأرض علم أنها وطأة سعيد أو شقيّ مثل العلماء بالآثار والقيافة ) .
وأما من أراد مقارنة هذه المراتب بالمراتب الإسماعيلية فليرجع إلى كتابنا ( الإسماعيلية القدامى تاريخ وعقائد ) الباب السابع منه ( ماهية الدعوة الإسماعيلية ونظامها ) .
ولا بأس من إيراد عبارة عن القاضي الإسماعيلي النعمان بن محمد المغربي , ذكر فيها أصحاب المراتب العليا , فيقول : ( والحدود السفلية هم : الأسس , الأئمة , والحجج , والنقباء , والأجنحة ) .
ومثل ذلك ذكر الداعي الإسماعيلي حميد الدين الكرماني في كتابه راحة العقل .
وإبراهيم بن الحسين الحامدي .
فهذه هي العقيدة الشيعية الأخرى التي تسربت إلى التصوف , وتحكمت فيهم , وسنوضح معاني هذه المصطلحات مع القضايا الأخرى في جزء مستقل من هذا الكتاب إن شاء الله .
التــقـــيَـــة
من أهم المبادئ الشيعية وأسسهم ومعتقداتهم الإخفاء والكتمان , وإظهار ما لا يعتقدونه في السر , وإعلان ما يبطنون خلافه , وهذا من أخطر ما يؤمن به الشيعة , ويميزهم من الطوائف المسلمة الأخرى , ويحول بينهم وبين الالتقاء بهم , لأنه لا يعلم ظاهرهم من باطنهم , وكذبهم من صدقهم , كما قال السيد محب الدين الخطيب : ( وأول موانع التجاوب الصادق بالإخلاص بيننا وبينهم ما يسمونه التقية , فإنها عقيدة دينية تبيح لهم التظاهر لنا بغير ما يبطنون , فينخدع سليم القلب منا بما يتظاهرون له به من رغبتهم في التفاهم والتقارب , وهم لا يريدون ذلك ولا يرضون به ولا يعملون له ) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( النفاق والزندقة في الرافضة أكثر منه في سائر الطوائف , بل لا بد لكل منهم من شعبة نفاق , فإن أساس النفاق الذي بني عليه الكذب , وأن يقول الرجل بلسانه ما ليس في قلبه كما أخبر الله تعالى عن المنافقين : أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم .
والرافضة تجعل هذا من أصول دينها وتسميه التقية , وتحكي هذا عن أئمة أهل البيت الذين برأهم الله عن ذلك حتى يحكوا ذلك عن جعفر الصادق أنه قال : التقية ديني ودين آبائي , وقد نزّه الله المؤمنين من أهل البيت وغيرهم عن ذلك , بل كانوا من أعظم الناس صدقا وتحقيقا للإيمان , وكان دينهم التقوى , لا التقية ) .
فهناك روايات كثيرة فوق الحصر , التي أوردها الشيعة في كتبهم لاعتناق هذه العقيدة من أئمتهم المعصومين , ونحن أوردنا العديد منها في كتابنا الشيعة والسنة , وخصصنا بابا مستقلا لبيان هذا المبدأ وأهميته عند القوم , كما عقدنا فصلا مستقلا في كتابنا الجديد ( بين الشيعة وأهل السنة ) لهذا الموضوع , فمن أراد التعمق والتفصيل فليرجع إليهما , ولكن نذكر هنا روايتين عن القوم : روى الكشي عن حسين بن معاذ بن مسلم النحوي : ( عن أبي عبد الله ( ع) قال : ( قال لي ( أبو عبد الله ) : بلغني أنك تقعد في الجامع , فتفتي الناس ؟ قال : قلت : نعم , وقد أردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج أني أقعد في الجامع , فيجيء الرجل , فيسألني عن الشيء فإذا عرفته بالخلاف أخبرته بما يقولون ... قال ( أي معاذ بن مسلم ) فقال لي ( أبو عبد الله ) : اصنع كذا , فإني اصنع كذا ) ز
ورواية أخرى رواها الكليني عن جعفر أنه قال لأصحابه معلى بن خنيس : ( يا معلى , أكتم لأمرنا ولا تذعه , فإنه من كتم أمرنا ولم يذعه أعزه الله به في الدنيا , وجعله نورا بين عينيه في الآخرة , يقوده في الجنة . يا معلىّ , من أذاع أمرنا ولم يكتمه أذله الله به في الدنيا , ونزع النور من بين عينيه في الآخرة , وجعله ظلمة تقوده إلى النار .
يا معلى , إن التقية من ديني ودين آبائي , ولا دين لمن لا تقية له ) .
وعلى ذلك قال صدوقهم ابن بابويه القمي :
( اعتقادنا في التقية أنها واجبة , لا يجوز رفعها إلى أن يقوم القائم , ومن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الإمامية , وخالف الله ورسوله والأئمة ) .
وقال مفيدهم : ( التقية كتمان الحق وستر الاعتقاد فيه , ومكاتمة المخالفين , وترك مظاهرتهم بما يعقب ضررا في الدين أو الدنيا , وفرض ذلك إذن علم بالضرورة أو قوي في الظن ) .
فهذا هو معتقد الشيعة ومبدؤهم الذي اشتهروا به , وعيّروا عليه , وطعنوا فيه .
ولكن المتصوفة أخذوه بكامله عنهم , وزادوا عليهم حيث اتهموا رسول الله بتهمة برّأ الله ساحته عنها بقوله : { وما هو على الغيب بضنين } .
واستندوا بحديث مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع علمهم بأنه هو القائل : ( من كذب عليّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ) .
فقالوا : ( أمر الله نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم بكتم أشياء مما لا يسعه غيره للحديث المروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : أوتيت ليلة أسري بي ثلاثة علوم , فعلم أخذ عليّ في كتمه , وعلم خيّرت في تبليغه , وعلم أمرت بتبليغه . فالعلم الذي أمر بتبليغه هو علم الشرائع , والعلم الذي خيّر في تبليغه هو علم الحقائق , والعلم الذي أخذ عليه في كتمه هو الأسرار الإلهية ولقد أودع الله جميع ذلك في القرآن . فالذي أمر بتبليغه ظاهر . والذي خيّر في تبليغه باطن لقوله ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ) وقوله ( وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ) وقوله ( وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه ) وقوله ( ونفخت فيه من روحي ) فإن جميع ذلك له وجه يدلّ على الحقائق ووجه يتعلق بالشرائع , فهو كالتخير , فمن كان فهمه إلهيا فقد بلغ ذلك , ومن لم يكن فهمه ذلك الفهم وكان مما لو فوجئ بالحقائق أنكرها , فإنه ما بلغ إليه ذلك لئلا يؤدي ذلك إلى ضلالته وشقاوته . والعلم الذي أخذ عليه في كتمه فإنه مودع في القرآن بطريق التأويل لغموض الكتم , فلا يعلم ذلك إلا من أشرف على نفس العلم أولا , وبطريق الكشف الإلهي , ثم سمع القرآن بعد ذلك , فإنه يعلم المحلّ الذي أودع الله فيه شيئا من العلم المأخوذ على النبي صلى الله عليه وسلم في كتمه وإليه الإشارة بقوله تعالى ( وما يعلم تأويله إلا الله ) على قراءة من وقف هنا , فالذي يطلع تأويله في نفسه هو المسمى بالله فافهم ) .
ويقول أبو نصر السراج الطوسي : ( إن حقائق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وما خصّه الله تعالى به من العلم , لو وضعت على الجبال لذابت إلا أنه كان يظهرها لهم على مقاديرهم ) .
أي لم يظهر النبي صلى الله عليه وسلم جميع العلوم التي كان قد خصه الله بها – حسب زعمهم – وذلك لأجل أن الناس لم يكونوا يقدرون على حملها ومعرفتها .
وبمثل ذلك نقل الشعراني عن سيده محمد الحنفي أنه قال : ( وههنا كلام لو أبديناه لكم لخرجتم مجانين لكن نطويه عمن ليس من أهله ) .
وهذا عين ما ذكره الشيعة عن جعفر بن الباقر أنه قال : ( إن عندنا والله سرا من سرّ الله , وعلما من علم الله , أمرنا الله بتبليغه , فبلّغنا من الله عز وجل ما أمرنا بتبليغه , فلم نجد له موضعا ولا أهلا ولا حمالة يحتملونه ) .
ونسبوا إلى علي رضي الله عنه أنه قال : ( إن أمرنا صعب مستصعب لا يحمله إلا عبد امتحن الله قلبه للإيمان , ولا يعي حديثنا إلا صدور أمينة , وأحلام رزينة ) .
أيضا ( لا يحتمله ملك مقرب , ولا نبي مرسل , ولا مؤمن أمتحن الله قلبه للإيمان ) .
هذا وأن الصوفية اتهموا أبا هريرة رضي الله عنه أنه قال : ( حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم جرابين من العلم : أما أحدهما فبثثته في الناس , وأما الآخر فلو بثثته لقطع مني هذا البلعوم ) .
كما كذبوا على عليّ بن الحسين زين العابدين أنه قال : ( يا ربّ جوهر علم لو أبوح به لقيل لي : أنت ممن يعبد الوثـــنا
ولاستحل رجال مسلمون دمي يرون أقبح ما يأتـــونه حســــــنا
إني لأكتم من علمي جـــواهره كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتننا ) .
وقال النفزي الرندي : ( في قلوب الأحرار قبور الأسرار , والسر أمانة الله تعالى عند العبد , فافشى بالتعبير عنه خيانة , والله تعالى لا يحب الخائنين , وأيضا فإن الأمور المشهودة لا يستعمل فيها إلا الإشارة والإيماء , واستعمال العبارات فيها إفصاح بها وإشهار لها , وفي ذلك ابتذالها وإذاعتها , ثم إن العبارة عنها لا تزيدها إلا غموضا وانغلاقا , لأن الأمور الذوقية يستحيل إدراك حقائقها بالعبارات النطقية , فيؤدي ذلك إلى الإنكار والقدح في علوم السادة الأخيار . قال أبو علي الروذباري رضي الله تعالى عنه : علمنا هذا إشارة , فإذا صار عبارة خفي ) .
وأما لسان الدين بن الخطيب فقال : ( حملة علم النبوة هم الذين عناهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل , قالوا : وهذا العلم هو الذي لا يجوز كشفه , ولا إذاعته ولا ادعاؤه , ومن كشفه وأذاعه وجب قتله واستحل دمه وينسبون في ذلك إلى خواص النبوة وخلفائها كثيرا كقوله :
يا ربّ جوهر علم لو أبوح به لقيل لي : أنت ممن يعبد الوثـــنا
ولاستحل رجال مسلمون دمي يرون أقبح ما يأتـــونه حســــــنا ) ز
وكان كبار المتصوفة يعملون بهذا المبدأ , ولم يكونوا يظهرون للناس علومهم وأفكارهم كما روى الكلاباذي عن الجنيد أنه قال للشبلي : ( نحن حبّرنا هذا العلم تحبيرا , ثم خبأناه في السراديب , فجئت أنت , فأظهرته على رؤوس الملأ . فقال : أنا أقول وأنا أسمع , فهل في الجارين غيري ) .
