التاريخ العربي2
... ـ الحجرة النبوية: تقع إلى يسار المحراب، وهي مربعة الشكل كسيت جدرانها الداخلية بأنواع القاشاني الجميلة، كما شبك المغلاق الخاص بالغرفة تشبيكاً جميلاً من النحاس الأصفر تعود هذه الحجرة تاريخياً إلى العصر العثماني وهي تتساوق مع باقي نواحي القبلية روعة وفنّاً. هناك دفين في الحجرة تضاربت الآراء حوله: فهناك من يقول
(1/7824)
________________________________________
إن الدفين هو رأس النبي يحيى بن زكريا؛ وهناك من يعتقد أن الدفين هو النبي زكريا نفسه.
... ـ المقصورات: كانت توجد في قبلية الجامع الأموي بحلب ثلاث مقصورات: اثنتان منها تعودان إلى العصر المملوكي؛ وتعود الثالثة إلى العهد العثماني؛ ذكرها هرتزفيلد وعدّد أسماءها، وذكر مواقعها وهي: مقصورة الوالي ومكانها بين العضادتين الرابعة والخامسة من الصفين الأول والثاني؛ ومقصورة قرا سنقر، وتقع بين العضادتين السادسة والسابعة من الصف الأول؛ والمقصورة الثالثة هي مقصورة القاضي، وكانت تقوم على الطرف الغربي للباب الجنوبي
(1/7825)
________________________________________
في قبلية الجامع إلى جانب الدرج. من المؤسف أن تلك المقاصير لم يعد لها وجود في قبلية الجامع بعد أن أزيلت نتيجة للأعمال التي تمت بالمسجد مؤخراً.
... ـ السدّة: كانت في قبلية الجامع. ذكرها الشيخ كامل الغزي في كتاب "نهر الذهب". ويقول إنها كانت موجودة فيما بين العضادة التاسعة والعاشرة من الصف الثالث؛ وكانت مجموعة على أربعة أعمدة من الخشب على بابها كتابة تدشينية، إلا أنها أزيلت واستبدلت بالسدة الحالية. وترتفع هذه السدة فوق المدخل الأوسط للقبلية بين الدعامتين التاسعة والعاشرة من الدعامات التي التصقت
(1/7826)
________________________________________
بالجدار الشمالي للقبيلة أمام المحراب الأوسط الكبير. وفي الصف الرابع من الدعامات يؤدي درج حلزوني إلى السدة، وتبلغ أطوالها 5,75 م × 4,20 م. ويبدو أن هذه السدة تعود إلى مطلع هذا القرن بعد عام 1242 هـ/ 1923 م، أي بعد طباعة الغزي لكتابه "نهر الذهب"، خاصة الجزء الثاني.
... ـ الحجاوية: تقوم هذه الحجازية في الركن الشمالي الشرقي للجامع. ويمكن الوصول إليها من الصحن في الزاوية الشمالية الشرقية، ومن باب آخر في الباب الشمالي. ويذكر أبو ذر سبط بن العجمي في كتابه "كنوز الذهب" أنها سميت بالحجازية، لأنها كانت
(1/7827)
________________________________________
منزل أهل الحجاز. وهناك رأي آخر مفاده أن امرأة حجازية أقامتها من مالها لتكون خاصة بالنساء لأداء الصلاة.
... ـ الأروقة: للجامع ثلاثة أروقة في جهاته الشمالية والشرقية والغربية نفذت بطريقة الغمس محمولة على دعائم حجرية ضخمة وكلها تطل على الصحن. ويضم الرواق الشمالي الميضأة التي تستمد من القسطل ماءها، وفوق القسطل نص كتابي يتألف من ثلاثة أسطر تشير إلى منشئه. وكان يضم مدخل المدرسة العشائرية أو دار القرآن العشائرية التي لم يبق منها غير الباب. أما الرواق الغربي المحيط بالصحن، فيتألف من عشرة عقود: أحدهما
(1/7828)
________________________________________
هو مدخل الباب الغربي، وهو حديث البناء، بني مع الباب الشمالي استكمالاً لطرازه. ويظن أنه جاء بديلاً عن باب يعود إلى أواخر العهد العثماني نحو عام 1200 هـ/ 1882 م في عهد جميل باشا والي حلب بعد أن حصل على إذن من الأستانه بنقض الرواق القديم لتوهنه؛ وهناك صفراء عثمانية تعلو الباب من الخارج.
... يضم هذا الرواق سبيل الماء الحمري ليشرب فيه المصلون. وقد أقيم هذا السبيل بسعي مدير الأوقاف الإسلامية بحلب السيد يحيى الكيالي. في عام 1241 هـ/ 1922 م. ويتألف الرواق الشرقي من رواقين متتاليين، تضم غرفاً صغيرة
(1/7829)
________________________________________
لسدنة الجامع والمشرفين عليه؛ ويقوم على ستة عقود. وهناك عقد سابع اتخذ مدخلاً لباب الجامع الشرقي. واجهة القبلية: إلى الجنوب من صحن الجامع، تظهر القبلية بواجهتها الجميلة وبزخارفها ونقوشها وقد توزعتها أقواس متتالية مؤلفة من خمسة عشر عقداً. في وسط تلك العقود مدخل القبلية، وهو غاية في دقة الصنعة. ويقوم على جانبي المدخل عقدان قد سدّا ليكونا نافذتين تستمد القبلية نورها منهما. وتوجد كثير من النصوص الكتابية فوق ساكف المدخل نفذت بطريقة الحفر النافر.
(1/7830)
________________________________________
... يقول محمد فارس بأن المدخل الأوسط للقبلية يعود إلى الفترة المملوكية، على الرغم من وجود الكتابات العثمانية، معتمداً على أن ما جرى في العهد العثماني إنما هو ترميم لجدار القبلية وصيانة له، وليس إحداثاً جديداً كما يرد في عبارة على مخطوط أبي ذر صاحب "كنوز الذهب".
... نجد في صحن الجامع حوضاً كبيراً سداسيّ الشكل تحت الظلة التي فوقها قبة تستند إلى أعمدة رخامية. ويستخدم هذا الحوض للوضوء. وقد أقيم عام 1203هـ/ 1884 ـ 1885 م تجديداً لحوض سابق، يتوسط الحوض جرن صغير حديث الصنع انبثقت عنه نافورة. ويبدو أن
(1/7831)
________________________________________
الجرن الصغير قد ذهب عندما استبدل بالجرن الحالي. وفي الطرف الجنوبي يوجد سبيل ماء يخرج منه الماء. وشيد هذا السبيل عام 1242 هـ/ 1924 م تجديداً لسابق قديم؛ وهناك مصطبة حجرية ترتفع قليلاً عن أرضية الصحن يحيط بها حاجز حجري ويستخدمها المؤذنون والمنشدون عندما تضيق القبلية بالمصلين؛ كذلك هناك مزولة تعرف بالبسيط تقوم على عمود حجري، وفي أعلاه فوهة يثبت عليها البسيط أو المزولة. وفي الرواق الشمالي توجد مزولة شمسية، وهي على لوحة مرمرية منفذة بطريقة الحفر، وقد علقت على جدار الرواق، تحدد ساعات النهار وأوقات
(1/7832)
________________________________________
الصلاة.
... ـ مظاهر الجامع: هناك عدد من المظاهر يصل عددها إلى أربعة مظاهر، بعضها يقع في الأسواق المجاورة؛ وبعضها داخل الجامع ذهب بمضي هذه المظاهر الآن وأقيم في بعض أمكنتها مساجد صغيرة أو إضافات ضرورية للجامع.
ـ صيانة الجامع وترميمه
... إن الصيانة والترميم والزيادة كانت تحدث بالجامع الأموي الكبير باستمرار، فهو أهم معلم ديني بالمدينة خاصة وفي سوريا عامة. وقد حرص الحلفاء والسلاطين والنواب والولاة، كل في زمانه، على أن يظل هذا الجامع مسجداً جامعاً عامراً في كل العصور؛ كذلك كانت صيانة الجامع
(1/7833)
________________________________________
والعناية به تمتد إليه كلما دعت الحاجة إلى ذلك. فبعد كل حريق أو تدمير أو هجر ـ كما لاحظنا ـ كانت النفوس الحرة تسارع إلى التعاضد مع السلطة أو مع نفسها لترميم الجامع أو صيانته أو تعميره، كيف لا وهو أهم بناء أثري يزهو به المسلمون على جيرانهم البيزنطيين. فبعد حريق الجامع زمن نور الدين محمود، سارع إلى ترميم الجامع وتوسعته كما مر معنا. وكذلك بعد الحريق الذي ألحقه هولاكو وأنصاره من السيسيّين الأرمن، سارع المماليك إلى تعمير الجامع وترميمه وجعله جامعاً فخماً يتناسب وغنى الدولة المملوكية وعظمتها. ولم
(1/7834)
________________________________________
يتوان العثمانيون عن الاهتمام بالمسجد الجامع حتى آخر أيامهم، حيث ظلوا يباشرون أعمال الترميم والصيانة والقيام بالإضافات التي تتناسب مع أهمية المدينة وتطورها الاقتصادي والاجتماعي. كما لم تتقاعس دائرة الأوقاف الإسلامية، إبان الانتداب الفرنسي، عن مباشرة الإصلاحات الضرورية فيه. وإبان الحكم الوطني، قامت أعمال صيانيّة كثيرة توخت المحافظة على الجامع كي يستطيع أن يقوم بوظيفته خير قيام. آخر تلك المحاولات جرت مؤخراً عندما حاولت تقوية الجامع من الداخل رغبة في تقوية البناء وتلقيحه بالرخام. إلا أن الجهات
(1/7835)
________________________________________
الأخرى بالمدينة التي تعنى بالتراث الإسلامي، وخاصة الجامعة وكليتي الهندسة المعمارية والمدنية ومديرية الآثار والمتاحف ونقابة المهندسين وجمعية العاديات تدخلت، محاولة تصحيح العمل وتنهيج مساره ضماناً للمحافظة على تراث الجامع الإسلامي المعماري وتقويته. وهذا ما رحبت به مديرية الأوقاف الإسلامية. ورغبة في تنسيق الجهود وتأطيرها، قام السيد محافظ حلب بإصدار عدة قرارات بتأليف لجان فنية وإدارية لدراسة وضع الجامع بشكل شامل، فقامت لجان بدراسة البنية التحتية تتعلق بمجاري المياه المالحة وتمديدات مياه الشرب وأثر
(1/7836)
________________________________________
دخلة العبارات الموجودة تحت أقبية الجامع، كما درست اللجان الفنية الأخرى أهمية الجامع التاريخية والأثرية والمعمارية والتراثية ووضعت تقارير الجدوى والتكلفة، توطئةً للقيام بعمل فني متقن ومفيد. وقد قام السيد المحافظ بعقد عدة اجتماعات لتلك اللجان ووقف على سير أعمالها والنتائج التي آلت إليها تلك الأعمال لمتابعة تنفيذها. كذلك استقدمت مديرية الأوقاف بالاتفاق مع السيد المحافظ أحد الخبراء الدوليين في ترميم المباني التاريخية من جمهورية مصر العربية الذي اطلع على بناء الجامع التاريخي وشخص أسباب التآكل فيه
(1/7837)
________________________________________
وقدم الاقتراحات اللازمة، كما قام خبراء جامعة حلب بالتعاون مع أحد الخبراء الفرنسيين بتقديم مشورتهم حول الميل الحاصل في مئذنة الجامع (40 ـ 50 م)؛ وكذلك شخصت الأمراض التي لحقت بحجارة بناء الجامع ونسبة الرطوبة والميل الحاصل في بعض جدرانه وصنعت التقارير مشخصة الداء ومقترحة الدواء.
... من المتوقع أن يباشر المعنيون بترميم الجامع وصيانته الأعمال التنفيذية في وقت قصير، حالما تكتمل هيكلة الجهاز الفني والإداري الذي سيشرف على المشروع وتتوافر الاعتمادات المالية اللازمة.
(1/7838)
________________________________________
... وهكذا، فإن هذه الآبدة الخالدة خلود مدينة حلب، والتي تتمثل فيها عمارة وفنون كل العصور التي مرت عليها منذ العهد السلجوقي حتى وقتنا الحاضر، وربما قبل ذلك. فلكل عصر من العصور التي مرت منذ ذلك الزمن شاهد معماري أو فني يتمثل في إضافة أو ترميم أو صيانة أو نص كتابي ـ تلك الشواهد الهامة مجتمعة مع الأهمية التاريخية للجامع والمتمثلة في الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية شكلت أهمية هذا الجامع وأمدته بعناصر استمرار الحياة وأكسبته تقدير واحترام الأجيال المتعاقبة جيلاً بعد جيل، ومنها جيلنا الحالي
(1/7839)
________________________________________
وبكل تأكيد الأجيال المقبلة بإذن الله.
المصادر والمراجع
... ابن جبير، الرحلة، دار صادر ودار بيروت، 1384 هـ/ 1964 م.
... ابن شداد، الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة، تحقيق دومنيك سورويل، المعهد الفرنسي للدراسات العربية، دمشق، 1952. القسم الأول، الجزء الأول.
... ابن الشحنة، الدر المنتخب في تاريخ مملكة حلب، تحقيق يوسف بن الباب سركيس، بيروت، 1909.
... ابن العديم، زبدة الحلب من تاريخ حلب، تحقيق الدكتور سامي الدهان، المعهد الإفرنسي، دمشق، 1951.
(1/7840)
________________________________________
... أبو ذر سبط بن العجمي، كنوز الذهب في تاريخ حلب، مجلدان، تحقيق الدكتور شوقي شعث والمهندس فالح بكور، نشر دار العلم العربي، حلب، 1998.
... الريحاوي، عبد القادر، العمارة العربية الإسلامية خصائصها وآثارها في سورية، وزارة الثقافة، دمشق 1989.
... شعث، شوقي، حلب تاريخها ومعالمها التاريخية، جامعة حلب، ط. 1، 1971؛ وط . 2، 1991.
... طلمس، أسعد، الآثار الإسلامية والتاريخية في حلب، منشورات مديرية الآثار العامة، مطبعة الشرقي، 1956.
(1/7841)
________________________________________
... الطباخ، محمد راغب، إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء، ط. 1، المطبعة العلمية، 1929؛ وط 2، دار العلم العربي بحلب في ثمانية مجلدات.
... الغزي، الشيخ كامل، نهر الذهب في تاريخ حلب، مجلدان، طبع ونشر دار العلم العربي؛ وطبع للمرة الأولى في المطبعة المارونية بحلب عام 1342 هـ.
Herzfeld, E. Inscriptions et monuments d’Alep.
Sauvager, J., Alep, Text et albut, Paris, 1948.
(1/7842)
________________________________________
تطور المذهب الحنفي بالقيروان خلال القرون الوسطى
الأستاذ نجم الدين الهنتاتي
المعهد الأعلى للحضارة الإسلامية جامعة الزيتونة - تونس
تقديم
... بالرغم من أن المذهب الحنفي بالقيروان لم يكن محل دراسة علمية مستقلة، فقد كان تاريخه محل اختلاف بين الباحثين. اختلفوا في أول من أدخله إلى إفريقية، وبالتالي في تاريخ دخوله إليها؛ اختلفوا في مدى سيطرته عليها؛ اختلفوا كذلك في أسباب تراجعه وبالتالي تلاشيه أمام توسع انتشار المذهب المالكي.
(1/7843)
________________________________________
... يعود هذا الاختلاف أساسا إلى نوعية المصادر التي اعتمد عليها هؤلاء الباحثون، نعني أساسا كتب طبقات علماء المالكية. فهي تتناول المذهب الحنفي بصفة عرضية، ومن زاوية تريد من خلالها تمجيد المذهب المالكي، وبالتالي استنقاص الحنفية بصفتهم منافسين للمالكية. فالحنفية، كما تصورهم تلك الكتب، يمثلون الأرستقراطية المتعاملة مع السلطان، سواء كان ذلك في العهد الأغلبي أو في العهد الفاطمي، وبالتالي هم صنائعه، تبنوا دون صعوبة تعاليم المذاهب "المبتدعة" سواء معتزلية كانت أو شيعية. هم أيضا قليلو العلم. كل هذا طبعا
(1/7844)
________________________________________
بخلاف المالكية.
... ما مدى صحة هذه التهم؟ هل عرف انتشار المذهب الحنفي بالقيروان توسعا؟ وإن كان هذا، ما حدوده الزمنية؟ ثم ما أسباب انتشاره بها وفي الأخير بماذا نفسر تراجعه أمام المذهب المالكي؟
I – دخول المذهب الحنفي إلى القيروان وسيطرته بها إلى منتصف القرن 3هـ/9م.
... دخول المذهب الحنفي إلى إفريقية
... تنسب بعض المصادر إدخال المذهب الحنفي إلى إفريقية إلى أسد بن الفرات (ت213هـ/828م)(1)
__________
(1) المقدسي، "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم"، تحقيق دي خويه، ليدن، مطبعة بريل، 1906، ط2، ص.237؛ على أن المصادر تخلفط أحيانا بين عبارتي القيروان وإفريقية.
(1/7845)
________________________________________
. وقد سلم بعض الباحثين بذلك مثل أحمد بكير والحبيب الجنحاني(1)، بالرغم من وجود من سبق أسد في هذا الشأن. أما فندرهايدن، فقد انفرد بإرجاع ذلك إلى أحد المشارقة وهو عبد الله بن المغيرة الكوفي(2)، الذي قدم إلى إفريقية في تاريخ مجهول. في حين أن جل
__________
(1) A. Békir, Histoire de l'école malikite en Orient…, Tunis, 1962, p.31؛ الحبيب الجنحاني، "القيروان عبر عصور ازدهار الحضارة الإسلامية…"، تونس، 1968، صص.158-159.
(2) M. Vonderheyden, La Berbérie orientale sous les Banu'l Arlab 800-909, Paris, 1927, p.140.
(1/7846)
________________________________________
المصادر تنسب ذلك إلى عالمين إفريقيين هما عبد الله بن فروخ الفارسي (ت حوالي 185هـ/801م) تلميذ أبي حنيفة (ت150هـ/767م)، وعبد الله بن غانم (ت190هـ/805م)؛ وهو الرأي الأصوب. وقد قدمه كل من حسن حسني عبد الوهاب وهند شلبي(1).
... أما القاضي عياض، فقد أكد أن المذهب الحنفي غلب على إفريقية إلى أن دخل إليها علي بن زياد (ت183هـ/799م) وابن أشرس والبهلول بن راشد بمذهب
__________
(1) حسن حسني عبد الوهاب، "الإمام المازري"، تونس، د.ت.، صص.22-23؛ هند شلبي، "القراءات بإفريقية"، ليبيا-تونس، الدار العربية للكتاب، 1983، ص.213.
(1/7847)
________________________________________
مالك بن أنس (ت179هـ/795م) (1). وهذا يعني أن المذهب الحنفي سيطر بإفريقية، ولا سيما القيروان في فترة ما، ثم تراجع ذلك المذهب حوالي سنة 150هـ/767م تاريخ دخول ابن زياد بـ"موطإ" مالك إلى إفريقية. ولئن صح هذا الخبر في جزئه الأول، فهو قابل للنقاش في جزئه الثاني.
... فمن المعروف أن ابن زياد استقر بمدينة تونس، وهناك أخذ في التعريف بفقه مالك، مما جعل أهل هذه المدينة يبادرون بصفة مبكرة بتقديم تعاليم مالك(2)
__________
(1) القاضي عياض، "ترتيب المدارك…"، تحقيق أحمد بكير، بيروت، طرابلس، 1387هـ/1967م، ج1، ص.54.
(2) اظر مقالنا "تاريخ المذهب المالكي بمدينة تونس في القرون الوسطى". ورد هذا تحت مادة "مذهب" في "موسوعة مدينة تونس" التي نسبها توفيق البشروش إلى نفسه وأصدرتها المطبعة الرسمية بتونس سنة 1999.
