مقـدمـة: بسم الله الرحمان الرحيم الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم ، والصلاة و السلام على البشير النذير، و السراج المنير سيدنا محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الذي محا الله به ظلمات الجهل والكفر، وأزال معالم الوثنية و الضلال ، و أعلى به منار التوحيد و الإيمان ، و على آله وصحبه أجمعين، و التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد ، فان الزواج يعتبر من أهم النظم الاجتماعية التي تعمل على حفظ توازن وتماسك واستقرار المجتمع، فمن خلاله تنظم العلاقات الجنسية ويشعر كلا الجنسين بالسكن الروحي والطمأنينة، وتقوى الروابط الاجتماعية، و يتجنب الفرد و المجتمع الكثير من الآفات الاجتماعية التي من شانها أن تهدم وتفتك ببنية المجتمع يقول الله تعالى: أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً . وبالرغم من أهمية الزواج للفرد و المجتمع على حد سواء ، إلا أن التحولات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية أدت إلى إحداث تغيرات هامة في نظام الزواج من حيث (السن، أسلوب الاختيار، المراسيم، السكن،...) الأمر الذي أدى إلى انتشار ظاهرة العنوسة بين النساء و التعزب بين الرجال. تعتبر العنوسة من بين الظواهر الاجتماعية التي أصبحت تهدد الكثير من الدول العربية على وجه الخصوص ، وان اختلفت في حدتها من مجتمع لآخر تبعا للظروف الاجتماعية والثقافية و الاقتصادية وحتى الأمنية ، هذا فضلا عن العادات والتقاليد الخاصة بكل بلد. واستفحال هذه الظاهرة أدى بالمختصين إلى دق ناقوس الخطر وذلك نظرا للنتائج السلبية الوخيمة المترتبة عنها على مستوى الفتاة نفسها و على المجتمع بصفة عامة، محاولين بذلك البحث عن الأسباب التي أدت إلى انتشارها وإيجاد الحلول للتقليل منها أو القضاء عليها نهائيا، وخاصة أن المجتمعات بدأت تشهد بالموازاة مع هذه الظاهرة انتشار انحرافات جنسية كالزنا، الاغتصاب... ولاشك أن موضوع العنوسة أصبح يحتل أهمية قصوى داخل منظومة المجتمع، التي يمكن أن تؤثر على بنياته ومقوماته واستقراره، شأنه شأن غيرها من الظواهر التي ترصد لها الدولة إمكانات مادية وبشرية لمواجهتها،كالبطالة، وأزمة السكن... فأصبحت تتناوله شتى وسائل الإعلام السمعية، والبصرية، ومختصين من مختلف التخصصات: الدين، علم النفس، علم الاجتماع.... ولعل ما أصبحنا نسمعه اليوم من إحصاءات مخيفة تذيعها جهات رسمية في مختلف الأمم، يحتم علينا الوقوف عند هذا الموضوع وقفة تأمل، لمعرفة خطورته وتأثيراته المستقبلية، حتى يمكننا تصنيفه ضمن أولويات ما يهدد المجتمعات. ناهيك عن الحالات التي نعيشها ونشاهدها بأم أعيننا، من بنات أسرنا وجيراننا، والتي تشعرك بالأسى والشفقة لما يعانيه جراء الآفة، وقد كان هذا هو سبب اختياري لتناول موضوع العنوسة، إضافة إلى دوافع أخرى يمكن إجمالها فيما يلي: 1- الإحساس بان العنوسة لم تعد مجرد مشكلة وإنما أضحت ظاهرة في مجتمعات المسلمين تدل عليها الأرقام والإحصاءات. 2- المعاناة الشديدة التي يعانيها أبناؤنا وإخواننا العزاب جراء هذه المصيبة ن والذي يوجب حق الإخوة الإيمانية بيننا وبينهم أن نشاركهم مصائبهم ونحاول إيجاد الحلول المناسبة لمشكلاتهم. 3- التعبير عن أحوال الأخوات العفيفات الشريفات القابعات من وراء الأبواب وخلف الستور، والتكلم على لسانهم ، وإيصال أصوات إناثهن إلى السامعين لان الحياء يمنعهن أن يتحدثن عن ألامهن وأمالهن في هذه المسالة. وعن الأسباب التي أدت إلى تفشي هذه الظاهرة، فقد توفر في المجتمع العربي عدة أسباب تتفاوت من حيث تأثيرها في تفشي هذه الظاهرة بين النساء، ولعل التحولات الاجتماعية والثقافية كاهتمام المرأة بالتعليم ورغبتها في الاستقلال المادي و المعنوي من الأسباب المؤدية إلى تفشي العنوسة، كما قد تساهم الظروف المعيشية التي يعيشها الشاب (بطالة، أزمة السكن...) في تأخر سن زواجه الأمر الذي يؤدي إلى تكريس ظاهرة العنوسة، التي سنحاول في هذا البحث التقصي عن الأسباب الباطنية التي كانت وراء انتشارها في المجتمع العربي.
المبحث الأول : ظاهرة العنوسة. المطلب الأول : تحديد مفهوم العنوسة لقد فرضت الظروف المعيشية والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية خطرا من نوع خاص بات يلاحق البيوت المسلمة ، مستهدفا الشباب المسلم من الجنسين ألا وهو العنوسة فما هو مفهوم العنوسة ؟ وهل يطلق لقب العانس على الذكر والأنثى؟ لتحديد مفهوم العنوسة سنسلط الضوء على ثلاثة أقسام من التعاريف : أولا التعريف العامي الشعبي : إن مفهوم العنوسة في المصطلح الشعبي العامي يعني ( البايرة) ويقصد بها كل فتاة تأخرت عن سن الزواج المتفق عليه اجتماعيا. وفي عرف المجتمع أن "البايرة" هي الفتاة التي لم تعد صالحة للزواج لان قطار الزواج تجاوزها . وفي الحقيقة أن هذا المصطلح مأخوذ من قولهم بارت الأرض: إذا فسدت ولم تعد صالحة للزراعة وهذه إشارة واضحة إلى أن الفتاة التي بلغت السن الذي حدده المجتمع ولم تتزوج لا تستطيع الإنجاب ، أو على الأقل تكون خصوبتها ضعيفة ، ومن تم يتبرم الشاب من الزواج بها. ومصطلح "البايرة" قبيح ومستهجن وهو جارح ومهين لكل فتاة تعير به. و هذا المفهوم الشعبي أطلق على المرأة لا الرجل .