ونقل الشعراني كذلك عن الجنيد أنه ( كان يستر كلام أهل الطريق عمن ليس منهم , وكان يستتر بالفقه والإفتاء على مذهب أبي ثور , وكان إذا تكلم في علوم القوم أغلق باب داره , وجعل مفتاحه تحت وركه ) .
وأيضا روى عن الشاذلي أنه كان يقول : ( امتنعت عني الرؤيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم , ثم رأيته , فقلت : يا رسول الله , ماذ نبي ؟ فقال : إنك لست بأهل لرؤيتنا لأنك تطلع الناس على أسرارنا ) .
والصوفية يكتمون آراءهم ومعتقداتهم عن غيرهم , ويوصون مريديهم في كتبهم ومؤلفاتهم التي كتبت للخاصة وخاصة الخاصة , فالصوفي الشهير عبد السلام الفيتوري يكتب في كتابه ( الوصية الكبرى ) : ( إخواني , وسنذكر لكم كلاما في المغيبات لكن يجب الإمساك عنها إلا لأهله الذين يكتمونه , ولا ينبغي إظهاره للسفهاء الذين يلحقون به إلى الأمراء والجبابرة وأهل الدنيا ) .
وهناك نص مهم جدا ذكره الشعراني يقطع في هذا الموضوع فيقول : وكان بعض العارفين يقول ( نحن قوم يحرم النظر في كتبنا على من لم يكن من أهل طريقتنا , وكذلك لا يجوز لأحد أن ينقل كلامنا إلا لمن يؤمن به , فمن نقله إلى من لا يؤمن به دخل هو والمنقول إليه جهنم الإنكار , وقد صرح بذلك أهل الله تعالى على رؤوس الأشهاد وقالوا : من باح بالسرّ استحق القتل ) .
وقد ذكر الدباغ حكايات كثيرة عن الذين لم يكتموا السرّ فابتلاهم الله ببلايا عديدة , من القتل والصلب والحرق والعمى وغير ذلك .
وكان منهم الحلاج , لأنه لم يقتل إلا لإفشاء سرّه .
وكما يروون أن الخضر عبر على الحلاج وهو مصلوب , فقال له الحلاج : ( هذا جزاء أولياء الله ؟ فقال له الخضر : نحن كتمنا فسلمنا , وأنت بحت فمتّ ) .
وكما رووا عن أبي بكر الشبلي أنه قال : ( كنت أنا والحسين بن منصور شيئا واحدا إلا أنه أظهر وكتمت ) .
وننقل أخيرا أن أحمد بن زروق , وابن عجيبة ذكرا عن الجنيد أنه كان يجيب عن المسألة الواحدة بجوابين مختلفين , فكان يجيب هذا بخلاف ما يجيب ذاك .
هذا عين ما رواه الشيعة على محمد الباقر كما ذكر الكليني عن زرارة بن أعين أنه قال : ( سألت أبا جعفر عن مسألة فأجابني , ثم جاءه رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني . ثم جاء رجل آخر فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي , فلما خرج الرجلان قلت : يا ابن رسول الله , رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه ؟
فقال : يا زرارة , إن هذا خير لنا وأبقى لنا ولكم , ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدّقكم الناس علينا , ولكان أقل لبقائنا وبقائكم . قال : ثم قلت لأبي عبد الله عليه السلام : شيعتكم لو حملتموهم على الأسنة أو على النار لمضوا وهم يخرجون من عندكم مختلفين , قال : فأجابني بمثل جواب أبيه ) .
فهذا هو المبدأ الخطير الآخر الذي أخذه المتصوفة من الشيعة ليكونوا حزبا سرّيا يعمل في الخفاء لهدم مبادئ الإسلام وتعاليمه , ولتأسيس ديانة جديدة تعمل لتوهين القوى الإسلامية ونشاط المسلمين لنشر الكتاب والسنة , والتقاعد عن الجهاد والغزوات , وبناء المجتمع الإسلامي على أسس كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم , وقد وضعناه أمام الباحثين والقراء مع المقارنة بين أفكار الآخذين والذين أخذ عنهم , معتمدين على أوثق الكتب وأثبتها وأهمها لدى الطرفين .
الظّاهِـرُ وَالبَـاطِنُ
وأما الفكرة الأخرى التي تسربت إلى التصوف من التشيع , واعتنقها الصوفية بتمامها هي فكرة تقسيم الشريعة إلى الظاهر والباطن , والعام والخاص .
ومنها تدرّجت وتطرقت إلى التأويل الباطني والتفسير المعنوي , وتفريق المسلمين بين العامة والخاصة , فإن الشيعة بجميع فرقها , وخاصة الإسماعيلية منهم يعتقدون أن لكل ظاهر باطنا , وقد اختص بمعرفة الباطن عليّ رضي الله عنه , وأولاده أي أئمتهم المعصومون حسب زعمهم , فسمّوا الموالين لهم بالخاصة , وغير المؤمنين بهذه الفكرة بالعامة .
فلقد قالوا : ( لا بدّ لكل محسوس من ظاهر وباطن , فظاهره ما تقع الحواسّ عليه , وباطنه يحويه ويحيط العلم به بأنه فيه , وظاهره مشتمل عليه ) .
وكذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما نزلت عليّ آية إلا ولها ظهر وبطن , ولكل حرف حدّ , ولكل حدّ مطلع ) .
ثم قسموا الظاهر والباطن بين النبي والوصيّ حيث قالوا : ( كانت الدعوة الظاهرة قسط الرسول صلوات الله وسلامه عليه , والدعوة الباطنة قسط وصيّه الذي فاض منه جزيل الإنعام ) .
ثم قالوا : ( إن الظاهر هو الشريعة , والباطن هو الحقيقة , وصاحب الشريعة هو الرسول محمد صلوات الله عليه , وصاحب الحقيقة هو الوصيّ عليّ بن أبي طالب ) .
هذا ولقد فصلنا القول في ذلك في كتابنا ( الإسماعيلية القدامى تاريخ وعقائد ) حيث بوبنا بابا مستقلا لبيان هذه العقيدة الخطرة للتلاعب بنصوص القرآن والسنة فمن أراد الإستزادة فليرجع إليه .
وأن الشيعة الآخرين كالشيعة الإثني عشرية يقولون بهذا القول كما روى كلينيهم في كافيّه عن موسى الكاظم – الإمام السابع عندهم – أنه قال : ( إن القرآن له ظهر وبطن ) .
وأيضا ما رواه ابن بابويه القمي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في حديث طويل أنه قال : ( إن رسول الله صلى الله عليه وآله علمني ألف باب من العلم يفتح كل باب ألف باب , ولم يعلم ذلك أحد غيري ) .
ويقولون : أن هذه العلوم توارثها أئمتهم بعده , فعلى ذلك يقول الكليني محدّث الشيعة في خطبه كتابه : ( فأوضح الله بأئمة الهدى من أهل بيت نبينا صلى الله عليه وآله عن دينه , وأبلج بهم عن سبيل مناهجه , وفتح بهم عن باطن ينابيع علمه , وجعلهم مسالك لمعرفته , ومعالم لدينه , وحجّابا بينه وبين خلقه , والباب المؤدي إلى معرفة حقه , وأطلعهم على المكنون من غيب سره .
كلّما مضى منهم إمام نصب لخلقه من عقبه إماما بيّنا , وهاديا نيّرا , وإماما قيّما , يهدون بالحق وبه يعدلون ) .
والجدير بالذكر أن التفريق بين الشريعة والحقيقة , وبين الظاهر والباطن من خواص التشيع إلا أنه لا توجد طائفة شيعية إلا وتؤمن بذلك , وكتب الفرق والكلام شاهدة على هذا , بل أنهم لم يختلفوا فيما بينهم في تعيين الإمام إلا بناء على هذا المبدأ , حيث أنهم اختلفوا : ( إلى من أفضى الإمام الراحل أسرار العلوم واطلاعه على مناهج تطبيق الآفاق على الأنفس , وتقدير التنزيل على التأويل , وتصوير الظاهر على الباطن , لأنهم كلهم مؤمنون بأن لكل ظاهر باطنا , ولكل شخص روحا , ولكل تنزيل تأويلا , ولكل مثال حقيقة في هذا العالم ) .
فحاصل ما قلناه أن تقسيم الشريعة والعلوم إلى الظاهر والباطن من أهم الميزات التي تتميّز بها الشيعة بفرقها عن الآخرين من المسلمين , وهم الذين تقوّلوا بها متأثرين باليهودية التي استقوا منها أفكارهم , بوساطة عبد الله بن سبا اليهودي , المؤسس الحقيقي الأول لديانتهم ومذهبهم .
ثم أخذ المتصوفة بدورهم أفكار الشيعة ومعتقداتهم , فآمنوا بها واعتقدوها , وجعلوها من الأصول والقواعد لعصابتهم , فقالوا مثل ما قاله الشيعة والفرق الباطنية : ( العلوم ثلاثة : ظاهر , وباطن , وباطن الباطن , كما أن الإنسان له ظاهر , وباطن , وباطن الباطن . فعلم الشريعة ظاهر , وعلم الطريقة باطن , وعلم الحقيقة باطن الباطن ) .
وقال الطوسي أبو نصر السراج : ( إن العلم ظاهر وباطن ... ولا يستغني الظاهر عن الباطن , ولا الباطن عن الظاهر , وقد قال الله عز وجل : ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم : فالمستنبط هو العلم الباطن , وهو علم أهل التصوف , لأن لهم مستنبطات من القرآن والحديث وغير ذلك ... فالعلم ظاهر وباطن , والقرآن ظاهر وباطن , وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهر وباطن , والإسلام ظاهر وباطن ) .
وذكر المتصوفة نفس تلك الرواية التي نقلها الشيعة والإسماعيلية , وهي : ( لكل آية ظاهر وباطن , وحدّ ومطلع ) .
ولم يكن التشابه والتوافق مع الشيعة , والاستفادة والاقتباس منهم منحصرا في هذا فحسب , بل كان هناك تجانس وتداخل في أكثر من هذا , حيث قالوا باختصاص علي رضي الله عنه دون الآخرين بعلم الباطن , فقال قائلهم : ( إن جبريل عليه السلام نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا بالشريعة , فلما تقررت ظواهر الشريعة واستقرت نزل إليه بالحقيقة المقصودة , والحكمة المرجوة من أعمال الشريعة , هي : الإيمان والإحسان , فخص رسول الله صلى الله عليه وسلم بباطن الشريعة بعض أصحابه دون البعض .
وكان أول من أظهر علم القوم وتكلم فيه سيدنا علي كرم الله وجهه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ثم انتشر هذا الطريق انتشارا لا ينقطع حتى ينقطع عمر الدنيا ) .
وأوردوا في كتبهم تلك الرواية الشيعية بعينها , التي نحن ذكرناها منهم عن علي رضي الله عنه أنه قال : ( علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين بابا من العلم لم يعلم ذلك أحد غيري ) .
وهناك روايات شيعية أخرى كثيرة أوردها المتصوفة في كتبهم ومؤلفاتهم , مؤيدين لها , مؤمنين بها , مستدلين منها , مثل هذا الحديث الموضوع : ( أنا مدينة العلم وعلي بابها ) .
