أ. عبير النحاس .
 
ما زِلت أذْكر ذلك اليوم الذي دخلتُ فيه مدرستي الإعدادية ( المتوسطة) بسرور بالغ، وكنتُ وقتها ُمتلهِفة لرؤية نظرات الدَّهشة والغيرة في عيون صديقاتي، بعد أن قمت بعمل تسْريحة غريبة لشعري! وبالفعل حَصلت على الكثير من نظراتِهن الممزوجةِ بالإعجابِ والغيرة ِوالدهشةِ؛ كما كنت أشتَهي وأتوقَّع، وعشتُ سعيدةً لأيام، ولكنَّ سروري بمكاسبي تِلك لم يدُم طويلا! فقد قامت زميلتي بصبغ خصلاتٍ من شعرها بثلاثة ألوان، وسحبت بفعلتِها البساطَ الأحمرَ من تحتِ تسريحتي! وقد أحزنني الأمر يومها لأنني لن أكون قادرة على متابعة السِّباق معها، فبالكاد وافقت أُمّي على قصَّ شعري فضْلا عن صبغ الخُصلات. 
 
وأذكر أنَّني اشتريت في ذلك الزَّمان مجموعة كبيرة من الأساوِر المختلِفة ذات الألوان المتنافِرة، وقد كان من بينها سِوار من الجلد الصِّناعي الأبيض المُطعَّم بالفضَّة وكان غريبا وجميلا، وملفِتا جدَّا لأنظار صديقاتي، وحصلت من خلاله على عرشِ التَّميز لفترة طويلة نسبيَّا، انتهت بشرائِهنَّ ما يشبه أساوري. 
وقد كنَّا نفرح بمخالفتِنا لتعليماتِ مُشرفات النِّظام أيَّما فرح، وكأننا كنَّا نحقِّق نصرا ما! أوربَّما كنَّا نظنُّه إنجازا عظيما آنذاك. 
لقد كانت أياما جميلة ما زلت أُدرك من خِلالها حلاوة الاختلاف، وأعرِف تماما ما معنَى أن أرى مُراهِقة وكأنَّها وصَلت للتو من كوكب الزُّهرة، ولكنَّني أدْركت أيضا أنَّه عرشٌ قد بُني على ِرمال لن يلبث أن ينهار سريعا عندما يتفوَّق عليك أحد ما فتصاب بالحزن والإحباط. 
ويعلم الجميع أنَّ سنَّ المراهقة هو السنُّ المناسب لعمل كل ما نرغب به من تغييرات في مظهرنا دون أن تكون لدينا تلك التَّحفظات التي تتعلق بالمراحل العمرية الأخرى. 
ففي هذه السنّ مثلا نستطيع مجاراة الكبار والصِّغار معا، ونستطيع بأقلِّ قدرٍ من الَّلومِ أن نتَفنَّن في اتباع الصيحات والموضات حتى لو كانت (صرعة من صرعات المصممين فقط ) وليست(موضة من الموضات) المقبولة لدى المجتمع من حولِنا. 
 
وقد يبدو لنا أيضا أن السَّبب في تعلُّقِ البعض بتِلك الصَّيحات هو حبُّ الظُهور والتَّميُّز، وحبِّ إثباتِ الذّات، وهذا مَطلب حقٌّ بلا ريب، ولكنَّ المشكلة تكْمن في الطَّريقة الّتي يتَّبِعها من يتبنَّى هذا المطلب، وفي نظرتِه المحدودة ِ للتَّميز والاختلاف، وفي ما يختاره ويتبناه من مظاهر تُعجِبُه ويَقبلها لنفسِه. 
 
ويقومُ مراهِقون كثيرون بعمَل ما يميِّز أشكالَهم، ويلفِت نظر النَّاس إليهم، ولكن قد نرى في بعض الأحيان ما يثير الضَّحك، وما ينفِّر وما يثيُر الدَّهشة، وقد نرى عجائِب الدُّنيا تجتَمع في قَصَّة شَعْر أوإكسِسْوار، وربما في ثياب لا تناسب مجتمعاتنا ولا يرضاها ديننا الحنيف. 
 
وقد لا أخفي عليكم أنني أحببت ملاحقة عيون الصديقات لي يوم أن قمت بعمل تلك التسريحة الغريبة، بل وشَعرتُ بالأهمِّية، وأرضيتُ فرحي الفطري بالتَّميز الذي تحمِله كلُّ أنثى، ولكن هل تكفينا النَّظرات دون أن نهتمَّ بمُحتواها؟ 
والسُؤال هو: 
- هل نريد فقط الحُصول على نظرات الخلقِ واهتمامِهم، دونَ أن يعْنينا أن تكون نظراتُ إعجابٍ ورِضا ؟ 
 
إن كان الجواب بنعم .. فأظنُّ أنَ عليكم متابَعة المقال في عيادةِ للأمراض النَّفسيِّة... وإن كان الجواب بلا .. فأعتقد أيضا أنَّنا اتفقنا على أننا نحبُّ التَّميز، ونحبُّ المظهَر الجميل الحسَن، ونحبُّ أن ينظر إلينا من يعرفنا باهتمام، ولا عيب في الأمر مطلقا ما دام بحدود الحِشمة والأدب، وما يناسب الزمان والمكان وما دامت لا ترضينا إلا نظرات الإعجاب والإكبار. 
وأضيف أيضا بأن يوحي مظهرنا بأننا على أعتاب شباب خلَّاق فعَّال، لا شباب تتحطم على صفحاته حضارة الأمة، فالأمة تنتظر شبابها بحرقة، وليس كل الشباب يفرحها ويرضيها. 
ولم لا يكون اختلافنا عن غيرنا بأخلاقنا الرفيعة؟ وصِدقِنا وحُسن تعاملِنا مع الخلق؟ 
ولمَ لا يكون هذا في الجدِّ والاجتهاد والعمل الجاد الذي يوازي أعمال الكبار في أهميتها؟ 
 
ولم لا يكون في نَيل مرضاة الله وحُسن طاعتِه؟ 
فسيكون حينها أكمل وأجمل، وسنجِد أنفُسنا واقفين على أرض صُلبة، وسيسعِدنا تفوُّق غيرنا، ويرضينا لأنَّنا سنكمِّل بعضنا وسنسير في اتجاه واحد يزيد الجميع قوَّة. 
 
ليتَنا نقدم لأمَّتنا من أنفُسِنا نموذَجا رائِعا بحق، ولو بدأنا بالشَّكل والمظهر، ومن ثمَّ سنتعمَّق في شخصيَّاتنا، وسنعرِف ما هو الطَّريق الصَّحيح الذي يجب أن يسلكه من هم في سنِّ الشَّباب لو كنَّا صادقين في ما نَطلب.
 
 

المراجع

موسوعه المستشار

التصانيف

الحياة