(1/7848)
________________________________________
. أما القيروان فيبدو أن أهلها آنذاك ظلوا يعيشون نوعا من التشتت المذهبي.
... فالعالمان المشهوران بها آنذاك هما عبد الله بن فروخ وعبد الله بن غانم. كلاهما أخذ العلم عن أئمة المذهب الحنفي بالكوفة، كما سمعا من مالك بن أنس. وعندما اجتمع حولهما الطلبة بالقيروان، درسا المذهبين الحنفي والمالكي؛ وعندما أفتيا، كانت فتاويهما على هذين المذهبين. وهذا يعني أن القيروان مرت آنذاك بمرحلة من التعايش المذهبي: تعايش بين المذهب الحنفي والمذهب المالكي.
(1/7849)
________________________________________
... إلا أنه يبدو أن المذهب الحنفي بالقيروان، دخل منعرجا جديدا على أثر وفاة هذين العالمين. وقد كان لأسد بن الفرات دور حاسم في هذا التحول.
سيطرة المذهب الحنفي بالقيروان إلى منتصف القرن 3هـ/9م: الأسباب والمظاهر:
... بعد اتصال أسد بمالك في المدينة، تفرغ للسماع من محمد بن الحسن الشيباني (ت189هـ/804م) بالكوفة، ثم ساءل عبد الرحمان بن القاسم بالفسطاط حول مسائل "المدونة" التي أصبحت تعرف فيما بعد بـ"الأسدية". وبهذه الموسوعة الفقهية عاد إلى القيروان سنة 181هـ/797م، فنال بفضلها هناك شهرة واسعة. وبسبب خلافه
(1/7850)
________________________________________
مع سحنون بن سعيد (ت240هـ/854م) وابن القاسم حول تلك الموسوعة، انتهى بالتحيز للمذهب الحنفي بصفة نهائية.
... ساهمت هذه المعطيات في ارتقائه إلى وظيفة القضاء بالقيروان سنة 203هـ/818م، فتوافرت الحظوظ لمزيد انتشار المذهب الحنفي. فقد نسب المقدسي فشو ذلك المذهب بالمغرب إلى أسد(1). أما المقريزي، فقد ربط بين ولاية أسد القضاء وتغليب المذهب الحنفي بإفريقية(2). وهذا يعني أن ذلك المذهب بدأ في السيطرة هناك منذ أوائل القرن
__________
(1) المقدسي، المصدر نفسه، ص.237.
(2) المقريزي، "الخط"، مصر، 24-1325هـ/1907م، ج4، ص.144.
(1/7851)
________________________________________
3هـ/9م. وإذا علمنا من جهة أخرى أنه كانت لأسد مساهمة حيوية في تدوين المذهب الحنفي، وفي إدخال كتب الشيباني إلى القيروان، يمكن أن نفهم مدى خطورة الدور الذي لعبه أسد في تاريخ المذهب الحنفي بالقيروان.
... فقد ذكر القاضي عياض أن ابن فروخ أدخل إلى إفريقية حوالي 10.000 مسألة غير مدونة عن أبي حنيفة، وأتى أسد ليدون جزءا منها في "مدونتـ"ـه.
... ساعدت عوامل أخرى على انتشار المذهب الحنفي بالقيروان، نذكر منها تقديم الأغالبة لذلك المذهب منذ عهد زيادة الله الأول (201-223هـ/817-838م)، مقلدين في ذلك أسيادهم
(1/7852)
________________________________________
العباسيين. فقد ميز العباسيون هذا المذهب منذ ولاية أبي يوسف القضاء ببغداد بعد سنة 170هـ/786م. وكان أبو يوسف "لا يولي قضاء البلاد من أقصى المشرق إلى أقصى أعمال إفريقية إلا أصحابه المتهيئين إلى مذهبه"(1). وقد عين عبد الله بن غانم قاضيا على القيروان سنة 171هـ/787م بإشارة من أبي يوسف، مما ساهم في نشر المذهب الحنفي بإفريقية، بالرغم من أن ابن غانم يدخل في إطار مرحلة التعايش بين المذهبين الحنفي والمالكي.
(2)
__________
(1) السيوطي، "تزيين الممالك…"، المطبعة الخيرية، 1325هـ/1097م، ط1، ص.56.
(1/7853)
________________________________________
المصادر والمراجع
أبو تمام وأبو الطيب في أدب المغاربة، تأليف د.محمد ابن شريفة، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1986م.
الإحاطة في اخبار غرناطة (مج 1)، لابن الخطيب، حقق نصه ووضع مقدمته وحواشيه محمد بن عبد الله عنان، ط2، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1393هـ-1973م.
الإحاطة في اخبار غرناطة (مج 2،3،4)، لابن الخطيب، تحقق محمد بن عبد الله عنان، ط1، الشركة المصرية للطباعة والنشر، 1394، 1396، 1397هـ/1974، 1975، 1977م.
(1/7854)
________________________________________
إحكام صنعة الكلام، لأبي القاسم محمد بن عبد الغفور الكلاعي الإشبيلي الأندلسي، تحقيق محمد رضوان الداية، دار الثقافة، بيروت، 1966م.
إحكام الفصول في أحكام الأصول، لأبي الوليد الباجي، حققه وقدم له ووضع فهارسه عبد المجيد تركي، ط1، دار الغرب الإسلامس، بيروت، 1407هـ/1986م.
أحكام القرآن، لأبي بكر ابن العربي، تحقيق علي محمد البجاوي، ط3، دار المعرفة، بيروت، 1392هـ/1972م.
أخبار المهدي بن تومرت وبداية دولة الموحدين، تأليف أبي بكر بن علي الصنهاجي المكنى بالبيدق، حققه عبد الوهاب بن منصور، دار المنصور للطباعة
(1/7855)
________________________________________
والوراقة، الرباط، 1971م.
اختصار الأخبار عما كان بثغر سبتة من سني الآثار، تأليف محمد بن القاسم الأنصاري السبتي، تحقيق عبد الوهاب بن منصور، ط2، الرباط، 1403هـ/1983م.
ارتشاف الضرب من لسان العرب، لأبي حيان، تحقيق وتعليق د.مصطفى أحمد النماس، ط1، 1404هـ/1984م.
أزهار الرياض في أخبار عياض، لشهاب الدين أحمد بن محمد المقري التلمساني حقق الأجزاء الثلاثة مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ شلبي، وحقق الجزء الرابع سعيد أعراب ومحمد بن تاويت، والجزء الخامس د.اعبد السلام الهراس وسعيد أعراب، مطبعة فضالة،
(1/7856)
________________________________________
1399هـ/1978م.
الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر، تحقيق علي محمد البجاوي، دار نهضة مصر، القاهرة، د.ت.
الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام، تأليف العباس ابن إيراهيم السملالي، راجعه عبد الوهاب بن منصور، ط2، المطبعة الملكية، الرباط، 1413هـ/1993م.
إفادة النصيح بالتعريف بسند الجامع الصحيح، لابن رشد السبتي الفهري الأندلسي، تحقيق د.محمد الحبيب ابن الخوجة، د.ت.
الاقتضاب في شرح أدب الكتاب، لأبي محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي، تحقيق الأستاذ مصطفى السقا
(1/7857)
________________________________________
ود.حامد عبد المجيد، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة، 1981.
الاكتفاء في مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء، لأبي الربيع سليمان بن موسى الكلاعي الأندلسي، تحقيق مصطفى عبد الواحد، ط1، مكتبة الخانجي، القاهرة، ومكتبة الهلال، بيروت، 1387هـ/1968م.
الإكسير في فكاك الأسير، لمحمد بن عثمان المكناسي، حققه وعلق عليه الأستاذ محمد الفاسي، مطبعة أكدال، الرباط، 1965.
الإلماع إلى معرفة أحوال الرواية وتقييد السماع، للقاضي عياض، تحقيق السيد أحمد صقر، ط2، دار التراث بالقاهرة والمكتبة العتيقة بتونس، د.ت.
(1/7858)
________________________________________
الإملاء المختصر في شرح غريب السير، لأبي ذر مصعب بن أبي بكر محمد بن مسعود الخشني، تحقيق ودراسة د.عبد الكريم خليفة، ط1، دار البشير، عمان، 1412هـ/1991م.
انتصار الفقير السالك لترجيح مذهب الإمام مالك، لشمس الدين محمد بن محمد الراعي الأندلسي، تحقيق محمد أبو الأجفان، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1981م.
أنس الساري والسارب من أقطار المغارب إلى منتهى الآمال والمآرب سيد الأعاجم والأعارب، لأبي محمد بن أحمد القيسي السراج، حققه وقدم له وعلق عليه محمد الفاسي، فاس، 1388هـ/1968م.
(1/7859)
________________________________________
أنس الفقير وعز الحقير، لابن قنفذ القسنطيني، اعتنى بنشره وتصحيحه محمد الفاسي وأدولف فور، منشورات المركز الجامعي للبحث العلمي، 1965.
أوصاف الناس في التواريخ والصلات، لابن الخطيب، تحقيق ودراسة د.كمال شبانة، صندوق إحياء التراث الإسلامي، مطبعة فضالة، 1977م.
إيضاح شواهد الإيضاح، لأبي علي الحسن بن عبد الله القيسي، دراسة وتحقيق د.محمد بن محمود الدعجاني، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1408هـ/1987م.
البحث الأدبي، للدكتور شوقي ضيف، ط4، دار المعارف، 1979م.
(1/7860)
________________________________________
بدائع السلك في طبائع الملك، لأبي عبد الله محمد بن الأزرق الأندلسي:
أ-تحقيق وتعليق د.علي سامي النشار، 1975م-1976م.
ب- دراسة وتحقيق د.محمد بن عبد الكريم، الدار العربية للكتاب، ليبيا-تونس، 1976م.
برنامج الوادي آشي، محمد بن جابر، تحقيق محمد محفوظ، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1400هـ/1980م.
البسيط في شرح جمل الزجاجي، لابن أبي الربيع عبيد الله بن أحمد بن عبيد الله القرشي الإشبيلي السبتي. تحقيق ودراسة د.عياد بن عيد الثبيتي، ط1، دا الغرب الإسلامي، 1407هـ/1986م.
(1/7861)
________________________________________
بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد، للقاضي عياض، تحقيق صلاح الدين بن أحمد الإدلبي وصاحبيه، ط2، مطبعة فضالة، المحمدية، 1982م.
بغية الرواد في ذكر الملوك من بني عبد الواد، تأليف أبي زكريا يحيى ابن خلدون، المكتبة الوطنية، الجزائر، 1400هـ/1980م.
بقي بن مخلد القرطبي ومقدمة مسنده (عدد ما لكل واحد من الصحابة من الحديث)، دراسة وتحقيق د.أكرم ضياء العمري، ط1، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1404هـ/1984م.
بلغة الأمنية ومقصد اللبيب فيمن كان بسبتة في الدولة المرينية من مدرس وأستاذ وطبيب، لمؤلف مجهول، تحقيق
(1/7862)
________________________________________
عبد الوهاب بن منصور، المطبعة الملكية، الرباط، 1404هـ/1984م.
بهجة المجالس وأنس المجالس وشحذ الذاهن والهاجس، وتأليف أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي، تحقيق محمد مرسي الخولي، ومراجعة د.عبد القادر القط، الدار المصرية للتأليف والترجمة، دار الجيل للطباعة، القاهرة، 1967م.
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل في مسائل المستخرجة، لأبي الوليد ابن رشد القرطبي، تحقيق د.محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، 1404هـ/1984م.
(1/7863)
________________________________________
تاج المفرق في تحلية علماء المشرق، تأليف خالد بن عيسى البلوي الأندلسي، نشر وتحقيق الحسن السائح، 1964م.
تاريخ افتتاح الأندلي، لابن القوطية القرطبي:
أ - حققه وشرحه وعلق عليه وقابله عى مخطوطتي باريس ومدريد وقدم له عبد الله أنيس الطباع، دار النشر للجامعيين، بيروت، 1958م.
ب - حققه وقدم له ووضع فهارسه إبراهيم الأبياري، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1400هـ/1980م.
تاريخ الضعيف الرباطي، لمحمد بن عبد السلام بن أحمد بن محمد الرباطي:
(1/7864)
________________________________________
أ - تحقيق وتعليق وتقديم الأستاذ أحمد العماري، ط1، دار المأثورات، 1406هـ/1986م.
ب - دراسة وتحقيق، الأستاذ محمد البوزيدي الشيخي، ط1، دار الثقافة، الدار البيضاء، 1408هـ/1988م.
تحرير الكلام في مسائل الالتزام، للإمام أبي عبد الله محمد بن محمد الحطاب، تحقيق عبد السلام محمد الشريف، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1404هـ/1984م.
تحفة الألباب ونخبة الإعجاب، لأبي حامد الأندلسي الغرناطي، تحقيق إسماعيل العربي، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1989م.
(1/7865)
________________________________________
تحقيق النصوص ونشرها، تأليف عبد السلام هارون، ط5، مكتبة السنة، 1410هـ.
تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحرف والصنائع والمعاملات الشرعية، لعلي بن محمد ابن مسعود الخزاعي، تحقيق د.إحسان عباس، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1405هـ/1985م.
ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، للقاضي عياض:
أ - عارضه بأصوله وعلق حواشيه وقدم له محمد بن تاويت الطنجي، الرباط، 1965م.
(1/7866)
________________________________________
ب - تحقيق د.أحمد بكير محمود، دار مكتبة الحياة، بيروت، ودار مكتبة الفكر، طرابلس، ليبيا، 1387هـ/1967م.
تلخيص كتاب أرسطو طاليس في الشعر، لابن رشد:
أ - تحقيق وتعليق د.محمد سليم سالم، القاهرة، 1361هـ/1971م.
ب - تحقيق د.تشارلس بترورث ود.أحمد عبد المجيد هريدي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1986م.
تلخيص منطق أرسطو، لابن رشد، تحقيق جيرار جهامي، المكتبة الشرقية، بيروت، 1982م.
التمهيد لما في الموطإ من المعاني والأسانيد، لابن عبد البر النمري الأندلسي، حققه وعلق حواشيه وصححه مصطفى بن أحمد العلوي ومحمد عبد
(1/7867)
________________________________________
الكبير البكري، ط2، 1402هـ/1982م.
التنبيهات على ما في التبيان من التمويهات، لأبي المطرف أحمد ابن عميرة، تقديم وتحقيق محمد ابن شريفة، ط1، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، 1412هـ/1991م.
ثبت أبي جعفر أحمد بن علي البلوي الوادي آشي، دراسة وتحقيق د.عبد الله العمراني، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1403هـ/1983م.
جنى زهرة الآس في بناء مدينة فاس، لعلي الجزنائي، تحقيق عبد الوهاب ابن منصور، ط2، المطبعة الملكية، الرباط، 1411هـ/1991م.
(1/7868)
________________________________________
حديقة الأزهار في ماهية العشب والعقار، للوزير أبي القاسم بن محمد بن إبراهيم الغساني، حققه وعلق حواشيه ووضع فهارسه محمد العربي الخطابي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1405هـ/1985م.
الحلل السندسية في الأخبار التونسية، لمحمد بن محمد الأندلسي الوزير السراج، بتحقيق محمد الحبيب الهيلة، دار الكتب الشرقية، 1973، ودار الغرب الإسلامي، 1984م.
درة الحجال في أسماء الرجال، لأبي العباس أحمد بن محمد المكناسي (ابن القاضي)، تحقيق محمد الأحمدي أبو النور، دار التراث، القاهرة، والمكتبة العتيقة، تونس، 1390هـ/1970م.
(1/7869)
________________________________________
درة الغواص في محاضرة الخواص، لبرهان الدين ابراهيم بن فرحون المالكي، تقديم وتحقيق وتعليق محمد أبو الأجفان وعثمان بطيخ، دار التراث بالقاهرة والمكتبة العتيقة بتونس، 1979م.
درر السمط في خبر السبط، لابن الأبار الأندلسي:
أ - تحقيق وتقديم د.عبد السلام الهراس وسعيد أعراب، تطوان، 1972م.
ب - تحقيق عز الدين عمر موسى، دار الغرب الإسلامي، 1407هـ/1987م.
ديوان أبي إسحاق الألبيري الأندلسي، حققه وقدم له د.محمد رضوان الداية، ط1، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1396هـ/1976م.
(1/7870)
________________________________________
ديوان الأمى التطيلي، تحقيق د.إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت، 1963م.
ديوان الأمير أبي الربيع سليمان بن عبد الله الموحد، تحقيق محمد بن تاويت الطنجي ومحمد بن العباس القباج، وسعيد أعراب، ومحمد بن تاويت التطواني، المركز الجامعي للبحث العلمي، د.ت.
ديوان حازم القرطاجني، تحقيق عثمان الكعاك، دار الثقافة، بيروت، د.ت.
ديوان ابن حمديس، صححه وقدم له د.إحسان عباس، دار صادر ودار بيروت، بيروت، 1379هـ/1960م.
ديوان ابن خاتمة الأنصاري، حققه وقدم له د.محمد رضوان الداية، 1399هـ/1978م.
(1/7871)
________________________________________
ديوان ابن خفاجة، تحقيق د.سيد غازي، ط2، منشأة المعارف، الإسكندرية، د.ت.
ديوان ابن دراج القسطلي، حققه وعلق له د.محمود علي مكي، ط2، المكتب الإسلامي، 1389هـ.
ديوان الرصافي البلنسي، لأبي عبد الله محمد بن غالب، جمعه وقدم له د.إحسان عباس، ط2، دار الشروق، بيروت والقاهرة، 1403هـ/1983م.
ديوان ابن الزقاق البلنسي، تحقيق عفيفة محمود ديراني، دار الثقافة، بيروت، 1964م.
ديوان ابن زيدون ورسائله، شرح وتحقيق علي عبد العظيم، دار نهضة مصر، القاهرة، 1374هـ/1955م.
(1/7872)
________________________________________
ديوان ابن شهيد الأندلسي، جمعه وحققه يعقوب زكي وراجعه د.محمود علي مكي، دار الكاتب العربي، القاهرة، د.ت.
ديوان ابن عبد ربه، جمعه وحققه وشرحه د.محمد رضوان الداية، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1979م.
ديوان ابن فركون، تقديم وتعليق محمد بن شريفة، ط1، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، 1407هـ/1987م.
ديوان لسان الدين بن الخطيب السلماني، صنعه وحققه وقدم له د.محمد مفتاح، دار الثقافة، الدار البيضاء، 1988م.
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، لان بسام الشنترني، تحقيق د.إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت، 1979م.
(1/7873)
________________________________________
الرحلة الحجازية، لمحمد السنوسي، تحقيق علي الشنوفي، الشركة التونسية للتوزيع، 1396هـ/1976م.
الرحلة الحجازية، للفقيه الحافظ محمد بن محمد المختار الولاتي، تخريج وتعليق د.محمد حجي، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1990م.
رحلة العبدري (الرحلة المغربية)، لأبي عبد الله محمد بن محمد العبدري الحيحي، حققه وقدم له وعلق عليه محمد الفاسي، الرباط، 1968م.
رحلة القلصادي، لأبي حسن علي القلصادي الأندلسي، دراسة وتحقيق محمد أبو الأجفان، الشركة التونسية للتوزيع، 1978م.
(1/7874)
________________________________________
رسائل أبي علي اليوسي، جمع وتحقيق ودراسة فاطمة خليل القبلي، ط1، دار الثقافة، البيضاء، 1401هـ/1981م.
الرسالة الفقهية، للشيخ أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني، إعداد د.الهادي حمو ود.محمد أبو الأجفان، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1986م.
