كان يا ما كان ، ليس في قديم الزمان ، بل قريبه ، فتاة في عمر الورود، تدرس بجدٍ وتعمل بجد أكبر.
مع أنها وحيدة أبويها فقد استجابوا لرغبتها بالذهاب الى فرنسا لمتابعة دراستها وتحقيق طموحها، وكيف يستطيعون رفض أي طلب لها وهي التلميذة المجتهدة والبنت البارة. لم تزعجهم يوماً ولم تؤذِ أحداً منهم بكلمة.
ومع أن ما جمعاه من مالٍ طوال حياتهم هو لها ولدراستها وسعادتها ومستقبلها لم تقبل إلا أن تعمل الى جانب دراستها وتتحمل جزءاً من مصروفها ، كانت تقول لوالدها: كدّسهم وسأدعوكم لنذهب معاً في مشوار رائع الى قبرص في الصيف.
مرت السنة الأولى من تخصصها بخير واقترب الصيف واللقاء.
في كل مرة يتصلون بها منذ أن بدأ العد العكسي لإجازتها كانت تذكرهم بالحجز الى قبرص في الأسبوع الثاني من شهر آب. طبعاً ففي الأسبوع الثالث عيد ميلادها وكيف ينسون ذلك.
كان من المفترض أن تعود في السادس والعشرين من حزيران 2006 ، كانت ووالداها على أحر من الجمر لّلقاء الحميم، صار والدها يتصل كل يوم فلم يعد يحتمل الانتظار، وراحت والدتها تعد قوائم الطعام التي يجب أن تحضيرها للاحتفال بوصول الغالية إيليان.
في العشرين من حزيران أتاها صاحب المكتبة التي تعمل فيها يرجوها أن تؤجل سفرها ثلاثة أسابيع لأن الفتاة التي تعمل معها اضطرت لاجازة سريعة وهو يحتاج الى أسابيع ثلاثة حتى يوظف أخرى وتستلم مكانها، وشرح لها أنه يقدّر شوقها لأهلها وللعودة الى بلادها لكنً ما جعله يتشجع ويطلب ذلك منها أن الكاتب المشهور الذي طالما انتظرت زيارته الى باريس قد أخبره البارحة أنه قادم أخيراً وسيأتي في العاشر من تموز ووافق أن يُقام له حفل توقيع لكتابه الجديد في مكتبتهم، وهو يعلم كم يعني ذلك لها.
وقع طلبه عليها وقع الصاعقة. صمتت وبلحظة مرَّ أمام عينيها وجه والدها وعيني والدتها حين ستخبرهما أنها ستتأخر.
بلحظة، استذكرت كم سيؤثر ذلك على نفسياتهم جميعاً ، هي أيضاً قد ضاقت ذرعاً بالانتظار، مشتاقة أن ترتمي في حضن أمها، مشتاقة أن يغمرها والدها بحنانه ودلاله، مشتاقة لكل تفصيل في البيت، في غرفتها.
ولكن،
صاحب المكتبة يستحق أن تقدم له هذه الخدمة وهو قد ساعدها كثيراً طوال مدة عملها عنده وآزرها في أوقات صعبة كثيرة وتفهَّم غيابها بسبب امتحاناتها وأمَّن لها المراجع التي تلزمها.
وزيارة الكاتب المشهور الذي تحب، منذ أن أخبرها صاحب المكتبة أنه يعرفه ووعده بالمجيء وتوقيع كتابه الجديد في المكتبة وهي تحلم بذلك الحدث، هي تجربة تستحق الانتظار دون شك.
ثم إنه انتظار ثلاثة أسابيع فقط وربما أقل، ولكن؟؟.. يعود الشوق، وعليها أن تتخذ القرار.
فجأة خطرت لها فكرة أحست أنها ستساعدها على اتخاذ القرار.
قالت لصاحب المكتبة: حجز طائرتي في السادس والعشرين ومن الصعب جداً تغييره والحصول على مكانٍ شاغر في شهر تموز فهو من أصعب الشهور.
صمت برهة وقال: إن تمكنت من استعمال معارفي وتغيير موعد سفرك هل توافقين؟
صمتت ثانية وكأن رده أعادها الى دوامة التفكير.
يجب التحدث لأهلها.
اتفقا أن تتحدث هي لأهلها وهو يحاول تغيير موعد سفرها.
تلك الليلة لم تنم، بالرغم من أن خلاصة حديثها مع والديها كانت مقنعة ومعقولة ومرضية إلا أن الحزن العميق لتأخر قدومها قرأته بين الكلمات وخلف القبلات التي أنهيا بها المكالمة.
كانت متأكدة قبل أن تخبرهم بما حدث بأنهما سيتركان القرار لها ولن يدعا شوقهما يؤثر على شيء تريد القيام به فهما منذ البداية تعاملا معها على هذا الأساس.
هكذا ربياها وتألما كثيراً من أجلها، وضحّيا بوجودها بينهما من أجل ما تحلم به وتسعى اليه.
هذه المرة شعرت بالتردد، وأوضحت ترددها لأبيها، فانتهى الأمر بينهما بقوله :أتركي الأمر لله يا ابنتي فإن تمكن صاحب المكتبة تغير موعد سفرك فذلك يعني أن هذا أفضل لك وإن لم يتمكن فمعناه أنك حاولت مساعدته ولن تشعري بالذنب ولا هو سينزعج.
لكنها سمعت من بعيد والدتها تدعو الله ألا يتمكن من ذلك وألا تغير الموعد.
لم تنم، كانت تارة تحلم بوصولها وارتمائها بين ذراعيهما ثم الوصول الى البيت والمأكولات اللذيذة تملأ الثلاجة، والجيران يهللون بوصولها وتسألها الجارة كالعادة: " شو ما في ابن حلال شاف هذا الوجه الحلو" وأمها تجيب كالعادة " بكير بعد خليها تخلص وترجع لنا ونشبع من وجودها بيننا قبل ما تروح مع ابن الحلال"
وتحلم بنظرات والدها التي لا تفارقها وكأنه يخاف أن تغيب عن عيونه، وتتقلب في الفراش لتحلم بالعمل الصيفي والمبلغ الكبير الذي ستحصل عليه، وتتساءل ماذا ستشتري به لوالدتها ووالدها ولنفسها.
والحلم الكبير ، سيحضر الكاتب الى المكتبة وستعد له قهوته وستسنح لها الفرصة للحديث معه والتعبير عن اعجابها به وستفخر أمام الجميع بالصور التي ستأخذها معه وستحدثهم مطولاً عن تفاصيل ذلك اليوم.
ومن بعيد ترى صديقتها الحميمة فرنسواز التي طالما رجتها ألا تسافر مباشرة بعد انتهاء الدروس لتمضيا معاً بعض الوقت في الصيف لتسهرا معاً ةتتعرفا على الشباب الحلوين الذين يأتون للسياحة، كانت فرنسواز تصر أنها ستجد لها شاباً لبنانياً وسيماً يستحقها.
وتتقلب أكثر في الفراش لترى والدتها تصلي وتصلي حتى لا تتأخر، وتغط أخيراً في النوم.

