كتب: الشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح

31 اكتوبر, 2009 - 13 ذو القعدة 1430هـ

 

المحتويات:

  • المقدمة
  • صور الفساد والانحراف في البيوت.
  • وصية للزوج.
  • وصية للزوجات.
  • وصايا لحل مشكلات البيوت.
  • أساسيات لرعاية وتوجيه الشباب.
  • أمثلة عملية للتأسيس الصحيح.

 بيوتنا من الداخل

المقدمة

البيوت والأسر في واقعنا ربما نحتاج إلى شيء من التفصيل فيما يقع من القصور؛ لأن الإيجابيات أو الإحسان والإتيان بالواجب، لا يحتاج إلى تفصيل؛ لأنه هو الذي يعود على الإنسان بالنفع في دينه وفي دنياه، ويرى أثر ذلك بركةً وخيراً وبراً، ويلقاه - إن شاء الله - أجراً وخيراً عند الله - جل وعلا -، لكننا ونحن نعاني ونشكو وتكثر الشكوى من الأبناء والبنات، ومن المشكلات والخلافات، ومما يقع أيضاً في المجتمع من بعض صور الفساد أو الانحراف، إنما نريد أن نركّز على هذه الجوانب التي فيها نوع من القصور.
صور الفساد والانحراف في البيوت

أولاً: الغياب

صور الغياب

1- غياب في تصوّر تكوين الأسرة
فالتصور الصحيح لبناء الأسرة الذي أشرنا إليه للإقبال على الزواج، وأنه بناء لأسرة، وأنه تنشئة لجيل، وأنه إحصان لفرج، وأنه طاعة لله، وأنه خدمة للإسلام، هذا المنطلق حينما يغيب يكون أول أساس من أسس الخلل، وأول سبب من أسباب النخر في هذا البناء الذي يرجى منه الخير، فإذا به يكون مبنياً ربما على شفا جرف هارٍ فقد ينهار.

2- الغياب عن رعاية الأسرة
وهذه النقاط ستأتي تفصيلاتها عندما نعالج تفصيل بعض الأسباب الأخرى، غياب الحضور أقصد به أن غياب التصوّر ينبني عليه أنه لا يستشعر المسئولية، فتجد كثيراً من الآباء ينطلقون في أعمالهم، وفي كسب قوتهم، وفي لقاء أصدقائهم، ولا يستشعر أنه ينبغي أن يكون موجوداً ليؤدي مهمّة أو يقوم برسالة، والمرأة وهي الأم في هذا البناء أيضاً تجد كثيراً منهن تنصرف إلى زينتها، وإلى زياراتها، وإلى الانشغال بتوافه الأمور ونحو ذلك، وأيضاً تغيب عن أن تكون حاضرة الحضور الذي يبنى عليه أو يعوَّل عليه في التوجيه.

3- غياب الدور التوجيهي
فتجد أن الآباء والأمهات - وإن حضروا بالتدرج - لكن يغيب دورهم التوجيهي، فتجد الأب في بيته لا يكلم أبناءه.. لا ينصحهم.. لا يرشدهم.. لا يعاقبهم.. لا يتلطف معهم، والأم كذلك لا توجّه ولا تلفت النظر، وإنما يترك الأبناء هكذا، إما للشارع وإما لمجتمع بيئة الأقارب التي تحيط بهم، وإما لما يتلقون من وسائل الإعلام، وكذا بدون أن يكون هناك أي دور توجيهي بل الدور التوجيهي غائب تماماً.

4- غياب الرقابة
 فإذا غاب التوجيه وحصلت أنواع من الانحرافات ولم تكن هناك رقابة، يعني الذي لا يوجه ربما يظن أنه لم تكن هناك مشكلات، لكنه يكون مُراقِباً فإذا وقعت المشكلة تنبه، لكن أيضاً هناك عدم أو وجود صور أحياناً من غياب الرقابة، فتجد الأبناء والبنات يفعلون أعمالاً، ويقعون في مشكلات، وتتضح الصورة وليس هناك من يدري وكما قيل:
إن كنت لا تدري فتلك مصيبـة **** وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
فالأمرين كلاهما أحلاهما مر.

5- غياب المتابعة
بعد ذلك لأن الرقابة إن وجدت ستتبع متابعة، فيكافئ على الإحسان ويعاقب على الإساءة وهذا أمر مهم؛ فإن كثيراً من الآباء يرزقون من فضل الله -سبحانه وتعالى - من يوجّه أبناءهم وقد يأتي في بيئة طيبة، ثم يحسن حاله وربما يغدو من يحفظون كتاب الله أو يتعلمون علماً نافعاً أو كذا، وأبوه غافل عنه، حتى هو لم يعمل له شيء وبعد ذلك حتى لم يذكر أو لم يكلف نفسه أن يثني عليه، أو أن يشعره بأنه راض عن ذلك، أحياناً توجهه عكس ذلك، وهذه مشكلة ويعني مصيبة كبرى تقع أيضاً في بعض البيوت.
 ولذلك هذا الغياب تماماً كأنك تتصور نبتة أو شجرة تنبت هكذا دون أن يكون لها راعٍ، ودون أن يكون هناك من ينفي عنها الآفات، ودون أن يكون هناك من ينظر إلى نموها، ويقطف ثمرتها أو كذا، هذا غياب كامل، وهذا الغياب هو أول وأعظم أساس من أسس الخلل في ذلك البناء الأسري وكما قال الشاعر:
وليس النبت ينبت في جنان **** كمثل النبت ينبت في فلاة
وهل يُرجى لأطفال كمال **** إذا ارتضعوا ثُديَّ الناقصات
 أي إذا لم تكن أمهاتهم من أمهات الصلاح والخير، وكانت التربية على هذا التسيب؛ فإن هذا من أعظم المشكلات.

ثانياً: حصول النزاع والخلاف بين الأبوين

وهذا بمجرد التصور العقلي أولاً أثره السلبي ظاهر في أنه إذا كان هذان الاثنان - وهما المعوَّل عليهما في القيادة والتوجيه - إذا اختلفا، كما يقولون: "إذا كثُر الربَّان ضاعت السفينة "، و" إذا كثُر الخبّازون فسد العجين "، كذلك إذا اختلف هذان في التوجيه وفي القيادة، فلا شك أن هذا تشتيت وغياب لحسن التوجيه المطلوب فضلاً على أن الخلاف والشقاق يزرع في نفوس الأبناء نوعاً من المرض.. ونوعاً من الخلل، وكذلك يولَّد صورة من الاقتباس السيئ؛ لأن هذا الخلاف يتضمن في كثيرٍ من أحواله مخالفات شرعية من بذاءة في القول، أو اعتداء في الفعل أو نحو ذلك من الأمور.

وللأسف؛ فإن كثيراً مما يقع من الخلافات يكون في أمور هينة، ويكون أساسه عدم الفهم والتنبه إلى الإرشادات الإسلامية، والتوجيهات النبوية الكريمة التي جاءت في شأن هذه الرعاية، طبعاً هذا الموضوع بالذات، موضوع الخلاف والشقاق بين الزوجين يعني صوره كثيرة، ربما منشؤه في كثير من الأحوال عدم العلم الذي يبصّر الإنسان بأهمية الاستجابة لأمر الله، والقيام بما أمر به الرسول - عليه الصلاة والسلام - بالصورة التي أرادها، وكثيراً ما تكون مشكلات بسيطة، فهذا يختلف مع زوجته؛ لأنه قال لها أمراً ولم تستجب له، أو هي تخالفه؛ لأنها هي طلبت طلباً وأخَّره وكثير من التوافه، مع أن هناك جملة من النقاط لا بد من التذكير بها لعلها أن تكون نوعاً من العلاج في مثل هذا الأمر.