روضة التعريف بالحب الشريف، لابن الخطيب، عارضه بأصوله وعلق حواشيه وقدم له محمد الكتاني، ط1، دار الثقافة، البيضاء، 1970م.
روضة النسرين في دولة بني مرين، لاسماعيل ابن الأحمر، بتحقيق عبد الوهاب ابن منصور، ط2، المطبعة الملكية، الرباط، 1411هـ/1991م.
(1/7875)
________________________________________
الروض المريع في صناعة البديع، لابن البناء المراكشي، تحقيق رضوان بنشقرون، ط1، دار النشر المغربية، البيضاء، 1985م.
ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب، لابن الخطيب، حققه ووضع مقدمته وشواهده محمد عبد الله عنان، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1980م.
زهرة الأكم في الأمثال والجكم، للحسن اليوسي، حققه د.محمد حجي ود. محمد الأخضر، ط1، دار الثقافة، البيضاء، 1401هـ/1981م.
شرح عيون كتاب سيبويه، لأبي نصر هارون بن موسى القيسي المجريطي القرطبي، دراسة وتحقيق د.عبد ربه اللطيف عبد ربه، ط1، مطبعة حسان، القاهرة، 1404هـ/1984م.
(1/7876)
________________________________________
شرح المشكل من شعر المتنبي، لعلي بن إسماعيل بن سيده، تحقيق الأستاذ مصطفى السقا ود. حامد عبد المجيد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1976م.
شرف الطالب في أسنى المطالب، لأحمد ابن قنفذ، تحقيق محمد حجي (ضمن كتاب "ألف سنة من الوفيات")، الرباط، 1396هـ/1976م.
شفاء السائل لتهذيب المسائل، أبي زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، نشره وعلق عليه الأب أغناطيوس عبده خليفة اليسوعي، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، 1959م.
(1/7877)
________________________________________
الشهب اللامعة في السياسة النافعة، لأبي القاسم ابن رضوان المالقي، تحقيق د.علي سامي النشار، ط1، دار الثقافة، بيروت، 1404هـ/1984م.
صلة الخلف بموصول السلف، لمحمد بن سليمان الروداني، تحقيق د.محمد حجي، ط1، دار الغرب الإسلامي، 1408هـ/1988م.
ضرائر الشعر، لابن عصفور الإشبيلي، 1980م.
طبقات الأطباء والحكماء، لأبي داود سليمان بن حسان الأندلسي (ابن جلجل)، تحقيق فؤاد سيد، ط.2، مؤسسة الرسالة، 1405هـ/1985م.
طبقات الأمم، لصاعد الأندلسي، تحقيق حياة بوعلوان، ط1، دار الطليعة، بيروت، 1985م.
(1/7878)
________________________________________
طوق الحمامة في الألفة والألاف، لابن حزم الأندلسي:
أ - ضبط نصه وحرر هوامشه د.الطاهر أحمد مكي، دار المعارف، 1975م.
ب - حققه وقدم له صلاح الدين القاسمي، ط3، الدار التونسية للنشر، 1988م.
عمدة الطبيب في معرفة النبات، لأبي الخير الإشبيلي، قدم له وحققه وأعاد ترتيبه محمد العربي الخطابي، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، 1990م.
العمدة في غريب القرآن، لأبي مكي بن أبي طالب القيسي، حققه وعلق عليه وخرج نصه د.يوسف عبد الرحمان المرعشلي، ط2، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1404هـ/1984م.
(1/7879)
________________________________________
العمدة في محاسن الشعر وآدابه، لابن رشيق القيراواني، تحقيق محمد قرقزان، ط1، دار المعرفة، بيروت، 1408هـ/1977م.
الغصون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة، لابن سعيد الأندلسي، تحقيق إبراهيم الإبياري، ط3، دار المعارف، 1977م.
الغنية: فهرست شيوخ القاضي عياض، تحقيق ماهر زهير جرار، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1402هـ/1982م.
فتاوى ابن رشد، لأبي الوليد ابن رشد القرطبي، تقديم وتحقيق وجمع وتعليق د.المختار بن الطاهر التليلي، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1407هـ/1987م.
(1/7880)
________________________________________
فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور، لأبي عبد الله البرتلي الولاتي، تحقيق محمد إبراهيم الكتاني ومحمد حجي، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1401هـ/1981م.
فضالة الخوان في طيبات الطعام والألوان، لابن رزين التجيبي، حققه وقدم له محمد بن شقرون، وأشرف على إعداده د.إحسان عباس، ط2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1984م.
فيض العباب وإفاضة قداح الآداب في الحركة السعيدة إلى قسنطينة والزاب، لابن الحاج النميري، دراسة وإعداد د.محمد ابن شقرون، 1984م.
(1/7881)
________________________________________
قصائد ومقطعات، صنعة أبي الحسن حازم القرطاجني، تقديم وتحقيق د.محمد الحبيب ابن الخوجة، الدار التونسية للنشر، د.ت.
كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار، لكاتب مراكشي من كتاب القرن السادس الهجري، نشر وتعليق د. سعد زغلول عبد الحميد، دار النشر المغربية، البيضاء، 1985م.
كتاب التقاط الدرر ومستفاد المواعظ والعبر من أخبار وأعيان المائة الحادية والثانية عشر، لمحمد بن الطيب القادري، دراسة وتحقيق هاشم العلوي القاسمي، ط1، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1401هـ/1981م.
(1/7882)
________________________________________
كتاب بسط الأرض في الطول والعرض، لابن سعيد المغربي، تحقيق د.خوان قرنيط خينيس، تطوان، معهد مولاي الحسن، 1958م.
كتاب التشبيهات من أشعار أهل الأندلس، لأبي عبد الله محمد بن الكتاني الطيب، تحقيق د.إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت، 1966م.
كتاب الجامع، لأبي عبد الله بن أبي زيد القيرواني، صححه وقدم له وعلق عليه محمد أبو الأجفان وعثمان بطيخ، مؤسسة الرسالة، بيروت، والمكتبة العتيقة، تونس، 1982م.
كتاب جامع العبارات في تحقيق الاستعارات، لأحمد مصطفى الطرودي التونسي، دراسة وتحقيق د.محمد رمضان الجربي، ط1، الدار
(1/7883)
________________________________________
الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان، مصراتة، 1986م.
كتاب الحدود في الأصول، لأبي الوليد الباجي الأندلسي، تحقيق نزيه حماد، ط1، مؤسسة الزعبي للطباعة والنشر، بيروت وحمص، 1392هـ/1973م.
كتاب الحلة السيراء، لابن الأبار، حققه وعلق جوانبه د.حسين مؤنس، الشركة للطباعة، القاهرة، د.ت.
كتاب الحلل الموشية في ذكر الأخبار المراكشية، لمؤلف أندلسي من أهل القرن الثامن الهجري، حققه د.سهيل زكار والأستاذ عبد القادر زمامة، ط1، دار الرشاد الحديثة، البيضاء، 1399هـ/1979م.
(1/7884)
________________________________________
كتاب الخيل مطلع اليمن والإقبال في انتقاء كتاب الاحتفال، لعبد الله بن محمد بن جزي الكلبي الغرناطي، حققه وقدم له محمد العربي الخطابي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1406هـ/1986م.
كتاب الرد على النحاة، لابن مضاء القرطبي، تحقيق د.شوقي ضيف، ط2، دار المعارف، القاهرة، 1982م.
كتاب الروض المعطار في خبر الأقطار، لمحمد بن عبد المنعم الحميري، حققه د.إحسان عباس، ط2، مؤسسة ناصر للثقافة، 1980.
كتاب العنوان في القراءات السبع، لأبي طاهر إسماعيل بن خلف المقرئ الأنصاري الأندلسي، حققه وقدم له د.زهير زاهد ود.خليل
(1/7885)
________________________________________
العطية، ط2، عالم الكتب، بيروت، 1406هـ/1986م.
كتاب الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها، لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي، تحقيق محيي الدين رمضان، ط3، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1404هـ/1984م.
كتاب لباب العقول في الرد على الفلاسفة في علم الأصول، لأبي الحجاج يوسف بن محمد المكلاتي، تقديم وتحقيق وتعليق د.فوقية حسين محمود، ط1، دار الأنصار، القاهرة، 1977م.
كتاب معيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار، لابن الخطيب، تحقيق د.محمد كمال شبانة، الرباط.
(1/7886)
________________________________________
كناسة الدكان بعد انتقال السكان، لابن الخطيب، تحقيق د.محمد كمال شبانة، ومراجعة د.حسن محمود، دار الكاتب العربي، 1966م.
لحن العامة، لأبي بكر محمد بن الحسين الزبيدي، تحقيق د.عبد العزيز مطر، دار المعارف ومطابع سجل العرب، 1981م.
لقط الفرائد من لفاظة حقق الفوائد، لأحمد ابن القاضي، تحقيق محمد حجي (ضمن كتاب "ألف سنة من الوفيات")، الرباط، 1396هـ/1976م.
المثلث، لابن السيد البكليوسي. تحقيق ودراسة د.صلاح مهدي الفرطوسي، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، 1401هـ/1981م.
(1/7887)
________________________________________
المحاضرات، لأبي علي اليوسي، تحقيق محمد حجي وأحمد الشرقاوي إقبال، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1982م.
المختار من شعر بشار وشرحه، لأبي طاهر التجيبي البرقي، اعتنى بنسخه وتصحيحه وتعليق الفوائد عليه وتخريج أبياته ووضع فهارسه السيد محمد بدر الدين العلوي، دار المدينة للطباعة والنشر، بيروت، د.ت.
مذاهب الحكام في نوازل الأحكام، للقاضي عياض وولده محمد، تقديم وتحقيق وتعليق د.محمد ابن شريفة، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1990م.
(1/7888)
________________________________________
مستفاد الرحلة والاغتراب، للقاسم بن يوسف التجيبي السبتي، تحقيق وإعداد عبد الحفيظ منصور، الدار العربية للكتاب، تونس-ليبيا، 1975م.
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب، لعبد الرحمن بن محمد ابن الدباغ الأنصاري، تحقيق هـ. ريتر، دار صادر ودار بيروت، 1379هـ/1959م.
مشاهير الشعراء والكتاب (وهو كتاب "نثير فرائد الجمان")، لابن الأحمر، حققه وقدم له د.محمد رضوان الداية، عالم الكتب، بيروت، 1406هـ/1986م.
"مصطلح التحقيق في استعمال محققي التراث المغربي الأندلسي"، لمصطفى اليعقوبي، ضمن أعمال ندوة "تحقيق التراث
(1/7889)
________________________________________
المغربي الأندلسي: حصيلة وآفاق"، صص.65-139، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، وجدة، 1997م.
المطرب من أشعار أهل المغرب، لابن دحية، تحقيق إبراهيم الأبياري وصاحبيه، راجعه د.طه حسين، دار العلم للجميع، بيروت، 1954م.
مطمح الأنفس ومسرح التأنس في ملح أهل الأندلس، للفتح بن خاقان الإشبيلي، دراسة وتحقيق محمد علي شوابكة، ط1، دار عمار ومؤسسة الرسالة، 1403هـ/1983م.
المعجب في تلخيص أخبار المغرب، لعبد الواحد المراكشي، ضبطه وصححه وعلق حواشيه وأنشأ مقدمته محمد سعيد العريان ومحمد العربي العلمي، ط1، مطبعة
(1/7890)
________________________________________
الاستقامة، القاهرة، 1368هـ/1949م.
معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع، للبكري، عارضه بمخطوطات القاهرة وحققه وضبطه مصطفى السقا، ط3، عالم الكتب، 1403هـ/1983م.
المعيار المعرب والجامع عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب، لأحمد بن يحيى الونشريسي، خرجه جماعة من الفقهاء بإشراف د.محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، 1401هـ/1981م.
المغرب في حلى المغرب، لابن سعيد الأندلسي، حققه وعلق عليه د.شوقي ضيف، ط3، دار المعارف، 1978-1980م.
(1/7891)
________________________________________
مفردات ابن الخطيب، لابن الخطيب، تحقيق وتقديم د.عبد العلي الودغيري، منشورات عكاظ، الرباط، 1988م.
المقتبس من أنباء أهل الأندلس، لابن حيان القرطبي:
أ - تحقيق عبد الرحمن حجي، دار الثقافة، بيروت، 1965. ("بلد الأندلس" عوض "أهل الأندلس").
ب - حققه وقدم له وعلق عليه د.محمود علي مكي، القاهرة، 1390هـ/1971م.
المقتطف من أزاهر الطرف، لابن سعيد الأندلسي، تقديم وتحقيق ودراسة د.سيد حنفي حسنين، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1983م.
(1/7892)
________________________________________
المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام الشرعيات والتحصيلات المحكمات لأمهات مسائلها المشكلات، لأبي الوليد ابن رشد، تحقيق د.محمد حجي، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1408هـ/1988م.
مقدمة ابن خلدون، للعلامة عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، مهد لها ونشر الفصول والفقرات الناقصة من طبعاتها وحققها وضبط كلماتها وشرحها وعلق عليها وعمل فهارسها د.علي عبد الواحد وافي، ط2، لجنة البيان العربي، 1384هـ/1965م.
(1/7893)
________________________________________
المقصد الشريف والمنزع اللطيف في التعريف بصلحاء الريف، تأليف عبد الحق بن إسماعيل البادسي، تحقيق سعيد أعراب، المطبعة الملكية، الرباط، 1402هـ/1982م.
ملء العيبة بما جمع بطول الغيبة في الوجهة الوجيهة إلى الحرمين مكة وطيبة، تقييد ابن رشيد الفهري السبتي، تقديم وتحقيق د.محمد الحبيب ابن الخوجة، الدار التونسية للنشر، ج2: 1402هـ/1982م؛ ودار الغرب الإسلامي، ج5: 1408هـ/1988م.
ملاك التأويل القاطع بذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه اللفظ من آي التنزيل، تأليف أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي العاصمي
(1/7894)
________________________________________
الغرناطي:
أ - تحقيق سعيد الفلاح، ط1، دار الغرب الإسلامي، 1403هـ/1983م.
ب - تحقيق د.محمود أحمد كامل، دار النهضة العربية، بيروت، 1405هـ/1985م.
ملتقط الرحلة من المغرب إلى حضرموت، للفقيه يوسف بن عابد الإدريسي الحسني الفاسي، حقق المخطوط وقدم له وعلق عليه د.أمين توفيق الطيبي، شركة النشر والتوزيع، الدار البيضاء، 1988م.
الممتع في التصريف، لابن عصفور الإشبيلي، تحقيق د.فخر الدين قباوة، ط3، دار الآفاق الجديدة، بيروت، 1970م.
(1/7895)
________________________________________
مناهج تحقيق التراث بين القدامى والمحدثين، تأليف د.رمضان عبد التواب، ط1، مكتبة الخانجي ومطبعة المدني، القاهرة، 1406هـ/1985م.
مناهل الصفا في أخبار الملوك الشرفا، لأبي فارس عبد العزيز بن محمد الفشتالي، حققه وقدم له ووضع فهارسه عبد الله كنون، 1964م.
المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع، لأبي محمد القاسم السجلماسي، تقديم وتحقيق د.علال الغازي، ط1، مكتبة المعارف، الرباط، 1401هـ/1980م.
المن بالإمامة، لعبد الملك بن صاحب الصلاة، تحقيق د.عبد الهادي التازي، ط3، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1987م.
(1/7896)
________________________________________
منهاج البلغاء وسراج الأدباء، لحازم القرطاجني، تقديم وتحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة، ط2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1981م.
الموافقات في أصول الأحكام، لأبي إسحاق ابراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي الشاطبي، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح، القاهرة، د.ت.
نتيجة الاجتهاد في المهانة والجهاد، لأحمد بن المهدي الغزال، حققه وقدم له إسماعيل العربي، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1980م.
(1/7897)
________________________________________
نثير فرائد الجمان في نظم فحول الزمان، لابن الأحمر، دراسة وتحقيق محمد رضوان الداية، دار الثقافة، بيروت، 1967م.
نشر المتاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني، لمحمد بن الطيب القادري، تحقيق محمد حجي وأحمد التوفيق، الرباط، 1397هـ/1977م.
نظم الجمان لترتيب ما سلف من أخبار الزمان، لابن القطان المراكشي، درسه وقدم له وحققه د.محمود علي مكي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1990م.
النكت الحسان في شرح غاية الإحسان، لأبي حيان النحوي الأندلسي الغرناطي، تحقيق ودراسة د.عبد الحسين الفتلي، ط1، مؤسسة الرسالة، بيروت،
(1/7898)
________________________________________
1405هـ/1985م.
وسيلة الإسلام بالنبي عليه الصلاة والسلام، لابن قنفذ القسنطيني، تقديم وتعليق سليمان الصيد، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1984م.
وفيات الونشريسي، لأحمد الونشريسي (ضمن "ألف سنة من الوفيات")، تحقيق محمد حجي، الرباط، 1396هـ/1976م.
... وقبل شهرة هذين المذهبين، عرف مذهب سفيان الثوري ومذهب عبد الرحمان الأوزاعي شيئا من الانتشار بإفريقية.
فقد دخلت إليها "جوامع" سفيان الثوري، وتم إسماعها للطلبة إلي جانب "الموطإ" مثلا. ومذهب الثوري كوفي مثل مذهب أبي حنيفة، أي أنهما استقيا تعاليمهما من الوسط
(1/7899)
________________________________________
نفسه؛ بل أكثر من ذلك. فقد أثر عن أبي يوسف أنه قال: "سفيان الثوري أكثر متابعة لأبي حنيفة مني"(1). إن صح هذا أمكن القول إن مذهب الثوري مهد السبيل لانتشار المذهب الحنفي بالقيروان.
... كل هذه المعطيات ساهمت في نتشار هذا المذهب بالقيروان وفي سيطرته بها انطلاقا من بداية القرن 3هـ/9م، وبذلك يمكن رد ما أوحى به نص المقدسي من انتشار ذلك المذهب هناك أتى نتيجة لعامل الصدفة(2)
__________
(1) ابن عبد البر، "الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء..."، القاهرة، 1350هـ/1931م، ص.128.
(2) المقدسي، المصدر نفسه، ص.237. ويبدو أن المرحوم سعد غراب قد ساند المقدسي في ذلك النوع من التفسير ("العامل الديني والهوية التونسية"، تونس، 1990، ص.41).
(1/7900)
________________________________________
.
... ومن أهم الحجج على سيطرة ذلك المذهب آنذاك، خبر ذكره المالكي يخص نوعية طلبة أسد بن الفرات. فقد سأل هذا الأخير شابا كان يختلف إليه عن صناعته، فسمى له الشاب صناعته، فأمره أسد بالقيام إلى عمله قائلا:
... صاحب الحانوت إنما بالحرفاء، فإذا جاءك حريفك اليوم ولم يجدك وغدا ولم يجدك وبعد غد مثل ذلك، استبدل بك غيرك، فضررت بنفسك وبمن تعوله"، ثم أضاف أسد: "انظر إلى هؤلاء الذين يأتوننا، إنما هم أهل حرث وحصاد؛ فإذا كان حرثهم وحصادهم، لم تر منهم أحدا يجيء إلينا؛ فإذا انقضى حرثهم أو حصادهم، عادوا إلى ما
(1/7901)
________________________________________
كانوا فيه(1).
... فالمهتمون بفقه أبي حنيفة لم يكونوا من الأثرياء فحسب، إنما وجد في إطارهم أيضا متواضعون اجتماعيا من صنف الحرفيين وحتى المزارعين. وضمن هؤلاء المتواضعين تخرجت نسبة من الجيل الأول من فقهاء الحنفية، مثل معمر بن منصور هذا الذي كان يطلب المساعدة المالية من كبار علماء المالكية أمثال سحنون وعبد الله بن طالب (ت275هـ/888م) (2)
__________
(1) المالكي، "كتاب رياض النفوس"، تحقيق بشير البكوش، بيروت، دار الغرب الإسلامي، 1983، ج1، ص.269.