عندما أخبرها صاحب المكتبة أنه تمكن من ايجاد مكان لها على متن طائرة الثالث عشر من تموز، لم تدر هل تفرح أم تحزن؟ إنهما اسبوعان ويومين فقط، لا بأس.
قال لها بأن الكاتب سيأتي يوم السبت بعد المقبل.
كان الحل معقولاً ومقبولاً من الجميع.
سُرَّت به وراحت تستمتع بعملها وأيامها ولا توفر وقتاً فارغاً إلا وتقضيه إما في الأسواق بحثاً عن الهدايا لأهلها ولنفسها أو في التسكع مع صديقتها والسهر ومحاولة التعرف على أصدقاء جدد "أولاد حلال" كما تسميهم فرنسواز.
ومرت الأيام مسرعة.. وجاء اليوم الكبير وحضر الكاتب، واستمتعت بالاحتفال به بكل طاقاتها، أخذت من الصور أكثر مما توقعت وسنحت لها أكثر من فرصة للتحدث اليه.
عندما اتصلت بأهلها آخر النهار لتخبر والدها بكل ما حدث وبكل التفاصيل رجاها أن تؤجل التفاصيل الى حين حضورها وإلا فإنها ستدفع مبالغ طائلة ثمناً لتلك المخابرة.
وناموا جميعاً مسرورين لأن بقاءها واجازتها استحقا العناء وقد اقترب اللقاء.
أخيراً حلَّ يوم الأربعاء الثاني عشر من تموز.
عندما اتصلت بهم لتطمئنهم بأنها قد وضبت كل أغراضها وباتت جاهزة للقدوم وراحت تسأل والدتها عن قائمة المأكولات قرأت في صوتيهما قلقاً وتردداً غير عادي.