ثانيا: التعريف اللغوي. لقد تعرض العديد من النحاة و اللغويين إلى تعريف العنوسة لغويا سنقتصر على ذكر بعضها في ما يلي: - يقول الإمام المنظور في لسان العرب في تعريف مادة عنس : "أن العنوسة من عنس وهي الجارية إذا طال وقتها في بيت أهلها بعد إدراكها ولم تتزوج" . - قال الفيروز أبادي في القاموس المحيط ما معناه :" العانس هي البنت البالغة التي لم تتزوج والرجل الذي لم يتزوج جمعها عوانس وعنس وعنس" . - قال الأصمعي : "لا يقال عنست ولكن يقال عنست على ما لم يسم فاعله فهي معنسة " - قال ابن بري : الذي ذكره الأصمعي في خلق الإنسان انه يقال عنست المرأة بالفتح مع التشديد ، وعنست بالتخفيف بخلف ما حكاه الجوهري وفي صفته لا عانس ، ولا مفند العانس من الرجال والنساء الذي يبقى زمانا بعد أن يدرك لا يتزوج ، أكثر ما يستعمل في النساء ، يقال عنست المرأة فهي عانس وعنست فهي معنسة : إذا كبرت وعجزت في بيت أبويها . - قال الجوهري : العنوسة من مادة عنس وعنست الجارية عنوسا بالضم ، وعناسا بالكسر إذا طال مكثها في منزل أهلها بعد إدراكها حتى خرجت من عداد الابكار هذا ما لم تتزوج ، فان تزوجت مرة فلا يقال عنست. - وقال الأعشى : البيض إذا عنست وطال جراؤها ونشان في فنن وفي أذواد وعنسها أهلها : حبسوها عن الزواج حتى جازت فتاء السن ولم تعجز. وعنست المرأة تعنسا عنوسا، وعنست تعنيسا إذا جاوزت وقت التزويج فلم تتزوج، وكذلك يقال للرجل. ثالثا: التعريف الاصطلاحي. في البداية أود أن الفت النظر في هذا التعريف إلى الخلط بين مفهوم العنوسة ومفهوم العزوبة، مما يؤدي إلى خلط في الإحصاءات والأرقام المعلنة. فيطلق البعض كلمة عانس على الرجل والمرأة، ويسير على هذا النحو القاموس المحيط الذي يطلق لفظ عانس على الجنسين معا. إما باقي النحاة، فيحصرون هذا اللفظ على المرأة دون الرجل. ومن خلال تفحصنا للتعاريف اللغوية يكون القصد من مصطلح العنوسة هو : بقاء الفتاة بعد بلوغها من غير زواج في بيت أهلها لفترة طويلة . أما الشاب الذي لم يتزوج فيطلق عليه أعزب أو عازب وهذا ما ذهب إليه الجوهري وغيره . المطلب الثاني العنوسة ظاهرة أم مشكلة؟ يختلف تحديد سن العنوسة باختلاف الأمم والمجتمعات، كما يختلف بين المدينة والبادية، فبينما يحدد سن العنوسة في البادية في سن 26 سنة، نجده في المدينة يصل إلى 35 سنة . وهذا الاختلاف في تحديد سن العنوسة خاضع لمعايير تتحكم في ارتفاع أو تدني هذا السن. و هو تحديد نسبي لا قطعي . و المتفحص والمدقق في حال المجتمع العربي الإسلامي سوف يجده مؤلما بل منذرا بالخطر اذا لم يفق من غفلته و يعيد حساباته على أساس من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف المنطلقة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وذلك مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم " تركت فيكم أمرين لن تظلوا ما مسكتم بهما كتاب اله وسنة نبيه" " فالوطن العربي الإسلامي بجانب ما يعانيه في وقتنا الحاضر من تفرق و تشردم وخلاف واقتتال وصراع إلى آخر ما هناك من المهالك ، نجد هذا الوطن مقدما على كارثة ، فالعنوسة أضحت ظاهرة تشكل خطرا يهدد مسيرة الوطن و يؤدي به إلى الهاوية. وهذا ما تشير إليه الأرقام والإحصاءات المخيفة والمرعبة، وسنذكر بعضها فيما يلي: " شكلت ظاهرة الزيجات المتأخرة عاملا من العوامل الأساسية لتغيير السلوك الإنجابي للنساء المغربيات و بالفعل فظاهرة تأخر سن الزواج لدى النساء والرجال خلال الخمسين سنة الأخيرة يعد من مظاهر التغيير داخل المجتمع المغربي ، فقد كان معدل الزواج الأول سنة 1960 في حدود 24 سنة للرجال و 17,5 سنة بالنسبة للنساء ، و قد مر هذا المعدل اليوم إلى 31,2 سنة بالنسبة للرجال و 26,3 سنة بالنسبة للنساء . أما معدل العزوبة بالنسبة للنساء ما بين 20 و24 سنة و ما بين 25 و29 سنة (2004) فهو على التوالي 61% و 41% ، و قد كانت هذه النسبة سنة 1960 ما بين 6% و 2,3%..." كما أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة و الإحصاء في مصر أن عدد المصريين الذين بلغوا سن الخامسة والثلاثين ولم يتزوجوا بعد ، قد بلغ 8ملايين و 962 ألف أي إن معدل العنوسة في مصر يمثل 17% من الفتيات اللاتي في عمر الزواج ، و لكن هذه النسبة في تزايد مستمر. أما في الكويت، فقد تندهش عندما تعلم إن نسبة العنوسة هناك تقترب من 30% حسب بعض الإحصاءات الرسمية، و أن الشباب الكويتي بدأ يتأخر في الإقدام على الزواج، نظرا للأعباء الاقتصادية الباهظة التي تترتب عليه. و في السعودية، فقد أكدت إحصائيات صادرة عن وزارة التخطيط، أن ظاهرة العنوسة امتدت لتشمل حوالي ثلث عدد الفتيات السعوديات اللاتي في سن الزواج ، و أن اللاتي تجاوزن سن 30 سنة قد بلغ في أواخر 1999 مليون و 529 ألف فتاة. وكمثيلاتها السابقة، فقد بلغت نسبة العنوسة في الإمارات إلى 30%، و تقول الإحصاءات إن النسبة في قطر مثل ذلك أو تزيد عليها. و ما هذه النسب المرتفعة والإحصاءات المرعبة إلا الشيء اليسير ، و ذلك لان ظاهرة العنوسة في تزايد مستمر. و باتت هذه الأرقام المخيفة ناقوس خطر يهدد الأسرة المسلمة والمجتمع بأسره و انتشارها يؤدي لإخطار شديدة على المجتمعات، إذ يحدث التفكك و التحلل في المجتمع، و تنتشر الأحقاد والضغائن بين أفراده ، كما ينتشر الفساد والرذائل والانحرافات ، التي تندفع إليها بعض الفتيات في ظل الدوافع النفسية التي يعانين منها. و بهذا تتحول العنوسة إلى مشكلة تؤرق الأسرة والمجتمع و تخلف آثار ومخلفات سلبية و خيمة. كما تنبت وتترعرع في ظل مشكلة العنوسة بعض العادات الجاهلية كالسحر، و الدجل والشعوذة ، ظنا من البعض أن هذا سيؤدي إلى زواج بناتهم.