(2) الخنشي، "كتاب طبقات علماء إفريقية"، نشر الشيخ محمد بن أبي شنب، الجزائر، 1332هـ/1914م، ص.113؛ "تراجم أغلبية مستخرجة من "مدارك القاضي عياض""، تحقيق محمد الطالبي، تونس، 1968، صص.215-217.
(1/7902)
________________________________________
. ولا ننسى من جهة أخرى أن أسدا كان من أصل اجتماعي متواضع. فقد وصف نفسه خلال رحلته إلى الشرق بـ"ابن السبيل"(1).
... وعلى يدي أسد تخرج الجيل الأول من علماء الحنفيى مثل عمر المذكور أعلاه وابن قادم سليمان بن عمران (ت270هـ/884م) الملقب بخروفه لشدة ملازمته الأسد. فقد غمرت شهرة
__________
(1) ابن ناجي، "معالم الإيمان..."، أصله للدباغ، تونس، 1320هـ/2-1903م، ج2، صص.5-7. وبذلك يمكن رد ما ذهب إليه عبد العزيز المجدوب. فقد ذكر أن أسدا ينتسب إلى أسرة أرستقراطية ("الصراع المذهبي بإفريقية"، تونس، 1395هـ/1975م، ص.50).
(1/7903)
________________________________________
هؤلاء العلماء النصف الأول من القرن 3هـ/9م. وقد اعترف القاضي عياض، في إطار حديثه عن ظروف تعيين سحنون على القضاء، حوالي سنة 233هـ/847م، بأن عدد الأحناف آنذاك كان أكثر من عدد المالكية(1).
... كل هذه المعطيات تبرهن على مدى توسع انتشار المذهب الحنفي بالقيروان خلال النصف الأول من القرن 3هـ/9م. ونتيجة لذلك، ظهرت آنذاك عائلات حنفية قيروانية شهيرة، مثل عائلة بني وهب وعائلة بني قادم وعائلة بني الثوام.
__________
(1) "تراجم أغلبية"، ص.99.
(1/7904)
________________________________________
... إلا أنه ابتداء من النصف الثاني من القرن 3هـ/9م، أخذت الكفة ترجح لفائدة المذهب المالكي.
II - أسباب تراجع المذهب الحنفي بالقيروان ابتداء من النصف الثاني من القرن 3هـ/9م:
... وفر خروج أسد بن الفرات إلى صقلية سنة 212هـ/827م، مرفقا ببعض شيوخ الحنفية ومن بينهم ابن قادم، فرصة سانحة لسحنون كي يعرف بالمذهب المالكي بالقيروان. وهذا لا يعني أن المذهب الحنفي أخذ في الانحسار منذ ذلك الحين. كل ما في الأمر أن زعامته انتقلت إلى سليمان بن عمران. إلا أننا لن نجانب الحقيقة عندما نقول إن ابن عمران ألحق بصفة غير
(1/7905)
________________________________________
مباشرة ضررا بالمذهب الحنفي. تم ذلك عندما أشار على الأمير بتعيين سحنون على قضاء القيروان، مقدما إياه على نفسه. فما كان من سحنون إلا أن أحسن استغلال الفرصة. فقد حيد المذهب الحنفي، بتعيين زعيمه قاضيا على الأربس وباجة، وسمح له بالقضاء حسب فقه أبي حنيفة(1). وهذا يعني أن سحنون أبعد زعيم الحنفية عن أصحابه بالقيروان، فتسبب ذلك في إضعاف الحنفيين. وبهذه الطريقة أيضا، أمكن له أن يكون حلفا سنيا ضد المذاهب "المبتدعة" من
__________
(1) "تراجم الأغلبية"، ص.120. ويأتي هذا خلافا لما ذكره الخنشي (المصدر نفسه، ص.180).
(1/7906)
________________________________________
معتزلة وخوارج، فألحق بها ضريبة قاسمة، وركز في الوقت نفسه موقع المذهب المالكي.
... ولئن تولى سليمان بن عمران القضاء القيرواني مباشرة بعد سحنون، فقد تم ذلك بعد فوات الأوان على المذهب الحنفي.
... لم يسع الأحناف من جهة أخرى إلى تكوين جبهة موحدة لمواجهة المالكية، على ما يبدو. فقد ذكر المالكي أن أبا عبد الله محمد بن زرزر (ت291هـ/903م) الفقيه الحنفي، كان كثير السخرية من سليمان بن عمران ومن أبي المنهال(1)، في حين أن سحنون مثلا تجنب تخطئة صاحبيه أمام القاضي أسد في
__________
(1) المالكي، المصدر نفسه، ج1، ص.514.
(1/7907)
________________________________________
مسألة تسرعا في الإجابة عنها. وقد برز تصرفه قائلا: "كرهت أن أخالفكما، فندخل عليه إخوانا ونخرج أعداء"(1).
... لم يظهر الحنفية استعدادا للتكافل الاجتماعي فيما بينهم، في حين لاحظنا عكس ذلك بين المالكية. فعندما طلب حنفي متحمس لمذهبه مساعدة مالية من أصحابه، خذلوه، فمكنه منها عبد الله بن طالب(2)
__________
(1) ابن ناجي، المصدر نفسه، ج2، ص.63. وهذا لم يمنع، فيما بعد، ظهور خلافات بين المالكية ذاتهم.
(2) "تراجم الأغلبية"، صص.216-217، مع التنبيه إلى أن مثل هذه الأخبار لا تخلو من مجاملة للمالكية واستنقاص للحنفية. فهؤلاء بخلاء، وأولئك كرماء.
(1/7908)
________________________________________
.
... تنوعت من جهة أخرى مواقف الحنفية من الاعتزال. فقد أخذت بعض عناصرهم ببعض مبادئه، مثل ابن حبيب السدري، بينما خير جلهم مذهب السنة، مثل أسد بن الفرات وسليمان بن عمران وعبد الله بن هارون الكوفي السوداني كاتب سليمان بن عمران أيام قضائه ومحمد بن عثمان الخراساني الفقيه (ت318هـ/930م).
... إذا علمنا أيضا أن علماء المالكية اتفقوا بالإجماع على مقاومة الاعتزال، فمن الراجح أنهم تعمدوا اتهام الأحناف ككل بالاعتزال، حتى ينفروا العامة من المذهب الحنفي. وربما ساعدت على ذلك نوعية عقلية أهل إفريقية التي لم
(1/7909)
________________________________________
تتفاعل مع الاعتزال. لذلك من الطبيعي أن هؤلاء سينتهون بالتخلي عن المذهب الحنفي لفائدة المذهب المالكي. وقد وصلنا صدى تهمة الخنفيين بالاعتزال في إطار طبقات المالكية، فصدقها عدد من الباحثين، بل إن أحمد بكير ذهب إلى القول إن سليمان بن عمران كان على سنة عندما كان متعاونا مع القاضي سحنون، ثم "اعتزل" على أثر وفاة هذا الأخير(1)
__________
(1) اتفق الخشني وابن ناجي على أن ابن عمران لم يقل بالاعتزال. (الخشني، المصدر نفسه، ص.181؛ ابن ناجي، المصدر نفسه، ج2، ص.103). فيما يتعلق بأحمد بكير، انظر "الجدل حول العقيدة"، في ملتقى الإمام المازري المنستير، 1975، تونس، 1978، ص.32.
(1/7910)
________________________________________
.
... وقد أتى اعتزال بعض الحنفية نتيجة لأسباب منها مجاراتهم للأغالبة الذين قدموا الاعتزال مذهبا عقائديا، والحنفية مذهبا فقهيا. فاختلطت الأوراق على أهل القيروان، وتخلوا عن المذهب الحنفي في إطار معارضتهم للأغالبة، مما ساهم في تراجع انتشاره بينهم. فأصبح المذهب الحنفي خلال النصف الثاني من القرن 3هـ/9م مذهب الخاصة، ومذهب الأرستقراطية، وهو أمر استنتجه كل الباحثين. إلا أنهم طبقوا هذا الاستنتاج على العهد الأغلبي كله، في حين كان من الأولى تطبيقه على النصف الثاني من القرن 3هـ/9م، وهي الفترة التي تراجعت
(1/7911)
________________________________________
خلالها شعبية المذهب الحنفي.
... وفي سياق التهم الموجهة إلى الأحناف، سعت كتب طبقات المالكية إلى إقناعنا بأن المذهب الحنفي هو مذهب الرخص. فهو يجوز شرب النبيذ إلى حد الإسكار، ويبيح الربا عن طريق التحيل على النصوص الشرعية. فكان لهذا تأثير على الباحثين، بل إن أحدهم ذكر أن الذين تولوا نشر المذهب الحنفي بإفريقية بعد أسد "تجاوزوا أصوله وقدموه في صورة التيسير، فتعلق به الخاصة وأصحاب السلطة"(1).
__________
(1) عبد المجيد بن حميدة، "المدارس الكلامية بإفريقية..."، تونس، 1986، ص.40.
(1/7912)
________________________________________
... ومن المعلوم أن أسدا، ناشر المذهب الحنفي بإفريقية، كان من الموالي الفرس. وقد أخذ هذا المذهب عن مولى مثله وهو محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة الفارسي الأصل أيضا. فالنسبة غير العربية لدى زعماء هذا المذهب كان لها دور لا يستهان به في تراجع عدد من أهل إفريقية عن ذلك المذهب. ولتأكيد هذا، ذكر الغزي أن "من جملة ما يشنع به الحساد على أبي حنيفة (رضه) أنه من جملة الموالي، وليس هو من العرب، وأن من كان مجتهدا من العرب أولى بالتقديم من غيره"(1)
__________
(1) تقي الدين الغزي، "الطبقات السنية في تراجم الحنفية"، تحقيق عبد الفتاح محمد الحلو، الرياض، 1983، ط1، ج1، ص.134.
(1/7913)
________________________________________
. وبالفعل، فقد انتهى أهل إفريقية بتقديم المذهب المالكي لأسباب منها انتساب صاحبه مالك، وناشره هناك، نعني سحنون، إلى العرب(1).
... إذا أضفنا إلى هذا أن المذهب الحنفي لم يلق عموما رواجا بمصر، وذلك انطلاقا من تجربة أهلها مع القاضي الحنفي إسماعيل بن اليسع الكوفي، ابتداء من سنة 164هـ/780م، أمكن لنا أن
__________
(1) انظر بحثنا "المذهب المالكي بإفريقية من منتصف القرن 2هـ/8م إلى منتصف القرن 5هـ/11م"، شهادة التعمق في البحث، تحت إشراف الأستاذة منيرة شابوطو، نص مرقون، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، تونس، 1990-1991.
(1/7914)
________________________________________
نضيف سببا آخر لتراجع أهمية ذلك المذهب بإفريقية.
... فإفريقية فتح مصري، بما أن الفاتحين دخلوا إليها انطلاقا من مصر. كما ظلت تلك المنطقة تابعة لمصر من الناحية الثقافية خلال فترة طويلة. وقد انتشر بهذه البلاد مذهب مالك، ثم مذهب الشافعي، وبصفة أقل مذهب أبي حنيفة. والراجح أن وضعية هذا المذهب بمصر كان لها تأثير على مصير المذهب الحنفي بإفريقية، في حين أن المذهب المالكي الغفريقي ظل مدة يتغذى بمالكية مصر.
... كان من الممكن للمذهب الحنفي الإفريقي أن يتغذى بحنفية بغداد عاصمة العباسيين. إلا أن العراق ليست
(1/7915)
________________________________________
على طريق الحجاج كما ذكر ابن خلدون. لذلك ظل المذهب الحنفي الإفريقي معزولا عن نقطة ارتكازه الأولى وهي العراق، مما جعله يعرف تقوقعا وبالتالي ذبولا على المدى الطويل.
... لاحظ أبو زهرة من ناحية أخرى أن المذهب الحنفي يقوى بمصر كلما قوي سلطان العباسيين عليها، دون أن تكون له مكانة لدى أهل مصر(1). وإذا علمنا أن نفوذ العباسيين تدرج نحو التراجع بإفريقية نتيجة لسعي الأغالبة إلى إثبات استقلاليتهم عنهم، أمكن أن نجد تفسيرا آخر لتراجع
__________
(1) أبو زهرة، "أبو حنيفة. حياته..."، دار الفكر العربي، 1955، ط2، ص.464.
(1/7916)
________________________________________
الحنفية بإفرقية. على أن ذلك التراجع سيبلغ مداه بعد سقوط الدولة الأغلبية سنة 296هـ/909م، بما أن علاقات إفريقية بالعباسيين ستنقطع تماما في العهد الفاطمي.
... ومن أهم مظاهر ذلك التراجع، أن عددا من الحنفية تحولوا إلى المذهب المالكي. وأشهر مثال على ذلك يقدمه جبلة بن حمود (ت299هـ/911م)، هذا الذي كان ينتسب إلى عائلة حنفية ثرية تتعامل مع السلطان(1). تحول كذلك جعفر بن الثوام إلى مذهب مالك بعد أن "كان أجداده كلهم ينتحلون مذهب أهل الكوفة". لهذا السبب كان شيخه أبو بكر بن
__________
(1) "تراجم أغلبية"، صص.279-280.
(1/7917)
________________________________________
اللباد (ت333هـ/944م) يسميه "مؤمن آل فرعون"(1)، وكأننا بأجداده كانوا من الكفار.
... ويبدو أن أحد أعوان القاضي سليمان بن عمران قد تفطن لذلك التطور، فحاول عرقلته. فقد سعى إلى إقناع أهل المنستير باتباع تعاليم المذهب الحنفي، "فأغلظوا له في ذلك اتباعا منهم لمذهب مالك". فأراد القاضي سليمان بن عمران معاقبة جماعة منهم، "فارتجت القيروان... وامتلأت السقيفة" عليه... لذلك سارع بالعفو عنهم(2).
__________
(1) المالكي، المصدر نفسه، ج2، ص.284.
(2) المصدر نفسه، ج1، ص.453.
(1/7918)
________________________________________
... ومع قيام الدولة الفاطمية، زاد المذهب الحنفي تراجعا.
... فعندما فر زيادة الله الثالث إلى الشرق، اصطحبه عدد من خاصته، وهم من الحنفية أساسا. أما من بقي منهم بالقصر القديم، فقد منحهم السلطان الأمان. إلا أن المخاوف سرعان ما راودتهم على أثر مقتل أبي عبد الله الصنعاني وأخيه، فثاروا على الخليفة المهدي. فما كان منه إلا أن قتل جماعة منهم وحبس باقيهم وشردهم(1)
__________
(1) القاضي النعمان، "كتاب افتتاح الدعوة"، تحقيق فرحات الدشراوي، تونس، 1975، صص.320-322؛ ابن الأثير، "الكامل في التاريخ"، بيروت، دار صادر للطباعة والنشر، ج8، صص.52-53.
(1/7919)
________________________________________
. وقد أدى هذا إلى مزيد تناقص عدد الحنفية بالقيروان.
... هناك من الحنفية من احتفظ بوظيفته في الإدارة، بعد سقوط دولة الأغالبة، مثل أبي اليسر إبراهيم بن محمد الشيباني البغدادي المعروف بالرياضي (ت298هـ/910م) (1).
... على أن هذا الأخير كان من جملة من خرج مع أبي عبد الله الصنعاني إلى سجلماسة لاستنقاذ الإمام المهدي، وهذا يعني أنه "تشرق"، أي انتقل إلى المذهب الإسماعيلي. أما أحمد بن محمد بن
__________
(1) ابن عذاري، "البيان المغرب..."، تحقيق ومراجعة ج. س. كولان وليفي بروفنسال، ليبيا-تونس، 1983، ط3، ج1، ص.163.
(1/7920)
________________________________________
سيرين، فقد خرج "راجلا" للغرض نفسه، وهو "يرى أنه محتسب للثواب في طلب الإمام"(1). بينما "تشرق" أبو ربده بن خلاد في "أول دخول القوم طائعا"، ثم أوصى "بكل ماله للسلطان وأخرج منه ولده"(2).
... كل هذا يعني أن عددا من الأحناف بادروا بـ"التشريق" بسرعة وبسهولة وعن اقتناع. وإلى هؤلاء يمكن أن نضيف القاضي النعمان الذي كان على الأرجح حنفيا.
__________
(1) ابن عذاري، المصدر نفسه، ج1، ص.153.
(2) الخشني، المصدر نفسه، ص.224.
(1/7921)
________________________________________
... ولئن سارع هؤلاء بـ"التشريق"، فإن ذلك أتى نتيجة لأسباب منها اتفاق الحنفية مع الشيعة في قضية التفضيل على ما يبدو، وفي بعض المسائل الفقهية(1). فميول أبي حنيفة الشيعية لا يمكن الشك فيها. أما مهمر بن منصور، فقد كان يتولى عليا ويتعمد
__________
(1) "تراجم أغلبية"، ص.391؛ ابن عذاري، المصدر نفسه، ج1، ص.155. انظر أيضا أبا المهلب هيثم بن سليمان، "أدب القاضي والقضاء"، تحقيق فرحات الدشراوي، تونس، 1970، ص.17، 23، 29، حيث يعتمد الأحناف على أقوال علي بن أبي طالب لأسباب منها أنه كان اتخذ الكوفة عاصمة له أيام خلافته.
(1/7922)
________________________________________
ثلب معاوية بن أبي سفيان(1)؛ بينما كان القاضي النعمان يجامل الحنفية ويتحامل على المالكية في مؤلفاته(2).
... هناك من الحنفية من "تشرق" لمصلحة ما مثل خلف بن معمر بن منصور (ت303هـ/915م)، تشرق حتى لا يطالب الشيعة ابنه في مال "غمس يده فيه عند هروب زيادة الله
__________
(1) الخشني، المصدر نفسه، صص.113-114.
(2) R. Brunschvig, « Fiqh fatimide... », dans Mélanges d’histoire et d’archéologie de l’Occident musulman, Alger, 1957, p.15; H. R. Idris, La berbérie orientale sous les Zirides..., Paris, 1962, T.II, p.734.
(1/7923)
________________________________________
من رقادة"(1)؛ أو قاسم بن خلاد الواسطي الذي "دعوه إلى التشريق ووعدوه بقضاء باجة"، ففعل؛ أو أحمد بن وهب الذي تشرق، فولي مظالم القيروان(2).
... كل هذا أدى إلى زيادة تراجع شعبية الأحناف. ولئن بدا عدد "المتشرقين" من الحنفية مرتفعا نسبيا وهو أحد عشر على ما ذكر الخشني، فقد ذهب فرحات الدشراوي إلى أن العدد الحقيقي يتجاوز ذلك(3)
__________
(1) ابن عذاري، المصدر نفسه، ج1، ص.173.
(2) الخشني، المصدر نفسه، ص.194-224.
(3) F. Dachraoui, Le califat fatimide au Maghreb, Tunis, 1981, p.400، على أنه من الممكن أن عددا ممن تشرقوا انتقلوا من القيروان إلى عاصمة الفاطميين "المهدية".
(1/7924)
________________________________________
. وفعلا، فقد عرفنا ابن عذاري بأمثلة أخرى لأحناف "تشرقوا".
... إلا أن هذا لا يعني أن كل الأحناف قد "تشرقوا". فعندما أراد القاضي محمد بن عمر المروذي (ت303هـ/915م) فرض المذهب الإسماعيلي، أصدر أمرا بأن "لا يظهر أحد من كتب مالك وأبي حنيفة شيئا"(1). وعندما أراد مناظرة فقهاء القيروان في مسألة صلاة التراويح، أرسل إلى "مدنيهم وعراقيهم"(2)
__________
(1) إدريس الداعي، "عيون الأخبار وفنون الآثار"، الجزء الخامس، تحقيق فرحات الدشراوي، تونس، 1979، ص.20.