بلهفة قالت : ماذا يا أبي؟
تردد قليلاً ثم قال: ألم تسمعي الأخبار؟؟
قالت: كلا ماذا هناك؟؟
قال: على كل حال الأمور ليست واضحة، ان شاء الله تصلين بالسلامة ، لولا شوقنا الكبير اليك لقلت لك لا تأتي.
وأنهيا المكالمة بتردد وترقب شجب فرحتها وحماسها .
لم تستطع ليلتها مسايرة صديقتها بالذهاب الى النادي حيث رأيا الشابين الوسيمين. بل سهرا قليلا قرب البيت ثم نامت حيث لم تستطع فعلاً تقدير ما حدث ولم يخطر ببالها أن شيئاً خطيراً على الأبواب.
رن هاتفها باكراً، جفلت وأسرعت للرد ، وسمعت صوت والدها بكل القلق يقول: لا تأتي يا بابا أرجوك لا تأتي ، على كل حال لن تستطيعي المجيء اليوم فالمطار قد أغلق ولو فتحوه أرجوك لا تأتي فأنا أشم رائحة حرب على الأبواب. ايليان يا حبيبتي ، ردي علي ولا تدعيني أقلق عليك. وانفجر الاثنان بالبكاء.
تمالكت وحاولت أن تصحو من الصدمة وقالت : بابا لا تقلق علي، كلمني بعد قليل.
هاتفت شركة الطيران، هاتفت المطار كلهم أكدوا أن الرحلة التغت حتى اشعار آخر.

لحظتها فقط أحسّت كم هي ضيقة غرفتها، وكم هو صغير شباكها. كانت فرانسواز تسألها دائماً كيف تتمكن من العيش في هذه الغرفة الصغيرة وكانت دوماً تجد لها تفاسير عما تضيفه هذه المرآة وعما تقدمه هذه اللوحة للمشهد العام. أما الآن فبدا لها كل شيء أسود وضيّق يدعو للاختناق.

حرب؟ حرب مجدداً .. لا لا يمكن ، هذا بابا يبالغ كعادته، سوداوي يخاف من كل شيء ويعتبر كل شيء مغامرة ما لم يمكن مؤكداً مئتين بالمئة.
اتصلت بفرنسواز لتخبرها بعدم جلب سيارة والدتها لنقلها الى المطار واذا بفرنسواز تدق على الباب مبكرة على موعدها. حينها فهمت أن والدها اتصل بفرنسواز بالتأكيد كي لا تبقى وحدها كعادته.

في الاتصال التالي قال لها والدها: استمتعي باجازتك يا حبيبتي ، ولا تبخلي على نفسك ، بسيطة خيرها بغيرها، انشاءالله نراك عندما تهدأ الأمور ولا تقلقي علينا انشاءالله لا خطر مباشر علينا، بدورنا سننتبه على أنفسنا.
قالت له نعم نعم
وقالت لأمها نعم نعم ،
لا تقلقا فأنا أتدبر أموري لكنها كانت تعلم أن أمها حزينة حزينة حزينة ووالدها مثلها بائس بائس بائس .

ذهبت مع فرنسواز الى المقهى الذي يتجمع فيه العرب حيث يستمعون الى الأخبار والأغاني العربية.
نقل مباشر وتصوير مباشر للقصف على المطار ثم الضاحية الجنوبية.
ارتبكت وحزنت ولم تستطع أن تبتلع قهوتها المثلجة التي تعشقها.
راحت فرانسواز تستعمل كل أساليب صداقتها الصادقة للترفيه عنها، إلا أنها فهمت أن الموضوع جدّي ولا يحتمل الترفيه.