وصية للزوج

ونبدأ بالزوج أولاً؛ لأنه هو الأساس ولأن الواجبات الحقيقية المناطة به أكثر وأكبر، ولأن التعويل على عقله وعلى حسن تدبيره أكبر، فلا بد أن يكون التركيز عليه أكثر، وهذا من باب أن الخطاب أيضاً موجه للرجال، وكذلك للنساء لكن كما أشرت التعويل في هذا على الرجل أكثر ولا بد أن تكون مسئوليته في ذلك أكبر، والله - سبحانه وتعالى – قال: { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ }. فهو القيّم، وهو المسئول؛ فإذا كان الخلل منه يتوقع يكون الخلل من الطرف الآخر أكبر، ولذلك لا بد أن يكون عنده حسن مأخذ، وقيام بالحقوق على أتم وجه، فليستشر -مثلاً - زوجه فيما لا بأس من الاستشارة فيه؛ لأن كثيراً من النساء أكثر شكواهن أن الرجال يستقلون بآرائهم، وينفردون بتفكيرهم، وأنهم يحتقرون تفكير المرأة ورأيها وكذا.

وهذا – بالفعل – ليس بصحيح، وليس بالنهج السليم، والنبي - عليه الصلاة والسلام - كما أخرج الإمام أحمد وأبو داود في سننه، أنه قال: (آمِروا النساء في بناتهن). عندما يزوّج بنته، يستشير امرأته، وهذا مثل يقاس عليه غيره فيما يكون المصلحة في مشاورتها، وهذا فيه نوع من إعزازها وإكرامها وإنزالها منزلتها، وشعورها بأن لها مشاركة وبأن لها رأياً، وهذا - لا شك - من أقوى عوامل التأثير في الترابط والتفاعل إلى العمل معاً في قيادة الأسرة، والوصية بالنساء جاءت عن النبي - عليه الصلاة والسلام -كثيراً فهو - عليه الصلاة والسلام - يقول كما هو في مسلم: (اتقوا الله في النساء؛فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)، وكذلك يقع الخلل هنا في أن العشرة لا تكون بالمعروف والتقصير في الحقوق المالية يقع أيضاً من بعض الرجال كثيراً.

 وكما أخبر النبي - عليه الصلاة والسلام - تصوير بصورة بشعة يقع فيها بعض الرجال، يفقدون فيها حياءهم، وتجملهم، وحسن خلقهم حينما أخبر النبي - عليه الصلاة والسلام -: (يعمد أحدكم إلى زوجته فيضربها ضرب الإبل أو ضرب غرائب الإبل ثم يعمد إليها من آخر الليل فيعاشرها أو فيضاجعها) فهذا نوع من بيان أن سوء العشرة من أعظم ما يذم به الرجل، ويقع به كثير من الشقاق بين الرجل وزوجه، والله - سبحانه وتعالى - أوصى وصية جامعة، وبيَّن فيها حقيقة يحتاج إلى تأمل، بل إن النبي - عليه الصلاة والسلام - ذكر في حديثه ما يوضح هذا التأمل حينما قال - سبحانه وتعالى -: { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } [النساء : 19] وهذه الآية أحسب أن النساء ينبغي أن يفرحن بها كثيراً جداً، وأن يكون استشهادهن بها متكرراً ودائماً؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - أمر { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } أمراً مطلقاً، معروف في القول، ومعروف في النفقة ومعروف في المعاملة ومعروف في الرأي ومعروف في المنزلة في كل شيء، ثم { فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا }.

بيّن - عليه الصلاة والسلام - ذلك حينما قال: (لا يفرك مؤمن مؤمنة - أي لا يبغضها -؛ فإن كره منها خلقاً رضي منها آخر) لماذا لا ينظر إلا إلى الجانب السيء، لماذا لا ينظر إلى الجوانب الإيجابية، كل إنسان مخطئ رجلاً كان أو امرأة، كل ابن آدم خطّاء.
 لماذا فقط يبغض بعض الجوانب التي يقع منها الخلل، ولا يحب ولا يُثني ولا يستذكر ويستحضر الجوانب التي فيها الخير؟ أليست هي التي بأمر الله - سبحانه وتعالى - يقضي شهوته! أليست المرأة هي التي تلد له أبناءه! أليست التي تطهو له طعامه! أليست التي تحفظ له بيته؛ فإن شذّت أو أخطأت في أمور، أو كان لها خلل أو عيب، فينبغي أن يستحضر أمر الله - سبحانه وتعالى: { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } وتذكير النبي – صلى الله عليه وسلم -: (فإن كره منها خلقاً رضي منها آخر).

وهذا ميزان عام أن الإنسان لابد أن ينظر إلى السلبيات وإلى الإيجابيات، وإلى الحسنات والسيئات، وأن يغلِّب جانب الخير، والإنسان بنفسه كما يقول علماء النفس: " إن الإنسان يمكن أحياناً أن يجد الشيء، ويمكن أن يحوله بنفسه من شر إلى خير، عندما يتعامل معه بنفسية مختلفة "، وهذا نوع من الحكمة والفطنة في التعامل بين الناس، والنبي - عليه الصلاة والسلام - أكّد فقال: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي)، وهذه الوصايا لماذا كانت من النبي - عليه الصلاة والسلام -؟ للأهمية التي ذكرناها للأسرة، ولأن المرأة ضعيفة والرجل عنده من القدرة ما جعل الله له - سبحانه وتعالى - من حق الشرع بضوابطه شيء كثير، ينبغي أن يراعي الله - سبحانه وتعالى - فيه.

بل إن النبي - عليه الصلاة والسلام - بيّن كيف تكون المودة ليست القضية فقط نفقة واجبة، واجبات مثل زيارة للأهل مرة في أسبوع، إنما هو نوع مودة وعشرة وتآلف فهو - صلى الله عليه وسلم - سابق عائشة فسبقته، وجعلها تنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد، نوع من الإشعار بالقرب والتآلف، وإعطاء المرأة حقها في الترفيه والترويح والتسرية عنها؛ فإنها تُعاني من تربية الأبناء ومشكلاتهم، وهي إلى حد ما في سن الصغر ليست لها مشاركة. وهذا الجزء أيضاً من الواجب. وهي أن الرجل ينبغي أن يشعر أهله بمشاركته ولو في شيء قليل؛ فإن النبي - عليه الصلاة والسلام - كان يكون في مهنة أهله، وكان يرقِّع ثوبه، ويخصف نعله، فإذا قامت الصلاة لم يشغله عنها شيء،كما ذكرت عائشة - رضي الله عنها، فهذه الأمور كلها لا بد أن يكون الإنسان منها على بصيرة، وأن يعلم أن هذه القضية ليست إذا ضعفت امرأته أو كانت لا حول لها ولا قوة، أو ليس لها أهل أو كذا، أنها ليس لها أهل يستفرد بها لهذا، هذه أمانة من الله كما أخبر النبي - عليه الصلاة والسلام - (استحللتم فروجهن بكلمة الله وأخذتموهن بأمانة الله)، وما وصف ميثاقٌ بالغلظ إلا ميثاق عقد الزواج كما قال الله - سبحانه وتعالى -: { وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا } [النساء: 21] فهذه أمانة الله - سبحانه وتعالى - لا بد أن يرعاها فيها، ثم آخر الأمر لا بد أن يتبع نهج الإسلام لحلول الخلافات، أن لا يترك الأمر لعواطفه وانفعالاته أو للأعراف أو التقاليد الباطلة المخالفة لشرع الله سبحانه وتعالى.