ومنها ما رووه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه كذبا عليه أنه قال : ( كنا نمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم فانقطع نعله , فتناولها علي يصلحها , ثم مشى , فقال : ( يا أيها الناس , إن منكم من يقاتله علي على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله ) .
ومثل ذلك ذكر عبد الرحمن الصفوري في كتابه ( نزهة المجالس ومنتخب النفائس ) .
وقال ابن الفارض في تئيته : ( وأوضح بالتأويل ما كان مشكلا عليّ بعلم ما ناله بالوصيـــــة ) .
وهذا تشيع محض بدون شك ولا شبهة . وكذلك ما قاله ابن عربي في تفسيره مفسرا قول الله عز وجل : { عَمَّ يَتَسَاءلُونَ 0 عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ } .
( إنه القيامة الكبرى , ولهذا قيل : إن أمير المؤمنين علي هو النبأ العظيم , وهو فلك نوح أي الجمع والتفصيل – باعتبار الحقيقة والشريعة – لكونه جامعا لهما ) .
وعلى ذلك قال الهجويري : ( علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو ابن عم المصطفى , وغريق بحر البلاء , وحريق نار الولاء , وقدرة الأولياء والأصفياء أبو الحسن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه . وله في هذه الطريقة شأن عظيم , ودرجة رفيعة . وكان له حظ تام في دقة التعبير عن أصول الحقائق إلى حدّ أن قال الجنيد رحمه الله : شيخنا في الأصول والبلاء علي المرتضى رضي الله عنه .
أي أن عليا رضي الله عنه هو إمام هذه الطريقة في العلم والمعاملة , فأهل الطريقة يطلقون على علم الطريقة اسم الأصول , ويسمون تحمل البلاء فيها بالمعاملات ) .
والطوسي قال نقلا عن أبي عليّ الروذباري أنه قال : ( سمعت جنيدا رحمه الله يقول : رضوان الله على أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه , لولا أنه اشتغل بالحروب لأفادنا من علمنا هذا معاني كثيرة , ذاك امرؤ أعطى علم اللدنّي , والعلم اللدنّي هو العلم الذي خص به الخضر عليه السلام , قال الله تعالى : وعلمناه من لدنّا علما ) .
ثم نقل عن علي رضي الله عنه أشياء وقال بعده : ( ولعلي رضي الله عنه أشباه في ذلك كثير من الأحوال والأخلاق والأفعال التي يتعلق بها أرباب القلوب وأهل الإشارات وأهل المواجيد من الصوفية ) .
فهذه العبارات كلها لم تكن مقتبسة منقولة من التشيع و بل إنها شيعية وصرفة . وبعد هذا كله نريد أن نبيّن توغل الصوفية في علم الباطن وعلاقتهم به , وسبب إلتجائهم إليه , فنقول : ( إن الصوفية يقولون : إن علم الباطن المسمى بعلم القلب وبعلم التصوف , علم جليل شريف نفيس , وهو أجلّ العلوم وأشرفها , وهو الزبدة الممخوضة من الشريعة التي لم تبعث الأنبياء عليهم السلام إلا لأجلها ... وهو علم طريق الآخرة , وهو العلم الذي درج عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم , وهو العلم الذي لم يبعث الله الأنبياء إلا لأجله . وقد سماه الله تعالى في كتابه فقها وعلما وضياء ونورا وهدى ورشدا , وهو مستخرج من القرآن والسنة , ومدلول عليه منهما نصّا وتصريحا وتلويحا وكتابة وإشارة وغير ذلك من أصناف الدلالة .
قال الغزالي : علم الباطن هو علم يقين المقربين , وثمرته الفوز برضا الله تعالى , ونيل سعادة الأبد , وبه تزكية النفس وتطهيرها , وتنوير القلب وصفاؤه بحيث ينكشف بذلك النور أمور جليلة , ويشهد أحوالا عجيبة , ويعاين ما نمت عنه بصيرة ) .
وقالوا : ( هل ظاهر الشرع وعلم الباطــن إلا كجـــــسم فيه روح ســـــاكن
والعلم الظاهر هو علم العبودية والعلم الباطن هو علم الربوبية ) .
وقالوا : ( لا تجعلوا أحدا من أهل الظاهر حجة على أهل الباطن ) .
وخلاصة هذا أن علم الباطن هو التصوف بعينه , وهو ما أشار الكلاباذي نقلا عن عبد الواحد بن زيد أنه قال : ( سألت الحسن عن علم الباطن فقال : سألت حذيفة بن اليمان عن علم الباطن فقال : سألت رسول الله عن علم الباطن فقال : سألت جبريل عن علم الباطن فقال : سألت الله عز وجل عن علم الباطن فقال هو سرّ من سرّي , أجعله في قلب عبدي , لا يقف عليه أحد من خلقي . قال أبو الحسن بن أبي ذر قي كتابه منهاج الدين أنشدونا للشلبي :
علم التصوف لا نفــــاذ لــه علم سنيّ ســــــــماويّ ربــــــوبيّ فيه الفوائد للأرباب يعرفها أهل الجزالة والصنع الخصوصي ) .
وبالغوا في مدحه حتى قالوا : ( سئل بعض العلماء عن علم الباطن : أي شيء هو ؟ فقال : سرّ من سرّ الله تعالى يقذفه في قلوب عباده لم يطلع عليه ملكا ولا بشرا ) .
و ( علم الباطن سر من أسرار الله ) .
وكذب الآخر على رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث نسب هذا الكلام إليه صلوات الله وسلامه عليه فقال : ( علم الباطن سر من أسرار الله تعالى وحكمة من حكمته يقذفه في قلوب من يشاء من عباده ) .
ولقد بين داود القيصري من هم أصحاب العلم الباطن , وما هي قيمتهم ومنزلتهم مقابل أصحاب الظاهر , شارحا مبيّنا الحديث الموضوع الذي ذكرنا فيما سبق , فيقول : ( ولما كان للكتاب ظهر وبطن وحد ومطلع , كما قال عليه السلام : ( إن للقرآن ظهراً وبطناً وحداً ومطلعاً ) , وقال عليه السلام : ( إن للقرآن بطناً ولبطنه بطناًً , إلى سبعة أبطن ) وفي رواية ( إلى سبعين بطناً ) , وظهره : ما يفهم من ألفاظه ويسبق الذهن إليه . وبطنه : المفهومات اللازمة للنظر الأول . وحدّه : ما إليه ينتهي غاية إدراك الفهوم والعقول , ومطلعه : ما يدرك منه على سبيل الكشف والشهود , من الأسرار الإلهية والإشارات الربانية . والمفهوم الأول , الذي هو الظهر , للعوام والخواص . والمفهومات اللازمة له ( هي ) للخواص ولا مدخل فيها للعوام . والحدّ للكاملين . والمطلع لخلاصة أخص الخواص كأكابر الأولياء . وكذلك التقسيم في الأحاديث القدسية والكلمات النبوية : فإن لكل من العوام والخواص وأخص الخواص فيها إنباءات رحمانية وإشارات إلهية – من اجل هذا كله – كان للشريعة ظاهر وباطن .
( ومراتب العلماء أيضا فيهما متكثرة . ففيهم فاضل ومفضول , وعالم وأعلم , والذي نسبته إلى نبيه أتم وقربه من روحه أقوى , كان علمه بظاهر شريعته وباطنها أكمل . والعالم بالظاهر والباطن منه أحق أن يتبع , لغاية قربه من نبيه , وقوة علمه بربه , وأحكامه , وكشفه حقائق الأشياء , وشهوده إياها . ثم من هو دونه في المرتبة إلى أن ينزل إلى مرتبة علماء الظاهر فقط ) .
و ( هو العلم المخزون والعلم اللدني الذي اختزنه عنده , فلم يؤته إلا للمخصوصين من الأولياء كما قال الله تعالى في شأن الخضر عليه السلام : وعلّمناه من لدنا علما ... وقال بعضهم : هي أسرار الله تعالى يبديها الله إلى أنبيائه وأوليائه وسادات النبلاء من غير سماع ولا دراسة , وهي من الأسرار التي لم يطلع عليها أحد إلا الخواص . وقال أبو بكر الواسطي رضي الله عنه في قوله تعالى : والراسخون في العلم : وهو الذين رسخوا بأرواحهم في غيب الغيب , وفي سر السر , فعرفهم ما عرفهم , وخاضوا في بحر العلم بالفهم لطلب الزيادة , فانكشف لهم من مذخور الخزائن والمخزون تحت كل حرف وآية من الفهم وعجائب النظر بحارا , فاستخرجوا الدرر والجوهر , ونطقوا بالحكمة ) .
وقالوا : ( أهل الظاهر هم : أهل الخبر واللسان , وعلماء الباطن هم : أرباب القلوب والعيان ... وعلم الظاهر حكم , وعلم الباطن حاكم , والحكم موقوف حتى يأتي الحاكم بحكم فيه ) .
و ( أهل الظاهر هم أهل الشريعة , وأهل الباطن هم أهل الحقيقة ) . وأما سبب التجاء المتصوفة إلى علم الباطن , ومنه إلى التأويل هو أن الصوفية لم يجدوا في القرآن والسنة ما يمكن أن يكون سندا لهم على منهجهم ومسلكهم , ودليلا على طرقهم التي اختاروها , والمناهج التي اخترعوها للوصول إلى الله , والحصول على معرفته ورضائه , فالتجأوا إلى علم الباطن والتأويل الباطني كما قال نيكلسون : ( لا يمكن أن يكون القرآن أساسا لأي مذهب صوفي , ومع ذلك استطاع الصوفية متبعين في ذلك الشيعة أن يبرهنوا بطريقة التأويل نصوص الكتاب والسنة معنى باطنا لا يكشفه الله إلا للخاصة من عباده الذين تشرق هذه المعاني في قلوبهم في أوقات جدهم . ومن هنا نستطيع أن نتصور كيف سهل على الصوفية بعد سلموا بهذا المبدأ أن يجدوا دليلا من القرآن لكل قول من أقوالهم ونظرية من نظرياتهم أيا كانت , وأن يقولوا إن التصوف ليس في الحقيقة إلا العلم الباطن الذي ورثه علي بن أبي طالب عن النبي . ويلزم من هذا المبدأ أيضا ( مبدأ التأويل ) أن تأويل الصوفية لتعاليم الإسلام قد يأتي على أنحاء وأشكال لا حصر لعددها , وربما أدى إلى تناقض في العبادات والمسائل العلمية . وكل ذلك مفروض صدقه في النوع لا في الدرجة , لأن معاني القرآن لا حصر لها , وهي تنكشف لكل صوفي بحسب ما منحه الله من الإستعداد الروحي . ولهذا لم تتألف من الصوفية فرقة خاصة , ولا كان لهم مذهب محدود يصح أن نسميه مذهب التصوف . بل إن التعريفات العديدة التي وضعت للفظ التصوف نفسه لتدل على تعدد وجوه النظر في فهم معناه .