مرَّ اليوم الأول ثقيلاً ، مملاً ، حزيناً ، كئيباً مع كل ما يمكن أن يضاف الى ذلك من صفات ، ونام الجميع على الآمال والصلوات.
ومرّ اليوم الثاني ، ومر اليوم الثالث والخامس والسابع... والحالة تزداد سوءاً وهي تقضي وقتها في المقهى أمام التلفزيون مع الكثير من اللبنانيين مثلها تطلب الشاي ثم القهوة ثم العصير ولا تشرب شيئاً فقط تتابع الأخبار، لم تستطع حتى مشاركة الآخرين أي حديث ، فقط الأخبار.
في الصباح والمساء تتصل بأهلها للاطمئنان وفي كل مرة يتمنون ألا تنقطع الخطوط فيبقون على اتصال على الأقل.
حتى المكتبة لا تستطيع العودة والعمل فيها فهي لا تملك تركيزها بعيداً عن شاشة التلفزيون.
عرضت على صاحب المقهى أن تعمل فيه فذلك سبيل أفضل للبقاء أمام تلك الشاشة اللعينة خاصة وأن رواد المقهى يتكاثرون.
ومرّ اليوم السادس عشر والثامن عشر ...
وهي في كل ليلة تحلم أنها بين أحضان أمها تبكي شوقها ، وعلى كتف والدها تستسمحه التأخير وهو يقول لها: الرب أنصفنا ببعدك كنا سنخاف أكثر لو كنت هنا.
ترى أصناف الطعام تنتظرها على المائدة وهي تمد يدها ولا تصل، يسيل لعابها كمن ينظر الى الوليمة من خلف الأبواب والنوافذ والقضبان.
ترى الجيران يطرقون الباب ويسألون عنها وهي لا ترد .

لم تعد تلتقي بفرنسواز كل يوم فالمقهى بعيد عن بيتها وقد بدأت عملها الصيفي، لكنها تتكلم معها كل مساء تفرغ ما في قلبها من أسى وحزن وانتظار وقلق، وفرنسواز تسألها كل يوم عن الشابين اللبنانيين الوسيمين وتحثها على التعرف اليهما وتستثيرها بمراقبتهما وتستفزها بالمجيء والتحرش بهما.

مثلها كثيرون اتخذوا المقهى مقراً لقضاء الوقت وسماع آخر الأخبار بانتظار الفرج.
كانت تسمعهم يتناقشون، كل يدلي برأيه ويتحدث من وجهة نظره، هذا يريد حضور المحطة الفضائية الفلانية وذاك يفضل أخرى ، وصاحب المقهى حاول في البداية مسايرة الجميع حتى قرر برنامج توقيت يطبعه على ورقة موزعة في المقهى بمواعيد كل قناة.
منذ اليوم الأول شرط صاحب المقهى عليها ألا تتدخل في أي من النقاشات أو الأحاديث التي تستمع اليها وذلك لم يكن مستحيلاً فهي منذ زمن أدركت عقم النقاشات خاصة بين الطلاب.
لذا كانت تنفر من المشاحنات التي تشتد حيناً وتبرد حيناً آخر حتى يضطر مديرها الى فضها بالحسنى في معظم الأحيان. أما هذان الشابان الذان كانت فرنسواز تشاور عليهما دائماً فقد توطدت معرفتها بهما لأنهما مداومان هادئان مما جعلها تطمئن اليهما الا أن عملها منعها من اطالة أي حديث بينهما.

كانت الأيام تمر بطيئة وطويلة ، تنتهي من عملها فتعود في المترو الى بيتها البعيد دون أن تستطيع حتى التركيز على القراءة كما اعتادت أن تفعل، تتحدث الى أهلها مطولاً غير آبهة بتكاليف المكالمات، تسألهم عن كل صغيرة وكبيرة، وكل يوم تقترح حلاً مختلفاً للخروج ، لم يقبلوا بأي منها ، كان طلبهم الوحيد منها أن تهدأ وتطمئن عنهم فهم لا يريدون ترك المنزل لا للهرب الى قبرص كما فعل الكثيرون ولا للمجيء اليها.