(2) المالكي، المصدر نفسه، ج2، ص.60؛ ابن ناجي، المصدر نفسه، ج2، ص.206.
(1/7925)
________________________________________
.
... هناك من الأحناف من لقي القتل، مثل أحمد بن يحيى بن طيب المتطبب، قتل سنة 297هـ/909م، هذا إلى جانب من حبس منهم أو قتل بالقصر القديم. فالراجح أن نواة حنفية احتفظت آنذاك بذاتيتها بالقيروان، ورفضت الذوبان في دعوة الفاطميين. والدليل على استمرار تلك النواة في العهد الفاطمي، أن عددا منها شارك المالكية في التحالف مع أبي يزيد أيام ثورته على الفاطميين (332-336هـ/943-947م) (1).
__________
(1) المالكي، المصدر نفسه، ج2، ص.339.
(1/7926)
________________________________________
... وتحالف المالكية وتلك النواة من الحنفية مع أبي يزيد، يعني أنه ظهر تقارب بين هؤلاء في العهد الفاطمي. لم لا وقد جمعت بينهم معارضة الفاطميين. ويبدو أن ذلك التقارب قد تواصل مداه، حتى أن المقدسي (ت380هـ/990م) شهد عليه فقال: "من أهلها ليس غير حنفي ومالكي مع ألفة عجيبة، لا شغب بينهم ولا عصبية... وارتفع الغل من قلوبهم، فهي مفخرة المغرب"(1).
... كل هذا يسمح لنا بمناقشة المرحوم حسن حسني عبد الوهاب الذي ذهب إلى أن المذهب الحنفي انقطع في آخر عهد المعز وقبل انتقاله إلى
__________
(1) المقدسي، المصدر نفسه، ص.225.
(1/7927)
________________________________________
مصر(1)، كما يسمح لنا برد مبالغة أخرى وقع فيها القاضي عياض. فقد ذكر أن "الظهور في دولة بني عبيد كان لمذهب الكوفيين"(2).
... فالراجح أن عدد الحنفية تراجع كثيرا في العهد الفاطمي، دون أن يؤدي ذلك إلى اختفائهم تماما آنذاك. على أن اندثار مذهبهم تم بصفة رسمية في إفريقية مع إعلان القطيعة عن الفاطميين في منتصف القرن 5هـ/11م، ربما إذا استثنينا بعض الحالات مثل ذلك العالم الحنفي الذي تحدث عنه التجاني؛ إلا
__________
(1) حسن حسني عبد الوهاب، "الإمام المازري"، تونس، د.ت.، ص.24.
(2) القاضي عياض، المصدر نفسه، ج1، ص.54.
(1/7928)
________________________________________
أنه لم يكن مقيما بالقيروان(1)
__________
(1) هو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الزناتي المعروف بالحنفي (ت655هـ/1257م). (التجاني، "الرحلة"، تحقيق حسن حسني عبد الوهاب، ليبيا-تونس، الدار العربية للكتاب، 1981، ص.369). وهو من مواليد المهدية، لزم سكنى المنستير بعد رحلته إلى الشرق. ولا ندري هل يمكن ربط انتسابه إلى ذلك المذهب بكونه عقبا للأحناف الذين كانوا تشرقوا في العهد الفاطمي وانتقل بعضهم -عاى ما يبدو- نتيجة لذلك من القيروان إلى المهدية. يؤيد هذا أن هـ.ر. إدريس أشار إلى أن تشرق الحنفية لا يعني بالضرورة تخليهم تماما عن تعاليم مذهبهم. انظر مقاله: « Essai sur la diffusion de l’ascarisme en Ifriqiya », Les cahiers de Tunisie, 1953, p.139.
(1/7929)
________________________________________
. ومن المؤكد أن هذا الاندثار تم أساسا عن طريق تحول الحنفية إلى المذهب المالكي. وبذلك يمكن رد ما ذهب إليه ابن خلكان وابن الأثير. فقد ذكرا أن المذهب الحنفي ظل مسيطرا بإفريقية إلى أن أتى المعز بن باديس (406-454هـ/1016-1062م) وحمل الناس على التمسك بمذهب مالك، عند إعلانه القطيعة(1).
... فالمذهب المالكي سيطر بصفة موسعة على البلاد منذ منتصف القرن 3هـ/9م.
خاتمة
__________
(1) شمس الدين بن خلكان، "وفيات الأعيان"، تحقيق إحسان عباس، بيروت، د.ت. ج5، صص.233-234؛ ابن الأثير، المصدر نفسه، ج9، ص.257.
(1/7930)
________________________________________
... الراجح أن دخول المذهب الحنفي إلى القيروان تم في بداية النصف الثاني من القرن 2هـ/8م، على أيدي عبد الله بن فروخ وعبد الله بن غانم. ولئن جمع هذان العالمان بين الفقه الحنفي والفقه المالكي في الوقت نفسه، فقد رجحنا أن القيروان مرت بمرحلة تعايش بين المذهبين الحنفي والمالكي إلى حد أواخر القرن 2هـ/8م. وببروز أسد على الساحة العلمية القيروانية، ولا سيما بعد توليه القضاء، رجحت الكفة لفائدة المذهب الحنفي. ساعدته في ذلك عوامل أخرى منها تبني الأغالبة للحنفية مذهبا رسميا وانتشار مذهب سفيان الثوري هناك في
(1/7931)
________________________________________
مرحلة سابقة.
... إلا أن سوء تقدير سليمان بن عمران للمواقف، بما أنه قدم على نفسه سحنون في خطة القضاء، مثل عاملا لا يستهان به في إضعاف المذهب الحنفي وبالتالي في تنامي شهرة المذهب المالكي.
... ساهمت عوامل أخرى في تراجع المذهب الحنفي ذكرنا منها قلة سعي الأحناف إلى تكوين جبهة موحدة لمواجهة المخالفين، وتبني أقلية منهم لبعض المبادئ المعتزلية. هذه المبادئ التي رفضها أهل إفريقية واعتبروها "بدعة"، فاستغلها المالكية للدعاية ضد الأحناف، مما ساعد في تراجع الأفارقة عن مناصرة المذهب الحنفي.
(1/7932)
________________________________________
... ساعد على ذلك التراجع أيضا تعامل الحنفية مع الأغالبة، فكان رفض العامة للحنفية شكلا من أشكال المعارضة السياسية. ساهم في ذلك التراجع كذلك التقوقع الذي وقع فيه المذهب الحنفي نتيجة لضعف اتصاله بالشرق، ولا سيما بغداد حيث العباسيون الذين ضعف نفوذهم بإفريقية. لهذه الأسبب انتقل عدد من الأحناف إلى المذهب المالكي.
... زاد في تراجع ذلك المذهب قيام الدولة الفاطمية. فقد فر بعض الأحناف نحو الشرق، وقتل آخرون ولا سيما بالقصر القديم، و"تشرق" جل بقيتهم، وربما انتقلوا نتيجة لذلك إلى المهدية. فاستفحل تراجع
(1/7933)
________________________________________
المذهب الحنفي بالقيروان، بالرغم من التقارب الذي تم بين بعض الحنفية والمالكية خاصة أيام ثورة أبي يزيد.
... على أن التجربة الحنفية بالقيروان خلال النصف الأول من القرن 3هـ/9م، قدمت فرصة سانحة للتأسيس لحركة فكرية متميزة، عرفت خلالها هذه المدينة ازدهارا ثقافيا. فقد ساد هناك في أيام الأحناف نوع من الحرية الفكرية، إذ كان من الممكن لأصحاب مختلف المذاهب أن يحلقوا بجامع عقبة، مما هيأ الجو لتلاقح فكري مثمر. وقد كان هذا من بين أسباب انفتاح بعض الحنفية على أصناف مختلفة من العلوم وعلى ما أطلق عليه المذاهب
(1/7934)
________________________________________
"المبتدعة"، نعني الاعتزال والإرجاء والتشيع. والانفتاح يعني إمكان إدخال الجانب العقلاني في بعض المسائل الدينية، ويعني أيضا الإيمان بوجوب تنويع مصادر التكوين العلمي.
... وفعلا، فإن عددا من الأحناف الذين وصلتنا أخبار حول نوعية تكوينهم، كانوا يتميزون بتبحرهم في أصناف مختلفة من العلوم وخاصة بنزعتهم الموسوعية. كل هذا، بخلاف جل علماء المالكية(1)
__________
(1) بخصوص علماء المالكية، انظر مقالنا "مدرسة الحديث وعلاقتها بمدرسة الفقه بإفريقية من بداية القرن 3هـ/9م إلى أواخر القرن 4هـ/10م"، الكراسات التونسية، صص.159-160، الثلاثة أشهر الأولى والثانية لسنة 1992، ص.196.
(1/7935)
________________________________________
.
... فأبو عبد الله محمد بن زرزر (ت291هـ/903م) "كان حافظا للغريب، بصيرا باللغة، راوية للأشعار يحسن الصنعة لها، وشعره كثير جدا وأكثره في توحيد الله". وقد كان يقول: "إني أحفظ تفسير يحيى بن سلام كما أحفظ القرآن، وأحفظ فقه أبي حنيفة كما أحفظ التفسير، وأحفظ "الموطأ" وفقه مالك كما أحفظ فقه أبي حنيفة، وأحفظ بعد ذلك كثيرا من دواوين العرب وأشعارها وأخبارها"(1).
... أما إبراهيم بن عثمان أبو القاسم بن الوزان القيرواني اللغوي الحنفي (ت346هـ/957م)، فقد قال فيه عبد
__________
(1) ابن ناجي، المصدر نفسه، ج1، صص.166-167.
(1/7936)
________________________________________
الله المكفوف النحوي: "ولو قال قائل إنه أعلم من المبرد وثعلب، لصدقه من وقف على علمه"(1).
... هذان المثالان يكفيان لرد بعض التهم التي نسبتها كتب طبقات المالكية إلى الحنفية. فهي تتهمهم بقلة العلم والجهل. كل ذلك، بالرغم من التقوقع الذي عرفه المذهب الحنفي بالقيروان في فترة ما بحكم ضعف اتصاله بالشرق.
(1/7937)
________________________________________
تعامل العربي مع المعرفة الصوت والصدى، الصورة والانعكاس
... ... ... الأستاذ محمد الصادق عبد اللطيف
... ... ... ... ... تونس
1 ـ تساؤل
... كيف يمكن تناول موضوع في هذا الاتساع، وهل يمكن الإتيان بجديد بالنسبة إلى ما يزخر به عالم المطبوعات من المؤلفات التي تهتم بهذه الحقيقة بشكل أو بآخر في مختلف اللغات؟
... هل من سبيل إلى إثبات جدوى البحث العلمي والمقاربة العقلانية في ميدان يرى كل كاتب نفسه مؤهلاً للخوض فيه ولو كان نصيبه من الثقافة المتخصصة محدوداً بشكل أو بآخر؟
(1/7938)
________________________________________
... إن الإجابة عن هذه التساؤلات تفرض توضيح الإشكالية المطروحة ووضع بعض المعالم المنهجية التي من شأنها أن تعيننا على رفع ما عسى أن يكتنف القضية من لبس(1).
2 ـ مدخل عام: عصر العلم والاستفاقة
... كان التعلم ـ كتابة وقراءة ـ من أهم الوسائل العلمية التي ساعدت العرب على إقامة نهضتهم الباهرة بعد اعتناقهم الدين الإسلامي. وهي نهضة ـ كما نعلم ـ مستوحاة من القرآن والسنة، بحيث كان مجيء الإسلام فاتحة عصر العلم العالمي والإنساني وعهد ارتقاء
__________
(1) عبد المجيد الشّرفي، دروس تقوية في الجامعة التونسية، 1988.
(1/7939)
________________________________________
العقل البشري (علم الحساب والجبر والهندسة والفيزياء والطب والصيدلة ثم الميكانيكا وعلم الفضاء). ذلك بأن الإسلام شجع أبناءه على العلم والتعلم والتأمل والتأويل والنظر. قال تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات} (المجادلة، الآية 11)، وقال تعالى: {هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} (الزمر، الآية 10)؛ وكما قال رسول الله: »من خرج في طلب العلم، فهو في سبيل الله حتى يرجع«(1). هنا يتناسب الاهتمام بالعلم مع
__________
(1) عبد الرحمان الكبلوطي، ملتقى ابن أبي الضيّاف (ندوة)، نشرية سليانة، 1989.
(1/7940)
________________________________________
مدى تقدير دوره في تقدم البشرية. لذلك، فإن قياس هذه الموازنة الدقيقة في مجتمع ما يكون دوماً بمعرفة مكانة العلماء في هذا المجتمع ومستوى الوعي السائد بين أفراده بدور التفكير المبدع في النهوض بالأمم وتقدمها في مضمار الحضارة.
... إن أهم القواسم المشتركة بين الحضارات هو مبلغ اعتنائها بالعلماء وإذْكاء التنافس بينهم لمصلحة المعرفة.
... والمجتمع العربي قبل الإسلام، بالرغم من انتشار ألوان الجهل المختلفة، توصل إلى مبدإ أهمية المعرفة وضرورتها والأخذ بها. وعندما شع الإسلام، أبقى على هذه العلاقة وحث على طلب
(1/7941)
________________________________________
العلم. وحين انتشر وامتد إلى أمم وشعوب مختلفة وتلاقت الحضارات، أضفى المنظور القيمي الإسلامي أبعاداً جديدة على الأمم الأخرى وإبداعها الفكري. فكان من نتائج ذلك التلاقي والتفاعل بروز الحضارة الإسلامية التي صهرت عطاءات الأمم والشعوب وصاغتها في بوتقة منهج الإسلام ومفهومه القائم على تأكيد »سَعَةِ العلم وشموله«.
... لقد أكّدت آيات قرآنية عديدة أهمية العقل والفكر والحكمة والبرهان والنظر إلى الكون والتفكير في خلق السماوات والأرض والأنفس، وأشارت الآيات إلى أولي الألباب والحكمة والعلم.
(1/7942)
________________________________________
... بهذا المنظور الراقي، فتح الإسلام للإنسانية آفاقاً جديدة للتقدم في شتى مجالات العلوم والفنون والآداب. وقد تعهّد المسلمون عبر عصور طويلة بالاهتمام بالمعرفة لصوغ حضارة متوهجة وصولاً إلى تأسيس مناهج البحث العلمي وأخلاقياته(1).
3 ـ الصوت والصدى
... أ ـ الطرح الأول: لما ازدهرت المعرفة، تغيرت صورة الحياة، بل تلاشت الحدود أمام زحف العلوم والمعارف. وكانت الترجمة أحد المفاتيح الأساسية للتعاون وتمهيد الطريق بمعارف جديدة ومزايا حضارية
__________
(1) زيد بن عبد المحسن، جائزة الملك فيصل ودلالاتها الحضارية، 1996.
(1/7943)
________________________________________
متنوعة. وعلى امتداد تاريخ الحضارة وتعاقب دورانها وانتقال مشاعلها من أمة إلى أخرى، كانت الترجمة إحدى السبل لبلوغ الرقي الحضاري بوصفها الوسيلة المثلى لكشف مكنون حضارات أخرى واعتناء المعرفة الإنسانية بجديد الفكر والعلم.
... إن التعلق بالمعرفة لم يعد انعكاساً لطور حضاري، بل تعبيراً عن إرادة متنامية للوجود في موقع القلب من الحضارة الإنسانية. كان الرواد في طليعة هذه الحقيقة انطلاقاً مما أوجده فيهم الإسلام من اقتناع بقيمة العلم والمعرفة معاً. ولتبليغ هذه الرسالة، انكب العرب ـ في عصر الفتوحات ـ على
(1/7944)
________________________________________
التراث المعرفي لمختلف الأمم التي لها السبق في مضمار الحضارة، فترجموا إلى اللغة العربية أمهات تراث الآخرين وأنعموا النظر في ذلك الإرث المعرفي (من فكر وثقافة وعلم)، وهي اليقظة الفكرية التي تعامل فيها العربي مع المعرفة، والتي منها انطلقت إشعاعاتها من مدائن العلوم في دولة الخلافة الإسلامية، وانتشرت في أرجاء الدولة؛ كما تمثلت في الحضارة الإسلامية التي شمخت وبلغت شأواً عظيماً إلى حد أن تجاوزت حضارات كانت يومئذ ملء الأسماع والأبصار. وهذا ما أدى إلى النهوض بنشاط مماثل في حركة التأليف، وهي عملية إبداعية
(1/7945)
________________________________________
ونمط متقدم من التفكير، ولا سيما حين يعبر عنه باللغة الأم. وكانت مراكز مفاتيح هذه المعرفة (بيت الحكمة البغدادي، مكتبة الإسكندرية، وجنديسابور وحران، وبيت الحكمة في القيروان)(1). إن تعامل العربي مع المعرفة قديماً قد زاوج بين ما نقله من تجارب الأمم الأخرى وبين مضامين الرسالة التي يحملها بصفتها مسؤولية لإبلاغها، ومن ثم الإبداع فيها باللغة الأم، حتى غدت تلك اللغة لغة الحضارة والمعرفة والتبليغ.
__________
(1) زيد بن عبد المحسن، الترجمة في ظل الحضارة الإسلامية وأثرها في الآداب والعلوم، الرياض، ص. 19.
(1/7946)
________________________________________
... لقد أكسب الإسلام هذه الشريحة قوة الدفع الإيجابية بصفتها سبباً موضوعيّاً للكل، تنقّل قيادة الحضارة الإنسانية للغير بعد أن عمّر قلوبهم إيمان عميق بشمولية الرسالة التي يضطلع بها العربي لاعتقاده أن العلم النافع أحد أسباب التمكين في الأرض. وكان من الطبيعي أن يكون الغرب وارثاً للجوانب العظيمة من حضارة العرب التي صنعها الإنسان العربي في تعامله مع المعرفة والعلم.
... من خلال المراكز التي انتشرت في شتى أمصار العالم وفي الأندلس وصقلية، كانت تلك المراكز وأمثالها أبرز المنافذ التي تسلّلت منها تأثيرات
(1/7947)
________________________________________
الحضارة الإسلامية إلى أوروبا. وحين بدأت الأمة الإسلامية تتقهقر متيحة المجال لحضارة الغرب كي تتبوأ الصدارة، خبت أضواء المشاعل التي كانت لا تنطفئ (حركة الترجمة خاصة)، وانكفأ العربي على نفسه غير مكترث بالتغييرات التي تتحكم في العالم حوله، فتضاءل قدره وذهبت هيبته، مما أدى بالعقل العربي إلى أن يكون مطمعاً للطامعين وهدفاً لترويضه بحجة أو بأخرى (غسل فكريّ ـ تعليم غربي ـ عشق الآخرين ـ خلق عدم الثقة في أمته ـ الميل لكل ما هو غربي ـ الإعجاب به من منطلق ثقافي وتكويني ـ زعزعة العقيدة ـ بلبلة التفكير ـ خلق
(1/7948)
________________________________________
عقلية السخط على العروبة والإسلام من منطلق التخلف والإعجاب بحضارة الغرب، إلخ).
... لقد تعامل العربي مع تراث الإغريق، فنقله للعربية. وقد أغناها بالشرح والتعليق (مؤلفات بطليموس وأرسطو وأقليدس وغيرهم) نتيجة ازدهار الثقافة الإسلامية. وعنه ـ أي العربي ـ استطاع المسيحيون أن يحيطوا علماً بما في كتب عرب طليطلة ووجدوا مجال معارفهم يتصل بقدر هائل بجهد هذا العربي الذي تعامل مع المعرفة بمحبة وعشق وإخلاص.