والله - سبحانه وتعالى - قد بين { وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ } [النساء: 34] الموعظة أنت الذي ينبغي أن تكون معلماً لزوجتك مذكراً لها، مذكراً لها بأمر الله، كيف تكون أنت المخالف لأمر الله، والمتجاوز وأنت ينبغي أن تكون على هذا النحو: { فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ } [النساء: 34] أي الضرب غير المبرِّح كما أخبر النبي - عليه الصلاة والسلام -، اضرب ولا تقبِّح وإياك والوجه؛ فإن بعض الناس ربما يتساهل في هذا الأمر، ويقول: فاضربوهن ويضرب زوجته،كأنما هو يضرب بهيمة أو دابة، وهذا من أعظم سوء الخلق، ومن أعظم عدم استحضار مراقبة الله سبحانه وتعالى.

فلذلك قال: { فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا } [النساء: 34، 35] ينبغي للإنسان أن يعالج الأمور بالحكمة وفق أمر الله، بعض الناس تسيِّرهم أهواؤهم، وبعضهم تسيّرهم أعراف المجتمع والتقاليد، وكيف يكون هو ضعيفاً أمام زوجته، ويظن أنها إذا غضبت فرضّاها واسترضاها أن ذلك ذلة له ومهانة، ليس هذا على وجه العموم أبداً.

لا بد من الاستحضار لهذه الأمور كلها، ولا بد من الرعاية والعناية بها؛فإن هذا من أعظم الأسباب التي ينفرط بها عقد الأسرة، وتقع بها المشكلات في الأبناء، فلا بد من رعايتها.
بل حتى أحكام الطلاق، كثير من الناس للأسف يقعون فيها في أخطاء، ولا يأتون بها على وجه الشرع، والحكم الشرعي يبين لنا الحكمة الدقيقة العجيبة الفريدة في هذا العلاج، وهو الطلاق، وهو الانفصال لكنه جاء بصورة لا بد أن يفقهها الإنسان.

ولذلك أنه أولاً آخر الدواء الكي هو علاج متأخر وليس متقدماً، بعض الناس كلمة الطلاق على لسانه كأنها كما يقولون: السلام عليكم، هذا من عدم الفقه، ومن عدم - كما ذكرت - العناية بأمر الله - سبحانه وتعالى -، فالطلاق لا بد أن يكون في طهر لم يجامعها فيه، فتصور الذي يريد أن يطلق زوجته في حالة غضب كما يقع من كثير من الناس، أو عند حصول مشكلة عارضة، وإذا به يثور ويُرغي ويُزبد وكأنه يقابل جيشاً عرمرماً، ثم يبادر إلى هذا الطلاق وما يعلم كم يجترئ على أمر الله - سبحانه وتعالى -، فإذا أراد أن يطلق؛ فإن كانت زوجته حائضاً، فالطلاق السني أن لا يطلقها في فترة حيضها فلينتظر حتى تنتهي من الحيض ثم يأتي الطهر وينتظر هذا أن يكون في هذا الطهر يطلقها في حال لم يعاشرها فيه. وإن كانت هذه الحادثة وقعت في فترة طهر قد عاشرها فيه ينتظر حتى ينتهي الطهر ثم يأتي الحيض ثم يأتي الطهر الثاني، قطعاً لو استجاب لهذا الأمر هذه الفورة من الغضب تزول في ساعات، وكم يأتي كثير من الناس على الأئمة وإلى القضاة والمحاكم قائلاً: "مش عارف إيه وطلقت "! لماذا لم تفقه أمر الله سبحانه وتعالى؟ بعض الفقهاء يرون أن الطلاق البدعي الذي يقع على غير هذا النهج فيقع في أثناء الحيض أو في الطهر الذي جامع فيه، بعضهم يرى أنه لا يقع، وكثيرون يرون أنه يقع مع الإثم.

لكن شاهد الحال أن الناس لا بد أن يعرفوا شرع الله - سبحانه وتعالى - لو طبقوا هذا لانتهى الأمر، لنفرض أنه كان على إصرار وطلّق، تأتي الطلقة الأولى وعدّتها في بيت زوجها، وبعض الناس منذ أن يطلق المرأة تأخذ ملابسها وتذهب إلى بيت أهلها، وهو يعلن حالة الاستنفار والقطيعة الكاملة، والإسلام إنما جعل عدتها في بيت زوجها، قد تكون الحالة ويتذكر أنه هذه زوجته، وأنه سيحتاج إليها، وأنه لا يستطيع أن يتزوج غيرها، وأن الظروف صعبة، وكثير من الناس يأتي بعد أن يقع ونهاية العدة، وكذا ويريد مخرجاً كيف يعيد زوجته.

الناس الآن تنكّبوا أمر الله، ولم يعرفوا حكم الله - سبحانه وتعالى - ثم لو طلقها ثانية إذاً هذا الذي سيطلق أولى وثانية وثالثة على هذا النهج، قطعاً هذا الذي يصبر هذا الصبر حتى يحقق هذه النتيجة، قطعاً بينه وبين زوجه من الخلاف ما يكون فيه الانفصام هو الخير له ولها، أما هذه الصورة فخطيرة جداً، ولا شك طبعاً في المقابل أنها من أسباب الشقاق.

المرأة التي لا تعرف حق زوجها ومن طاعتها له، واستجابتها لأمره، وتذكيره بأن الطاعة لزوجها، كما أخبر النبي - عليه الصلاة والسلام - في الحديث الطويل أن طاعتها لزوجها وقيامها بأمر ربها تعدل كثيراً من أعمال الخير التي يقوم بها الرجال، وأيضاً لينها معه وذلتها له لا تستجيب إلى التأثيرات التي تحصل الآن.. إن الزوج يريد أن يتحكم فيك، ويريد أن يجعلك له مثل الدابة التي يركبها، ويريد أن يجعلك مثل الجهاز الذي يسيطر عليه عن بعد، وينبغي أن لا تستجيب له، وأن تعرفي كيف تتمردي عليه ونحو ذلك، هذا كله نوع من الخلط والتزوير ومخالفة لأمر الله - سبحانه وتعالى -.

وينبغي لها أن ترعاه في ماله وفي أبنائه، وأن ترعاه في عرضه، وأن لا تواجهه عند غضبه، وكثير من الأمور، ولكنا ركَّزْنا على الأزواج الآن.كما ذكرت الأمر مهم في حقهم أكثر، والنبي - عليه الصلاة والسلام - قال: (إن المرأة خلقت من ضلع أعوج وإن أعوج ما في الضلع أعلاه؛ فإن أتيت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوجاً) ما معنى هذا الكلام - أحبتي الكرام -؟ إن الحياة لا بد فيها من نوع من النكد، ونوع من حصول الخلاف، ولا يمكن أن تستقيم عن حال؛ لأن أعوج الضلع أعلاه؛فإن جئت تقيمه كسرته، والكسر هذا هو نوع من الخلاف والانفصال، وإن تركتها استمعت بها على عوج - أي أن يوجد بعض العاطفة التي من المرأة أو وجود بعض تغلب لعاطفتها على عقلها أو نحو ذلك من الأمور، وهو أمر معهود معروف.

وصية للزوجات

وأيضاً للنساء وصية، بأن لا تقع فيما حذر منه النبي - عليه الصلاة والسلام -بأنهن أو حينما ذكر (أن النساء أكثر أهل النار) فقال - عليه الصلاة والسلام - تعليلاً لذلك: (يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئاً قالت ما رأيت منك خيراً قط) طبعاً النعمة التي تكون من الزوج، وكما قال - عليه الصلاة والسلام - (إذا أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم تأتي فتسيء إليها فتقول:لم أرى منك خيراً قط)، هذا أيضاً سبب ثاني لحصول المشكلات في داخل البيوت، ويترتب على ذلك نشوء الأسرة المشوهة إذا صح التعبير.