كذلك الحال في موقف الصوفية من الشريعة , فإن هذا الموقف يختلف بحسب حال كل صوفي . ولذلك تجد بعضهم قد قام بشعائر الدين بكل دقة بالرغم من أنهم كانوا يعتبرون أن صور العبادات ليس لها من القيمة ما لأعمال القلوب , أو أنها لا قيمة لها البتة إلا من حيث دلالتها على الحقائق الروحية . فالحج مثلا رمز للبعد عن المعاصي , والإحرام خلع الشهوات والملذات مع خلع الثياب . وهذا الأسلوب من البحث أسلوب معروف عند الإسماعيلية الباطنية , والظاهر أن الصوفية أخذوه عنهم .
وآخرون منهم قالوا برفع التكاليف الدينية سواء أكانوا من الصوفية الذين تحرروا من القيود الشرعية في تفكيرهم وأعمالهم , أم من الصوفية الصادقين في تصوفهم كالملامتية الذين دفعهم الخوف من مدح الناس إلى الظهور فيهم بما يستجلب الملامة والذم , أم من ( العارفين ) الذين لم يأبهوا بمظاهر الشرع ورسومه ولا بأخلاق هذا العالم الزائل .... وقد سبق أن ذكرنا أن الصوفية اعتبروا أنفسهم خاصة أهل الله الذين منحهم الله أسرار العلم الباطن المودع في القرآن والحديث , وأنهم استعملوا في التعبير عن هذا العلم لغة الرمز والإشارات التي لا يقوى على فهمها غيرهم من المسلمين ) .
وسبب آخر أنهم تقوّلوا بكلمات كلها كفر وإلحاد , ونقل عن الباطنية والتشيع والفرق الباطلة الأخرى , فلما سمع العلماء هذه المقولات كفروهم بها , ورموهم بالإلحاد والزندقة فلم يسعهم آنذاك إلا القول بالظاهر والباطن , والهروب إلى التأويل , وفي كتب التصوف أمثلة كثيرة مبعثرة في ذلك .
فمثلا الطوسي يذكر متصوفة كثيرين رموا بالزندقة والإلحاد , ولكنه يبرّء ساحتهم من هذه التهم بهذه المقولة , فمثلا يقول عن عبد الله الحسين بن مكي الصبيحي أنه ( تكلم بشيء من علم الأسماء والصفات وعلم الحروف فكفره أبو عبد الله الزبيري , وهيّج عليه العامة , فقال : إن سهل بن عبد الله قال له : نحن فتحنا للناس جراب الهلتيت فلم يصبروا علينا , فلم كلمتهم أنت بما لا يعرفون , فكان ذلك سبب خروجه من البصرة , ثم قال : وكان إذا تكلم بعلوم المعارف يدهش العالم ) .
ومثل ذلك ذكر أبا سعيد أحمد بن عيسى الخراز فقال : ( أنكر عليه جماعة من العلماء , ونسبوه إلى الكفر بألفاظ وجدوها في كتاب صنّفه وهو : كتاب السرّ , فلم يفهموا معناه , وهو قوله : عبد رجع إلى الله , وتعلق بالذكر , وذكر في قرب الله وطالع ما أذن له من التعظيم لله , ونسي نفسه وما سوى الله , فلو قلت له : من أين أنت وأين تريد ؟ لم يكن جواب غير قول ( الله ) ) .
هذا , وذكر الآخرين كذلك , وقبل ذلك عللّ سبب تكفير العلماء إياهم بقوله :
( فمنهم قوم لم يفهموا معاني ما أشاروا إليه في كلامهم من غامض العلم وجليل الخطب , ولم يكن لهم زاجر من العقل ولا واعظ من الدين أن يستبحثوا عن المعاني التي أشكلت عليهم ويسألوا ذلك عن أهلها , وقاسوا من ذلك بما علموا من العلوم المبثوثة بين عوام الناس حتى هلكوا ) .
والأمثلة في هذا الباب كثيرة لا تعدّ ولا تحصى .
وأخيرا يحسن بنا أن نورد بعض الأمثلة للتأويلات الصوفية في القرآن والحديث النبوي الشريف لتمام الفائدة وإكمال البحث .
فيذكر ابن عطاء الله الإسكندري في لطائفه نقلا عن بعض مشائخه أنه فسّر الآية { يهب لمن يشاء إناثا } الحسنات { ويهب لمن يشاء الذكور } العلوم , { ويجعل من يشاء عقيما } لا علم ولا حسنة , كما مضى أيضا من قول الله عز وجل : { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } . فقال الشيخ : بقرة كل إنسان نفسه , والله يأمرك بذبحها , وكما سيأتي إن شاء الله في تفسير الأحاديث , فذلك ليس إحالة للظاهر عن ظاهره , ولكن ظاهر الآية مفهوم منه ما جلبت له الآية , ودلت عليه في عرف اللسان , وثمّ أفهام باطنة تفهم عند الآية والحديث , لمن فتح الله على قلبه ) .
وقال الجيلي مفسرا قول الله عز وجل : { هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا } يقول في تفسيره : ( اتفقت العلماء على أن ( هل ) في هذا الموضوع بمعنى قد : يعني قد أتى الإنسان حين من الدهر , والهر هو الله , والحين تجل من تجلياته ( لم يكن شيئا ) يعني أن الإنسان لم يكن شيئا ( مذكورا ) , ولا وجود له في ذلك التجلي , لا من حيث الوجود العيني ولا من حيث العملي , لأنه لم يكن شيئا مذكورا , فلم يكن معلوما , وهذا التجلي هو أزل الحق الذي لنفسه ) .
ثم يؤوّل الجيلي الصوم والصلاة والزكاة والحج تأويلا باطنيا محضا , كالإسماعيلية تماما , فيقول : ( وأما الصلاة فإنها عبارة عن واحدية الحق تعالى , وإقامتها إشارة إلى إقامة ناموس الواحدية بالاتصاف بسائر الأسماء والصفات , فالطهر عبارة عن الطهارة من النقائص الكونية ... وقراءة الفاتحة إشارة إلى وجود كماله في الإنسان لأن الإنسان هو فاتحة الوجود ....
وأما الزكاة فعبارة عن التزكي بإيثار الحق على الخلق ... وأما كونه واحدا في كل أربعين في العين فلأن الوجود له أربعون مرتبة , والمطلوب المرتبة الإلهية , فهي المرتبة العليا , وهي واحدة من أربعين ...
وأما الصوم فإشارة إلى الامتناع عن استعمال المقتضيات البشرية ليتصف بصفات الصمدية , فعلى قدر ما يمتنع : أي يصوم عن مقتضيات البشرية تظهر آثار الحق فيه ...
وأما الحج فإشارة إلى استمرار القصد في طلب الله تعالى , والإحرام إشارة إلى ترك شهود المخلوقات ... ثم ترك حلق الرأس إشارة إلى ترك الرياسة البشرية ... ثم مكة عبارة عن المرتبة الإلهية , ثم الكعبة عبارة عن الذات , ثم الحجر الأسود عبارة عن اللطيفة الإنسانية .... ) ز
وبمثل ذلك ذكر الكلاباذي عن بعض مشائخه أنه قال : ( معنى الصلاة : التجريد عن العلائق , والتفريد بالحقائق , والعلائق ما سوى الله , والحقائق ما لله ومن الله . وقال آخر : الصلاة وصل . قال : سمعت فارسا يقول : معنى الصوم : الغيبة عن رؤية الخلق برؤية الحق عز وجل ) .
والسهروردي المقتول يفسر قول الله عز وجل : ( { يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية } : أي ليست عقلية محضة , ولا غربية : أي ليست هيولانية محضة , وهي بعينها شجرة موسى التي سمع منها النداء , في البقعة المباركة من الشجرة , وقوله : ولو لم تمسسه نار : هذه النار هو الأب المقدس – روح القدس – وهو النار التي جاءت في قوله : { أنْ بورك من في النار } أي المتصلين بها ) .
وقال أيضا : ( ألأم تر أن موسى لما طلب الرؤية , قيل له : { ولكن انظر إلى الجبل فإنْ استقر مكانه فسوف تراني } : لأن هذا الجبل حائل دائم التحرك , شاغل للنفس . فلما تعدى السانح القدسيّ إلى معدن التخيل , قهره . كما قال الله تعالى : { فلما تجلّى ربه للجبل جعله دكا وخرّ موسى صعقا ) : انقطع سلطان البشرية بظهور نور الحقيقة , فاصطلمت النفس , وفنيت عن مشاهدة الكثرة بنور القيومية ) .
وأما ابن عربي الذي قال فيه الدكتور أبو العلاء العفيفي محللاً أسلوبه التأويلي والتفسيري : ( إنه يحول القرآن بمنهجه الخطير في التأويل إلى قرآن جديد ) .
وينقل الشيخ رشيد رضا المصري , عن شيخه محمد عبده رأيه في تفسيره بقوله : ( وفيه من النزعات ما يتبرء منه دين الله وكتابه العزيز ) .
يقول ابن عربي هذا في تفسير قول الله عز وجل : { الم } : أشار بهذه الحروف إلى كل الوجود حيث هو كل , لأن ( أ) إشارة إلى ذات الله الذي هو أول الوجود ... و ( ل ) إلى العقل الفعال المسمى جبريل , وهو أوسط الوجود الذي يستفيض من المبدأ , ويفيض إلى المنتهى . و ( م ) إلى محمد الذي هو آخر الوجود تتمّ به دائرته , وتتصل بأولها , ولهذا ختم ) .
ويقول السلمي الذي قال فيه الذهبي : ( أتى السلمي في حقائقه بمصائب وتأويلات باطنية نسأل الله العافية ) .
يقول في تفسير آلم : ( الألف ألف الوحدانية , واللام لام اللطف , والميم ميم الملك , معناه من وجدنا على الحقيقة بإسقاط العلائق والأغراض تلطف له في معناه فأخرجته من رقّ العبودية إلى الملك الأعلى ) .
وأما القشيري ففسر آلم : ( فالألف من اسم (الله) , واللام يدل على (اللطيف) , والميم يدل على اسمه ( المجيد ) و ( الملك ) .
وقيل أقسم الله بهذه الحروف لشرفها لأنها بسائط أسمائه وخطابه . وقيل إنها أسماء السور . وقيل الألف تدل على اسم ( الله ) واللام تدل على اسم ( جبريل ) والميم تدل على اسم ( محمد ) صلى الله عليه وسلم , فهذا الكتاب نزل من الله على لسان جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم . والألف من بين سائر الحروف انفردت عن أشكالها بأنها لا تتصل بحرف في الخط وسائر الحروف يتصل بها إلا حروف يسيرة , فيتنبه العبد عند تأمل هذه الصفة إلى احتياج الخلق بجملتهم إليه , واستغنائه عن الجميع .
ويقال يتذكر العبد المخلص من حال’ الألف تقدس الحق سبحانه وتعالى عن التخصص بالمكان , فإن سائر الحروف لها محل من الحلق أو الشفة أو اللسان إلى غيره من المدارج غير الألف فإنها هويته , لا تضاف إلى محل .
ويقال الإشارة منها إلى انفراد العبد لله سبحانه وتعالى فيكون كالألف لا يتصل بحرف , ولا يزول عن حالة الاستقامة والانتصاب بين يديه .
ويقال بطالب العبد في سره عند مخاطبتة بالألف بانفراد القلب إلى الله تعالى , وعند مخاطبته باللام بلين جانبه في ( مراعاة ) حقه , وعند سماع الميم بموافقة أمره فيما يكلفه .
