قال لي: سيدتي، أنا منطلق بسيارة الشحن الى البيت الجديد وأتمنى أن تكون نقلتنا التالية هي الأخيرة، في طريقنا الى هناك سينضم الينا عاملان آخران لمساعدتنا في تنزيل الأغراض وتركيب الخزانة الكبيرة. لا تقلقي فأنا أكثر منك رغبة للانتهاء اليوم.
الى اللقاء.
أغلقتُ الباب والبوابة ودخلتُ أستطلع اللمسات الأخيرة، الحقائب الأخيرة والعلب الأخيرة.
منذ اللحظات الأولى التي بدأ الأولاد حديثهم عن وجوب الانتقال من هذه المنطقة التي باتت قديمة وبعيدة، وبدأنا فيها الحديث عن تغيير البيت وأنا أفكر بهذه اللحظة بالذات، ولطالما خفت منها.
منذ أن قررت العائلة أن تغيير المنطقة أفضل للجميع عرفت أنني ضمن الخطة وأن عليَّ تغيير بيتي أيضاً واللحاق بهم فلا يمكنني أن أكون بعيدة عن أولادي وعائلاتهم. لكل منهم أسبابه للانتقال أما السبب الذي يخصني فهو أن أكون الى جوارهم ولا أبتعد. وهو سبب كاف لعدم الاعتراض.
لكن عدم القبول والتأقلم فهذا أمر آخر مختلف.
رحت أعاني بصمت، وليس لي ما أتمكن فعله.
اليوم بعد أن حزمت كل صغيرة وكبيرة في بيتي للانتقال الى البيت الجديد، أتساءل ! كم سيطول الزمن لأحس أن ذاك البيت الجديد بيتي؟
اليوم وأنا أنظر الى علب الكرتون المكدسة المرقمة والتي تحتوي على كل دقائق وتفاصيل بيتي تنتقل الى البيت الجديد... أحسست أن قلبي ينتقل معها ، هل هي بيتي؟؟
دخلت ورحت أجوب الغرف الفارغة غرفة غرفة، أتوقف عند كل باب، أستذكر تفاصيل الحوادث والمناقشات ، الضحكات والمشاحنات أنظر حولي فأرى مجدداً الكراسي والطاولة التي ذهبت وأراهم متجمعون حولها، على الستائر المعلقة التي لن نأخذها معنا تدلت الضحكات وانتشرت الروائح، وتساءلت؟هل ستدفئني الستائر الجديدة، هل سيدفئني غطائي الجديد أم أن نظام التدفئة الحديث سيقوم بالمهمة.
الغرف فارغة ، وها أنا أضع في الحقائب ما تبقى من الثياب وفي علب الكرتون ما تبقى من أشيائي الصغيرة، أنا أتلكأ وكأنني لا أريد لهذا اليوم أن ينتهي مع علمي أن السيدة التي اشترت البيت تتوقع استلام المفتاح اليوم لتنتقل الى بيتها الجديد.
أتلمس الجدران، فأحس الفرح الذي غمرنا هنا بينها، وأتذكر الأيام الصعبة التي مررنا بها وكانت هي سَترنا وغطانا كما يقولون. أتلمس المرآة التي لم نستطع اقتلاعها وأخذها، أرى فيها المشادات الكلامية والنكات المضحكة.
أتذكر قول ابنتي: هيا يا أمي ، البيت الجديد سيأتينا بكل جديد، فلنفرشه بالفرح وندهن جدرانه بالسعادة وننسى ما نستطيع من الحزن والتعب، تراها محقّة؟
أحسُني خارج الزمان والمكان، أغلق الحقائب، وأسكر علب الكرتون وأضع عليها الشريط اللاصق، أكومها على المدخل الرئيسي.
أعود الى الغرف مجدداً واحدة واحدة ترافقني دموعي ألقي نظرة الوداع، أتنشق رائحتها ملء رئتي، والمفتاح في يدي أقبض عليه بقوة، أشد عليه بكل شغف.
ليتها تطول هذه الدقائق،، أشهق حزني وأبكي ثلاثين عاماً من حياتي علها تفرغ حزني وتأخذه عني بعيداً، أحمل زهراتي الجميلة أداعبها، أستمتع برؤية وريقاتها المتفتحة تحدثني بفرح وتبتسم، أنظر من النافذة فأرى الشارع يمتد وتدخل عيون قلبي الى كل البيوت التي كنت أحيي أهلها كل صباح، جيراني الذين عشت معهم طوال السنين الماضية، احتجت مساعدتهم واحتاجوا مساعدتي، فرحوا لفرحي وحزنوا لحزني وكنا خير الأصدقاء، امتد نظري الى تلك الحديقة التي لطالما جلست على كرسيها الخشبي أشكي همي وأغني فرحي، ورحت أغوص في دنيا غريبة من المتعة.
أشهق عالياً إذ يرن جرس البوابة قوياً عالياً. ها هي السيدة قد وصلت لتتسلم بيتها الجديد، بعد لحظات لن أستطيع أن أدّعي أي صفة تربطني به. هي مستعجلة جداً وأنا متباطئة جداً.
انتصبت ، مسحت دموعي، متماهلة بفتح البوابة، ذهبت مجدداً الى المرآة ونظرت الى وجهي ثم طلبت من المرآة أن تسمح لي بأخذه معي، لآ أريد أن أترك شيئاً ورائي لها، سمعتُني أقول وداعاًً وداعاً بصوت عالٍ ، أو خلته عالياً ونظرت مجدداً الى المرآة فاذا وجهي مبتسم والمرآة لا تعرفني بل تبحث عن وجه جديد.
ابتعدت وفتحت الباب مسرعة.
استقبلتها، دعوتها للدخول وأكدت لها أنني لن أكون ضيفة ثقيلة، نصف ساعة وتصل سيارة الشحن لنقل الفتات الأخير. وفتحت كفي وسلمتها المفتاح.
رحبت بي بخجل ودعتني للتمهل فلا داعي للعجلة، هي فقط تريد أن تتجول وتستمتع بالبيت الجديد، رأيتها تقترب من المرآة تتلمسها وتطيل النظر، عرفت أنهما تتعارفان وتتواعدان وأن المرآة بدأت بالتسجيل.
تابعت الابتسام وأنا أتجول معها في الغرف للتأكد من خلوها، رأيتها تحيط الجدران بنظراتها الحنونة، اعتقدت أنني سأغار كالمحب ينظر الى محبوبته وهو يرى الآخرين يتغزلون بجمالها، لكني أحسست بالخجل، أحسست بالبرود، فعلمت أنها لم تعد لي لأبداً، لم أعد أعرفها هذه الجدران.
تابعت الابتسام ولأول مرة ساعدت العمال في نقل الأغراض بكل همة وخرجت، لم أنظر الى الوراء، ودّعتها بسرعة، لم أغلق خلفي الباب ولم أنتظر البوابة حتى تغلق كما في كل مرة أغادر البيت.
فقط أردت الابتعاد.
مشت بنا السيارة عبر الشارع، نظرت الى البيوت بكل محبة مودعة أعدها بالزيارة، وراحت عيون قلبي الى البيت الجديد، أحسست أنني الآن أعيش في الزمن الضائع، في هذه اللحظة ليس لي بيت، ولا يمكن للانسان أن يعيش دون بيت، وذاك الذي تركته صار لها، لذا أريد الوصول بسرعة، لأتلمس الجدران والمرآة وأبدأ بوضع لمساتي لأحس فعلاً أنه بيتي.
المراجع
موسوعة القصة السورية
التصانيف
الادب