ثالثاً: الفراغ والتسيُّب

موضوع الفراغ الذي تحصل به مفاسد كثيرة بمعنى أنه ليست هناك منهجية في داخل الأسرة لاستغلال الفراغ، سواء الزوجة التي تمكث في بيتها فإذا لم تشغل وقتها؛ فإنها تأتي بالأمور التي تضرها وتضر أبناءها، فإذا بها تقضي فراغها مع مجلات لا فائدة فيها أو مع تمثيليات وغيرها ضرها أكثر من نفعها، وأيضاً الأبناء يتركون في فراغهم يلهون ويلعبون وينصرفون ويخرجون إلى الشارع.
وكذا عدم وجود منهجية لاستغلال الفراغ من أهم الأسباب الخطيرة التي تقع فيها الأسر. فلا بد أن تكون هناك باستمرار داخل الأسرة وداخل البيت منهجية لاستغلال الأوقات بكل صورة من الصور بحسب الشيء الذي يكون معهوداً، فالمرأة التي تعرف أنها تمكث في بيتها في هذا الوقت فتبرمج هذا الوقت، الأمور العارضة لا بأس في وقتها يمكن أن يستفاد منها أو قد حتى أحياناً تضيع بعض الأوقات، لكن الأوقات الثابتة التي باستمرار تكون وقتاً يحتاج إلى إشغال بالفراغ لا بد أن يكون فيها انتباه كثير جداً في هذا الباب.

رابعاً: الخلطة الفاسدة ورفقاء السوء

وقد يتصور السامع أن نقصد بذلك الخلطة الفاسدة ورفقاء السوء بالنسبة للأبناء فحسب، بل الأمر أخطر بالنسبة للآباء والأمهات، فكم من أب له من رفقاء السوء من ضيّعوه وضيّعوا أسرته، وكم من أم لها من رفيقات سوء من ضيعنها وضيعن من ورائها من أسرتها وأبنائها، ومن باب أولى كذلك أيضاً الأبناء حينما يكون هناك فراغ وليست هناك منهجية يحصل أن الناس أو أن المرأة أو الرجل أو الأبناء يخالطون من يشاءون، ويقعون بحكم الفراغ، وعدم وجود التوجيه، في هذه المشكلة التي هي من أخطر المشكلات التي تعاني منها الأسر والمجتمع بشكل عام.

 فإن كثيراً من الناس فيهم خير وصلاح، ويأتيهم البلاء من خلطة أبنائهم، ولذلك لا بد أن تخطط لنفسك، والله - سبحانه وتعالى- بين أثر ذلك، ما جعل هذه الأمور هكذا هملاً وإنما حذر وبين وعلم، فقال - سبحانه وتعالى -: { الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ } [الزخرف: 67] بين الله - سبحانه وتعالى - أن هذه الخلة لا بد أن تقوم على أساس التقوى حتى لا تكون ندامة يوم القيامة كما قال - سبحانه وتعالى -: { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي } [الفرقان: 27 - 29] لا بد أن نعرف هذا،كما قال النبي عليه الصلاة والسلام (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) فلا بد أن نعرف قيمة هذا الأمر وخطورته.

والنبي - عليه الصلاة والسلام - بيّن لنا أثره حينما ضرب المثل المعروف بالجليس الصالح والجليس السوء وهذا الجليس الصالح كبائع المسك إما أن يعطيك أو يحذيك أو إما أن تجد منه رائحة طيبة، وجليس السوء إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه رائحة خبيثة ونتنة، هذه المسألة من أهم المسائل وأكثر ما يقع الخلل بالنسبة للآباء والأمهات في أبنائهم عندما لا يحرصون على معرفة صحبة أبنائهم، ولا يشرفون على ذلك على أقل الأمر في بدايته ثم بعد ذلك قد يثق في أبنائه ويعرف حسن توجههم وتدبيرهم وحسن انتقائهم واختيارهم لكن هذا أمر مهم.

خامساً: سوء المعاملة من الأبوين

وخاصة يعني من الطرفين لكن أحياناً قد تكون من الأب أكثر وأحياناً قد تكون من الأم أكثر بحسب ما يقع فيه أو تكون في الأسرة، مثلاً تجد أحياناً نوعاً من الشدة والغلظة في غير موضعها، أو أحياناً نوعاً من الدلال والرخاوة في غير موضعها، ونوعاً من مجاراة الطلبات والأشياء التي يطلبها الأبناء في غير موضعها، كثير من هذه الصور مطبقة عملياً في حياة المجتمع، فتجد الأب يغيب ويفرط في دوره ثم إذا وجد الخطأ ليس عنده إلا السيف الباتر الذي لا يعالج ولا يصحح ولا يقوم بل يزيد التفاقم.

ولذلك تجد الآن كثيراً من الآباء يشكون من التمرد، يقول لك: الابن خرج من طوعه، لماذا؟ ما أحسن الأسلوب وواجه المواجهة ثم حصلت هناك المواقف النفسية والعداء، وحتى نوع من التطور أن يكون مجابهة بين الابن وأبيه، وكم تجد من الأبناء من انتهى - يعني كما يقولون - خرج من دائرة السيطرة والتوجيه مطلقاً بسبب هذه المعاملات.

وأحياناً الرخاوة أيضاً تضر في جانب آخر.. لا بد أيضاً من العدل كما أخبر الله سبحانه وتعالى { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ } [النحل: 90] والعدل بين الأبناء من أهم أساليب التعاون.كثير من المشكلات تنشأ من عدم العدل وخاصة في الآباء عندما يكبر أبناؤه تجده يقرب بعضهم ويكون معه في عمله وكذا وكذا ويقع من ذلك خلل كثير، وهذه مشكلة أيضاً.

سادساً: عدم الالتفات والانتباه للمؤثرات الخارجية

وأعني بها المؤثرات في دائرة التوجيه العام، وهي دائرة حول ثلاث دوائر يمكن أن نطرحها في إيجاز، دائرة التعليم ودائرة الإعلام ودائرة المجتمع، هذه قد تكون أنت في أسرتك حرصت على أن تؤدي الواجب، وأن تقوم بالأمر، وأن تحسن الرعاية، لكن لا بد من الحماية من المؤثرات التي ليست بيدك، لكن لا بد أن تضع لها صمامات الأمان، وأن تضع لها من البذور الحماية والصيانة ما يقي من شرورها ومن أخطارها.

فالكثير من الناس تأتيهم مشكلات من خلال هذه الدوائر.. من خلال سواء صحبة فاسدة أو ما يقرأ من كتب، وما يقع عليه نظره من القصص والأشياء أو ما يشاهد من الأفلام، ويتداول بينه وبين أصحابه من هذه الأفلام الماجنة أو الأغاني الرخيصة أو غير ذلك وهذه مسئوليته، مسئولية الوقاية مسؤليتك، وليست مسؤليتك الرعاية بل كذلك مع الرعاية الوقاية { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ } [التحريم: 6] لا بد أن تعمل أسباب الوقاية، ولا بد أن تأخذ بقول النبي - عليه الصلاة والسلام -: (لا ضرر ولا ضرار) ينبغي أن تعرف الجانبين معاً فهذا أمر مهم جداً.

سابعاً: القدوة السيئة من الأبوين

هذه أكبر مشكلة ذكرناها في الأخير لأنها هي الطامة الكبرى، أكثر ما يقع به الانحراف والسلوكيات الخاطئة في الأبناء إنما هي من وجودها في الآباء، فالذي يدخن لا يستطيع أن يكون قوياً ولا مؤثراً في توجيهه لأبنه بأن لا يدخن، والتي تتبرج لا تستطيع أن توجه ابنتها إلى التحجب وإلى التستر، بل العجب انك ترى صوراً ومفارقات عجيبة، ترى المرأة إذا خرجت مع ابنتها فتجدها أستر من ابنتها الشابة وما ذلك أحياناً إلا بتوجيه منها، تقول لها: إنك أنت الآن في أول عمرك وفي مقتبل حياتك لا بأس أما أنا فقد كبر سني وكذا.

