الجميع قال لي : "مجنونة"."تقودين سيارتك وتذهبين وحيدة الى الجنوب. ألم تجدي أحداً يرافقك؟ هذا يعني أن الطريق غير آمن."
كنت أقود السيارة بسرعة قصوى عبر الطرقات التي حفظتها عن ظهر قلب لكثرة ما قدت سيارتي من قريتي الى بيروت وبالعكس. منذ أن بدأت الدراسة في بيروت كنت أعود الى البيت كل يوم سبت أقضي العطلة الأسبوعية مع أمي كما وعدتها. وكنت أستمتع بالمناظر الخلابة دائما وحتى بعدما اقتنيت السيارة كنت لا أنزعج من القيادة لوحدي فالطريق تعج بالناس في كل الأوقات ثم إن موسيقاي المفضلة تغني لي أحلى الأغاني من فيروز الى ماجدة الرومي الى عبد الوهاب.
حتى عندما قلت زياراتي الى الضيعة وطالت فترات غيابي الى أشهر كنت أسلك الطريق دوما بشغف.
أما اليوم فلا ناس على الطرقات ولا موسيقى في سيارتي هي الأخبار فقط أستمع لما يجري فربما طريقي غير آمن كما أصر زملائي في العمل على تنبيهي.
الشبابيك مفتوحة رغم الحر الشديد فأنا لا أريد اغلاقها واشعال المكيف لتلتقط أذناي أية أصوات غير طبيعية على الطريق.
يدايا مثبتتان على المقود بتوتر وعيناي على الطريق أمامي فقد حذرني كثيرون من الحفر التي حصلت نتيجة القصف الاسرائيلي على الطرقات، أذناي تستمعان الى ما يقوله المذيع من فترة لأخرى أما عقلي فهو عندها أمي الحبيبة. تراها ما هي فاعلة دون أن تطمئن عني وتسمع صوتي لأسبوع كامل؟ إن كنت أنا في هذه الحالة من القلق فكيف تكون هي؟ هي الأم. بالرغم من أنها أصرت في مكالمتنا الأخيرة أنها تطمئن عني أكثر إن بقيت في بيروت وأنها لا تريد أن تراني حتى ينتهي كل شيء لكنني أعرفها جيداً لا بد أنها لم تترك نبياً أو قديساً بعد الله لم تسأله حمايتي ولقياي.
الجميع قال أنني مجنونة للقيادة الى الجنوب لجلبها وأصروا جميعا أنها لن تقبل بمرافقتي وأنا شخصياً أعرف أنها ستعذبني كثيراً قبل أن تقتنع بمرافقتي. أعرف أنها أصرت على البقاء في بيتها وأنها لا تريد أن تترك الضيعة لأي سبب كان. لكنني لم أعد أستطيع تحمل هذا الوضع. هي بعيدة عني وفي محور الخطر المباشر ولا هاتف قريب منها أتصل بها للاطمئنان عليها ولا امكانية لي بترك عملي ومصدر رزقي الوحيد لأبقى الى جانبها وهي لم توافق يوما على الانتقال الى بيروت لتعيش معي فأنا أذهب الى عملي في الصباح ولا أعود الى المساء. أما في الضيعة فكل جيرانها وأهلها حواليها.
قطعت شوطاً كبيراً من الطريق وشفتاي تتمتمان صلوات متواصلة وعقلي ومخيلتي ملتصقان في مقعدها المفضل في غرفة الجلوس ممكسكة سبحتها تسبح وتصلي وتستمع الى الأخبار أو تشتغل بالابرة لتكمل غطاء الطاولة أو الشال الذي تعده لجهازي والذي تستعمله ذريعة مشروعة كل مرة ومنذ سنوات عديدة لتسألني ان كنت قد وجدت ابن الحلال لتستعجل في انهائه.
وصلت الضيعة كالحلم. وعانقتها كالحلم .
فرحة عينيها للقائي أنستني قلق الطريق وعرقه.
أطفأت الراديو فلم تعد بحاجة لتعرف ما يجري وأسرعت لاعلان فرحتها بزغرودة فهمتها الجارات وتهافتن للسلام علي وتهنئتي وتهنئتها بالسلامة.