... إن اكتشاف الفكر العربي أحدث اضطراباً في العقلية المسيحية الوسيطية (حسب نظرية دينية خالصة). إن
(1/7949)
________________________________________
المسلمين يملكون ثقافة بالغة العمق ويجب أن يتحاربوا بالعقل بدل قتالهم بالسيف، وذلك لدراسة عقيدتهم وعلومهم. وهذا ما قامت به فرق التنصير والاستشراق مع بداية الحرب الصليبية في حملات الاستعمار الحديثة، وفيما بعد خلال القرن 19 (النصف الثاني) حين بلغ الاستعمار الأوروبي غايته. وفي الوقت نفسه، كان العالم العربي والإسلامي يعاني تدهوراً سريعاً. وهكذا عاد المنصِّرون يتدفقون عليه من جديد: يردون نجاح الأمم الأوروبية إلى المسيحية وإخفاق العالم الإسلامي إلى الإسلام، ويقرنون المسيحية بالتقدم والإسلام بالتخلف.
(1/7950)
________________________________________
فاشتد الهجوم من جديد(1).
... إن الجيل الثاني من المثقفين العرب المسلمين الذي قام بعملية التدوين (تدوين العلوم وتبويبها) ـ وهو جيل واسع عريض ـ يضم فئات مختلفة:
... 1) فئة تصدّت لبناء التراث الديني الإسلامي، جمعاً وتبويباً. وفي مقدمة هؤلاء جامعو الحديث والمفسرون وأصحاب المغازي. وقد قضى كثير من الأئمة الذين كانوا قد اعتزلوا الانخراط في الصراعات السياسية وفضّلوا الاشتغال بالعلم والعبادة.
__________
(1) الطاهر المكي، »الترجمة من العربية إلى اللغات الأجنبية في المجالات الأدبية والإنسانية«، الفيصل.
(1/7951)
________________________________________
... 2) فئة تصدّت لجمع التراث اللغوي والأدب العربي وتبويبه والتأليف فيه نحواً وبلاغة وأخباراً وقصصاً. وقد قضى كثير من هؤلاء جلّ أعمارهم في جمع اللغة من أفواه الأعراب طلباً للفصيح الذي لم تشبه شائبة الاختلاط وجعلوا منه ومنه وحده مادة المعاجم اللغوية التي صنفوها في الألفاظ والمعاني والنوادر والأخبار.
... 3) فئة تجنّدت للدفاع عن العرب والإسلام وردّ هجمات الشعوبية والمانوية خاصة. وهذه الفئة هي التي ارتفعت (بالكلام) من مجرد ممارسة للسياسة بواسطة الدين (قضايا الإيمان والجبر وخلق القرآن نظرية ذات أبعاد
(1/7952)
________________________________________
فلسفية تمحورت حول العقيدة الإسلامية، عقيدة التوحيد أمام انبعاث العقائد القديمة من مانوية وحشوية وتجسيم، إلخ).
... 4) فئة انقطعت ... لدراسة علوم الأوائل وترجمتها والتأليف فيها. فوضعوا بذلك الأساس للنهضة العلمية التي جعلت من الحضارة العربية الإسلامية وريثة الحضارات السابقة ومرجعية ومهمازاً للحضارة الإنسانية المعاصرة التي عرفت ميلادها في أوروبا انطلاقاً من قاعدتين إسلاميتين: طليطلة وصقلّية(1).
__________
(1) محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة العربية.
(1/7953)
________________________________________
... ذلك هو جيل التدوين والترجمة والبناء الثقافي العام.
...
ب ـ الطرح الثاني
... لما نضجت عمليّة التزاوج الفكري بين المسلمين والعرب وشعوب البلدان التي افتتحوها وأقاموا في ربوعها قواعد العدل والمساواة، أخذت تعطي ثمارها الطيبة، وذلك لسعة ما ولجه من الفكر الإسلاميّ من آفاق وما برز فيه من علوم وفنون وما تهيّأ له من تراث الأمم الغابرة. كانت حركة الترجمة والنقل من اللغات الأخرى الشهيرة في ذلك العهد (الإغريقية، السريانية، الهندية، الفارسية، النّبطية، العبريّة) إلى اللغة العربية من العوامل الأساسية التي
(1/7954)
________________________________________
مهدت لتلك النهضة العربية الإسلامية الفريدة التي بهرت العالم وأفاضت عليه أنوار المعرفة والعلم.
... إن التأثير الذي أحدثه »بيت الحكمة« في الفكر العربي الإسلامي من السّعة بحيث لا يستطيع أحد أن يحدد مداه ويعين أبعاده، بالإضافة إلى فتح آفاق جديدة من التفكير في ميادين شتى من العلوم والمعارف. فقد هيأت »بيت الحكمة« مجالات جديدة وواسعة أمام الفكر العربي الإسلامي حيث:
... 1 ـ كانت الفلسفة من الميادين الجديدة التي فتحها »بيت الحكمة« أمام المفكرين المسلمين، وذلك بما أتاحته لهم من وسائل الاطلاع على جميع
(1/7955)
________________________________________
النظريات والآراء التي جاء بها فلاسفة الإغريق واستيعابه والإضافة إليه والإتيان بنظريات جديدة، بعضها يتمم ما جاء به فلاسفة اليونان وبعضها الآخر يعارضه ويظهر بطلانه. وهكذا برزت طائفة جديدة من الفلاسفة المسلمين في المشرق والمغرب، مما لعب دوراً خطيراً في تاريخ الفلسفة وتطوير نظرياتها.
... 2 ـ أما في ميدان الطب، فقد هيأت بيت الحكمة تربة خصبة أمام العقل العربي لأن يقتحم هذا الميدان وتجوّد فيه )ترجمة كتب الطب لدى اليونان والهند والفرس).
(1/7956)
________________________________________
... لقد واكب طلاب العلوم الطبية المؤلفات يقتلونها بحثاً وتمحيصاً وترجمة، لأن التجربة الطبية هي الأساس الأول الذي بنى عليه الأطباء المسلمون والعرب أبحاثهم. كما أنهم كانوا أول من اتّبع طريقة التخصص في الطب وأول من وضع المؤلفات الطبية المصورة التي تشرح مراحل العملية الجراحية.
... 3 ـ كذلك في العلوم الرياضية، فإن العرب هم الذين ابتدعوا علم الجبر ووضعوا العديد من المعادلات الهندسية واكتشفوا قانون حل المثلثات الكروية.
(1/7957)
________________________________________
... 4 ـ استنبط العرب آلات دقيقة لاحتساب الثقل النّوعي للسوائل والجوامد وضغط الهواء والماء.
... 5 ـ أنشأ العرب علم الضوء، وأبدعوا علم الميكانيكا، وبرعوا في صناعة الساعات، واستنبطوا آلة القانون، وزادوا في الموسيقى.
... 6 ـ حسب العرب الاعتدال الصيفي والشتوي بصورة دقيقة، وقاسوا محيط الكرة الأرضية وحساب الميل في فلك الأبراج والخلل في حركة القمر.
... 7 ـ كانت حلقات الدروس والمناظرات تعقد جهاراً، ويشترك فيها مختلف العلماء والحكماء يتناظرون ويناقشون بكل حرية وصراحة.
(1/7958)
________________________________________
... 8 ـ كان النصارى يجادلون المسلمين في قضايا أمورهم الدينية.
... 9 ـ كانت المناقشات التي يخوضها أصحاب الرأي من معتزلة وخوارج ومتصوفين وغلاة الشيعة تتم بكل تسامح ومن دون أدنى ضغط أو إنكار(1).
... تلك هي الصورة التي تعامل بها العربي مع المعرفة، فأعطى الفكرَ العربيَّ والإنسانيَّ عموماً عصارة جهد لوجه الله ولوجه المعرفة ولوجه العلم.
4 ـ موازنة عصر: انحلال أم إمدادات جديدة؟ (الغرب نموذجاً)
__________
(1) سليم طه التكريتي، »بيت الحكمة وأثرها في تطوير الفكر الإسلامي«، مجلة الأقلام، 1997.
(1/7959)
________________________________________
... نسمّي عصرنا الحالي عصر العلم، عملاً بقوله تعالى: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً} (الإسراء، الآية 85)، والدين يأمرنا بالنظر في ملكوت السماوات والأرض في محاولة لقراءة الأفكار (الحيوانات، الأفلاك، البحار، الفضاء). والحضارة هي عطاء الإنسان (عقله وروحه ووجدانه…) وقف عقله وراء تجاربه، يدرك الأشياء ويربط بينها، ويحلل ويستنتج ويستشف، يصل إلى جوانب السؤال الذي طرحه عليه واقعه. ذلك بأن الفكر الإسلامي، ومنه العربي، انتشر لا انتشار العمود الإغريقي في أنحاء الأرض كما هو دون تغيير. ولكن الفكر العربي
(1/7960)
________________________________________
والفن الإسلامي والإبداع العربي انتشر الانتشار الديمقراطي الذي يتيح لكل إنسان أن يشارك ويضيف(1).
... ما يميز الحضارة الإسلامية أنها نجت من داء الحضارات، وهو الانحلال والاضمحلال، لأن أساسها ليس عنصراً بشرياً، ولأن حضارة الإسلام والعربية قامت بالإسلام وتدهورت بالمسلمين، عرباً وعجماً، دون الإسلام. فالإسلام قيم ونظم وتشريعات وإنسانيات(2).
__________
(1) نعمات أحمد فؤاد، من عبقرية الإسلام، دار المعارف، مصر، 1983.
(2) المرجع نفسه.
(1/7961)
________________________________________
... إن الحضارة الغربية الحديثة الآن تنسب أصولاً ـ باستثناء المنصفين منهم ـ إلى الحضارة الإغريقية، أي الهيلينية، وهي قامت على الحضارة المصرية؛ كما أن الحضارة الإسلامية قامت بترجمة الحضارة الإغريقية، فوفرت على أوروبا ألف عام على الأقل(1).
... خلال القرن العشرين، اشتهر من العلماء من أغنى الحضارة الحديثة بالبحوث والإبداعات والاختراعات والصناعات. نقرأ أسماءهم فنندهش لما حققوه في الغرب لمّا تعامل العالم الغربي مع المعرفة بتشجيع، فأثرى الساحة وأبدع. وفيما يلي جرد لعلماء القرن الماضي
__________
(1) المرجع نفسه.
(1/7962)
________________________________________
قياساً بالغير (31 غربيّاً/ 1 عربي).
... 1 ـ سيغموند فرويد (1865 ـ 1939): عالم النفس الشهير الذي أرسى قواعد التحليل النفسي (كمعالجة المعافين وتفسير الأحلام).
... 2 ـ ماكس بلانك (1858 ـ 1947): عالم الفيزياء الذي وضع نظرية الكمّ التي تؤكد أن الطاقة لا تصدر بشكل متواصل من الأجسام المشعّة، بل بكميات خفيفة. وظهرت هذه النظرية عام 1900.
... 3 ـ هانز شيمان (1896 ـ 1941): عالم الأجنّة الألماني الذي أثبت خلال سنة 1900 أن خلايا الجنين تحمل كل المعلومات الوراثية اللازمة لنمو أعضاء جديدة. ...
(1/7963)
________________________________________
... 4 ـ جويلمو ماركوني (1874 ـ 1937): عالم الفيزياء الإيطالي الذي أجرى أول اتصال لا سلكي عام 1901 عبر المحيط الأطلنطي؛ كما اكتشف الموجات القصيرة واستعان بشفرة »مورس« لوضع النظام اللاّسلكي. حصل على جائزة نوبل في الفيزياء سنة 1909.
... 5 ـ إيلي إيميل فون بيرنغ (1917 ـ 1954): طبيب ألماني منح جائزة نوبل للمرة الأولى في مجال الطب لجهوده في تطوير العلاج بالمصل وخصوصاً لمرض الدفتريا سنة 1901.
... 6 ـ فيلهيلم كونوادرو نتجن (1845 ـ 1923): طبيب ألماني حصل على جائزة نوبل في الفيزياء سنة 1901، تقديراً
(1/7964)
________________________________________
لاكتشافه أشعة »روتنجن« التي تعرف بـ»أشعة إكس«.
... 7 ـ هنري بيكريل (1852 ـ 1908): عالم الفيزياء الفرنسي. يحدد مصدر الإشعاعات الغامض (ذرّات اليورانيوم). وهذا الاكتشاف (1901) أول دليل على أن الذّرّة هي أصغر وحدة للأشياء لها بنية داخلية.
... 8 ـ إيميل فيشر (1852 ـ 1919): عالم الكيمياء الألماني الذي اكتشف عام 1902 تركيبة للأدوية المهدئة للأعصاب (بتعرُّف السّكّر في الأنسجة والبروتينات). منح جائزة نوبل في الكيمياء عام 1902.
(1/7965)
________________________________________
... 9 ـ ماكس تيلر (1899 ـ 1972): طبيب باحث نجح في إعداد لقاح لمرض الحمّى الصفراء (1937). وكان أول مواطن من جنوب أفريقيا يحصل على جائزة نوبل في الطب سنة 1951.
... 10 ـ كاري سكلودورفسكا كوري (1867 ـ 1934): عالمة فرنسية بولونية الأصل. زوجها هو الفرنسي بيار كوري (1859 ـ 1906). منحت جائزة نوبل في الفيزياء سنة 1903، لاكتشافها عنصري الرّاديوم والبلوتونيوم. وقد مهّد اكتشافها للأبحاث الحديثة في مجال الفيزياء النّوويّة.
(1/7966)
________________________________________
... 11 ـ إيفان بياروفيتش بافلول (1849 ـ 1936): طبيب روسي اكتشف من خلال أبحاثه مدى تأثير الجهاز العصبي على إفرازات المعدة والبنكرياس. وقد منح جائزة نوبل في الطب عن أعماله عام 1904.
... 12 ـ ألبرت أينشتاين (1879 ـ 1955): عالم ألماني وأحد عظماء القرن العشرين. وضع نظرية النّسبيّة التي تحدد الأفكار الأساسية (الزمان، المكان، الكتلة، الحركة، الجاذبية) التي نعتمد عليها لوصف الأحداث الطبيعية. وقد أدت نظريته هذه عام 1905 إلى إعادة النّظر في نظرية الفيزياء والرياضيات والفلك.
(1/7967)
________________________________________
... 13 ـ روبرت كوخ (1843 ـ 1910): طبيب ألماني مكتشف مسببات مرض السّلّ. منح جائزة نوبل للطب سنة 1905.
... 14 ـ أوغيست فون فاسرمان (1866 ـ 1925): عالم الجراثيم والمناعة الألماني. قام بتطوير تحليل للدم للكشف عن الإصابة بمرض الزّهري سنة 1908.
... 15 ـ بول إيريش (1854 ـ 1915): طبيب ألماني اخترع مادة الأرسينوبترول أول دواء كيميائي في تاريخ الطب يستخدم في علاج مرض الزّهري سنة 1909 (منح عن اكتشافه هذا جائزة نوبل في الطب سنة 1908).
(1/7968)
________________________________________
... 16 ـ برتراند راسل (1832 ـ 1913): وألفريد نورث وايتهد (1861 ـ 1947): الفيلسوفان وعالما الرياضيات البريطانيّان. وضعا مبادئ منطق الحساب سنة 1910 والتي طبّقت بعد ذلك في علم الاجتماع والتعليم والسياسة.
... 17 ـ ألكني كاريل (1873 ـ 1944): جرّاح فرنسي أثبت عام 1912 أن الأنسجة يمكن أن تعيش بعيداً عن الأعضاء التي اقتطعت منها إذا تمّت تغذيتها بشكل سليم. حصل على جائزة نوبل في الطب سنة 1912، تقديراً لأبحاثه في مجال جراحة الأوعية الدّموية وزرع الأعضاء والأنسجة.
(1/7969)
________________________________________
... 18 ـ توماس ألفا إديسون (1847 ـ 1931): المخترع الأمريكي لأول مصباح كهربائي يتّسم بالأمان لاستخدامه في المناجم (1914). وكان قد اخترع الفوتوغراف والتلغراف والآلة الكاتبة والبطّارية والميكروفون وطوّر آلة السينما.
... 19 ـ أدين هابل (1889 ـ 1935): عالم الفلك الأمريكي يكتشف عام 1919 وجود نجوم لا يبقى لمعانها ثابتاً على مر الزمان. وقد أدّى هذا الاكتشاف إلى تحديد المسافات بين المجرّات. وفي سنة 1923 أثبت وجود مجرّات أخرى غير مجرّاتنا في الكون.
(1/7970)
________________________________________
... 20 ـ روبرت أندروز ميليكيان (1868 ـ 1953): عالم الفيزياء الأمريكي. اكتشف الأشعة الكونيّة عام 1925، وهو من أبرز العلماء الأمريكيين الذين ساهموا في دراسة الشحنات الكهربائية للإلكترونيات الذّرية ونجح في قياس كثافة الأشعة الكونية.
... 21 ـ ألكسندر فلمنغ (1881 ـ 1955): عالم البكتيريا البريطاني الذي اكتشف البنسلين بمحض الصدفة عام 1929. رأى الفطر ينمو في طبق نسيه في معمله ويدمّر البكتيريا من حوله.
... 22 ـ غراهم بيل (1847 ـ 1922): اخترع التلفون، أشهر وسيلة اتصال.
(1/7971)
________________________________________
... 23 ـ جيمس تشار دويك (1891 ـ 1974): عالم الفيزياء البريطاني. اكتشف النيترون وإحدى الجزئيات التي تتألف منها نواة الذّرة (1932). منح جائزة نوبل للفيزياء عام 1935.
... 24 ـ فريدريك جوليو (1900 ـ 1958) وزوجته إيرين جوليو كوري (1897 ـ 1956): عالما الفيزياء الفرنسيان اكتشفا العناصر المشعّة، وحصلا على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1935.
... 25 ـ روبرت أتسون وات: عالم بريطاني وضع تصميماً لجهاز يكشف وجود طائرة من صدى الصوت. وقد أدّى هذا الاختراع إلى إنتاج محطات الرادار التي أقيم أربع منها سنة 1936.
(1/7972)
________________________________________
... 26 ـ بول مولر (1899 ـ 1956): عالم الكيمياء السويسري اكتشف خواص »دي دي تي« بما هو مبيد للحشرات وفاعليتها. منح جائزة نوبل عام 1948.
... 27 ـ أنريكو فيرمى (1901 ـ 1954): عالم الفيزياء الأمريكي الإيطالي الأصل. نجح في توليد أول مفاعل نووي مسلسل سنة 1942. حصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1938.
... 28 ـ ويلارد ليي (1908 ـ 1980): عالم الكيمياء الأمريكي. استطاع مع مجموعة من الباحثين (1946) تطوير طريقة تحديد التاريخ باستخدام اشعة الكربون، وذلك لتعرُّف عمر بعض الأشياء. منح جائزة نوبل في الكيمياء سنة
(1/7973)
________________________________________
1960.
... 29 ـ جيمس واتسون: عالم الأحياء الأمريكي (1928) وفرانسيس كريك (1916) عالم الفيزياء الحيوية البريطاني يتوصلان لتركيبة الحامض النووي الريي سنة 1953، ويضعان تصوراً لرموز كيميائية حيوية يمكن أن تنقل معلومات وراثية متنوعة.
... 30 ـ كريستيان برنار: طبيب فرنسي قام بأول عملية ناجحة لزرع قلب بشري في جنوب أفريقيا.
... 31 ـ أحمد زويل (1974): العالم المصري العربي الوحيد (الأمريكي الجنسية). توصل إلى إنجاز خطير سيحدث ثورة علمية ـ توصل لوسيلة لرصد سلوك الجزئيات أثناء التفاعلات الكيميائية؛ وكان هذا
(1/7974)
________________________________________
مستحيلاً من قبل، لأن سلوك الذّرّات أثناء التفاعلات يحدث بسرعة فائقة تصل إلى جزء من مليون ميل، أي 1210 من الثانية.