إذا الأساس هو القدوة الصالحة، فإذا وجدت القدوة السيئة أصبح هذا هو الخرق الذي لا يرقع.. لا بد أن يكون هناك حل جذري، ولذلك هذه المشكلة هي أساس كل المشكلات، ومعظم ما يقع وخاصة في الصغر وأقول خاصة في الصغر؛ لأن الصغير مقلد، الطفل أو الصغير الذي يتعود على الكذب يتعود على الكذب من أبيه ومن أمه يأتي من يسأل عن أبيه فيقول له: قل له إنه غير موجود فيحفظ ويتقن، بل هو بعد ذلك يتدرب أول مرة يقول غير موجود مرة ثانية يقول: قبل قليل خرج، وبعد ذلك يزيد: لو كان تقدمت قليلاً لكان وجدته، ولكان يقول لك خرج مع فلان وهو ينطلق في هذا الباب ويتدرب عليه.

حتى بعض الأمور والعادات التي يكتسبها أو يقع فيها الأطفال وينشأون عليها، إنما منشؤها من هذه القدوة السيئة التي لا يريدها الآباء، الآباء في كثير بل في غالب الأحوال لا يريدون لأبنائهم أن يقعوا فيما هم فيه من الأخطاء، ولكن ليس هذا يعني في غالب الأحوال لا يتحقق خاصة للصغير، الصغير قدوته الكبرى هم أبوه وأمه إن قلت له في الأموال قال: أبي عنده كل الأموال وإن قلت في القوة قال: أبي هو الذي يستطيع أن يصرعك وأن يضربك وكذا، الطفل عنده هاتين القدوتين هما كل مجمع الخير وكل مجمع التصورات العظيمة والحسنة عنده في أبيه وفي أمه.

 فلذلك تجد الصغير دائماً لا يقبل النقد في والده ولا في والدته مهما كان، لأنه هما اللذان يحيطان به فرغماً عن الأب وعن الأم الصغير يأخذ منها ويدرج على مسلكها وينشأ على ما هم عليه ولذلك قال الشاعر:
وينشأ ناشئ الفتيان فينا **** على ما كان عوده أبوه
 ولذلك في الصغر هو المهمة الأساسية ولذلك كما يقول الشاعر:
قد ينفع الأدب الأولاد في صغر **** وليس ينفعهم من بعده أدب
إن الغصون إذا عدلتها اعتدلت **** ولا تـلين ولو ليَّنْتَها الخُشُب
إذا خشَّب وأصبح كبيراً يستعصي، هذه جملة من المشكلات.
لكن الحقيقة نحب أيضاً أن نقف على شيء من التفصيل أو النقاط الواضحة فيما يتعلق بالعلاج فيما يتعلق بالبرامج فيما يتعلق بما ينبغي أن يكون في داخل الأسرة والبيت، وهو أيضاً أمر فيه نقاط كثيرة.

وصايا لحل مشكلات البيوت

وصايا في تربية الصغار

الوصية الأولى: التلقين والتعويد
من الأصل في التربية التلقين والتعويد؛ لأن الطفل بمثابة الإناء الفارغ، ليس فيه إلا ما تضع فيه، وليس هناك أحد يضع فيه إلا أبوه وأمه؛ لأنه بعد لم يخرج للناس، ولم يعاشر ولم يسمع، ولم يقرأ ولم يتعلم، فما زال فقط مصدر التلقي الوحيد - إذا صح التعبير - من أبيه ومن أمه، منهج الإسلام بنى على هذه الخصيصة في الصغير وهي لينه وغضاضته، وتطبيقه العملي وهو عبارة عن بصمة، يسمع الكلمة فيرددها، يرى العمل فيحاكيه تماماً، حتى إنك تجد كما يقولون: ذلك الشبل من ذاك الأسد، تجد أن الابن أحياناً يقلد من حركات أبيه وأمه ما يكون أحياناً مضحكة، لكن يدل على دقة المحاكاة من الصغير لأبيه وأمه.

ولذلك انظر إلى البيئة هل الصغير يعقل أو هو متعلم أو يدرك في صغره الخير من الشر، لكن تستطيع أن تفرق بين بيئة وبيئة بالصغير، إذا جئت إلى الصغير فوجدته يحفظ من السباب والشتائم ما لا يخطر على بالك، من أين تلقّاها؟ لا شك أن هذا من هنا، وتأتي إلى آخر تجده ما عنده إلا لا إله إلا الله أو يردد كلمات معينة؟ من أين لك هذا؟ يقول: من الله وكذا، هو ما يعرف هذا الكلام لا يعرفه حقيقته، لكنه يردده، وهذا الترديد في الأسلوب النفسي والتربوي هو نوع من التأسيس،فهو الآن لا يفقهه ولا يفطنه، ولكنه من بعد ذلك يكون أساساً متيناً حينما يأتي العلم والمعرفة.

كما ذكر عن بعض السلف أنه تربي في حضن خاله فكان يعوِّده وهو صغير يقول:إذا أردت أن تعمل أي عمل فقل: " الله ناظري.. الله حاضري.. الله شاهد عليّ "، يردد هذا الكلام فتعوَّد كل ما أراد أن يعمل عمل وهو صغير يردِّد هذه الكلمة، فلما كبر إذا أراد أن يعمل عمل تلقائي بالعادة يقول: " الله ناظري.. الله حاضري.. الله شاهدٌ عليّ "، فلما عرف معاني هذه الكلمات إذا أراد أن يقدم على عمل سيئ أو مخالف ارتدع وانتبه.

ولذلك هذه البصمات الصغيرة، البصمات المؤثرة في الصغير، لا بد من رعايتها والعناية بها، ومن منهج الإسلام أنه راعى ذلك، فتجد التوصية في بداية الأمر عندما يولد المولود وهو صغير، بأن يؤذن في أذنه، ويقام في أذنه؛ليكون أول ما يخالط سمعه من هذه الدنيا كلام الله - سبحانه وتعالى -وكلمة التوحيد، صحيح هو لا يفهم ولا يُصغي، ولكن هذا نوع،التوجيه لآبائه ولأسرته هو الآن صغير رضيع لا يعرف الأذان، ولا يعرف ما معنى " لا إله إلا الله "، ولا "حي على الصلاة "، ولا شيء من ذلك، إنما المعني بهذا الأب والأم. أنكم وقد قلتم هذا في أول الأمر؛فإنكم تعلنون أنكم تريدون تنشئته على " لا إله إلا الله"، وعلى " محمد رسول الله "، وعلى " حي على الصلاة " وعلى "حي على الفلاح " وعلى " تكبير الله سبحانه وتعالى "، تنبيه إلى أنك أخذت نعمة من الله - سبحانه وتعالى -، فلتقم فيها بأمره وشكره على ما أمر الله - سبحانه وتعالى -.

ثم حينما يقول النبي - عليه الصلاة والسلام -: (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر).. هو في سابعه أيضاً لا يعقل، بل هو ليس بمكلّف، ما الغرض في هذا الأمر؟ وما هو السر في هذا العقاب والضرب؟ هل يضرب لأنه خالف أمر الله ولم يقم بالتكليف، هو ليس بمكلف، وإنما الضرب لأنه خالف أمر والده؟ وهذا الأمر إنما هو ليتعوّد، الإنسان يتهيأ نفسياً للأمور. نحن الآن مثلاً مقبلون على رمضان كثيرٌ من الناس لا يتهيئون نفسياً؛فإذا جاء رمضان كأنه جبل وضع على أكتافهم ناء بهم حمله، الصغير حينما يتعود على هذه الأمور حينما يشب يكون مؤهلاً؛ لأن يتفاعل معها.