ويقال اختص كل حرف بصيغة مخصوصة وانفردت الألف باستواء القامة , والتميز عن الاتصال بشيء من أضرابها من الحروف , فجعل لها صدر الكتاب إشارة إلى أن من تجرد عن الاتصال بالأمثال والأشغال حظي بالرتبة العليا , وفاز بالدرجة القصوى , وصلح للتخاطب بالحروف المنفردة التي هي غير مركبة , على سنة الأحباب في ستر الحال , وإخفاء الأمر الأجنبي من القصة – قال شاعرهم :
قلت لها قفي لنا قالت قاف لا تحسبي أنا نسينا لا يخاف
ولم يقل وقفت ستراً على الرقيب ولم يقل لا أقف مراعاة لقلب الحبيب بل ( قالت قاف ) ) .
ويكتب الجيلي تحت قول الله عز وجل : { آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين , الذين يؤمنون بالغيب } :
( أشار بذلك إلى حقيقة ألف لام ميم , وذلك من طريق الإجمال إشارة إلى الذات والأسماء والصفات ( ذلك الكتاب ) والكتاب الإنسان الكامل ( فألف لام ميم بما أشار إليه هو حقيقة الإنسان ( لا ريب فيه هدى للمتقين ) الذين هم وقاية عن الحق , والحق وقاية عنهم , فإن دعوت الحق فقد كنيت به عنهم , وإن دعوتهم فقد كنيت بهم عنه ( الذين يؤمنون بالغيب ) الغيب هو الله لأنه غيبهم آمنوا به أنه هويتهم وأنهم عينه ( ويقيمون الصلاة ) يعني يقيمون بناموس المرتبة الإلهية في وجودهم بالاتصاف بحقيقة الأسماء والصفات ( ومما رزقناهم ينفقون ) يعني يتصرفون في الوجود من ثمرة ما أنتجته هذه الأحدية الإلهية في ذواتهم ) .
ونقل عبد الحليم محمود عن أبي الحسن الشاذلي تفسير قول الله عز وجل على لسان موسى عليه السلام : ( ( هي عصاي ) معرفتي بك , أعتمد عليها . ( أهش بها على غنمي ) أولادي في التربية . ( ولي فيها مآرب أخرى ) من باب لي وقت مع ربّي لا تسعني فيه أرض ولا سماء ) .
وفسر ابن عجيبة الآية القرآنية : ( ( رب أدخلني ) في الأشياء حقوقا كانت أو حظوظا ( مدخل صدق ) أي إدخال صدق , بأن يكون ذلك الإدخال بك , معتمدا فيه على حولك وقوتك , متبرئا من حولي وقوتي ومن شهود نفسي .
( وأخرجني ) منها ( مخرج صدق ) أي إخراج صدق , بأن أكون مأذونا فيه بإذن خاص , مصحوبا بالخشية وسر الإخلاص , وهذا معنى قوله [ ليكون نظري إلى حولك وقوتك إذا أدخلتني ] في الأشياء [ وإنقيادي إليك إذا أخرجتني ] منها .
( وأجعل لي من لدنك ) أي من مستبطن أمورك بلا واسطة ولا سبب ( سلطانا ) أي برهانا قويا , وليس ذلك إلا وارد قويّ من حضرة قهار لا يصادمه شيء ألا دمغه , فيحق الحق ويزهق الباطل , ويكون ذلك السلطان ينصرني ولا ينصر عليّ , أي ينصرني على الغيبة عن الحس وعن شهود السوى حتى نبعد عنهما برؤية مولاهما ولا ينصر على الوهم والحس وشهود الغيرية .
ثم بين ذلك فقال : [ ينصرني على شهود نفسي ] أي يقويني على الغيبة عنها فإذا انتصرت على شهودها انهزم عني وذهب شهودها وبقي شهود ربها , فالنصرة على الشيء هو غلبته حتى يضمحل وينقطع وكـأن شهود النفس عدو يحاربك ويقطعك عن شهود ربك , فإذا نصرك الله عليه ودفعته عنك , فتتصل حينئذ بشهود محبوبك , وإذا فني شهود النفس فني حينئذ وجود الحس , وهو معنى قوله [ ويفنيني عن دائرة حسي ] فإذا فنيت دائرة الحس بقي متسع المعاني وقضاء الشهود , وهذه هي الولادة الثانية , فإن الإنسان بعد أن خرج من بطن أمه وهي الولادة الأولى بقي مسجونا بمحيطاته , محصورا في هيكل ذاته , قد التقمه الهوى , وصار في بطن الحس والوهم . وسجن الأكوان المحيطة بجسمانيته , فإذا فنيت دائرة حسه وخرج من بطن عوائده وشهوات نفسه , نقبت روحه الكون بأسره , وخرجت إلى شهود مكونها فقد ولد مرة ثانية , وهذه الولادة لا يعقبها فناء ولا موت ) .
وقال الشعراني ناقلا عن سيده علي الخواص في تفسيره قول الله عز وجل : ( ( إن الذين قالوا ربنا الله ) كمّل الأنبياء ( ثم استقاموا ) محمد صلى الله عليه وسلم ( تتنزل عليهم الملائكة ) عامة النبيين ( أن لا تخافوا ولا تحزنوا ) كمّل العارفين ( وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ) جميع المؤمنين فقد بيّنت هذه الآية مراتب الكمّل , كما بيّنت التي تليها صفاتهم وأحوالهم . وهذه الآية من الجوامع . قال : ولولا خوف الهتك لأستار الكمّل لأظهرنا لك من هذه الآية عجبا ) .
والتأويلات كهذه لا عدّ لها ولا حصر , والقوم أشبعوا الكلام في علم الباطن والتأويل الباطني , وملؤا كتبهم به , وهذه الفكرة لم تتدرج إليهم إلا من التشيع والشيعة , كالأفكار الأخرى .
والشيعة بدورهم أخذوها من اليهودية . وهكذا أدخل الصوفية أنفسهم في الفرق الباطنية لأن الإسماعيلية والنصيرية والدروز وغيرها من الفرق الباطنية لم يسمّوا بالباطنية إلا لقولهم : إن لكل ظاهر باطنا , حسب اعتراف الشعراني نفسه , حيث يقول :
( الإسماعيلية : وهم قوم يسمون بالباطنية لكونهم يقولون : لكل ظاهر باطن ) .
وأما تسمية المتصوفة العلماء والفقهاء والمسلمين الآخرين الذين لا يؤمنون بباطنيتهم , بأهل الظاهر , , والعامة , , وأهل الرسوم , والنكير عليهم فمنتشر في كتبهم , كما يقول ابن عربي : ( ما خلق الله أشق ولا أشد من علماء الرسوم على أهل الله المختصين بخدمته , العارفين به من طريق الوهب الإلهي , الذين منحهم أسراره في خلقه , وفهم معاني كتابه وإشارات خطابه , فهم لهذه الطائفة مثل الفراعنة للرسل عليهم السلام ) .
وقال لسان الدين بن الخطيب : ( إن كل الخلق قعدوا على الرسوم , وقعدت الصوفية على الحقائق ) .
أي أن الصوفية هم أهل الحقائق , وسائر الناس أهل الرسوم .
ويقول الكمشخانوي : ( الذين اقتصروا على الشريعة فهم العامة ) .
والترمذي الملقب بالحكيم يقول في كتابه ( ختم الأولياء ) :
( أكثر الشريعة جاءت على فهم العامة ) .
نَسْخ الشّريعَةِ وَرَفع التّكَالِيف
ومن العقائد الشيعية الباطنية المعروفة : نسخ الشريعة , ورفع التكاليف .
أما نسخ شريعة محمد صلوات الله وسلامه عليه فيؤمن به جميع فرق الباطنية ولو أنهم يتظاهرون بإنكاره كما ذكر الغزالي .
وكما ورد في أدعية الأيام السبعة للإمام الإسماعيلي المعز لدين الله .
وكما قال أبو يعقوب السجستاني : ( أما القائم عليه السلام فإنه يرفع الشرائع ) .
وأيضا في الكتب النصيرية والدرزية وغيرها من الفرق الباطنية الأخرى . وأما رفع التكاليف فيقول الداعي الإسماعيلي طاهر بن إبراهيم الحارثي اليماني : ( حجج الليل هم أهل الباطن المحض , المرفوع عنهم في أدوار الستر التكاليف الظاهرة لعلو درجاتهم ) .
وبمثل ذلك نقلوا عن جعفر بن محمد الباقر أنه قال : ( من عرف الباطن فقد سقط عنه عمل الظاهر .... ورفعت عنه الأغلال والأصفاد وإقامة الظاهر ) .
ويشاركهم في ذلك فرق الشيعة الأخرى , مثل المعمرية من الخطابية والجناحية والمنصورية وغيرها من الفرق الشيعية الأخرى . مؤولين قول الله عز وجل : { يريد الله أن يخفف عنكم } , وقوله جل وعلا : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ } . سالكين في ذلك منهج التأويل الباطني الخبيث , فتركوا الواجبات , وأباحوا المحرمات , وأتوا المنكرات .
والشيعة الأثنا عشرية أيضا , كاذبين على أئمتهم , ومتهمين إياهم بمقولات هم منها براء . كما روى الكليني في كافيّه عن جعفر بن محمد الباقر أنه قال لشيعته : ( إن الرجل منكم لتملأ صحيفته من غير عمل ) . بل ( كان مع النبيين في درجتهم يوم القيامة ) .
وذكر ابن بابويه القمي أن علي بن موسى الرضا – الإمام الثامن المعصوم عند الشيعة – قال : ( رفع القلم عن شيعتنا , فقلت : يا سيدي , كيف ذاك ؟ قال : لأنهم أخذ عليهم العهد بالتقية في دولة الباطل , يأمن الناس ويخوّفون , ويكفرون فينا ولا نكفر فيهم , ويقتلون بنا ولا نقتل بهم , ما من أحد من شيعتنا ارتكب ذنبا أو خطأ إلا ناله في ذلك غمّ يمحص عنه ذنوبه , ولو أتى بذنوب عدد القطر والمطر , وبعدد الحصى والرمل , وبعدد الشوك والشجر ) .
ويذكر مفسر شيعي آخر وهو علي بن إبراهيم القمي , عن جعفر أنه قال : ( إذا كان يوم القيامة يدعى بعليّ أمير المؤمنين عليه السلام ... ثم يدعى بالأئمة ... ثم يدعى بالشيعة , فيقومون أمامهم , ثم يدعى بفاطمة ونسائها من ذريتها وشيعتها , فيدخلون الجنة بغير حساب ) .
ومن أراد الإستزادة فليرجع إلى كتابنا الشيعة وأهل البيت .
وكذلك الشيعة والسنة .
وأما المتصوفة فيقولون بكل هذا , سالكين مسلك هؤلاء الضالة النحرفين : ( وفي النساك قوم يزعمون أن العبادة تبلغ بهم إلى درجة تزول فيها عنهم العبادات , وتكون الأشياء المحظورات على غيرهم من الزنا وغيره مباحات لهم ) .
وقالوا : ( إذا وصلت إلى مقام اليقين سقطت عنك العبادة , مؤولين قول الله عز وجل : وأعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) .