... وقد تمكن من استخدام اللّيزر في رصد الأحداث في عالم الذّرّات، وهو ما سيؤثر في العلوم البيولوجية في القرن العشرين(1).
... وهكذا كان القرن الماضي حافلاً بالإنجازات والاكتشافات والاختراعات، لأنه قفز بالإنسان خطوة هائلة نحو عالم تحكمه التكنولوجيا. وهي محطات هامة في تطور العلوم وتقدّمها وطفرة علمية غيرت حياة الإنسان.
__________
(1) مقال تفصيلي في جريدة البيان، تونس، يناير، 2001.
(1/7975)
________________________________________
5) الانعكاس والتأويل
... إذا كان العلم الحديث قد قام بدافع السيطرة وليس بدافع الحب (نشأ من تطلع الغرب إلى استعمار الشّرق)، فإنه أثمر القوة ولم يثمر الرحمة، اهتم بالسرعة ولم يهتم بالكينونة. وهذا، بالرغم من أن حضارة الغرب أضافت إلى تراث الإنسان (التنظيم الذي يتطلبه العلم الحديث بالفهرسة والتصنيف حتى لا يضيّع وقته في جهد مكرّر (التصنيف يعني تكنولوجيا)، أي تطبيق العلم بالتصنيع، وأن التحرر المعنوي مع استيعاب التراث يعين على إعادة بناء الشخصية وحمل أمانة التاريخ.
(1/7976)
________________________________________
... إن الكساء الخارجي (عارية) لا يصنع شخصية ولا يكسب جنسية إلا إذا كان نابعاً منها، منسوجاً من خيوطها. ونريد من العربي أن يكون قادراً على العطاء دون تبعية ولا رجعية ولا انعزال، بلا نزعة عدائية للشرق أو للغرب، بلا استعلاء أو استخذاء، بلا تعصّب.
... ولعل من أهم مقتضيات إحياء الفكر العربي وتفعيل حضوره المعرفي ووضعه في السياق الصحيح الذي يتناسب والإرث الحضاري التليد للأمة أن يعاد النظر في مراكز البحث الجامعي في العلوم الإنسانية والرياضية والفيزيائية، وفي ما يلقي من دروس نظرية وأشغال تطبيقية
(1/7977)
________________________________________
بالجامعات العربية مشرقاً ومغرباً، ممّا يؤدي إلى التمكّن من خلق عقلية منتجة تتعامل مع المعرفة ووسائلها المتعددة بعيداً عن »الأنا« والاستهلاك والوظيفة فيما بعد ولا شيء بعد ذلك. وبهذا يمكن صياغة الإنسان العربي من جديد في ضوء القيم القديمة التي تعامل معها العربي في البحث عن المعرفة وتوظيفها لفائدة الغير والتاريخ، وحتى تعود للعلم وللمعرفة بصفتهما كلاًّ قيمتهما في ذاكرته ووعيه، لأنه لا وجود ولا مستقبل لأمة بلا عقيدة تجمع عليها وتتجمع حولها اعتناقاً وتمضي بها سلوكاً لا يعرف الازدواج. وذلك يتم:
(1/7978)
________________________________________
... 1) بالعودة لأصولنا العقيدية عودة تتجاوز المناداة بالشعار إلى النهج الذي بنى عليه رواد هذه الحضارة الشامخة أنفسهم أولاً، فبنوا مع ذلك دولاً عظمى حفظت لإنسانها علماً رفيعاً في الخارج؛ كما تمتّع في ظلال تلك الأعلام الكبرى بكرامته وأمته ورخائه.
... 2) لا وجود ولا مستقبل لأمة بلا تاريخ تحبه وتعتز به أجيالها.
... 3) لا وجود ولا مستقبل لأمة بلا لغة واحدة تفهم بها عقيدتها وتزن بها تاريخها وتتفاهم بها أجيالها بعيداً عن استفحال الشتات تركيزاً في القلب، حيث نشأت اللغة وانطلقت العقيدة(1)
__________
(1) مجلة رسالة الخليج، س 8، 1988.
(1/7979)
________________________________________
.
... يجب أن نتصرف في الأزمة الثقافية العميقة برؤية حضارية توضح كافة مواردنا المتاحة للخروج من القطيعة المعرفية. ويشمل هذه المواد أساساً في الإيمان بقيمة العلم والتشجيع على البحث والإضافة العلمية للإنسانية والتفتح على الثقافات واللغات الأخرى.
... العربي اليوم يهزه التقدم العلمي والتكنولوجي وقد فرض عليه:
... 1 ـ الاعتقاد بوجود الأسرة البشرية وحق الجميع في حياة كريمة.
... 2 ـ الأخذ بعقلانية الثقافة مهما اختلفت أصولها وأهدافها ومصادرها.
... 3 ـ بروز بيروقراطية وسيطرتها على العمل الثقافي.
(1/7980)
________________________________________
ولذلك، فالعربي اليوم:
1 ـ فكره غير متناسق وغير منسجم بصفة واضحة، صفته الاستقلالية والمصلحيّة. وهو مهمش أمام الغزو الثقافي والعلمي ـ الغربي ـ في ظل العولمة الحائزة.
2 ـ مستسلم، لأنه يشعر بضعف دائم من منطلق إرادة استعمارية سابقة (لغة، اقتصاد).
... 3 ـ تباعد سياسي وتربوي يسبب في تعطل الفكر من منطلق الخلق والإبداع والمبادرة. وهذا التباعد خلق تأخراً في التوحد الجغرافي الذي أدى إلى تعطل الفكر عن تلاقحه عربيّاً فدوليّاً.
(1/7981)
________________________________________
... إن إشكالية الثنائية (الحداثة والتراث) قد تؤدي بهذا العربي اليوم إلى التباعد والذوبان، مع وجود عدم فهم للدور الفكري الذي يجب أن يؤديه في الوقت الحاضر أمام التحديات الأخرى، وأن يتميز سلوكه المعرفي بالجرأة والفاعلية في اقتحام النظريات العلمية والتعامل معها وتطويعها لخدمة مجتمعه ووطنه، وذلك بلغته، دون تهميش أو ذوبان، جاعلاً نصب عينيه مبدأ »التفكير لأنفسنا وأن لا يفكر الغير لنا«.
...
6 ـ المعوقات
... إن ما يعاني منه العربي اليوم في محيطه وفي مجتمعه وفي كيانه أيّاً كان، هو:
(1/7982)
________________________________________
... 1) التبعية الثقافية: فبالرغم من تخلص الأوطان العربية من الاستعمار السياسي المباشر، فإنها ما تزال تعاني من مخلَّفات التبعية والاستلاب الثقافي. ويتمثل ذلك في إغراق المجتمع العربي بمواد مناهضة تعمل على انفصام شخصيته بمواد تكنولوجية غالباً ما تكون غير ملائمة وصار يعتبرها ضرورية. فكفّ عن الإنتاج والإبداع. وهذه هي المأساة.
... 2) التغريب وهجرة الكفاءات: لا يتحقق استقرار العربي في وطنه إلا بتوفير العمل المناسب حتى يسهم في التنمية الثقافية والفعل الثقافي.
(1/7983)
________________________________________
... 3) وجود العوائق التي يصنعها الآخر ويُساعد على تبنيها، وهي عوائق تحول دون تبادل الأفكار والآراء ووسائل نشر الثقافة المنقولة، وأخصها الكتاب والصحيفة. وهكذا يعيش العربي في محيطه مجهولاً، لأن إنتاجه الفكري محدود الحضور، وبالتالي غير ميسور لتقديمه للباحثين خارج وطنه وفي محيطه العربي خاصة.
... 4) تحرص النخبة في المجتمع على أن يدرس أبناؤها في المدارس الخاصة، وفي الجامعات الحرة، وفي الجامعات الغربية والأمريكية بالخصوص.
(1/7984)
________________________________________
... 5) عامل الفقر الذي يصنع التخلف المعرفي والاجتماعي والتربوي. وهو من العوامل التي ركز عليها المستعمر، مما جعل العربي يقلّل من حظوظ التعامل مع قنوات المعرفة أيّاً كان نوعها، ولأن التفكير اليوم في العيش والخبز يجعل هذا الإنسان يقصر تفكيره المعرفي على توفير القوت وضمان العيش والحياة له ولمحيطه ليس غير.
7 ـ التّحدَّيّات
... تتمثل التحديات المطروحة على المجتمعات العربية وفي مقدمتها النخبة المنتجة للفكر في أن على هذه المجتمعات أن تعمل بقواها الثقافية الفاعلة على بلورة شخصية جديدة لتغيير مقولة إن
(1/7985)
________________________________________
المفكرين المعاصرين استعادوا أجهزتهم المعرفية من مفكري عصر النهضة من جهة ومن مفكري الغرب من جهة ثانية. لهذا كانوا عاجزين عن تقديم نظرية للعقل العربي متكاملة، وكان فكرهم فكراً تراكمياً، مما جعلهم سجناء العقل الغربي ومفاهيمه. فالمفكرون العرب لم يسائلوا العقل العربي ولم ينقدوه، وظلوا بذلك أسرى تصور للعقل الواحد(1).
... إن أبرز معالم التحدي لدى العربي اليوم وغداً هو أن يعمل في محيطه على:
__________
(1) الشاذلي الساكر، مجلة الإذاعة والتلفزة التونسية (ندوة)، 24/1/1994.
(1/7986)
________________________________________
1 ـ بناء قدرته حتى يشحن الفعالية الروحية في الأمم كلها.
... 2 ـ استيعاب ثقافة العصر استيعاباً كاملاً.
... 3 ـ تبني أساليب الحضارة المعاصرة أو إبداع البدائل. ...
... 4 ـ حماية المنجزات الحضارية للأمة.
وإن العناصر البارزة لجوانب التحدي الحضاري تكمن في:
... أ ـ العقيدة بصفتها عنصراً بارزاً في معركة التحدي والبقاء.
... ب ـ الرصيد الإنساني والاجتماعي.
... ج ـ القيم والمثل والمبادئ.
... وبالنظر للموضوع وجوانبه المتشعّبة، نجد أنه مكتوب فيه، والمؤلفات التي مست أحد جوانبه متوافرة بدءاً بـ"ـالقرآن"،
(1/7987)
________________________________________
وكيف تعامل العرب مع ما فيه من أخبار تاريخية للأمم الخالدة، وكيف أن العرب الجاهليين ردوها إلى أساطير الأولين، وكيف أعطاها المؤمنون ما تستحقه من أهمية، خصوصاً تلك التي لم يأت ذكرها في "التّوراة" و"الإنجيل"، ثم كيف تعامل العرب مع المعرفة خلال القرون الوسطى الإسلامية الأولى وما تبع ذلك من إشعاع الثقافة العربية وازدهار المعرفة وأسباب انحطاطها.
8 ـ الأماني
... ما أتمنى ان يكون أمام العربي في تعامله مع المعرفة:
... 1 ـ أن يخرج من الفردية إلى الجماعية (تشخيص الداء ووضع الحلول).
(1/7988)
________________________________________
... 2 ـ المنطلق من التراث العربي والإسلامي قراءة ودارسة وتحليلاً وإنتاجاً باعتباره أكبر إنجاز للثقافة العربية والإسلامية معاً.
... 3 ـ بناء شخصية عربية متمثلة في:
... أ ـ اقتصاد متين.
... ب ـ مجتمع سليم.
... ج ـ فكر حر.
... د ـ حب مفتوح للإبداع والإضافة.
... 4 ـ العمل على أن يقترن الفكر الحديث في ذهن الآخرين بالعلم.
... 5 ـ اقتران العمل اليدوي بالعمل الفكري. وإذا انعزل أحدهما عن الآخر، تجبر الذّهن. وهذه هي المأساة (الذهن في ناحية بلا قلب، واليد في ناحية بلا فكر، بلا روح. وساءت النتيجتان).
(1/7989)
________________________________________
... 6 ـ العمل على أن تترجم اليد عن نفس واعية وحساسية مثقفة متدينة لتعد قوة خالقة وطاقة حيوية.
... إذا كان الهدف من العلم هو إيجاد القانون، فهدف الصنعة تيسير الوسيلة، وهدف الفكر تحقيق القيمة. والقيمة معنى جامع لاستئناف العلم والعمل.
... ما يستنتج من كل هذا:
... 1) قديماً، كان دور طلبة العلم جاداً من أجل البحث والمعرفة (جمع اللغة، تدوين الحديث، تلقّي أصول الشعر العربي، البحث عن نظريات علمية، الجري و.... للظفر بمعلومة ما، قراءة مخطوط أو نقله، أو إنجاز التجارب الكيميائية). يظهر حرصهم على تسخير
(1/7990)
________________________________________
طاقاتهم ووقتهم من أجل المعلومة من خلال السّفر وتعرّضهم للمتاعب والجوع والمخاطر دون مقابل من أجل الغير. وبذلك أبدعوا وأفادوا الإنسانية، والأمة العربية بالخصوص، بما حصلوا عليه وأشاعوه.
... 2) اليوم، أصبحت المعلومة أداة ووسيلة للذّات وفي المجتمع العربي والإسلامي صارت المعلومة من أجل »الأنا« »مادية بحتة« للحصول على الرفاهية وبناء علاقات وظائفية في أنانية صرف.
... 3) النتيجة:
... أ ـ التعامل مع المعرفة في بعض الأوطان العربية أوجد أناساً عاجزين عن الإبداع (الطلبة يتلقون معلومات في مجال معين).
(1/7991)
________________________________________
... أي نعم
الطالب يتلقّى المعلومة ولا يبدع ولا يساهم في إيجادها (مستهلِك). وهذه القصية التربوية والحضارية معاً من شأنها أن تخلق إشكالية أخرى عند التخرج ومباشرة الحياة. والكثير منهم يندمج في المجتمع ويصير فيه مستهلِكاً إلا قلّة قليلة تحاول أن تكون طرفاً في العملية الإبداعية (كالعلوم الإنسانية وغيرها).
... تبقى إشكالية أخرى جديرة بالاهتمام والدرس، وهي التساؤل عن كيفية الاستفادة من التراث والإضافة إليه، وهو تساؤل يتضمن في صلبه إشكالية »رتق تعامل العربي مع المعرفة«.
(1/7992)
________________________________________
... ب ـ بخصوص هجرة الكفاءات العربية للغرب مثلاً:
... لا يتوفر للعربي في بلده مجال المشاركة والإبداع (مراكز البحوث محدودة الفاعليّة، المخابر القاصرة على أداء ما يمكن أن يحتاجه غداً، المعارف في مستوى الجامعات محددة بشكل لا يجعلها وظيفية عند التخرج.
... ـ غياب رؤية واضحة للبحث في سياق التنمية بمفهومها الواسع.
... ـ الركض وراء الآخر بحجة أو بأخرى.
... ـ إن مثل هذه الإشكالات تجعل العربي يتعامل مع المعرفة خارج الوطن، لأن:
1) الكفاءات العلمية متوافرة عند الطلب وبلا معوقات.
(1/7993)
________________________________________
2) مراكز البحوث مفتوحة للتكوين والاستفادة فالإبداع.
3) المغريات المالية التي تقدمها الحكومات الغربية (منح دراسية، منح بحث، منح تأطير، تشغيل).
4) الحضور العلمي الذي يضمن الإشعاع والاستمرار والفاعلية.
5) وضوح الرؤيا العلمية من منطلق إيمان الغرب بالعلم والمعرفة.
... علينا إذن أن نقرأ تاريخنا العلمي والمعرفي بصدق ونعلّم أبناءنا بموضوعية كاملة وندربهم على البحث والتعامل مع المعلومة بأن نغرس فيهم الثقة والقدرة على التعامل مع المعرفة كالآخر، وأن ندرس بصدق وبعلم وبحكمة كل فجوات في التكوين المعرفي لنضمن
(1/7994)
________________________________________
استمرارنا ومساهمتنا من جديد في التراث الإنساني.
...
...
المراجع والمصادر
الكتب:
تاريخ العلوم عند العرب، إعداد مجموعة من الأساتذة، بيت الحكمة، تونس، 1990.
الأدباء العرب في مواجهة التحديات (ندوة)، منشورات الاتحاد العام للأدباء العرب، عمان ـ الأردن، 1992.
ملتقى أحمد بن أبي الضياف للفكر السياسي والاجتماعي الحديث (ندوة)، سليانة، تونس، 1989.
إبراهيم زيدان، في الفكر والثقافة والعلوم، عمان، 1992.
الأمير علي، مختصر تاريخ العرب، بغداد، 1928.
أحمد أمين، ضحى الإسلام.
جرجي زيدان، تاريخ التمدن الإسلامي.
(1/7995)
________________________________________
مصطفى صادق الرافعي، تاريخ آداب العرب.
ـــــ ـــــ ـــــ ، وحي القلم.
حنا الفاخوري، تاريخ الأدب العربي.
أندريه ميكال، الإسلام وحضارته، ترجمة الدكتورة زينب عبد العزيز.
الأمير شكيب أرسلان، لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟
محمد كرد علي، غرائب الغرب.
ول ديورانت، قصة الحضارة، ترجمة محمد بدران.
محمد مفيد الشّوباجي، العرب والحضارة الأوروبية، مصر، 1961.
محمد عابد الجابري، المثقفون في الحضارة العربية.
(1/7996)
________________________________________
محمد عبد المولى، تطور الفكر الاقتصادي والاجتماعي عبر العصور. بحث سوسيولوجي. (موقف الفكر العلمي من ظواهر التخلف في الوطن العربي)، تونس، 1986.
حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، القاهرة، 1964.
محمد القاضي وعبد الله حولة، الفكر الإصلاحي عند العرب في عصر النهضة، تونس، 1992.
علي أومليل، الإصلاحية العربية والدولة الوطنية، لبنان، 1985.
مفرح بن سليمان القوسي، الشيخ مصطفى صبري وموقفه من الفكر الوافد، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات، السعودية ـ الرياض، 1997.
(1/7997)
________________________________________
أنور الجندي، العالم الإسلامي والاستعمار السياسي الاجتماعي والثقافي، لبنان، 1979.
الحبيب الجنحاني، »الثقافة العربية المعاصرة«، من قضايا الفكر، مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية، تونس)، تونس، 1975.
لبيب عبد الستار، الحضارات، لبنان، 1974.
ــــ ــــ ، أحداث القرن العشرين، لبنان، 1977.
أحمد بهاء الدين، المثقفون والسلطة في عالمنا العربي، سلسلة كتاب العربي 38، الكويت، 1999.
توني أ. هف، فجر العلم الحديث، ترجمة محمد عصفور، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 2000.
(1/7998)
________________________________________
وحدة الثقافة العربية (ندوة)، منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، عمان، 1993.
محمد السويسي، أدب العلماء إلى نهاية القرن الرابع هجرية.
محيي الدين صبحي، قضايا الثقافة العربية المعاصرة.
عبد الكريم غلاب، الفكر العربي بين الاستلاب وتأكيد الذات، تونس.
المجلات:
مجلة الأقلام، بغداد.
التاريخ العربي، الرباط (المغرب).
الحياة الثقافية، تونس.
مجلة 7 نوفمبر، تونس.
الإتحاف، سليانة، تونس.
الدوحة، قطر.
الفيصل، الرياض (السعودية).
الهداية، تونس (المجلس الإسلامي الأعلى).
الرّافد، الشّارقة (الإمارات).
(1/7999)
________________________________________
المؤرخ العربي، بغداد.
الفكر العربي، لبنان.
الوحدة، الرباط (المغرب).
التنوير، تونس (معهد أصول الدين).
أفاق عربية، بغداد.
الصحف:
القدس، لندن.
العرب، لندن.
الصّباح، تونس.
البيان، تونس.
الشروق، تونس.