المبحث الثاني: الأسباب والعلاج. المطلب الأول الأسباب و العوامل التي تؤدي إلى العنوسة : تختلف الأسباب وتتعدد العوامل التي تؤدي و تساعد على انتشار ظاهرة العنوسة، وتصب كلها في بوثقة البعد عن ديننا الحنيف ، آو جهلنا لبعض أحكامه، أو سوء فهمنا للحكم وتوضحها لنا السنة الكريمة ، فكلما زاد اقترابنا وتمسكنا بديننا الحنيف إيمانا قولا وفعلا كان في ذلك النجاة من الوقوع في أزمات ومشكلات الحياة المعاصرة بتطوراتها السريعة والمتلاحقة . إن التغلب على هذه المشكلة الخطيرة يتطلب معرفة أسبابها، التي تتفاوت ما بين سياسية و اقتصادية واجتماعية ونفسية. ولعل أهم الأسباب وراء ظاهرة العنوسة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية ما يلي: - المغالاة في المهور وتكاليف الزواج: فقد غالى كثير من أولياء الأمور بالمهور والتكاليف المصاحبة للزواج مما جعل المقدم على الزواج يعتقد انه سيكبل بالأغلال إذا ما أقدم على هذه الخطوة ! و لو عقل هؤلاء ما غالوا في المهور، بل غالوا بالأكفاء بحثا وتقديرا فهذا عمر رضي الله عنه يعرض حفصة على أبي بكر ليتزوجها ، ثم على عثمان رضي الله عنهم أجمعين كانت حفصة من المهاجرات و كانت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحث خنيس بن حذافة السهمي فلما تأيمت ذكرها عمر لأبي بكر و عرضها إليه فلم يرجع إليه أبو بكر كلمة فغضب من ذلك عمر ، ثم عرضها على عثمان حين ماتت رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال عثمان ما أريد أن أتزوج اليوم. فانطلق عمر إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فشكى إليه عثمان واخبره بعرضه حفصة عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يتزوج حفصة من هو خير من عثمان ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة، ثم خطبها رسول الله إلى عمر فتزوجها رسول الله. فلقي أبو بكر عمر بن الخطاب فقال له : "لا تجد علي في نفسك فان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذكر لي حفصة فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو تركها لتزوجتها" . فهذا هو نهج السلف الصالح في انتقاء الأزواج، و حري بنا إن أردنا الفلاح أن ننتهج نهجهم و إلا سينطبق علينا قول الله تعالى :" وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ" . و عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " تنكح المرأة لأربع، لمالها، و لحسبها ولجمالها، و لدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك" . و عن أبي العجفاء السلمي قال خطبنا عمر رحمه الله فقال ألا لا تغالوا في المهور، و في رواية بصدق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وسلم ما اصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشر أوقية . لقد سار الصحابة و السلف الصالح على نهجه المبارك في تيسيره في أمور الزواج بل كان الرجل يعرض أحيانا ابنته للزواج من الأكفاء دون خجل ، كما فعل عمر بن الخطاب مع ابنته حفصة – حين تأيمت- و عرضها على أبي بكر، و عثمان فسكتا ثم تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، و هكذا كانت أمور الزواج سهلة وميسرة. و الإسلام وهو يؤسس لقاعدة الزواج، جعل المعيار الأساسي، هو دين الشخص وخلقه وأمانته، و شدد صلى الله عليه وسلم على ضرورة إتباع هذه الأسس، وعدم مخالفتها لتحقيق سعادة الفرد والمجتمع ، و تحصيل السعادة الأخروية . - العادات والتقاليد: و الأعراف السائدة في مجتمعاتنا العربية كابن العم لبنت العم، فبين رفض الفتاة و تعنت الوالد و إصراره على العرف مما يؤدي إلى تأخير زواج الفتاة. و هذا الأمر مخالف للشريعة والسنة النبوية فيقول حبيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا تنكح الأيم حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن ، فقالوا يا رسول الله وكيف إذنها ؟ قال أن تسكت" . فهذه العصبيات القبلية التقليدية من شانها إعاقة الزواج وتأخيره، كأن نجد عائلة لا تتزوج إلا من عائلة معينة ، أو لا تزوج بناتها للغرباء عنها حفاظا على شرف العائلة أو ميراثها أو حسبها و هذا يناقض قول رسولنا الكريم: " إذا أتاكم من ترضون دينه و خلقه فزوجوه" - دراسة المرأة: و للأسف كان لتعلم المرأة دور كبير في استفحال هذه الظاهرة فقد استفادت المرأة في كثير من الأحيان من الانفتاح في دفع مسيرتهن العلمية ، في حين كانت أعباء كثير من الشباب ثقيلة لم تسمح لهم بمتابعة تعليمهم ، الأمر الذي أدى إلى تفاوت كبير في المستوى التعليمي بين كثير من الشباب و الفتاة ، فأحجم الشاب عن الفتاة المتعلمة خوفا من تعاليها عليه، ورفضت هي الاقتران بمن هو اقل منها خوفا من اضطهاده لها و التعامل معها بعنف ليقتل فيها إحساسها بالتميز والتفوق . - رغبة الفتاة و الشاب على إكمال تعليمهم: من العوامل التي تسهم في ظاهرة العنوسة رفض الفتاة للزواج لرغبتها في إكمال تعليمها. فديننا الحنيف لا يمنع أن تتعلم الفتاة لكن عليها أن تحسب عواقب رفضها للزواج. فلا يمنع الزواج أن تكمل تعليمها عليها أن تشترط على زوجها ذلك بعد الزواج فكم من فتاة و هي أم كانت على مقاعد الدراسة لكن عليها أن ترعى بيتها وتعليمها. فالمرأة إن لم تكن مؤدية لواجباتها الأسرية على أكمل وجه فهي غير ناجحة ولو كانت تحمل أعلى الشهادات. أن تعلم المرأة خلق عندها الطموح وجعلها ندا للرجل ولذلك تأخر عندها سن الزواج فبينما هي تفكر في عملها وطموحها وأهدافها ومستقبلها تكون الأيام قد مرت عليها وابتعد عنها قطار الزواج. فعندما تستقر وتبدأ بالتفكير تكون قد نسيت نفسها وابتعد عنها الشباب ليبحثوا عن فتاة اصغر. - الزواج من الأجنبيات: فقد أصبح زواج المواطنين من أجنبيات سببا آخر خطيرا وراء انتشار العنوسة. أضف إلى ذلك بعض العوامل التي ساعدت على استمرار تفاقم هذه الظاهرة ، تمثلت في الانتشار الكبير لبدائل غير مشروعة مثل الزواج العرفي و زيادة إقبال الشباب على الانترنيت وهي طرق بديلة وخاطئة لجأ إليها كثير من الشباب للتخفيف من الشعور بالأزمة والرغبة في الارتباط بالجنس الآخر. فشروط الزواج من أجنبية هي أن تكون كتابية ومحصنة وإلا تكون هناك مضرة على المسلمات من هذا الزواج . فنحن نتكلم الآن عن عنوسة بناتنا و عندما تذهب وتتزوج أجنبية معناها انك عطلت زواج إحدى بناتنا المسلمات، فلا يجوز أن يتزوج الشخص فتاة من أي ملة و يترك بنات بلاده ، و لذلك سيدنا عمر لما سمع أن سيدنا حذيفة بن اليمان – وهو من خيار الصحابة- تزوج من يهودية فأرسل يطلب إليه أن يطلقها فبعث إليه سيدنا حذيفة يقول : يا أمير المزمنين أحرام هو؟ فقال لا ، ولكن أخشى أن يكون في ذلك فتنة على نساء المسلمين " و في رواية أخرى ، " أخشى أن تواقعوا المومسات منهن" يعنى لا تتحرى من شرط الإحصان فتتزوج واحدة لا تعلم هل هي محصنة أم لا ، أيضا من أخطر الأشياء الخطر على الذرية ، الأولاد خصوصا ، فالأم هي التي تنشئ و تربي ، فتربيهم على دينها وقيم قومها ، و ينشأ هؤلاء بعيدين كل البعد عن الإسلام". - البطالة وعدم توفر فرص العمل لدى كثير من الشباب: من معوقات الزواج وسبب تأخيره هو ارتفاع معدلات البطالة ، ما يعني إغلاق باب الأمل أمام الشباب لبناء أسرة، الأمر الذي يؤدي إلى مزيد من العزوف القهري و الإجباري عن الزواج، و من المؤسف انه صاحب ذلك ارتفاع تكاليف الزواج، وتغير أنماط الاستهلاك و تحول الكماليات إلى ضروريات لا يجوز التنازل عنها، وأزمة السكن، فالمجتمعات التي تكثر فيها البطالة، يحلم الشباب المتعلم وغير المتعلم بإيجاد فرصة للعمل، و لذا يبقى الزواج من الأحلام غير المحققة وبعيدة المنال. - طمع الآباء في أجور بناتهن: ومن أسباب تفشي العنوسة كذلك معارضة بعض الآباء في تزويج بناتهم الموظفات طمعا في أموالهن، مع تبرير موقفهم بحجة واهية، ومن ذلك القول: (انه لم يحدث نصيب) ، فيؤدي الطمع والجشع لدى بعض الآباء في أجور بناتهم إلى تأخير فكرة الزواج ، مما يؤدي إلى ضياع الفرص. و يمكن جرد العديد من الأسباب المؤدية إلى العنوسة يمكن ذكرها فيما يلي على سبيل المثال لا الحصر: - تعنت بعض الفتيات ورفضهن الزواج من الأشخاص الذين لا يقيمون معهن في منطقة قريبة من بيت الأسرة. - الزواج بالترتيب: و هذا سبب من أسباب العنوسة في كثير من الأسر و البيوت، فهم لا يزوجون إلا بالترتيب ، و هذا الأمر قد يؤدي بهن جميعا إلى العنوسة. - كثرة المشاكل العائلية بين الأبوين: فتنشأ الفتاة ولديها فكرة سيئة عن الزواج، فترفض الإقدام عليه خوفا من الوقوع في نفس المشاكل. - الاختلاط الفاسد والانحلال وفساد المجتمع: فيجد الشباب الطريق ميسورا لإشباع شهواته وقضاء حاجاته دون التزام أو قيد ، فينتج عنه انعدام الثقة لدى الشباب، فيحجم الشاب عن الزواج. - امتناع الحكومات عم معاونة الشباب الراغب في الزواج، من خلال تهيئة الظروف المساعدة على الحياة الكريمة في مختلف المجالات. - الحروب التي يذهب ضحيتها الآلاف من الشباب: فتزيد نسبة الإناث على الذكور.
المطلب الثاني : الآثار الناجمة عن ظاهرة العنوسة إن ظاهرة العنوسة في المجتمع و عزوف كثير من الشباب عن الزواج له مضاره الخطيرة وعواقبه الوخيمة على الأمة بأسرها ، سواء أكانت هذه الأخطار و الآثار نفسية أم اقتصادية أم اجتماعية أم أخلاقية وسلوكية، لاسيما في هذا الزمان الذي كثرت فيه أسباب الفتن، وتوفرت فيه السبل المنحرفة لقضاء الشهوة ، فلا عاصم من الانزلاق في مهاوي الرذيلة و الردى، والفساد الأخلاقي إلا بالتحصن بالزواج الشرعي، فالقضية إذن قضية أعراض و قضية فضيلة ورذيلة. و أمام هذا التعدد و التنوع في الأسباب التي أفضت إلى تفشي هذه المشكلة فقد أفرزت العديد من الآثار التي تهدد المجتمع الإسلامي، و تؤثر في تماسكه. فقد جمعت هذه البلية إضرار ومخالفات دينية و دنيوية: أولا : آثارها الدينية. أ- تعطيل مقصود الله في الخليقة: و هو استخلاف الناس في الأرض كما قال الله تعالى: "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة" أي يخلف بعضكم بعضا جيلا بعد جيل ... وهذا الاستخلاف وتلك الوراثة لا تكون إلا بوجود النسل والذرية والتي بابها الحلال هو الزواج: فتعطيل الزواج مخالفة لمقصود الله ولمراده. ب- مخالفة أمر الشارع الحكيم: الذي أمر بتزويج الأبكار، وحث الشباب على المسارعة في الاعتصام بهذا الأمر المحبب إلى الشارع. فالوصول بالمرأة أو الرجل إلى هذا الحال فيه مخالفة لصريح القرآن و صحيح سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، إذ يقول الله تعالى في محكم تنزيله "وَ أَنكِحُوا الأَيَمَى مِنكمْ وَ الصلِحِينَ مِنْ عِبَادِكمْ وَ إِمَائكمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضلِهِ وَاللَّهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ" . و الايم من الرجال : من لا زوجة له، و من النساء من لا زوج لها. وروى البخاري و مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، و أحصن للفرج، و من لم يستطع فعليه بالصوم، فانه له وجاء " . يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: " لو لم يبق من أجلي إلا عشرة أيام، و اعلم أني أموت في آخرها يوما، و لي طول على النكاح لتزوجت مخافة الفتنة" . و يقول الإمام احمد " ليست العزوبة من أمر الإسلام في شيء، ومن دعاك إلى غير الزواج دعاك إلى غير الإسلام " . و لذلك قال عمر لرجل لم يتزوج: " ما يمنع الرجل عن الزواج إلا عجز أو فجور " ج- تقليل عدد المسلمين، و مخالفة أمر الرسول الأمين: فقد قال عليه أفضل صلاة وأزكى تسليم: " تزوجوا الودود الولود ، فاني مكاثر بكم الأمم" . د- غلق أبواب الخير و الأجر على العبد: أي أن الرجل و المرأة التي لم تتزوج يحرمان أجر التربية الحسنة للأولاد، و يحرمان أجر حسن المعاشرة، و حسن التبعل من المرأة لزوجها، فقد روي عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا للني : يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور: يصلون كما نصلي ، و يصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم . قال: " اوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به: أن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة وأمر بالمعرف صدقة و نهي عن منكر صدقة، و في بضع أحدكم صدقة، قالوا يا رسول الله، آياتي احدنا شهوته و يكون له فيها اجر ؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له اجر" ، فالجماع يكون عبادة إذا نوى به الإنسان قضاء حق الزوجة و معاشرتها بالمعرف . كما يحرمان من الولد الصالح الذي يبرهما في حياتهما، و يدعو لهما بعد موتهما، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية أو علم ينتفع به ،أو ولد صالح يدعو له " . هـ- إغلاق أبواب الرزق: يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " ثلاثة حق على الله عونهم، المجاهد في سبيل الله، والناكح الذي يريد العفاف، والمكاتب الذي يريد الأداء،" .