ولقد أقر صوفي قديم بوجود هؤلاء المتصوفة ومن هم على منوالهم – وما أكثرهم – فقال : ( وأرتحل عن القلوب حرمة الشريعة , فعدّوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة , ورفضوا التمييز بين الحلال والحرام , ودانوا بترك الاحترام , وطرح الاحتشام , واستخفوا بأداء العبادات , واستهانوا بالصوم والصلاة , وركضوا في ميدان الغفلات , وركنوا إلى إتباع الشهوات , وقلة المبالاة بتعاطي المحظورات , والإرتفاق بما يأخذونه من السوقة والنسوان وأصحاب السلطان .
ثم لم يرضوا بما تعاطوه من سوء هذه الأفعال , حتى أشاروا إلى أعلى الحقائق و الأحوال , وادعوا أنهم تحرروا من رقّ الأغلال , وتحققوا بحقائق الوصال , وانهم تجري عليهم أحكامه وهم محو , وليس لله عليهم فيما يؤثرونه أو يذرونه عتب ولا لوم , وأنهم كوشفوا بأسرار الأحدية , واختطفوا عنهم بالكلية , وزالت عنهم أحكام البشرية , وبقوا بعد فنائهم عنهم بأنوار الصمدية , والقائل عنهم غيرهم إذا نطقوا , والنائب عنهم سواهم فيما تصرفوا , بل صرفوا .
ولما طال الابتلاء فيما نحن فيه من الزمان بما لوّحت ببعضه من هذه القصة , وكنت لا أبسط إلى هذه الغاية لسان الإنكار , غيرة على هذه الطريقة أن يذكر أهلها بسوء أو يجد مخالف لثلبهم مساغا , إذ البلوى في هذه الديار بالمخالفين لهذه الطريقة والمنكرين عليها شديدة ) .
كما أقرّ بإباحتهم للمحظورات , الطوسي في كتابه : ( زعمت الفرقة الضالة , في الحظر والإباحة , أن الأشياء في الأصل مباحة , وإنما وقع الحظر للتعدي , فإذا لم يقع التعدّي تكون الأشياء على أصلها من الإباحة , وتأولوا قول الله عز وجل : { فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا0 عِنَبًا وَقَضْبًا0 زَيْتُونًا وَنَخْلًا 0حَدَائِقَ غُلْبًا0 وَفَاكِهَةً وَأَبًّا 0 مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ } . فقالوا : هذا على الجملة غير مفصل , فأدّاهم ذلك بجهلهم , إلى أن طمعت نفوسهم بأن المحظور الممنوع منه المسلمون : مباح لهم , إذا لم يتعدّوا في تناوله .
وإنما غلطوا في ذلك بدقيقة خفيت عليهم , من جهلهم بالأصول , وقلة حظهم من علم الشريعة , ومتابعتهم شهوات النفس في ذلك ... فظنت هذه الطائفة الضالة بالإباحة , لأن ذلك كان منهم على حال , جاز لهم ترك الحدود , أو أن يجاوزوا حد متابعة الأمر والنهي , فوقعوا من جهلهم في التيه , وتاهوا , وطلبوا ما مالت إليه نفوسهم : من اتباع الشهوات , وتناول المحظورات , تأويلا , وحيلا , وكذبا , وتمويها ) .
وذكرهم السهروردي بقوله : ( فقوم من المفتونين سمّوا أنفسهم ملامتية , ولبسوا لبسة الصوفية , لينتسبوا بها إلى الصوفية , وما هم من الصوفية بشيء , بل هم في غرور وغلط , يتسترون بلبسة الصوفية توقيتا تارة , ودعوى أخرى , وينتهجون مناهج أهل الإباحة , ويزعمون أن ضمائرهم خلصت إلى الله تعالى , ويقولون : هذا هو الظفر بالمراد , والإرتسام بمراسم الشريعة رتبة العوام , والقاصرين الأفهام المنحصرين في مضيق الاقتداء تقليدا , وهذا هو عين الإلحاد والزندقة والإبعاد , فكل حقيقة ردّتها الشريعة فهي زندقة , وجهل هؤلاء المغرورون أن الشريعة حق العبودية , والحقيقة هي حقيقة العبودية , ومن صار من أهل الحقيقة تقيد بحقوق العبودية وصار مطالبا بأمور وزيادات لا يطالب بها من لم يصل إلى ذلك , لا أنه يخلع عن عنقه ربقة التكليف , ويخامر باطنه الزيغ والتحريف .... ومن جملة أولئك قوم يقولون بالحلول ويزعمون أن الله تعالى يحل فيهم ويحل في أجسام يصطفيها , ويسبق لأفهامهم معنى من قول النصارى في اللاهوت والناسوت .
ومنهم من يستبيح النظر إلى المستحسنات إشارة إلى هذا الوهم ) .
وهؤلاء الذين ذكرهم ابن الجوزي بقوله : ( أعلم أن أكثر الصوفية المتصوفة قد سدوا على أنفسهم باب النظر إلى النساء الأجانب لبعدهم عن مصاحبتهن وامتناعهم عن مخالطتهن , واشتغلوا بالتعبد عن النكاح , واتفقت صحبة الأحداث لهم على وجه الإرادة وقصد الزهادة , فأمالهم إبليس إليهم , واعلم أن المتصوفة في صحبة الأحداث على سبعة أقسام :
القسم الأول : أخبث القوم وهم أناس تشبهوا بالصوفية ويقولون بالحلول . أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سليمان , نا أبو علي الحسين بن محمد بن الفضل الكرماني , نا سهل بن علي الخشاب , نا أبو نصر عبد الله بن السراج , قال : بلغني أن جماعة من الحلولية زعموا أن الحق تعالى اصطفى أجساما حل فيها بمعاني الربوبية . ومنهم من قال : هو حال في المستحسنات . وذكر أبو عبد الله بن حامد من أصحابنا أن طائفة من الصوفية قالوا : أنهم يرون الله عز وجل في الدنيا , وأجازوا أن يكون في صفة الآدمي ولم يأبوا كونه حالا في الصورة الحسنة حتى استشهدوه في رؤيتهم الغلام الأسود .
القسم الثاني : قوم يتشبهون بالصوفية في ملبسهم ويقصدون الفسق .
القسم الثالث : قوم يستبيحون النظر إلى المستحسن . وقد صنف أبو عبد الرحمن السلمي كتابا سماه ( سنن الصوفية ) فقال في أواخر الكتاب : باب في جوامع رخصهم , فذكر فيه الرقص والغناء والنظر إلى الوجه الحسن .
وذكر فيه ما روى عن النبي عليه السلام أنه قال : أطلبوا الخير عند حسان الوجوه . وأنه قال : ثلاثة تجلو البصر : النظر إلى خضرة , والنظر إلى ماء , والنظر إلى الوجه الحسن ) .
ثم حكى حكايات كثيرة عن هؤلاء المتصوفة , تدل على فسقهم وفجورهم .
ومما ذكرها أن صبيا أمرد حكى له , قال : قال لي الصوفي وهو يجيبني : يا بنيّ , لله فيك إقبال وإلتفات , حيث جعل حاجتي إليك . وحكى أن جماعة من الصوفية دخلوا على أحمد الغزالي وعنده أمرد , وهو خال به وبينهما ورد , وهو ينظر إلى الورد تارة , وإلى الأمرد تارة , فلما جلسوا قال بعضهم : لعلنا كدرنا , فقال : أي والله , فتصايح الجماعة على سبيل التواجد .
وحكى أبو الحسين بن يوسف أنه كتب إليه في رقعة : أنك تحب غلامك التركي , فقرأ الرقعة ثم استدعى الغلام فصعد إليه النظر فقبله بين عينية , وقال : هذا جواب الرقعة .
قال المصنف رحمه الله : قلت : إني لأعجب من فعل هذا الرجل وإلقائه جلباب الحياء عن وجهه , وإنما أعجب من البهائم الحاضرين كيف سكتوا عن الإنكار عليه , ولكن الشريعة بردت في قلوب كثير من الناس .
ومن الأبيات التي يستمع إليها الصوفية , ويرقصون عليها , يغنّون بها أبيات ذكر طرفا منها في كتابه :
( أتذكر وقتنا وقــــــــــد اجتمعنا على طيب السماع إلى الصباح
ودارت بيننا كـــــــأس الأغاني فأسكرت النـــــفوس بغير راح
فلم تر فيهم إلا نشـــــــــــــاوى سرور والسرور هنــــاك صاح
إذا لبّى أخو اللــــــــذات فيـــــه منادي الـــلهو حيّ على الفلاح
ولم نملك سوى المهجات شيئا أرقــــــنا لألـــــــــــحاظ مـــلاح ) .
وأيضا قال يوسف بن الحسين : ( كل ما رأيتموني أفعله فافعلوه إلا صحبة الأحداث فإنها أفتن الفتن , ولقد عاهدت ربّي أكثر من مائة مرة أن لا أصحب حدثا , ففسخها على حسن الخدود , وقوام القدود , وغنج العيون , وما سألني الله معهم عن مصيبة , وأنشد صريح الغواني في معنى ذلك شعرا :
إن ورد الخدود والحــــــدق النجـ ـــل وما فغى الثغور من أقحوان واعوجاج الأصداغ في ظاهر الخد وما في الصدور من رمـــــــــان تركتني بين الغواني صــــــــــريعا فلهذا أدعى صريع الغــــــــواني ) .
فعن هؤلاء قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( فكل الرسل دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له , وإلى طاعتهم والإيمان بالرسل هو الأصل الثاني من أصلي الإسلام , فمن لم يؤمن بأن هذا رسول الله إلى جميع العالمين وأنه يجب على جميع الخلق متابعته , وأن الحلال ما أحله , والحرام ما حرمه , والدين ما شرعه فهو كافر مثل هؤلاء المنافقين , ونحوهم من يجوز الخروج عن دينه وشريعته وطاعته , إما عموما أو خصوصا ... ويعتقدون مع هذا أنهم من أولياء الله , وأن الخروج عن الشريعة المحمدية سائغ لهم , وكل هذا ضلال وباطل , وإن كان لأصحابه زهد وعبادة ) .
وقال الحافظ ابن حزم الظاهري : ( ادّعت طائفة من الصوفية أن في أولياء الله تعالى من هو أفضل من جميع الأنبياء والرسل , وقالوا : من بلغ الغاية القصوى من الولاية سقطت عنه الشرائع كلها من الصلاة والصيام والزكاة وغير ذلك , وحلت له المحرمات كلها من الزنا والخمر وغير ذلك , واستباحوا بهذا نساء غيرهم , وقالوا بأننا نرى الله ونكلمه , وكلما قذف في نفوسنا فهو حق .
ورأيت لرجل منهم يعرف بان شمعون كلاما نصه أن لله تعالى مائة اسم , وأن الموفي مائة هو ستة وثلاثون حرفا ليس منها في حروف الهجاء شيء إلا واحد فقط , وبذلك الواحد يصل أهل المقامات إلى الحق . وقال أيضا : أخبرني بعض من رسم لمجالسة الحق أنه مدّ رجله يوما فنودي : ما هكذا مجالس الملوك , فلم يمدّ رجله بعدها . يعني أنه كان مديما لمجالسة الله تعالى ) .