(1/8000)
________________________________________
تقييد جديد حول النقود والأوزان والمكاييل المغربية في القرن السابع الهجري (تقديم وتحقيق)
... ... ... ... ... الأستاذ محمد الشريف
... ... ... كلية الآداب ـ تطوان
... تظل عملية »تحديد الأوزان والمكاييل والنقود من أصعب المهام المنوطة بالتاريخ الاقتصادي للغرب الإسلامي وأولى الخطوات التي ينبغي القيام بها لتتجاوز أي دراسة حول الاقتصاد المغربي الطابع الوصفي الكيفي إلى التدقيق العلمي الإحصائي الدقيق«(1)
__________
(1) ... انظر الدراسة التي أفردناها لكتاب أحمد العزفي، "إثبات ما ليس منه بد لمن أراد الوقوف على حقيقة الدينار والدرهم والصاع والمد" (تحت الطبع ضمن منشورات المجمع الثقافي، أبو ظبي ـ الإمارات العربية المتحدة).
(1/8001)
________________________________________
. فالمؤرخ يجد نفسه داخل مشاكل أساسية، لأن عدم فهم النقود وآليات الوزن والكيل داخل الوظيفة الاقتصادية لمجتمع القرون الوسطى في الغرب الإسلامي يؤدي إلى خلل داخل المفاهيم الأساسية في المنظومة الاقتصادية(1). ونعتقد أنه إلى جانب المسكوكات الموجودة في المتاحف وفي
__________
(1) ... Chalmeta Pedro, «Monnaie de compte, monnais fiscale et monnaie réélle en Andalus », in Documents de l’Islam médiéval. Nouvelles perspectives de recherche, Institut français d’archéologie orientale du Caire, 1991, p. 65 sq.
(1/8002)
________________________________________
الكاتالوغات المختلفة. هناك نصوص كتابية حول العملة والأوزان والمكاييل لا يجب إغفالها أو التقليل من أهميتها في أي مشروع يروم كتابة تاريخ اقتصادي علمي دقيق للغرب الإسلامي. وعدم أخذ تلك النصوص بعين الاعتبار قد يدفع بنا إلى مزالق منهجية ويوصلنا إلى خلاصات غير دقيقة(1)
__________
(1) ... مثل تلك التي وصل إليها عز الدين أحمد موسى، أحد الباحثين في التاريخ الاقتصادي للغرب الإسلامي في العصر الوسيط، من أن دول المغرب لم تبذل جهداً لتوحيد الموازين والمكاييل المستعملة في العمليات التجارية (انظر كتابه: النشاط الاقتصادي في الغرب الإسلامي، دار الشروق، بيروت، 1983، صص. 297 ـ 298).
(1/8003)
________________________________________
.
... لقد عمل فقهاء المغرب والأندلس وعلماؤها على حل المشاكل التي تطرحها عملية الصرف والمعادلات انطلاقاً من الدرهم الفضي والدينار الذهبي وتقسيماتهما الفرعية، وذلك بهدف الوصول إلى نظام موحد للأوزان والنقود. لذلك لا غرابة إن كثر ما سماهم صاحب "الدوحة المشتبكة" »أصحاب المقادير«(1)، أي العلماء الذين اجتهدوا في تدقيق وزن النقود والمكيلات والأوزان بهدف تقديم إطار واضح لدفع الضرر وفق مصادر التشريع الإسلامي وأعراف كل بلد؛ لأن أنظمة الكيل والوزن
__________
(1) ... أبو الحسن المديوني، الدوحة المشتبكة، ص. 140.
(1/8004)
________________________________________
المستعملة كانت تختلف باختلاف الفترات الزمنية وباختلاف المناطق، بل وداخل المنطقة الواحدة؛ كما كانت تحدد في أغلب الأحيان بالاستناد إلى العرف. وإلى ذلك يشير ابن خلدون قائلاً »صار أهل كل أفق يستخرجون الحقوق الشرعية من سكتهم، بمعرفة النسبة التي بينها وبين مقاديرها الشرعية«(1). وبغض النظر عما تتضمنه كتب الحسبة والمؤلفات الفقهية النظرية الكلاسيكية وغيرها من تدقيقات في هذا الموضوع، فإن التآليف في هذا الميدان قليلة جداً. وجلها لم يصلنا
__________
(1) ... ابن خلدون، المقدمة، دار الكتب العلمية، بيروت، 1992، ص. 277.
(1/8005)
________________________________________
وما وصلنا ما يزال مخطوطاً وأقله هو المطبوع المتداول.
... نشير في هذا الصّدد إلى بعض التصانيف التي وصلتنا من الغرب الإسلامي، وعلى رأسها:
... ـ "مقالات وتنبيهات في المكاييل والأوزان" لأبي بكر بن خلف المواق، قاضي فاس (ت, 559 هجرية/ 1202 م) (1).
... ـ "ذكر مقدار النصاب الذي تجب فيه الزكاة من الذهب والفضة" لأبي محمد عبد الواحد بن محمد الباهلي الغافقي(2)
__________
(1) ... نشرها R. Brunschvig, «Esquisse d’histoire monétaire almohado-hafside », in
Etudes d’Islamologie, T. 1, Paris, 1976, pp. 97-98.
(2) ... مخطوط الخزانة العامة (الرباط) ضمن مجموع رقمه 1586، د، ص. 40 ق ـ 43 ق.
(1/8006)
________________________________________
.
... ـ "الدوحة المشتبكة في ضوابط دار السكة" لأبي الحسن علي بن يوسف الحكيم(1).
... ـ "فتوى" لأبي محمد عبد الحق بن عطيّة أصدرها سنة 616 هـ احتفظ بها ابن الجياب في كتابه "التقريب والتيسير لإفادة المبتدين [أو المبتدئة] بصناعة مساحة السطوح"(2)
__________
(1) ... نشر حسين مؤنس، صحيفة معهد الدراسات الإسلامية في مدريد، المجلد 6، 1958، العدد 1 ـ 2.
(2) ... أبو طاهر محمد ابن الجياب المرادي (حوالي 680 هـ)، التقريب والتيسير لإفادة المبتدين بصناعة مساحة السطوح، مخطوط الإسكوريال، رقم 929؛ وينقل عنها الخزاعي (تخريج الدلالات السمعية، تحقيق د. إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1985، صص. 599، 602، 604).
(1/8007)
________________________________________
.
... ـ "إثبات ما ليس منه بُدّ لمن أراد الوقوف على حقيقة الدينار والدرهم والصاع والمُدّ" لأبي العباس أحمد العزفي السبتي. أما تلك التي لم تصلنا منها سوى شذرات في المؤلفات الأخرى، فنذكر منها:
... ـ "مقالة في الأوزان" لعلي بن محمد بن القطان الفاسي (ت. 628 هـ/ 1230 م) (1).
__________
(1) ... انظر ابن عبد الملك المراكشي، الذيل والتكملة، السفر الثامن، الرباط، 1984، ص. 168؛ أحمد بن القاضي، جذوة الاقتباس، الرباط، 1973، ج 2، ص. 106.
(1/8008)
________________________________________
... ـ "مقالة" لولده حسن بن علي بن محمد(1).
... ـ "مقالة في المكاييل الشرعية" لابن البناء المراكشي (ت. 721 هـ/ 1321 م)(2).
... ـ "النكت العلمية في مشاكل الغوامض الوزنية" لأبي بكر القللوسي الملقب بالفار، وهي أرجوزة عروضية كان يقرؤها بمراكش على عهد الموحدين(3).
المخطوط وصاحبه
__________
(1) ... ينقل عنها علي الخزاعي، تخريج الدلالات السمعية، ص. 614، 616، 793.
(2) ... ينقل عنها علي الخزاعي، تخريج الدلالات السمعية، صص. 603 ـ 616؛ وانظر كذلك جذوة الاقتباس، ج 1، ص. 151.
(3) ... انظر جذوة الاقتباس، ج 1، ص. 150.
(1/8009)
________________________________________
... ونود في هذه الدراسة الوقوف عند تأليف فريد خصصه صاحبه كما يدل على ذلك عنوانه ـ لـ"تلخيص القول في الأكيال والأوزان والنصب الشرعية وتبيين مقاديرها من أقوال العلماء المعتنين بتحقيق ذلك"(1). يضم التقييد مقدمة مقتضبة تعلن عن محتويات التأليف واثني عشر فصلاً متباينة الطول، حتى أن بعضها عبارة عن فقرات مقتضبة.
... ـ يبتدئ المؤلف كلامه بالوقوف على حقيقة الدرهم الكيل الذي »تُركب منه الأوقية والرطل والمد والصاع ويُحقق قدر كل واحد منها به«، أي
__________
(1) ... مخطوط الخزانة العامة بالرباط رقم 416 ق، ص. 434، 449.
(1/8010)
________________________________________
»الذي تحققت به المكاييل في الشرع وعرفت مقاديرها منه«. ثم يتعرض لمسألة أصل تركيب الدرهم وما قام به الخليفة الأموي عبد المالك بن مروان بهذا الصدد (الفصل الأول) ليتطرق إلى العملة الموحديّة، وبالضبط »الدرهم الذي ضربه عبد المومن بن علي بالمغرب« ومقداره من حب الشعير، ومقداره بالنسبة للدرهم الكيل (الفصل الثاني)؛ وذلك ليتسنى له معرفة »العدد الذي تجب فيه الزكاة من الدراهم المومنية« ومبلغ الواجب فيها. ثم يتطرق في السياق نفسه للعدد الذي يخرج منه الزكاة من الدراهم الجارية ببلاد إفريقية، والدنانير اليوسفية،
(1/8011)
________________________________________
والدينار اليعقوبي، والدنانير المعروفة بالأميرية الجارية بإفريقية. ونجد المؤلف في كل معطياته يستند إلى عمليات حسابية دقيقة وواضحة تتخللها تفسيرات مختلفة وكأني به يتوجه بذلك إلى عامة الناس وخاصتهم (الفصلان الثالث والرابع).
... وبعد أن يوضح مقدار الصداق عند مالك، يحسب مقداره بالدراهم المومنية، والدراهم الجارية والدينار اليوسفي والدينار الأميري (الفصل الخامس). ويفعل مثل ذلك في حساب قدر الدية. فبعد وقوفه على حكم الشرع فيها، يوضح مقدارها بالعملات نفسها (الفصل السادس). ولا يفوته أن يشير إلى أن
(1/8012)
________________________________________
»الدينار عند مالك ـ رحمه الله ـ على نوعين: نوع للزكاة والجزية، وهو من صرف عشرة دراهم شرعية؛ ونوع ثان للديات والنكاح، وهو من صرف اثني عشر درهماً من الشرعية أيضاً« (الفصل السابع).
... ـ أما في الفصل الثامن، فيعرفنا بالفرق بين »الدرهم المصطلح عليه ودرهم الكيل الأصلي الذي عليه العلماء«. وفي الفصل التاسع يلخص المؤلف »ما تقدم ذكره من الأعداد والنصب مرسوماً بالوضع المعروف بالرومي«. ويخصص الفصول الثلاثة المتبقية لتحقيق الأوزان والأكيال الشرعية، معتمداً في ذلك على بعض الكلاسيكيات في الموضوع مثل كتاب
(1/8013)
________________________________________
"الأموال" لأبي عبد القاسم بن سلام، و"إكمال" القاضي عياض وعلى كتّاب اللغة ومحققيها كالأزهري والفراء والجواليقي...
... توجد النسخة المخطوطة بالزاوية الناصرية بتامكَروت، ضمن مجموع رقمه ق 416 في سبع ورقات، خطها مغربي جلي واضح خال تقريباً من الأخطاء. تم نسخها يوم الأحد 7 شعبان المبارك عام 904 هـ (1498 م).
فرضيات حول مؤلف التقييد
... ـ لا يتضمن التقييد أيّ إشارة إلى هويّة الكاتب. فباستثناء معرفته الدقيقة بالحساب والطابع التّعليمي لتأليفه وإلمامه الواسع بمبادئ المذهب المالكي، فإننا لا نعرف شيئاً عن
(1/8014)
________________________________________
مؤلِّف هذا التقييد. إن بعض معطيات التالي قد تفيد للوهلة الأولى أن صاحبه من إفريقية. فهو يتحدث مثلاً عن »الدنانير المعروفة بالأميرية الجارية بإفريقية« ويستعمل عبارة »دينارنا الأميري« أو »المسماة عندنا بالأميرية«، لكنه يستعمل في الوقت نفسه عبارة »دينارنا اليوسفي« و»دراهمنا المومنية«، مما يدل على أن »نا« ليس لها أيُّ إحالة جغرافية في ذهن المؤلف.
... وفي الفصل الحادي عشر ما يوحي للوهلة الأولى بأن مؤلف التقييد هو ابن القطان. يقول: »ولكن من وجه النظر السديد أن تكون أوقيتنا بدراهمنا عشرين بزيادة هذا
(1/8015)
________________________________________
القدر اليسير الذي يوجبه الاحتياط لكون العادة جرت بنقصها لطول استخدامها في المدة القريبة. هكذا قال أبو الحسن علي بن محمد بن عبد المالك، وهو ممن حضر لتحقيق ذلك بمراكش«(1).
... ـ لذلك هناك من يُرجِّح أن يكون صاحبه هو أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن يحيى الكتامي الحميري الفاسي المعروف بابن القطان، صاحب "مقالة في الأوزان والمكاييل"(2) أملاها سنة 642 هـ. على أن
__________
(1) ... المصدر نفسه، ص. 6.
(2) ... ابن عبد المالك المراكشي، الذيل والتكملة، ج 8، الرباط، 1985، ص. 158. (والمصادر المثبتة هناك).
(1/8016)
________________________________________
التقييد يتضمن معطيات قطعيّة تنفي هذه النسبة.
... ـ أولاً: في معرض حديث صاحب التقييد عن وزن الأوقية المغربية يحيل على ما قاله »أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك«، موضحاً أن هذا الأخير كان »ممن حضر لتحقيق ذلك بمراكش«... ولا نعتقد أن هذه الإحالة من زيادة الناسخ.
... ـ ثانياً: لا يمكن أن يكون ابن القطان مؤلف "التقييد" لعدم معاصرته له، فصاحب المجموع ينص صراحة على أن »التاريخ الذي قُيِّد فيه ما حقق من هذه الأوزان والأكيال... هو عام خمسة وثمانين وستمائة« [1286 م]، ونحن نعلم أن ابن القطان الفاسي توفي
(1/8017)
________________________________________
سنة 628 هـ (1230 م).
... ـ ثالثاً: ينقل أبو الحسن علي ابن يوسف الحكيم صاحب "الدوحة المشتبكة" كثيراً من نصوص مقالة ابن القطان الفاسي لا يتضمنها التقييد الذي بين أيدينا(1).
... فهل يمكن نسب التقييد إلى ابن البناء المراكشي؟ نعلم أن لهذا الأخير »مقالة في المكاييل الشرعية«(2) ينقل عنها صاحب "الدوحة المشتبكة" بعدما فرغ من النقل عن ابن القطان الفاسي. ونحن نعلم أن مقالة ابن البناء المراكشي (ت. 721 هـ/ 1321 م) تتضمن
__________
(1) ... انظر مثلاً الدوحة، ص. 101، 102، 105.
(2) ... انظر: جذوة الاقتباس، ج 1، ص. 151.
(1/8018)
________________________________________
تفاصيل عن النقود وأسمائها وأوزانها في عصر الموحدين والمرينيين حسبما تدلّ على ذلك بعض الشروحات على بعض مؤلفاته(1). لكن في غيبة معطيات موثوقة، لا نستطيع الجزم بأن التأليف لابن البناء المراكشي.
... لكن ألا يمكن أن يكون التقييد »مقالة« هو حسن بن علي بن محمد ابن القطان الابن الذي نقل عنها الخزاعي صاحب "تخريج الدلالات
__________
(1) ... أبو القاسم محمد كرو، التعريف بمخطوط أندلسي نادر ونفيس، ضمن كتاب التراث المغربي والأندلسي، التوثيق والقراءة، منشورات كلية الآداب بتطوان، ندوات، د. ت، 4، صص. 183 ـ 190.
(1/8019)
________________________________________
السمعية"(1) أكثر من مرة؟ الوقع أننا لا نبرح ميدان الفرضيات في غيبة معطيات صريحة حول هوية مؤلف التقييد.
... أما عن سنة تأليف هذا التقييد، فقد صادفت وفاة السلطان أبي يوسف المريني (656 ـ 685 هـ/ 1258 ـ 1286 م). ونرجح أن يكون التأليف قد تمَّ في نهاية عهد السلطان أبي يوسف الذي اهتم اهتماماً خاصاً بالتنظيم النقدي وبأدوات الوزن والكيل في دولته، وهو الذي »عمل على تنظيم السكة المغربية تنظيماً جديداً«
__________
(1) ... علي الخزاعي، تخريج الدلالات السمعية، تحقيق د. إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي، 1985، ص. 793.
(1/8020)
________________________________________
بعدما كانت النقود بالمغرب عند قيام المرينيين مختلفة السكة والوزن. مما أدى إلى حدوث »فوضى في قيمة النقود وفي المعاملات«(1). وصاحب "الدوحة" يخبرنا بهذا الصدد قائلاً:
... لما اشتدت واستوثقت خلافة مولانا أمير المسلمين [...] أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق [...] سمت همته إلى ما يُصلح ملكه، ويُعْلي دينه ونُسْكه، أن نظر فيما ليس منه بدّ من تحقيق الدينار والدرهم والقنطار والرطل والأوقية والوسق والصاع والمد(2)
__________
(1) ... محمد المنوني، ورقات عن الحضارة المغربية في عصر بني مرين، الرباط، 1979، ص. 97.
(2) ... الدوحة، ص. 107.
(1/8021)
________________________________________
.
وبعد هذه الفقرة مباشرة، يخبرنا المديوني بأن السلطان المريني
... قدم أميناً وناظراً عليها بدار سكته بفاس جدنا الحكيم علي بن محمد الكومي المديوني لمعرفته بالنقود وسائر ما يتعلق بها [...] وما زالت سكته كذلك وعلى مذهبه، وذلك في سنة أربع وسبعين وستمائة [...] وأقام فيها نحواً من خمسين عاماً(1).
فالتقييد تم تأليفه بعد عشر سنوات فقط من تولية الحكيم المديوني. فهل يمكن أن يكون هو مؤلف التقييد الذي بين أيدينا؟
بعض مميزات التقييد
__________
(1) ... المصدر نفسه، ص. 150.
(1/8022)
________________________________________
... يمكن القول إن هذا التقييد، على الرغم من صغر حجمه وقلة أوراقه، اجتمع فيه من التدقيقات ما يبرر نشره وعرضه على الناس.
... 1 ـ ولو أن المؤلف يصرح في عنوان تقييده بأنه سيلخص القول في الأكيال والأوزان والنصب الشرعيّة ويبين مقاديرها »من أقوال العلماء المعتنين بذلك«، فإنه يجاوز ذلك ليقدم لنا تقويماته الخاصة للوضعية التي عاصرها.
... 2 ـ يتناول الكتاب الموضوع معتمداً على أهم ما جاء في أبواب الزكاة والديّة والصداق من كتب الفقه النظرية ليرتبط بالموضوع المعاشي المغربي. فهو يعالج قضايا في عصره من الجانب
(1/8023)
________________________________________
المراجع
www.google.jo/url?sa=t&rct=j&q=%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D9%88%D9%86+%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D9%8A%D8%AC%D9%8A+%D9%81%D9%8A+%D8%B4%D8%AA%D9%89+%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A7%D8%AA+doc&source=web&cd=4&ved=0CFYQFjAD&url=http%3A%2F%2Fthiqaruni.org%2Fculture2%2F17.doc&ei=OXCqT8aONYO_0QWVmsyJBA&usg=AFQjCNHfSHvCxZqv7PWgojb3Au8vb9_xfAموسوعة الأبحاث العلمية
التصانيف
تصنيف :الأبحاث
login |