كذلك البنت الصغيرة، تجد البيئات تختلف تجد البنت الصغيرة إذا كانت في بيئة تعوِّدها وترى فيها أمها وهي تحتجب وتمتنع من مخالطة الرجال، تجد البنت وهي صغيرة تريد أن تقلد فإذا جاء الرجال وهي صغيرة في الخامسة تذهب وتبتعد لماذا؟ قالت: للحجاب أو هناك رجال غرباء طبعاً، قد يكون الموقف مضحكاً، لكنه في نفس الوقت موقف مؤثر ينبئ عن أن هذه المجانسة والموافقة والتعويد مهم.

البنت الآن تجد بعض الناس يتهاونون يقول لك: حتى البنت تبلغ تجدها في التاسعة أو العاشرة أو في الحادية عشر وهي تلبس قصير الثياب ولا تحتجب، ولا تجد حرجاً في مخالطة الرجال من أثر البيئة، طيب هذه حينما تبلغ مبلغ سن البلوغ هل ستحتجب بالشكل المطلوب، في غالب الأحوال يكون الأمر فيه عسر حتى لو أُمرت بعد ذلك من قبل أبيها وأمها يشق ذلك، فلا بد من أن نعرف أن أول الأمر بالنسبة للصغار لا بد فيه من التعويد والتلقين الأمر الذي يكرر لا بد أن يغرس بهذه الطريقة.

الوصية الثانية: التعليم المبسَّط
بعد التلقين والتعويد يأتي التعليم المبسَّط وشغل الأوقات بالنافع المفيد، وأعني بذلك أن الصغير حينما يبدأ يميِّز في سن التميز بعضهم يقولون: من الخامسة، وبعضهم يقولون: من السابعة، لا بد أن يكون هناك بداية للتوجيه والتعليم لا نقول لا ليس ما نحتاج أن نعلمه وكذا بعده صغير، صغير نعم لكن هناك للصغير تعليم صغير إذا صح التعبير شيء يناسبه أن يتعود على الآداب الإسلامية في طعامه في شرابه، وهذا يعني شيء جميل أذكر قصة واقعية يذكرها أحد الآباء ابنته في مدرسة يعلمونهم هذه الآداب والتوجيهات وكذا، وهو لا يحفظ الأذكار ولا يحفظ هذه الآداب، فيذكر أن ابنته الصغيرة جاءت مرة في البيت ودخلت إلى دورة المياه لقضاء الحاجة ثم خرجت سريعاً في حركة مفاجِأة فظن أن في الأمر شيء أو أنها خافت من شيء فلما سئلت قالت نسيت دعاء الخلاء فقال: ما هو الدعاء قالت: له كذا وكذا، وبعد ذلك عرف دعاء النوم فيقول لزميل له يعني هل صحيح أن هذه الأدعية موجودة عند الخلاء وعند النوم وعند دخول المنزل وعند الخروج من المنزل؟، الأب لا يعرف أن هناك أدعية في كل هذه المواطن والصغيرة التي تعلمت بهذا التعليم المبسط كان له عظيم الأثر في التوجيه والسلوك وفي البناء على ما بعد ذلك، وهذا أمر أيضاً مهم ولا بد من رعايته.

الوصية الثالثة: عدم التساهل في القليل لأنه يؤدي إلى الكثير
كثير من الناس منشأ الخطأ هو أنه في بعض الأمور يقول لا بأس، هذه لا نستطيع فيها هذه خفيفة، فيقع المدخل من هنا يقع المدخل من هنا، يأتي مثلاً إلى البنت الصغيرة يقول هذه ما زالت صغيرة، أو إذا جاءت حتى إذا بلغت يقول لا بأس هناك فرصة أن تتعود أو كذا، هذا تقع في واقع الناس، وأحياناً الناس يتساهلون ويصفون من يذكرهم بعدم التساهل بأنه متشدد ولماذا هذا التعقيد؟ وماذا سيحصل حينما يرى الابن أو البنت تمثيلية أو كذا وما يعلم أن هناك بذرة نوع من الانحراف أو المخالفة التي يلمس أثرها من بعد ذلك، فيرى أن هذا الفعل الذي تساهل فيه أدى إلى تأثيرات أخرى. ربما إن لم يتداركها تزايدت وتضاعفت، ولذلك لا بد من معرفة هذا.

الوصية الرابعة: عدم الاستجابة للمؤثرات الخارجية
وزن ومعرفة الأمور في ضوء الشرع لا بد من هذا، هذه أسس أساسية ما معنى ذلك؟ لا بد أن نعرف الحلال والحرام والشيء المقبول وغير المقبول في ضوء ما شرع الله، وفي ضوء ما أخبرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ينبغي أن لا نجعل الأعراف تغير الحقائق الشرعية، فحينما يقال مثلاً: أن الاختلاط محرَّم فذلك مصطلح وحكم شرعي، لكن يأتي العرف فيقول صداقة بريئة أو علاقات اجتماعية أو هؤلاء أقاربنا أو لماذا هذا التشكيك في النيات؟.. لماذا هذه النظرة الخبيثة دائماً؟ ولماذا تقديم الصورة السيئة؟ ولماذا التشكيك في أن الناس لا بد أن ينظرون؟.

ونقول هذا ليس من عندنا، هذا من شرع الله وشرع الرسول - عليه الصلاة والسلام - يقول: (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما) فهل نصدق هذه الأعراف والأقوال التي ثبت في الواقع أنها غير صحيحة، ونترك خبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي لا ينطق عن الهوى، لا بد أن نعرف أن أهم أسباب الخلل، وأهم الأسباب في المقابل في العلاج أن نبقى على المصطلحات والأحكام والحقائق الشرعية، وأن لا نجعل هناك مؤثرات تغلب عليها، فيقول:هناك الاختلاط البريء، والصداقة البريئة، وزميلات العمل، ويقال: هناك الانفتاح، ويقال:هناك ما يمكن أن يقال عنه أنه نوع من إعطاء الفرصة والثقة للأبناء ونحو ذلك، وهذه كلها وساوس شيطانية، وأعراف منحرفة، لا بد من صيانة الأسرة منها، وهذه الحقيقة أكثر أو كثير من الناس واقعون فيها.

أساسيات لرعاية وتوجيه الشباب

الأساس الأول: التوعية
معنى التوعية أن يوعَّى هذا الشاب أو تلك الشابة بأن هذا الأمر إنما فيه موافقة لأعداء الله -سبحانه وتعالى -، وإنما فيه تمثيل لمخطَّطاتهم وإضعاف للأمة، وإنما فيه نوع من حصول فرح الأعداء بما يقع لنا من البلاء والانحراف، وإنما فيه حصول تمكّن الأعداء عندما تضعف بنية المجتمعات من خلال تفاهة وضياع شبابنا وشابَّاتنا وانحرافهم، فلا تجد حينئذ ما يعول عليه لا في علم ولا في عمل حينما يدرك ذلك، ويدرك أن أعداء الإسلام يخطِّطون لانحرافه ولزيغه، هذه التوعية تجعله يدرك أنه مستغفَل مستدرَج فيربأ بنفسه على أن يكون في هذا الجانب.