يوم قصف الجسر المجاور لبيت جدتها هلعت وأسرعت الى الهاتف لتطمئن ، هذا البث المباشر يقتل، فأنت على بعد آلاف الأميال ولا تستطيع شيئاً إلا أن تتحسر وتحزن وتفقد الرغبة في العيش.
في ذلك اليوم طلبت اجازة من المقهى لأنها لم تعد تستطيع الابتسام في وجه الزبائن. تفهم المدير رغبتها وخلعت مئزرها وهمت بالخروج ولم تنتبه أن أحد الشابين يراقبها ويتبعها.
اقترب بكل أدب وقال: عفواً آنسة إيليان هل أستطيع أن أتمشى معك؟ تبدين محبطة ومتأثرة أكثر من كل يوم. لا بد أن قصف الجسر اليوم أثر فيك كثيراً هل تأذى أحد من أهلك؟
نظرت اليه متفاجئة ، في داخلها رغبة كبيرة بمرافقة أحد يحس بوجعها ويستمع الى آلامها بين ضلوعها شوق لحب كبير لتدفن رأسها بين ذراعيه وتبكي .
نظرت الى وجهه وكأنها تراه للمرة الأولى ، لم تنتبه يوماً الى وسامته ولا الى ابتسامته الرقيقة، تمالكت وقالت : لا بأس شكراً لاهتمامك، لنتمشى، يبدو أنك متأثر أيضاً.
مشيا طويلاً يتحدثان ويتناقشان، ومن ثم تناولا طعام الغداء ورافقها الى المكتبة التي كانت تعمل فيها لزيارة أصدقائها ، ثم بعد فنجان القهوة الأخير الذي تناولاه في مقهى قريب من بيتها ودعها حين اطمأن أنها ارتاحت قليلاً واقتنعت أن الصلاة من أنجع الأدوية.

ذلك المساء شعر والدها بهدوئها وأن في رنة صوتها شيء جديد أراحه لكنه لم يسأل، وفرنسواز ارتاحت كثيراً عندما سمعت القصة كلها من البدء الى فنجان القهوة الأخير.

صارت الأيام الثقيلة تمر أخف، ابتسامة من نوع آخر علت وجهها ورافقت الأيام التالية.
صار انتهاء دوامها من أسعد اللحظات لأن فريد بانتظارها ، يتمشيان ويترافقان ثم يوصلها الى بيتها.
يوم العطلة عرفت فرنسواز على فريد وعرفهما على نائل صديقه وقضى الأربعة وقتاً ممتعاً لم يستمعا فيه الى أية أخبار.
عندما تكلمت مع والدها في المساء وسألته عن الأخبار لأنها لم تستمع الى شيء اليوم، استغرب وتأكد أن في الأفق أحد، قبل أن تحدثه عن فريد ونائل الذين يخففان عنها محنتها.

حتى اتت المحنة على النهاية وانقضت الأيام الثلاثة والثلاثين وتوقفت الحرب. وكان الهدوء.
الهدوء الذي يرافقه همّ جديد، متى سيفتح المطار أبوابه؟ متى ستستأنف الرحلات وكيفية الحصول على مكان في ظل الزحمة للعودة.

حتى جاء الفرج، فاجأها والدها في تلك الليلة بالخبر الذي أفرحها جداً وهو أن حجز الاجازة في قبرص لم يلغَ وأنه سيتمكن من الوصول الى قبرص عن طريق دمشق في الأسبوع التالي ان كان بامكانها الوصول. وهكذا أحست أن الأيام الصعبة ستنتهي واقترب اللقاء.

كان الفرح للقاء الأهل يصاحبه قلق وحزن من نوع جديد لم تعتده بعد ، استغربته في البدء لكن فرنسواز فهمتها وأفهمتها،أنه خوفها من الابتعاد عن فريد، هي تعلم أن علاقتهما لا تزال في مراحلها الأولى لكنها الأكثر حلاوة. وكلما كبر الفرح واقتربت أيام لقاء الأهل كان الحزن يكبر وكانت تقرأ حزناً مشابهاً في عيني فريد.
في الليلة الأخيرة السابقة لذهابها، سألها إن كانت تمانع من اعطائه عنوانها في بيروت وأرقام هواتفها فربما ذهب لرؤية جدّيه اذا فتح المطار، بكل فرح سجلت له كل ما تذكرت من أرقام وعناوين ثم انتبهت وقالت لكن البريد الالكتروني أسهل من كل هذه الأرقام، فهو يمكن أن يكون لقاءاً يومياً.
ارتاحا للفكرة، وتذكرا أنها حتى في قبرص باستطاعتها التواصل معه من خلاله.
وحلقت الطائرة مغادرة الأجواء الفرنسية، مقتربة من لقاء الأحبة، نظرت من الأعلى الى الأرض التي اعتقدت أنها ستغادرها بفرح كبير لكنها اليوم تحمل معها غصة لذيذة وشوق لحياة جديدة لا تدري كيف وأين ستنتهي، عادت الوجوه الحبيبة تحتل ذاكرتها كلما اقتربت الطائرة من الشرق، أسندت رأسها على الكرسي وغطت في حلم زهري جميل.

المراجع

موسوعة القصة السورية

التصانيف

الادب