ولذلك قال ابوعلي وفا : ( وبعد الفنا بالله كن كيف ما تشا فعلمك لا جهل وفعلك لا وزر ) .
ونقل الدكتور عبد الحليم محمود قاعدة عامة للصوفية بقوله : ( اعرف الله وكن كيف شئت ) .
هذا ولقد ورد في كتب الصوفية حكايات كثيرة لا تعدّ ولا تحصى , تدل على إتيان المتصوفة المنكر , وإباحتهم المحظورات , وتركهم الواجبات , ومع ذلك عدّوهم من أو لياء الله وكبار المستجابين عند الرب تبارك وتعالى عما يقوله الأفاكون علوا كبيرا , عن أن يختار الفسقة الفجرة أولياءه وأصفياءه .
منهم من ذكره ( القطب الرباني والهيكل الصمداني العارف بالله عبد الوهاب الشعراني ) في طبقاته ذكر أن سيده علي وحيش ( كان رضي الله عنه من أعيان المجاذيب أرباب الأحوال , وكان يأتي مصر والمحلة وغيرهما من البلاد , وله كرامات وخوارق , وأجتمعت به يوما في خط ما بين القصرين , فقال لي : ودّيني للزلباني فودّيته له , فدعا لي وقال : الله يصبرك على ما بين يديك من البلوى .
وأخبرني الشيخ محمد الطنيخي رحمه الله تعالى قال : كان الشيخ وحيش رضي الله عنه يقيم عندنا في المحلة في خان بنات الخطا , وكان كل من خرج يقول له : قف حتى أشفع فيك عند الله قبل أن تخرج , فيشفع فيه , وكان يحبس بعضهم اليوم واليومين ولا يمكنه أن يخرج حتى يجاب في شفاعته , وقال يوما لبنات الخطا : أخرجوا فإن الخن رائح يطبق عليكم فما سمع منهن إلا واحدة , فخرجت , ووقع على الباقي فمتن كلهن .
وكان إذا رأى شيخ بلد وغيره ينزله من على الحمارة ويقول له : أمسك رأسها لي حتى أفعل فيها , فإن أبى شيخ البلد تسمّر في الأرض لا يستطيع أن يمشي خطوة , وإن سمع حصل له خجل عظيم والناس يمرون عليه , وكان له أحوال غريبة ) .
وماذا نستطيع أن نقول بعد سرد هذه الرواية عن الشعراني , ثم مدحه لمثل هذا الفاجر الخبيث , وجعله من أعيان المجاذيب , وأرباب الأحوال , وصاحب الكرامات والخوارق , ومستجاب الدعوات , مأذونا بالشفاعة عند الله , وليس مأذونا فحسب بل شفيعا مقبولا , مبشرا بقبول شفاعته فيمن أراد أن يشفع فيهم , وهل هناك استهزاء بالشريعة , وتعطيل لحدود الله , وتلاعب بأوامر الله ونواهيه , زندقة وإلحاد , وفسق وفجور أكبر من هذا ؟
هذا ما لا يوجد له نظير حتى لدى الشيعة , منبع كل فساد , ومصدر كل رذيلة .
ولكن التلميذ قد فاق أستاذه , والمريد مرشده , والمتعلم معلمه .
وهناك آخر من كبار مشائخ القوم , يسمونه قطب الواصلين عبد العزيز الدباغ , يقول : ( إن بعض المريدين قال لشيخه : يا سيدي دلّني على شيء يريحني مع الله عز وجل . فقال : له الشيخ : إن أردت ذلك فكن شبيها له في شيء من أوصافه عز وجل , فإنك إن اتصفت بشيء منها فإنه يسكنك يوم القيامة مع أوليائه في دار نعيمه ولا يسكنك مع أعدائه في دار جحيمه .
فقال المريد : وكيف لي بذلك يا سيدي وأوصافه تعالى لا تنحصر . فقال الشيخ : كن شبيهه في بعضها , فقال : وما هو يا سيدي ؟ فقال : كن من الذين يقولون الحق , فإن من أوصافه تعالى قول الحق , فإن كنت من الذين يقولون الحق فإن الله سيرحمك , فعاهد الشيخ على أن يقول الحق , وافترقا .
وكان بجوار المريد بنت فدخل الشيطان بينهما حتى فجر بها وافتضها , فلم تقدر البنت على الصبر مع أنها هي التي طلبت منه الفعل , لأنها تعلم أن الافتضاض لا يخفى بعد ذلك ,فأعلمت أباها فرفعه إلى الحاكم , وقال : إن هذا فعل ببنتي كذا وكذا . فقال الحاكم للمريد : أتسمع ما يقول ؟
فقال : صدق , قد فعلت ذلك , كان مستحضرا للعهد الذي فارق الشيخ عليه , فلم يقدر على الجحود والنكران , فلما سمع منه الحاكم ما سمع , قال : هذا أحمق , اذهبوا به إلى المارستان , فإن العاقل لا يقرّ على نفسه بما يعود عليه بالضرر , فدخل المارستان , ثم جاء من رغب الحاكم , وشفع فيه فسرّحوه ) .
وأحد كبار القوم و ( شهيد التصوف الإمام الأجل نجم الملة والدين قطب الإسلام والمسلمين , برهان السنة , محيي الحق نجم الدين الكبري ) يخبر عن فسقه وفجوره بأسلوب صوفي : فيقول : ( عشقت واحدا ببلاد المغرب فسلطت عليه الهمة فأخذته وربطته ومنعته عن سواي , إلا أنه كان عليه رقباء , فسكت عن صريح المقال , وجعل يكلمني بلسان الحال , فأهمه وأكمله كذلك فيفهمه , وانتهى الأمر إلى أن صرت أنا هو , وهو أنا , ووقع العشق إلى محض صفاء الروح , فجاءتني روحه سحرا تمرّغ وجهها في التراب وتقول : أيها الشيخ الأمان , الأمان , قتلتني أدركني , فقلت : ماذا تريد ؟ قالت : أريد أن تدعني حتى أقبل قدمك , فأذنت لها , ففعلت ورفعت وجهها , فقبلتها حتى استراحت واطمأنت إلى صدري ) . وما دمنا تطرقنا إلى هذا الموضوع فإننا نقول : إن جماعة من الصوفية ولو أنهم تظاهروا بالصلاح والتقوى لم يستطيعوا أن يخفوا ويكتموا عشقهم وفسقهم , وشهدوا عليهم بعدم مبالاة الشرع وأحكامه , والتطرق إلى المنكرات والمحظورات .
فهذا هو الشيخ الأكبر للصوفية محيي الدين بن عربي يرفع الستار عن شخصه وكنهه , مثلما شهد تلميذه نجم الدين الكبري على نفسه , فيقول شارحا لديوانه ( ترجمان الأشواق ) الذي فضحه هو وعشقه ببنت أحد مشائخ مكة , وتشبيبه وغزله فيها , وقد كثر الكلام والغمز واللمز فيه ( وأحدث هذا الشعر دويا وأقاويل حوله مما جعل بدل الحبشي وإسماعيل بن سودقين يطلبان إليه شرح هذا الديوان ) .
فأراد أن يغطي ما قاله فيها من الغزل الركيك المتندح عشقا وحبا وجذبا وشوقا إلى تلك الحسناء المكية بغطاء صوفي بدهاء ومكر , فما استطاع إلا إظهار ما كان خافيا من قبل أكثر بكثير .
فانظره ماذا يقول في مقدمة ذخائره , والعبارة ناطقة بصوت رفيع لا بصوت خافت , بما هو مكنون بين جنباتها وتراكيبها : ( فإني لما نزلت مكة سنة خمسمائة وثمان وتسعين ألفيت بها جماعة من الفضلاء , وعصابة من الأكابر والأدباء والصلحاء بين رجال ونساء , ولم أر فيهم مع فضلهم مشغولا بنفسه , مشغوفا فيما بين يومه وأمسه , مثل الشيخ العالم الإمام , بمقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام , نزيل مكة البلد الأمين مكين الدين أبي شجاع زاهر بن رستم بن أبي الرجاء الأصفهاني رحمه الله ... وكان لهذا الشيخ رضي الله عنه بنت عذراء , طفيلة هيفاء , تقيد النظر , وتزين المحاضر , وتحير المناظر , تسمى بالنظام , تلقب بعين الشمس وإليها من العابدات العالمات السابحات الزاهدات شيخة الحرمين , وتربية البلد الأمين الأعظم بلامين , ساحرة الطرف , عراقية الظرف , إن أسهبت أثعبت , وإن أوجزت أعجزت , وإن أفصحت أوضحت إن نطقت خرس قس بن ساعدة , وإن كرمت خنس معن بن زائدة , وإن وفت قصر السموأل خطاه , وأغرى ورأى بظهر الغرر وامتطاه , ولولا النفوس الضعيفة السريعة الأمراض , السيئة الأغراض , لأخذت في شرح ما أودع الله تعالى في خلقها من الحسن , وفي خلقها الذي هو روضة المزن , شمس بين العلماء , بستان بين الأدباء , حقه مختومة , واسطة عقد منظومة , يتيمة دهرها , كريمة عصرها , سابغة الكرم , عالية الهمم , سيدة والديها , شريفة ناديها , مسكها جياد وبيتها من العين السواد ومن الصدر الفؤاد أشرقت بها تهامة , وفتح الروض لمجاورتها أكمامه , فنعمت أعراف المعارف , بما تحمله من الرقائق واللطائف , علمها عملها , عليها مسحة ملك وهمة ملك , فراعينا في صحبتها كريم ذاتها مع ما انضاف إلى ذلك من صحبة العمة والوالد , فقلدناها من نظمنا فيها بعض خاطر الاشتياق , من تلك الذخائر والأعلاق , فأعربت عن نفس تواقة , ونبهت على ما عندنا من العلاقة , اهتماما بالأمر القديم , و إيثارا لمجلسها الكريم , فكل اسم أذكره في هذا الجزء فمنها أكني , وكل دار أندبها فدارها أعني ) .