الأساس الثاني: التحذير
التحذير من مغبة كل انحراف فهناك أخطار كثيرة تترتب على ذلك، أخطار صحية، وأخطار اجتماعية وأخطار على سمعته، حتى بعض الناس سمعة الأسرة وسمعة الإنسان في بيئته وبين أصدقائه، هذا أيضاً من الأشياء التي ينبغي التنبيه لهذا الخطر الذي يقع في حرمانه من توفيق الله - سبحانه وتعالى - تحذير من هذه الجوانب ينفع مع الكبير؛ لأنه يحتاج إلى ذلك.

الأساس الثالث: التذكير
التذكير بأمر لله - سبحانه وتعالى - بما حرم من العقوبات التي جعل الله - سبحانه وتعالى - على كل انحراف من الانحرافات، سواء كانت عقوبات بالحدود وبالأحكام المفروضة عقاباً لهذا أو فيما هو أعظم من ذلك في عقابه الأخروي عند الله سبحانه وتعالى.

هذه الدوائر تجعل أو يمكن حينما يمارسها الأب بذاته في سن الكبر مع أبنائه أن تؤتي ثمرة طيبة. ولا شك أن بعد ذلك نوع التربية والقدوة مهم جداً في هذا الجانب إحياء الإيمان وتقوية العبادة وترسيخ العلم، هذه كلها أسباب ثلاثة داخل أو تتم فيما يتصل ببناء أو تربية الأبناء في سن الكبر، هذه الجملة من الأمور لا بد أن تراعى.
هناك أيضاً صور عملية لتحقيق هذه الأشياء، بمعنى أن الأمور العملية التي يمارسها الناس إذا أخذت بجوانب معيَّنة يمكن أن يسأل الناس كثير عن كثير مما يقع لهم، مثلاً مشكلة الأطفال والتلفزيون ومشكلة الكبار والأصحاب مشكلات من هذا النوع، أقول طبعاً هناك أبواب واسعة من هذا كثيراً، لكن أضرب أمثلة لبعض هذه الأحوال.

مثلاً فيما يتعلق بثقافة الطفل وما يقرأ أو ما يسمع أو ما يعوَّد عليه من بعض الأمور، تجد الآن الأفلام الكرتونية التي نلحظ فيها الظواهر التالية:
أولاً: فيها كثير من ما يخالف العقيدة وما يخالف الإيمان في كثير من الصور وكثير من الوقائع التي تُنْظَر وتُشاهد.
ثانياً: فيها بناء الخيال الحالم والواهم الذي لا يستند إلى الواقع، فتجد الطفل الصغير يعني يتكلم عن قوة هذا الذي يراه في الفيلم، وقد يحاكيه أحياناً ويقع في مشكلات كما نسمع ونرى وكما يُكتب في كثير من الأحوال.
ثالثاً: أيضاً استهلاك الوقت الذي يضيع، وقد ذكرت مرة إحصائية أن في بعض البلاد العربية الأطفال يقضون ما معدله ثلاث إلى أربع ساعات يومياً أمام أجهزة التلفزيون، وهذا فيه ضياع للوقت والتفويت لما هو أهم.
رابعاً: عدم الاستجابة لأمر الوالدين والتعوُّد عليها، فتجد الأطفال الآن في البيوت هذه حوادث ووقائع تقع فيها، إذا جاءت هذه الأفلام أو إذا أراد أن يرى شيئاً أو يتعلق بشيء إذا طلب منه شيء في أثناء هذا لا يستجيب، إذا طلب منه أن يذهب فيقوم يعمل لا يستجيب، إذا جاء هذا الوقت لهذا البرنامج أو لهذا الشيء يقطع كل شيء وكل عمل ولو دراسة ويتوجه إليه. وهذا أيضاً يضعف الجانب التعليمي.
 فلا بد أن تكون هناك أيضاً أساليب أخرى، حتى يعوَّد الطفل على غير ذلك، أقول هناك جملة من الأشياء - ولله الحمد - تتوفر الآن في ظروف الصحوة الإسلامية، وظروف الخير الذي أقبل على الناس في مجتمعات المسلمين عموماً، وفي مجتمعنا أيضاً بشكل ظاهر، هناك كثير من الأشياء التي تسهَّلت وتيَّسرت.

أمثلة عملية للتأسيس الصحيح

في الجانب الإيماني

1- القصص الإسلامي المبسط الميسر للأطفال
الذي يمكن أن يشغلوا به وقتهم، وأن يدعوهم إلى شيء من المكارم وإلى المحاسن وإلى بعض الخير الذي يستقر في نفوسهم، وتكون الأمثلة والقدوات عندهم شيئاً غير الحالم والمخالف لأمر الله -كما أشرنا - سابقاً هناك أيضاً الأشرطة المسجلة عليها، هذه القصص.

2- الأشرطة عليها قصص مسجلة بصورة مرغبة
 بالطريقة التي تقدم للأطفال والصغار يشغلون بها وقتهم، والذي يجرب يعرف أن الأطفال الآن ربما كثير منهم يحتاجون إلى هذا الجانب أكثر من جانب الكبار؛ لأن الكبار الحلول التي تعطى لهم تلاقي صعوبة في التنفيذ أما هؤلاء الصغار فيمكن أن تنفذ عليهم، وأن تطبق عليهم بشكل سريع، هناك هذه الأشرطة التي تعرض هذه القصص -كما ذكرت - بشكل محبب والذي يعرف ويجرب الأطفال، عندهم جانب التعويد والتلقين فتجده يسمع هذه ألف مرة حتى يحفظها عن ظهر قلب. ومع ذلك لا يملَّ منها، ليس مثل الكبير فإنه مجرد أن يسمع شيئاً يعرفه، لا يحتاج أن يكرِّره، والصغير يكرِّر ويداوم، وتجده يحفظ هذه الكلمات ويحفظ هذه المواقف، ويقول لك: نعم هذا أمين، وهذا سلوكه غير طيب، وكذا شيء طيب في مثل هذا الأمر أيضاً.

3- تعليم الكتابة
حتى الكتابات تعليم الكتابة وربطها بالإيمان هذه أساليب تربوية معروفة عند التربويين ربطها بالأمور الإيمانية والتربوية أيضاً.. موجود الآن كثير من هذه الكروت والبطاقات التي تربط الحرف، مثل حرف السين بالسماء وبخلق الله سبحانه وتعالى، وبعض الأمور التعليمية التي تربط التعليم مع شيء من التوجيه والربط بالإيمانيات، والربط بالأمثلة الطيبة بدل من أن يردد الألفاظ التي يسمعها في هذه البرامج، وبدل من أن يردد بعض الألفاظ والشتائم التي يسمعها من هنا وهناك.
فضلاً عن ذلك طبعاً هناك من قبل تعليم القرآن وتحفيظه الآيات تعويده على الأذكار هذه.
فالصغير كذلك تعليمه يحتاج إلى وقت وإلى جهد، هذه لو اعتنى بها الآباء والأمهات لمَا أوجدوا الفراغ لأبنائهم، ولما وجد الأبناء الفراغ، ولو اعتنوا بها لاستطاعوا أن يحيوا ذلك وأن يعنى يجعل فيه شيء من هذا الباب.

4- مجال الألعاب
 كذلك حتى في الألعاب أنا أذكر أمثلة؛ لأن الناس يشتكون من ذلك حتى الألعاب التي هي الآن موجودة في الأسواق، بعضها له آثار سلبية، في المقابل أيضاً وجدت الصور المقابلة، والتي تؤدي إلى أهداف إسلامية. هذه القطعة التي تفكك أو الأوراق التي هي عبارة عن قطع مقوَّى، ثم تنثر ويتعلم الطفل على إعادتها، الآن منها صور مثل صورة أو رسمة البيت المقدس والمسجد الأقصى، فيتعود عليها،ويكون مكتوب عليها مثلاً المسجد الأقصى أو صورة الكعبة يتعود عليها فيعرف الكعبة، ويعرف بيت الله الحرام.