ثانيا: آثارها الدنيوية. تخلف العنوسة آثارا سيئة تظهر جليا سواء على المرأة أو على الأسرة أو على المجتمع: • آثارها على المرأة : و يمكن تقسيم آثار العنوسة السلبية على الفتاة إلى أربعة : ا- الآثار النفسية : الشعور بالإحباط والحرمان: فقد جعل الله تعالى فطرة المرأة تميل إلى الالتقاء و الأنس بشريك حياتها أسوة ببنات جنسها، و عدم ممارسة هذا الحق و حرمانها منه يؤدي إلى أصابتها بالإحباط وخيبة الأمل . فمن حق الفتاة أن تكون إما ، فهذه أمور فطرية ، فالله سبحانه وتعالى أقام هذا الكون على ظاهرة الزوجية ، أي الازدواج كما جاء في القرآن الكريم: "سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ" وأيضا في آية أخرى "وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" ، أي أن هناك ذكر وأنثى في الحيوان والإنسان وحتى النبات. فالإنسان لا يستطيع أن يعيش وحده، لذلك ربنا لما خلق آدم لم يدعه وحده فخلق له من نفسه زوجا ليسكن إليها. العدوانية: فالعانس تلقي باللائمة على رجال المجتمع الذين اعرضوا عنها، وتشعر بالغيرة من بنات جنسها المتزوجات، ولهذا تنظر للمجتمع نظرة حسد وحقد وكراهية تعبر عنها بسلوك عصبي وعدواني اتجاه الأفراد. العزلة والانطوائية: ملاحقة الأنظار للفتاة العانس، ومجاملتها بتمني زواجها وتفضيل العزلة أو مصاحبة من هم في مثل وضعها على المشاركة العامة في المجتمع. حرمان الإشباع الفطري : أي العجز عن تلبية حاجات ونداءات الفطرة، فمشاعر الأمومة والحب الزوجي والجنس من صميم فطرة كل فتاة، فيها الرحمة والمودة والمتعة والسعادة، وعدم الزواج يحرم العانس من جميع الآثار الصحية للحياة الجنسية الشرعية و المتعة المباحة. فقدان التوازن النفسي: حيث تصاب الفتاة بنوع من عدم التوازن في شخصيتها ، و يظهر ذلك في سلوكها المتناقض في تعاملها مع الآخرين، و حتى وان تزوجت في وقت متأخر فإنها تستمر في مشاعر الضيق و التبرم من المجتمع ، بما في ذلك الزوج و الذي يجب حسب اعتقادها ، أنه لا يشعرها أبدا بالفضل و المنة عليها لأنه تزوجها . ب) الآثار الاجتماعية: التسرع في الزواج: وذلك للخلاص من شبح العنوسة بغض النظر عن التكافؤ أو مناسبة الزواج ، بل قد تقبل بعض العوانس الزواج العرفي أو الزواج منقوص الحقوق مثل مثل زواج المسيار . ج – الآثار الأخلاقية: الانحراف الأخلاقي : قد تندفع العانس في حالة غياب الوازع الديني إلى تلبية حاجاتها الغريزية و إشباع رغباتها الجنسية بإقامة علاقات منحرفة ، فتقع في رذيلة الزنا الذي حرمها الشرع الإسلامي، قال تعال: "الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" . وعن عبد الله بن عمر – رضي الله عنه – قال : قلت يا رسول الله ! أي الذنب أعظم ؟ قال : " أن تجعل الله ندا وهو خلقك "، قلت : ثم أي ؟ قال: " أن تقتل ولدك من اجل أن يطعم معك " قلت ثم أي ؟ قال: " أن تزاني حليلة جارك" . التأمر والكيد : فمشاعر الحقد والحسد قد تدفع الفتاة العانس إلى تدبير المؤامرات للتنكيد على من هم سعداء ومستقرين في حياتهم الزوجية . التبرج: وذلك في محاولة البعض منهن محاولة ساذجة لجدب أنظار الرجال إليها عسى أن يلمح أحد جمالها ومواقع الفتنة فيها فيقدم على الزواج منها. السلوك الإجرامي: وذلك بقبول الصور المنحرفة والمشوهة للعلاقات الإنسانية للتعويض عن المفقود، ومنها اللجوء إلى الشذوذ وتناول المسكرات والمخدرات، وقد يؤدي ذلك إلى التفكير بالانتحار . د – الآثار الصحية : قد تنتج عن العنوسة أثار ومخلفات صحية كالتوتر العصبي الدائم وما يتولد عنه من أمراض ضغط الدم والزاج العصبي، وأمراض جنسية و التي غالبا ما تنتج عن الكتب والممارسات والعادات الجنسية غير السليمة. • أثار العنوسة السلبية على المجتمع : أ – أثارها الاجتماعية : قلة النسل: إن الإنجاب هو مطلب شرعي ومقصد أساسي من مقاصد الزواج ، و العنوسة تنفي هذا المطلب من أساسه. و بهذا نكون قد خالفنا أمر رسولنا الكريم ، إذ يقول صلى الله عليه وسلم: " تزوجوا الودود الولود ، فاني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة " التفكيك الأسري: بسبب المشاكل الناتجة عن تحميل كل طرف مسؤولية هذا الوضع ، واتهام الفتاة والدها أو أخوها بالذنب ، أو بسبب أنانية الأهل و تخليهم عن رعاية الفتاة العانس لانشغال كل فرد بمسؤولياته وحياته الخاصة . ضعف الروابط الاجتماعية: فعدم الزواج يحرم المجتمع من العديد من الروابط الاجتماعية التي تربط الناس برباط المصاهرة والنسب، ناهيك عن غضب بعض الأسر من أقاربهم نتيجة عزوف شبابهم عن الزواج من بناتهم . انتشار الزواج العرفي: أو غيرها من أنواع الزواج ، كزواج المتعة وزواج المسيار، وذلك بسبب فقدان الأمل بالزواج الشرعي المعلن ، وهذا منهي عنه في دين الإسلام ، فقد روي أن عليا رضي الله عنه قال لابن العباس : إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المتعة : وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر . إذ تنعكس ثمار الزواج على المجتمع ككل في نزعات بين أطرافه. الطلاق : اندفاع الفتاة العانس إلى الزواج غير المتكافئ للخلاص من واقعها، وقد يحدث ذلك من جنسيات وأديان أخرى ، وغالبا ما يؤدي ذلك إلى الطلاق . ب – أثارها الأخلاقية : انتشار السفور والتبرج: حيث إن مجاهرة بعض العوانس بسفورهن وتبرجهن قد تدفع العديد من النساء وخاصة الفتيات الصغيرات إلى تقليدهن وإظهار مفاتنهن وان اختلفت الغايات، وهذا يقود إلى مجتمع متسيب في مظهره العام. انتشار الفساد: والظواهر الأخلاقية المنحرفة نتيجة سقوط بعض العانسات في دوامة الانحلال، ووجود فئة من الرجال تشجع هذا الانحلال. ج – أثارها الاقتصادية : البطالة: فالفتاة العانس قد تضطر إلى العمل أحيانا لتامين مستقبلها، وغالبا ما تستمر فيه لفترات طويلة، وتقبل بأي عرض وظيفي يقدم لها، وهو ما يكون على حساب الشباب في العمل. زيادة التكاليف: لمداواة الأمراض والانحرافات التي تصيب أفراد المجتمع، وتحمل مؤسسات الدولة مصاريف إضافية لدعم المؤسسات الصحية والإصلاحية والقضائية والتي تنشغل بإفرازات هذه الظاهرة .