ولم تكن واحدة هذه التي علق بها قلب الشيخ , وهام وراءها , بل كانت هناك أخرى أيضا , وفي بيت الله الحرام وجنب الكعبة , انظر ماذا يقول : (كنت أطوف ذات ليلة بالبيت فطاب وقتي , وهزّني حال كنت أعرفه , فخرجت من البلاط من أجل الناس وطفت على الرمل , فحضرتني أبيات فأنشدتها أسمع بها نفسي ومن يليني – لو كان هناك أحد – وهي قوله :
ليت شعري هل دروا أيّ قلــــــــــب ملكوا وفؤادي لـــــــو درى أيّ شــــــعب سلكوا أتراهم سلـــــــــــموا أم تــــــــراهم هلكوا حار أرباب الــــهوى في الهوى وأرتكبوا
فلم أشعر إلا بضربة بين كتفي بكف ألين من الخزّ , فالتفت فإذا بجارية من بنات الروم لم أر أحسن وجهاً , ولا أعذب منطقاً , ولا أرق حاشية , ولا ألطف معنى , ولا أدق إشارة , ولا أظرف محاورة منها , قد فاقت أهل زمانها ظرفاً وأدباً وجمالا ومعرفة , فقالت : ياسيدي كيف قلت ؟ فقلت :
ليت شعري هل دروا أيّ قلــــــــــب ملكوا فقالت : عجباً منك وأنت عارف زمانك تقول مثل هذا ! أليس كل مملوك معروف ؟ وهل يصح الملك إلا بعد المعرفة وتمني الشعور يؤذن بعدمها والطريق لسان صدق فكيف يجوز لمثلك أن يقول مثل هذا ؟ قل ياسيدي : ماذا قلت بعده ؟ فقلت :
وفؤادي لـــــــو درى أيّ شــــــعب سلكوا فقالت : ياسيدي الشعب الذي بين الشغاف والفؤاد هو المانع له من المعرفة , فكيف يتمنى مثلك ما لا يمكن الوصول إليه إلا بعد المعرفة , والطريق لسان صدق فكيف يجوز لمثلك أن يقول مثل هذا ياسيدي !؟ فماذا قلت بعده ؟ فقلت :
أتراهم سلـــــــــــموا أم تــــــــراهم هلكوا فقالت : أما هم فسلموا , ولكن أسأل عنك فينبغي أن تسأل نفسك : هل سلمت أم هلكت ياسيدي ؟ فما قلت بعده ؟ فقلت :
حار أرباب الــــهوى في الهوى وأرتكبوا فصاحت وقالت : ياعجباً كيف يبقى للمشغوف فضلة يحاربها , والهوى شأنه التعميم . يخدر الحواس ويذهب العقول ويدهش الخواطر ويذهب بصاحبه في الذاهبين فأين الحيرة وما هنا باق فيحار والطريق لسان صدق والتجوز من مثلك غير لائق . فقلت : يابنت الخالة ما أسمك ؟ قالت : قرة العين . فقلت : لي . ثم سلمت وانصرفت . ثم إني عرفتها بعد ذلك وعاشرتها فرأيت عندها من لطائف المعارف الأربع ما لا يصفه واصف) .
ولا أدري كيف يستسيغ المدافعون عن ابن عربي أن يبرئوه من هذه الشهادة التي شهد بها على نفسه , وأن يخلصوه من ذلك المأزق الذي أوقع نفسه بنفسه فيه , وهل يبيح أحد هؤلاء المدافعين عنه أن يذكره أحد – لا سمح الله – هكذا بإسمه , ثم يذكر كريمته ويتسبب فيها ويتغزل كما تغزل وتشبب شيخهم الأكبر في كريمة ذلك الشيخ المكي , فكيف يرضون لغيرهم ما لا يرضون لأنفسهم ؟
وما دمنا بدأنا بذكر الإعترافات نورد ههنا اعترافا آخر من أحد مشائخ القوم يدل على سيرتهم وعلى سريرتهم أيضا , وهو أن أحمد بن المبارك راوية عبد العزيز الدباغ يذكر أن كاتبه عبد الله بن علي وأخاه عبد الرحمن صعدا يوما على سطح مدرسة العطارين , ثم ماذا حدث ؟
إسمع عنهما , ما يقولان : ( فرأينا على سطوح الدور نسوة مجتمعات ومتفرقات , فجعلنا ننظر إليهن ونتذاكر أمرهن فيما بيننا , نضحك أحيانا , ثم وثب أحدنا مرة إلى الهواء من قوة ما غلب علينا من المزاح .
فلما قدمنا دار الشيخ رضي الله عنه وجلسنا في الصقلابية المعروفة جعل رضي الله عنه يضحك ضحكا كثيرا . ويقول : ما أملح الشيخ الذي لا يكاشف , ثم قال : أين كنتما ؟ أصدقاني , ولا تكذبا عليّ . فذكرنا له الأمر الذي كان .
فجعل رضي الله عنه يذكر لنا أمر النسوة ومكانتهن في السطوح كأنه حاضر معنا , وذكر لنا أيضا الوثبة المتقدمة من غير أن نذكرها له , فذكر لنا رضي الله عنه أنه كان حينئذ جالسا مع بعض من قصده للزيارة فلم يشعروا به حتى تفرقع بالضحك , وذلك حين شاهد تلك الوثبة فظن من حضر أنه كان يضحك عليه ) .
هذا وإن هناك صوفيا كبيرا من شبه القارة الهندية الباكستانية لا زال مشهده قائما يزار ويقام عليه العرس سنويا , ولعله من أكبر الأعراس في باكستان , وهو مشهد الصوفي المشهور بمادهو لعل حسين .
وأن أصحاب السير والطبقات ذكروا في ترجمته أنه كان من أولياء الله ومستجاب الدعوات , وما كان يطلب شيئا من الربّ إلا لبى طلبه , فكان حافظا للقرآن وعالما فقيها , ويوما من الأيام كان يدرس عند شيخه سعد الله تفسير مدارك التنزيل , فلما بلغ إلى قوله عز وجل : ( إنما الحياة الدنيا لهو ولعب ) طرأ عليه الوجد , وبدأ يرقص ويقول : ما دام أن الحياة لهو ولعب فلماذا لا نلهو ونلعب ؟
فأخذ كتبه ورماها في البئر , وحلق لحيته وشواربه , وأخذ كأس الخمر , وبدأ يرقص في الشوراع والأسواق , كما بدا يرتاد بيوت المومسات , ويقضي أوقاته فيها , إلى أن وقع نظره على أمرد هندوكي جميل , فوله به وكلف , وعشقه , وما زال يطوف حول بيته ست عشرة سنة حتى أوقعه في حباله وفخه , وجعل إسمه جزء من اسمه , فصار مادهو لعل الحسين , بعد أن كان حسينا فقط , وبعد وفاته صار مزاره مهبط الأنوار , ومحط البركات , مثل ما كان هو في حياته .
هذا من جانب , ومن جانب آخر يذكر الشعراني صوفيا آخر صاحب كشف , فيقول : ( سيدي شريف رضي الله عنه ورحمه كان يأكل في نهار رمضان , ويقول أنا معتوق , أعتقني ربي ) .
ومثل هذا يذكرون عن أبي يزيد البسطامي أنه ( أخرج من كمّه رغيفا , وأخذ في أكله في المدينة , وكان هذا في شهر رمضان ) .
وينقلون عن الشبلي أنه كان يقول : ( يا ويلاه , إن صليت جحت , وإن لم أصلّ كفرت ) .
والقصص والحكايات مثل هذه كثيرة جدا لا تعدّ ولا تحصى , تدل على رفع التكاليف وإسقاط الشريعة , وقد نورد بعضا منها في محله في الجزء الثاني من هذا الكتاب إن شاء الله .
وهناك عقائد وآراء وأفكار أخرى عديدة , فيها تشابه كامل وتوافق تام مع الشيعة , تدل على أنها مأخوذة مقتبسة منهم , ولكننا نكتفي بهذا القدر منها , لجلاء الموضوع ووضوح المبحث , بعد ما أثبتناها من كتب الفريقين , المعتمدة الموثوقة , وبسرد ألفاظهم وعباراتهم , ومع تأييد الشيعة , وتوثيق السنة , وشهادة الآخرين من اليهود والنصارى من المستشرقين .
فإن الشيعي الإيراني المعاصر قد صرّح في كتابه : ( تذهب جماعة إلى أن التصوف ليس إلا رد فعل أوجده الفتح العربي الإسلامي في نفوس العنصر الآري الإيراني , وخلاصة قولهم أن الإيرانيين بعدما غلبوا على أمرهم بسيوف العرب في مواقع القادسية وجلولاء وحلوان ونهاوند , أدركوا أنهم فقدوا إستقلالهم وأضاعوامجدهم , ثم إنهم إعتنقوا الديانة الإسلامية , ولكن العرب الذين كان الإيرانيون ينظرون إليهم منذ القدم بنظرة غير راضية لم يستطيعوا أن يغيروا رغم إنتصاراتهم مجرى التفكير الإيراني , وأن يجعلوهم مشاركين لهم في أسلوب تفكيرهم وإتجاهاتهم وميولهم وسليقتهم ومنطقهم وكذلك في آمالهم وأمانيهم وغاياتهم الروحية المثالية لأن التباين الشكلي والمعنوي أي الفروق العنصرية والإختلاف في أسلوب المعيشة والأوضاع الإجتماعية بين هاتين الأمتين كان شديدا للغاية . وبناء على ذلك بعدما إنتهت المعارك الحربية باندحار الإيرانيين بأسلوب المساجلات الفكرية التي كان لها أثر بالغ في التاريخ الأدبي والمذهبي والإجتماعي والسياسي للعرب والإسلام .
ومن أهم تلك الإنعكاسات التي ترتبت على تلك الإنفعالات الفكرية التشيع أولا والتصوف ثانيا . وينبغي أن نضيف إلى هذه الملاحظة أن الغرض من ذ كر الإنفعالات في هذا الباب ليس القول بأن الإيرانيين أقدموا على هذا العمل اختاروا أو تعمدوا وقد تأتت في أكثر الظروف بحكم الإنفعالات النفسية وبتأثير العواطف و الأحاسيس الخفية بصورة ثابتة كما يرى علماء النفس , أي من غير أن يعرف الناس أنفسهم غالبا السبب الحقيقي أو يستطيعوا تحليل أفكارهم وأحاسيسهم إنساقت أفكارهم إلى أمثال هذه الإنفعالات العكسية ) .
وأما الشيعي العراقي فقد كتب كتابا مستقلا لإثبات تأثر التصوف بالتشيع , واستفادة الصوفية من الشيعة , وأخذهم عنهم , فيقول : ( وينبغي أن نذكر الدور الذي قام به الفرس من إخالهم مثلهم الدينية في التشيع الغالي الأول حين نصروا المختار , وعاضدوا حركة الغلو العجلية , وانضموا إلى حركة أبي هاشم , وانضافوا إلى الحركة السرية العباسية التي ورثت حركة أبي هاشم , حتى أدى بهم الأمر إلى تأليه أبي مسلم الخراساني , كما فعلوا مع أئمة الشيعة من العلويين . يضاف إلى ذلك أنهم نصروا حركة عبد الله بن معاوية في فارس أيضا , وأسبغوا عليه النور الإلهي الذي سنجده في التصوف واضحا جليا .
وهذا كله يعني أن الفرس قد بدأوا إضافة القداسة إلى البيت النبوي بإعتبارها أساسا موازيا لأسسهم السياسية والدينية السابقة من تأليههم الملوك , وقولهم بالنور الذي ينتقل من ملك إلى آخر , فثبتت الولاية لعليّ بن أبي طالب على نحو مبالغ فيه , وأنتقلت هذه الولاية المقدسة مع زيادات وإضافات وحواش إلى الأئمة من بعده حتى بلغ الأمر حدّ التأليه ) .
وأما السنة فلقد نقلنا فيما سبق رأي شيخ الإسلام ابن تيمية , وابن خلدون وغيرهما في ذلك الخصوص , كما ذكرنا أيضا رأي المستشرق الإنجليزي المشهور المتعاطف مع التصوف والصوفية – وهو نيكلسون – وبمثل ما قاله قال جولد زيهر .
وأخيرا نختم كلامنا في هذا الخصوص على مقولة المستشرق براون ( BROWN ) المشهورة :
( إن التشيع والتصوف كانا من الأسلحة التي حارب بها الفرس العرب ) .
المراجع
موسوعة العقيدة والسنة
التصانيف
تصنيف :الأبحاث