فرحتها الكبرى منعتني من فتح موضوع السفر الى بيروت.
حيرتي دفعتني الى تجاهل سؤال قرأته في عينيها عن سبب زيارتي.
أنا أعرفها جيداً وهي تعرفني أكثر فمنذ توفي والدي وهاجر أخي مروان الى استراليا ونحن متلازمتان، روحيا لا مكانيا هي ملاذي القريب الى قلبي تفهم رفة عيوني ونبرة صوتي وكذلك أنا.
نمت ملء جفوني بعد أن قبلتها.
أعرف أنها كانت تقوم من فراشها كل ساعة لتتأكد من أن وجودي ليس حلما وأن الساعات القليلة التي نامتها أعادت لها نشاطها فقد سمعت حركتها باكراً لكنني لم أتحرك، كنت أنتظر رائحة القهوة.
أما صراخ أم فادي: "مروى الحقينا" فقد اقتلعني من الفراش بخوف كبير وركضت لأراها واقعة على الدرج في مدخل المبنى وبجانبها كيس المناقيش وأم فادي تحاول مساعدتها على الوقوف أو الجلوس.
صرختُ: " سلامتك يا أغلى الحبايب، دقيقة لأبدل ثيابي وأقلك الى المستشفى".
صرخَتْ: "لا، الى فراشي ، فقط الى فراشي، بعد قليل سأكون بخير."
قالت لي: لا تأخذيني يا ابنتي، فليس لديهم وقت لي هناك، دعيني في فراشي . أمسكت يدي وتابعت:"أرجوك ، فقط ابقي الى جانبي."
كنت أنظر الى وجهها الحبيب، قلبي يطرق بشدة وفمي يطلق تعابير فاقدة الهدوء.
قبلت يدها التي تمنعني من مساعدتها على القيام لمحاولة الوصول الى السيارة.
شدت يدي وصرخت من الألم ثم أردفت: "إن اردت مساعدتي فقط اسأليهم أن يعطوني ما يخفف من آلامي."
فقدتُ هدوئي وصرخت معترضة على هذا المنطق.
ساعدتني أم فادي وحملناها الى السيارة ودلتني على الطريق الأقصر للوصول الى المستشفى الكبير الذي عمره المغترب الاسترالي وصار أكبر مركز طبي في المنطقة.
أسرعت في طلب نقالة تحملها شارحة باختصار حالتها.
سألني شاب يلبس الرداء الأبيض: ما عمرها؟
قلت : اثنان وسبعون عاماً.
قال لي بصوت منخفض : أعتذر يا أختي لن أتمكن من ادخالها المستشفى وخاصة الى غرفة الاسعاف، ألا ترين ؟ ألا تسمعين ما يحدث؟ ليس لدينا الوقت والمكان لاستقبال الجرحى والمصابين جميعاً وأنت تطلبين طبيباً ليسعف رجل والدتك المصابة بكسور و"ربما"؟ اذن ربما تكون مكسورة أو لا تكون.
خذيها الى البيت وسأعطيك بعض الأدوية المهدئة، أعيديها الى هنا عندما يتوقف القصف.
وقبل أن أستفيق من الصدمة التي أصابتني من كلامه، ربَّتَ على كتفي وقال: في الداخل عشر حالات مستعجلة عمر أكبرهم 40 عاماً وليست لدينا القدرة على اسعافهم جميعاً.
كلهم أصيبوا في القصف المجنون، وزادت أحوالهم سوءاً حتى وصلوا الى هنا.
نظرت اليه بدهشة كبيرة ولم أتكلم.
تابع قائلاً: سامحيني، لن أستطيع أن آخذ والدتك مكان أحدهم والمزيد قادم والا لكنت طلبت منك الانتظار، الألم سيزول قريباً فقط لن يكون بامكانها الحراك.
وأمسك بيدي وسحبني "مرغمة" و "منذهلة" أجر قدميَّ خلفه.
فتح الباب المواجه لنا وتابع كلامه :
صدقيني لا تتركيها في السيارة ولا تعذبيها أكثر، تعالي تعالي معي لتصدقي.