المطلب الثالث : العنوسة و سبل علاجها في المنهج الإسلامي العنوسة مشكلة معقدة و متشابكة وحساسة للغاية، و الحديث عنها حديث مؤلم، لأنها تعد من أهم و اخطر المشكلات الاجتماعية التي تعاني منها المجتمعات المعاصرة ، فأمست تؤرق الناس على اختلاف مستوياتهم ومشاربهم. وبالرغم من ذلك فانها لم تحظ بالاهتمام اللائق من الحكومات و المؤسسات المعنية، حتى وصلت نسبتها إلى أرقام خيالية يقف الإنسان أمامها في ذهول، الأمر الذي يتطلب منا جميعا جهودا مضنية و مخلصة لعلاجها . وكما اشرنا سالفا، فقد كانت هناك أسباب اجتماعية ، واقتصادية ، ونفسية ، تضافرت لتكرس مشكلة العنوسة، كان أهمها غياب الوعي الديني و ضعف التربية الدينية السليمة، فالمدقق لأسبابها يجد أنها ناجمة عن البعد عن المعايير الدينية الحاكمة للفكر والسلوك و التربية الإسلامية الصحيحة ، حيث أدى ذلك إلى كثير من الاعتبارات الأخلاقية وانتشار الرذيلة ، الأمر الذي أدى إلى زيادة معدلات العنوسة، وتعد البطالة من أهم مكرسات هذه المشكلة، لأنها تعطل الطاقات وتقضي على الآمال، ومنها يتولد الهم و الفقر و الذل والحقد و الحسد، كما تسبب الخروج على القوانين و الأعراف المتعارف عليها في المجتمع و العداء للقيم والأخلاق . لان ارتفاع معدل البطالة في أي مجتمع يعني إغلاق باب الأمل أمام الشباب لبناء أسرة ، الأمر الذي يؤدي إلى مزيد من العزوف القهري والإجباري عن الزواج. وللأسف صاحب ذلك مغالاة في المهور و تكاليف الزواج، وتغيير في أنماط الاستهلاك، وتحول الكماليات إلى ضروريات لا يجوز التنازل عنها ، و أزمة السكن، وتقصير الدول في مساعدة الشباب الراغب في الزواج ، وجفاف العلاقات الاجتماعية، و أيضا بعض العادات التي تكرس ظاهرة العنوسة مثل إن البنت لا تتزوج إلا من ابن عمها، و رفض بعض المجتمعات لفكرة تعدد الزوجات، و انحسار طرق الزواج التقليدية، و تيسير طرق الارتباط بغير زواج خارج البيت، حتى صارت هذه الأمور شيئا مألوفا ، و هجرة الشباب خارج البلاد، وتعرض احد الطرفين لأحد الأسباب النفسية الأليمة أو معايشة نماذج من الأسر الفاشلة أو التعنس بسبب الطموح أو الخوف و تامين المرأة لأحوالها المادية و المعيشية و للأسف كان لتعليم الفتاة دور كبير في نشوء الظاهرة. ويرى الإسلام أن علاج العنوسة ليس مسؤولية فرد أو حكومة أو مؤسسة و حدها، بل مسؤولية الآباء و الأمهات و مسؤولية الرؤساء و الحكومات ، و رجال الدين و مؤسسات المجتمع المدني، والنقابات والأحزاب، والمؤسسات الخيرية، و التربوية والبحث العلمي والجامعات ووسائل الإعلام التي يجب أن تتعاطى مع هذه المشكلة بايجابية.. مسؤولية جماعية.. فإذا أردنا علاج العنوسة، فلا بد من عمل المؤسسات المعنية ووضع استراتيجية تكاملية طموح لعلاجها، وإلا فما تقوم به مؤسسة لعلاجها قد تقوضه و تهدمه مؤسسة أخرى. إن الناظر في تاريخ الحضارة الإسلامية في عصورها الزاهرة يلحظ أن هذه الظاهرة لم يعرفها المجتمع المسلم المتمسك بمنه الله تعالى ، ففي عصر النبي صلى الله عليه وسلم و ما تلاه من عصور، كان الزواج ميسورا، فالفتى يتزوج بما يقدر عليه من مهر... و الفقير يتزوج حتى ولو كان المهر خاتما من حديد – و هذا الخاتم لو رآه احد في الطريق العام لن يكلف نفسه جهدا للحصول عليه، و هو كنابة على أن المهر يجوز بأقل الأشياء ، بل كان الرجل يتزوج المرأة الشريفة بما يحفظه من كتاب الله تعالى، وكفى بهذا المهر شرفا و سؤددا... فقد روى البخاري عن سهل بن سعد الساعدي قال: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله ! جئت أهب لك نفسي، قال : فنظر إليها رسول الله، فصعد النظر فيها و صوبه ، ثم طأطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه، فلما رأت المرأة انه لم يقض فيها شيئا جلست، فقام رجل من أصحابه ، فقال : يا رسول الله ! إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها، فقال:" وهل عندك من شيء !"، فقال: لا والله يا رسول الله ! فقال: " اذهب إلى اهلك فانظر هل تجد شيئا ؟" فذهب، ثم رجع، فقال: لا والله، ما وجدت شيئا ؟" فذهب، ثم رجع، فقال: لا والله، ما وجدت شيئا، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم): " انظر و لو خاتما من حديد"، فذهب ثم رجع، فقال : لا والله يا رسول الله ! و لا خاتما من حديد، و لكن هذا إزاري - قال سهل: ماله رداء – فلها نصفه، فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم): " ما تصنع بإزارك ؟ أن لبسته لم يكن عليها منه شيء ، و إن لبسته لم يكن عليك سيئ" ، فجلس الرجل ، حتى إذا طال مجلسه قام ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ) فأمر به فدعي ، فلما جاء قال : " ماذا معك من القرآن؟" قال معي سورة كذا ، وسورة كذا –عددها- فقال تقرؤهن عن ظهر قلبك؟" قال : نعم ، قال : " اذهب، فقد ملكتكها بما معك من القرآن " . لقد رسخ النبي صلى الله عليه وسلم مبدأ تيسير الزواج، و دعى إليه، وجعل المعيار الأساسي في الزواج ، الدين والأمانة والتقوى و ليس الغنى والثراء... وقد أرسى صلى الله عليه وسلم هذه المبادئ نظريا بأقواله الشريفة التي تملا ربوع الدنيا نورا و نورا ... و أرساها عمليا و تطبيقيا بتزويجه علي ابن ابي طالب ( الفقير) من ابنته السيدة فاطمة ( رضي الله عنها) على درع تسمى الحطيمة ، و كان في مقدوره صلى الله عليه وسلم بإشارة واحدة منه أن يزوجها بأغنى الرجال.... و هذا سعيد بن المسيب، و كانت ابنته قد خطبها الخليفة عبد الملك بن مروان ، لابنه الوليد ، فرفض، فلم يزل يحتال عبد الملك عليه حتى ضربه مائة سوط في يوم بارد ، ومع ذلك أصر على رفضه، و آثر أن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم في اختيار الكفء لابنته دون أن ينظر إلى الجاه أو المال، و بحث عن الرجل المتدين الذي يصون ابنته ، فاختار طالب علم فقيرا هو ابن أبي وداعة ، الذي قال : كنت أجالس سعيد بن المسيب ففقدني أياما ، فلما جئته قال: أين كنت ؟ قلت: توفيت زوجتي فاشتغلت بها، فقال سعيد: ألا أخبرتنا فشهدناها، ثم أردت أن أقوم فقال: هل استحدثث امرأة ؟ فقلت يرحمك الله، ومن يزوجني وما املك إلا درهمين أو ثلاثة ؟ فقال سعيد أنا، فقلت أو تفعل، قال نعم، ثم حمد الله و صلى على محمد صلى الله عليه وسلم و زوجني على درهمين. و قد أردنا أن نضع الأمثلة السابقة أمام بصر ونظر الآباء و الأولياء، علهم يتعلمون منها، و يتركون العادات المنفرة من الزواج المتوارثة عبر الأجيال.... إن المتأمل لمنهج الإسلام في علاج العنوسة ، يجد انه عالجها علاجا نهائيا و متوازنا و متكاملا في عدة جوانب : - الأول: انه عاقب عقوبات صارمة على العلاقات غير الشرعية، وحرمها تحريما قطعيا، و من ثم لا يكون أمام الشباب – لإشباع غرائزهم- إلا الطريق الحلال. - الثاني: انه اوجب الزواج إيجابا شرعيا للقادر عليه ، عصمة له و لزوجته ، وحفاظا على النسل المسلم ، قال الله تعالى :" وَ أَنكِحُوا الأَيَمَى مِنكمْ وَ الصلِحِينَ مِنْ عِبَادِكمْ وَ إِمَائكمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضلِهِ وَاللَّهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ" كما جعله يدور حول الأحكام التكليفية الخمسة ، بل إن الزواج عند بعض الفقهاء كابن حزم يعد واجبا ، وهذا الوجوب يعني انه على كل إنسان أن يتزوج بامرأة ، وعلى كل امرأة أن تتزوج برجل ، حفاظا على الكيان الأخلاقي والأسري. - الثالث : انه سهل طرق الزواج ، فالرسول (صلى الله عليه وسلم ) يقول : " إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه " ويقول أيضا " اقلهن مهرا أكثرهن بركة " وهنا يعني دعوة إلى الآباء والأولياء بالا يتغالوا في المهور ، وإلا يتعسفوا في الشروط ، وعليهم أن يعرفوا أن الخير والبركة في التوفيق ما بين الزوجين في طريق أحله الله، وليس في الأشكال والصور والاحتفالات والأجهزة وغير ذلك، بل انه جعل المؤسسة الزوجية تقوم على التراحم و التعاطف وليس على الشكل المادي أو مصادر الغنى والثراء ، ومن تم يجب على أصحاب القدرة من الأمراء و الأثرياء والعلماء والتجار ورجال الدين وغيرهم أن يكونوا مضرب الأمثال ، في أمور زواج بناتهم ومن يتولون أمرهم ، بحيث يكون ذلك مبادرة طيبة منهم ، لكي يحذو عامة الناس حذوهم، وتقليدهم ، ويتلخص المجتمع تدريجيا من التفاخر في البذخ ، وسائر العراقيل التي تصرف الشباب عن الزواج ... فعن أبي العجفاء السلمي قال : خطبنا عمر بن الخطاب رحمه الله فقال: " ألا لا تغالوا بصدق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدين أو تقوى عن الله لكان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وسلم، ما اصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية " . وقد نهانا الله سبحانه وتعالى عن التكليف عن النفس ومباهاة الآخرين و المفاخرة والرياء الاجتماعي بقوله سبحانه: " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسور" . فهذه سنة سيئة سيقع وزرها على من سنها ووزر من عمل بها ، كما جاء في الحديث النبوي الشريف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من سن سنة حسنة فله أجرها واجر من عمل بها، ومن سن سنة سيئة فله وزرها ووزر من عمل بها ". - الرابع : انه فتح أبوابا كثيرة لإعانة المسلم على الزواج ، فالدولة تعينه والأهل يعينونه والمجتمع كله يتضافر حول حماية المؤسسة الزوجية من الانهيار ، كإنشاء صناديق للزواج نساعد من خلالها غير القادرين عليه ، أو طريقة الزواج الجماعي في مهرجان كبير ، وهي مبادرة طيبة نهجها بعض الدول كقطر مثلا ، وذلك بهدف التغلب على التكاليف الباهظة للزواج ، فلابد إذن من تدخل المجتمع كله للتغلب على هذه الظاهرة ، إذا تفحصنا الآية الكريمة " وَ أَنكِحُوا الأَيَمَى مِنكمْ وَ الصلِحِينَ مِنْ عِبَادِكمْ وَ إِمَائكمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضلِهِ وَاللَّهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ" . نجد أن الخطاب موجه للأولياء من الفتيان والفتيات ولأولي الأمر في المجتمع ، فالكل مسؤول عن تزويج الايامى. كما أن الحديث الذي رواه الإمام احمد وغيره يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة حق على الله عونهم ، المجاهد في سبيل الله، والناكح الذي يريد العفاف، والمكاتب الذي يريد الأداء، " . وهو حديث مفاده أن للراغب في الزواج حق على المجتمع في مساعدته على الزواج. ونؤكد هنا مسؤولية أولي الأمر من المجتمع في توفير فرص الحياة الطيبة لرعيته، والنهوض بأعبائهم ، والسهر على حل مشكلاتهم . وقد أفتى العلماء بجواز تزويج المعسر من مال الزكاة، كما أمر عمر بن عبد العزيز بالمال – من بيت المال – لتزويج الشباب . والعمل على إزالة الفجوات وتقريب المسافات بين مختلف أفراد المجتمع، حتى لا يكون الاختلاف الطبقي مبررا لعدم الزواج من صاحب الخلق إضافة الدين. - الخامس: إباحة التعدد بضوابط تجعل منه وسيلة عملية للمسلهة في حل مشكلة العنوسة مع استقرار الحياة الزوجية . إن مسألة تعدد الزوجات ضرورة اقتضتها ضرورة الحياة، وهي ليس تشريعا انفرد به الإسلام، وإنما جاء الإسلام فوجده بلا قيود ولا حدود، وبصورة غير إنسانية فنظمه وشد به وجعله دواء وعلاجا لبعض الحالات الاضطرارية التي يعاني منها المجتمع. جاء الإسلام والرجال يتزوجون عشرة نسوة أو أكثر أو اقل بدون حد ولا قيد. يقول الله تعالى: " وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا" فهو إذا نظام قائم وموجود منذ العصور القديمة ولكنه كان فوضى فنظمه الإسلام ، وكان تابعا للهوى والاستماع باللذائذ فجعله الإسلام سبيلا للحياة الفاضلة الكريمة . والحقيقة أن إباحة تعدد الزوجات تعد مفخرة من مفاخر الإسلام ، لأنه استطاع أن يحل مشكلة عويصة من اعقد المشاكل تعانيها الأمم والمجتمعات اليوم فلا تجد لها حلا إلا بالرجوع إلى حل الإسلام و بالأخذ بنظامه . إن هناك أسبابا قاهرة تجعل التعدد ضرورة كعقم الزوجة ومرضها مرضا يمنع زوجها من التحصن والمجتمع في نظر الإسلام كالميزان يجب أن تتعادل كفتاه ومن اجل المحافظة على التوازن يجب أن يكون عدد الرجال بقدر عدد النساء فإذا زاد عدد النساء على عدد الرجال فكيف نحل هذه المشكلة ؟ ماذا نصنع حين يختل التوازن ويصبح عدد النساء أضعاف عدد الرجال ؟ أن نحرم المرأة من نعمة الزوجية ونعمة الأمومة ونتركها تسلك طريق الفاحشة والرذيلة كما حصل في أوروبا من جراء تزايد عدد النساء بعد الحرب العالمية الثانية ؟ أم نحل هذه المشكلة بطرق شريفة فاضلة نصون فيها كرامة المرأة وطهارة الأسرة وسلامة المجتمع ؟ السادس: أما ما يخص بالتعذر بالتعليم فلا شك أن الإسلام حث على تعليم المرأة و تعلمها، وقد كانت الصحابيات يأتين النبي فيستفدن من علمه لكن الإسلام يريد من المرأة أن تتعلم الأمور الأساسية من دينها كالعقيدة وأمور الصلاة و الحج و الصوم... و ما تحتاجه المرأة في بيت زوجها و تربية أبنائها و أيضا لا يمنع الإسلام المرأة أن تتعلم لتخدم بنات جنسها في الطب مثلا أو في التدريس لكن بشرط أن لا يكون هناك تعارض مع دينها أو زواجها ، ذلك أن الزواج أهم من التعليم ، و الحقيقة أن التعليم لا يتعارض مع الزواج لان المرأة العاقلة تستطيع أن تجمع بين الدراسة والزواج ، فإذا جاءها الزوج الصالح أثناء دراستها اشترطت عليه في العقد مواصلة الدراسة . وإلى من تتحكم فيه بعض العادات الشنيعة و من تلك العادات كون الخاطب من قبيلة المخطوب منه مثلا ، فنقول : أليس لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة و قدوة ، ها هو ذا يزوج زيد بن حارثة و قد كان من سبي الجاهلية ، زوجه بابن عمته زينب بنت جحش ! من هو زيد ؟ ومن هي زينب ؟ زيد مولى وزينب ابنة عمة الرسول القرشية و جمع بينهما الرسول على التقوى، إذن الميزان هو التقوى كما قال الله تعالى: " يَأَيهَا النَّاس إِنَّا خَلَقْنَكم مِّن ذَكَر وَأُنثى وَ جَعَلْنَكمْ شعُوباً وَ قَبَائلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكرَمَكمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" . أما بالنسبة للزواج بالترتيب، فيمكن علاجها بغرس مفهوم الإيمان بالقضاء والقدر في نفوس الأبناء والبنات، و غرس قضية الرضا بنصيبها في الزواج حتى تعيش في راحة نفسية. فعندما نغرس في بناتنا هذا الركن الهام ، لن تتأثر البنت الكبرى بزواج أختها الصغرى ، بل تفرح لها وتعلم أن هذا هو نصيبها وقسمتها و قضاء الله تعالى ولا اعتراض على قضائه عز وجل " اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تحْمِلُ كلُّ أُنثى وَ مَا تَغِيض الأَرْحَامُ وَ مَا تَزْدَادُ وَ كلُّ شىْء عِندَهُ بِمِقْدَار" ،كما يمكن علاج طمع الآباء برواتب بناتهم العاملات عن طريق المرأة العاقلة التي يمكن تجاوز هذه العقبة بإقناع والديها بان المال والراتب ليس كل شيء فهي وما تملك فداء له ، أو تتفق مع والديها بان تقاسمه نصف الراتب أو ثلثه مقابل زواجها من شاب مستقيم.
خاتمة:
لا شك أننا إذا تمحصنا الإحصاءات والأرقام المخيفة التي تعلنها جهات رسمية في مختلف المجتمعات والأمم، والتي تتزايد باستمرار، تؤكد على أن ظاهرة العنوسة أصبحت تفرض نفسها في الساحة مثلها مثل باقي الظواهر التي تعاني منها المجتمعات: كالبطالة، وأزمة السكن،... بل إن التطرق إلى هذا الموضوع أصبح ضرورة ملحة أكثر من أيوقت مضى أملته علينا ظروف اقتصادية واجتماعية وثقافية، وذلك قصد كشف الستار عن المعاناة الشديدة التي يعانيها أخواتنا العوانس، جراء هذه المصيبة ومحاولة التنقيب عن جذورها، وإيجاد حلول لها. وسواء أكانت العنوسة ظاهرة أم مشكلة، فإنها أصبحت تؤرق المجتمعات وتهدد استقرارها،مما أدى بالمختصين إلى دق ناقوس الخطر، نظرا للآثار السلبية الناجمة عنها، إن على مستوى الفتاة أم الأسرة أم المجتمع. وإذا أمعنا النظر في الأسباب الكامنة وراء هذه المشكلة، نجد أنه رغم تعددها وتنوعها ترجع إلى أصل واحد، إذ تشترك جميعها في البعد عن الدين وغياب الوازع الديني والأخلاقي، هذا الدين الذي جعله الله منهاجا منيرا يقوم عليه صلاح هذه الأمة. فأقول لكل أخت مسلمة تعاني مرارة هذه الآفة، أن تتسلح بالصبر، عسى الله أن يأتي بالفرج، مصداقا لقوله تعالى: " فإن مع العسير يسرا، إن مع العسر يسرا" . كما أنصح كل شاب مسلم وولي أمر بتقوى الله، والتوكل عليه والتمسك بسنة الحبيب المصطفى صلى اله عليه وسلم، وهذا هو أصل الحلول لكل مشكلة، مصداقا لقوله تعالى: " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه وإن الله بلغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا" . فلا يكون الطمع ولا العصبيات القبلية ولا تأمين المستقبل ذريعة للشباب أو الولي يتذرع بها لعزوف عن الزواج أو الوقوف سدا منيعا أمام زواج الفتاة، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول اله صلى الله عليه وسلم يقول: " لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما ترزق الطير، تغدو خصاما وتروح بطانا" . فنكون قد وضعنا حذا لشيوع الفاحشة في مجتمعنا،من تبرج للنساء وانتشار للبغاء وإقبال على أنواع من الأنكحة الفاسدة والعلاقات غير الشرعية،وميل إلى السلوكات المنحرفة، التي توشك أن تعصف بقيم مجتمعنا ومبادئ ديننا الحنيف، " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين ءامنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون" . وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله حقه وصحبه وسلم تسليماً كثيرا آمل أن أكون قد وفيت الموضوع، هذا وأسأل الله التوفيق فإن أصبت فحمداً لله، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان، وأسأل الله المغفرة.
المراجع
جريدة أخبار اليوم
التصانيف
تصنيف :الأبحاث