 كل شيء من الأمور يمكن أن يكون فيه جانب إيجابي، وجانب خيري وهذه أمور كثيرة أتيحت ولله الحمد، حتى بعض المشاهد التمثيلية للصغار مصورة في صورة قصص ومسرحيات وموجزة فيها أهداف إسلامية وطيبة تعين الآباء والأمهات على مثل هذا الأمر، فهذا نموذج فقط يعني عملي وتطبيقي.

في الجانب المالي

لنأخذ بأساليب عملية أيضاً في جوانب أخرى أضرب نموذجاً آخر للنواحي العملية في جانب معين، مثلاً الناحية المالية كيف تعود عليه الطفل؟ وكيف تتدرج معه حتى وهو كبير؟ الأصل أن يكون هناك عندنا أشياء كثيرة حقيقة في النماذج لكن إن شاء الله ما نذكره يمكن أن يقاس عليه، ينبغي أن يعوَّد الطفل من صغره على احترام المال، وعلى معرفة قيمته.
من الأسس التربوية:
  1. أنك لا تدفع للطفل مالاً بدون سبب أو بدون مقابل إذا صح التعبير، طبعاً ليس المقابل بأن يذهب ويعمل ويكدح وإنما المقابل أن يفعل ويستجيب لأمر فيأخذ هذه المكافأة، أو إذا حقق شيئاً معيناً يأخذ هذا المكافأة.
  2. تعويده على الادخار البسيط ولو كان بسيطاً، هذه الحصَّالات تعوِّد الإنسان على التهيؤ لمقابلة الحياة، وأيضاً عندما يكبر قليلاً يتعوَّد على الشراء وخاصة الفتى أقصد الغلام الذكر.
في جانب الاعتماد على النفس
  1. تعويده على القدرة والتحمل: وأنا هنا أقص لكم من واقع حقيقة واقعية، إن البعض يبلغ مبلغاً من السن والكبير وهو في الثانوي، وهو لا يعرف أن يتعامل بأي شيء من الأشياء، وأن بعضهم في سن لا بأس بها وما يزال يحتاج إلى رعاية أمه في تنظيفه وفي اغتساله وفي لبسه، لماذا لأن عدم التعويد من الصغر يجعل عدم القدرة على الاعتماد على النفس. وهذه وقائع موجودة في المجتمع أحبتي، ليست خيالات موجودة الآن ستجد من الناس ومن الشباب من لا يعوَّل عليه لا في قليل ولا في كثير؛ لأن هذا الأمر نشأ من تلقاء هذا الجانب.
  2. التعويد بعد ذلك على أن يكتسب، ولو حتى في صور بسيطة هذا كله تهيأ لأن يفهم الحياة وان يفقهها يتعود على الكسب، أن تعطيه شيئاً مثلاً يمارس صورة معينة في سن معينة يكتسب من ورائها، وبعد ذلك في مرحلة أكبر يتعود على الضبط يعرف الذي يدخل ويعرف الذي يخرج حتى يعرف أن يتقن أمور الحياة.
  3. من أهم ما يعوَّد عليه الصغار خاصة التعويد على الإنفاق، وهذه تجد لها صوراً كثيرةً في البيئة المسلمة، تجد أن الصغير وهو لا يفقه يقول هذه الأموال سأعطيها لأفغانستان، ولا يعرف أفغانستان هي حجر ولا شجر ولا أرض ولا بحر ما يعرف لكن يسمع ويتعود، ويعرف أنه حينما يأكل أن هناك من لا يجدون الأكل، فتجد صور حقيقة مؤثرة أحياناً ومشرقة أن الصغير أحياناً يلقن بل يحرج الكبير وكأنه يلطمه لطمة حينما يأتي ويكون عنده مصروفه اليومي إذا صح التعبير، أو ما يعطى له في العيد أريد أن أجعل هذه صدقة لله أو لأعطيه بعض الذين ليس عندهم ملابس أو كذا حينما يعوَّد على هذا الجانب يبنى فيه هذه القضايا.
  4. وهذه صورة أيضاً التعود على الاعتماد على النفس في أمور الحياة، الترف والنعيم والتربية الرخوة هذه أكبر خطيئة تجنى على الأبناء وخاصة الذكور، ينبغي أن يكون هناك تعوُّد تعوِّده على التقشف تعوِّده على شيء من الشدة والغلظة بنوع من التدرج وبنوع من الحكمة.
وهناك أيضاً المكتبة التي تحتاجها الأسرة لكل المستويات الصغير والمتوسط والكبير، كل هذه الصور لها تطبيقات عملية سواء مكتبة الكتب أو مكتبة الأشرطة حتى موضوع الترفيه والألعاب أيضاً له صورة عملية، وكما ذكرت كل ذلك لا ينضبط إلا في ظل حضور التصور والالتزام الصحيح من قبل الأب والأم وصدق التوجه للتنفيذ؛ فإن الإنسان إذا عزم على شيء يستطيع أن يحققه وأن يطبقه.

وهذه الصورة التي هي - كما ذكرت – بيوتنا من الداخل الغرض منها أننا ليس لنا عذر في بيوتنا، وفي داخل بيوتنا أنت الذي تستطيع أن تقنع، وأن تضع لماذا تترك أشرطة الفيديو تأتي على غالبها لا تعرف ما واردها؟.. ما داخلها ومضمونها؟ ولماذا تسمح بذلك؟ لماذا أترك المجلات؟ إن القدوات التي تريد أن تبنيها لأبنائك وأنت تتركهم في هذا الشأن، فإذا قدواتهم لاعب أو مغني أو ممثل أو كافر من الكفرة من غرب أو من شرق، بينما ينبغي إذا تعوَّد على هذا النهج الذي ذكرناه من القصص ومن الأشياء يتعوَّد أن يكون قدوته خالد بن الوليد وسعد بن وقاص وفلان وفلان من صحابته النبي - عليه الصلاة والسلام - وتجده يحاكي مثل هذا.
فالمسئولية كبيرة، ولا ينبغي لنا دائماً أن نأتي إلى حيلة العاجز ونقول المجتمع ونقول المؤثرات الخارجية وننسى أن الأساس الذي بأيدينا إلى حد كبير أن نقيمه على أمر الله هو مسئوليتنا ونحن محاسبون عليه بين يدي الله - سبحانه وتعالى - ولا عذر لنا في ذلك، وإذا تصورنا أن كل إنسان في بيته وفي بيئته وأسرته استطاع أن يصلح، فلا شك أنه قام بدور من الجهاد عظيم وبدور من التغير كبير؛ لأن هذه الدائرة من أهم الدوائر.

الدائرة الأولى دائرة الفرد الذي يصلح نفسه.
والدائرة الثانية دائرة الأسرة التي تصلح وتنشئ من بعد ذلك صالحين وصالحات، فهي مسؤولية عظمى، والرسول - عليه الصلاة والسلام - قال: (كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته) وهذا المسئولية مطلقة.. مسئول عن التعليم ومسئول عن التربية، ومسئول عن الإنفاق، ومسئول عن الحماية كلها مسئولية معلَّقة برقبته، يسأل عنها ويُحاسَب عليها، ويجازى بالخير خيراً، وبالشر شراً، فنسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا وأسرنا قائمين بأمر الله، ملتزمين بشرع الله - سبحانه وتعالى -، وأن يجعل أسرنا نماذج صالحة تشكل - إن شاء الله - مجتمعاً صالحاً، ونسأل الله - سبحانه وتعالى - التوفيق لنا ولكم في كل ما يحب ويرضى.
 

المراجع

موسوعة اسلاميات

التصانيف

عقيدة