بهو الاسعاف الكبير يعج بالناس، ممرضين وممرضات وأطباء والحجرات الصغيرة المجزأة من البهو مفتوحة الستائر دون خصوصية، مرَّ المشهد أمام عيني كالافلام السينمائية السريعة، فليس من المعقول أن تكون هذه المشاهد حقيقية وبالسرعة الطبيعية.
كلهم يتصايحون ويتراكضون في لباسهم الموحد يضعون على أفواههم وأنوفهم أقنعتهم البيضاء،والأيدي ترتفع وتنخفض والأقدام تروح وتجيء والدماء في كل مكان.
أسِرَّة تنسحب من هنا لتنتقل الى هناك ويأتي مكانها أسرة أخرى تحمل آخرين.
والدماء في كل مكان.
وقبل أن أتفوه ببنت شفة، سحبني مرة أخرى الى الخارج وقال: أنظري الى غرفة الانتظار، إنها فارغة وهذا يعني أن أحداً ممن في الداخل ليس لديه من ينتظر خبراً عن نتائج جروحاته واصاباته، فهنيئاً لأمك بقربك منها، خذيها الى البيت وأعطها المهدئات اللازمة وحبك وعنايتك، صدقيني هي محظوظة بك.
تركني في الغرفة الفارغة وحدي أنظر حولي مستعيدة كلماته. لم يطل غيابه إلا برهة وعاد بعلبة دواء دفعها اليَّ وقال: الله معك.
نظرت الى العلبة بين يدي ونظرت اليه وقفلت راجعة الى السيارة، منذهلة، صامتة ومرغمة.
فتحت باب السيارة ونظرت الى أمي وقد غلبها الألم فراحت في غيبوبة.
قالت جارتنا: ما بك؟ منذهلة؟ مجدوبة . ماذا حدث؟
لماذا لم يأتوا بالكرسي المتحرك بعد لأخذها؟ إنها تتألم، أنظري فقد غابت عن الوعي من شدة ألمها.
هزتني ، هزتني تحاول شد انتباهي وافاقتي من صدمتي.
قال لي: محظوظة هي بك، خذيها الى البيت وأعطيها حبك.
ومرَّ شريط سريع أمام عيني ، لقد تركتُها كثيراً، وبعدتُ عنها كثيراً، اعتقدتُ أن الهاتف اليومي والسؤال اليومي كافيان، حسبت الاجازة السنوية كافية للبقاء بقربها.
والآن ها هي ترقد أمامي متألمة وأنا لا حول لي ولا قوة.
لقد وقعَتْ على الدرج حين كانت تحاول أن تعدّ لي افطاراً ساخناً أحبه ويجب بحسب قاموسها أن يتضمن منقوشة ساخنة، لم تقتنع أن الأجواء مضطربة والخروج من البيت غير ضروري، وأن الفرن ربما هو مغلق.
أرادت أن تذهب في غفلة مني، فوقعت وراحت تكيل لنفسها السباب ولم ترغب في الذهاب الى المستشفى وأكدت أنها ستكون بخير قريباً.
قالت:ماذا سيفعلون بختيارة مثلي في المستشفى في هذه الأيام بالذات. دعيني في البيت.
ألم تسمعي الأخبار؟ انهم يحضرون الجرحى والمصابين من المناطق المقصوفة الى هنا.
أنا التي أصررتُ على نقلها وكبدتُها العناء ظناً مني أنني أساعدها وأخدمها وأعتني بها.
والآن سأعود بها مكسورة الخاطر وقد زدت من آلامها وأكدت اقتراب أيامها، كلا، لا يمكن هل آخذها الى مستشفى آخر؟ هل في بلدتنا الصغيرة مستشفيات أخرى؟
صرخت جارتنا مجدداً: ما بك؟ ماذا حدث لك؟ يا حزني عليك وعلى عقلك
. هذه أمك تحركي.. تحركي.
وبدا لي أن الشلل الذي أصابني هو أكثر بكثير مما أصاب أمي، شلَّ تفكيري ودموعي وصوتي وربما قدمي.
المراجع
موسوعة القصة السورية
التصانيف
الادب
|