أيرلندا 160-529
يقول الأيرلنديون- ولا نستطيع أن نكذبهم فيما يقولون- إن جزيرتهم جزيرة الضباب والفاكهة الرطبة "قد سكنها في أول الأمر اليونان و السكوذيون قبل ميلاد المسيح بألف عام أو أكثر، وإن زعماءهم الأولين كتشلين Cutchalain، وكونور Conor، وكونال Conall، من أبناء الآلهة(12). وقد مس هملكو Himilco المستكشف الفينيقي أرض أيرلندة حوالي عام 510 ق.م ووصفها بأنها بلاد خصبة كثيرة السكان". ولعل جماعة من المغامرين الكلت قد عبروا البحر إلى أيرلندة من غالة أو بريطانيا أو منهما معاً في القرن الخامس قبل الميلاد، وغلبوا الأهلين الأصليين الذين لا نعرف عنهم شيئاً.
ويبدو أن قد جاءوا معهم إلى أيرلندة بثقافة عصر الحديد الهولستاتية Hallstatt ، كما جاءوا معهم بنظام قوي من الصلات العائلية يجعل الفرد فخوراً بقبيلته فخراً يمنعه أن يكون دولة مستقلة، وظلت القبائل تحارب بعضها بعضاً، والممالك تقتتل نحو ألف عام، فإذا سكتت حرب القبائل أو الممالك فترة من الزمان اقتتل أفراد القبائل فيما بينهم؛ فإذا ماتوا دفن الأيرلنديون الصالحون قبل أيام القديس باترك Patrick ، واقفين متأهبين للقتال ، ووجوههم متجهة نحو أعدائهم. وقد مات معظم ملوك البلاد في المعارك الحربية أو اغتيلوا.
وتقول الروايات الأيرلندية إنه كان من حق هؤلاء الملوك أن يفضوا بكارة كل زوجة قبل أن يسلموها إلى زوجها، ولعلهم كانوا يفعلون هذا لأنه فريضة تتطلبها الرغبة في تحسين النسل ، أو لعلهم كانوا يفعلونها بوصفهم خدام الآلهة الذين يتطلبون أن يجنوا هم أولى الثمار. وقد وُجِّه إلى الملك كنكوبار Conchobar أعظم الثناء لحرصه الشديد على أداء هذا الواجب. وكانت كل قبيلة تحتفظ بسجل لأفرادها، ونسبهم، ولملوكها ووقائعها الحربية، وتاريخها القديم "منذ بداية العالم".
وفرض الكلت سلطانهم على البلاد بوصفهم الطبقة الحاكمة، ووزعوا قبائلهم في خمس ممالك؛ ألصتر Ulster، و لينستر Leinster الشمالية، و مونستر Munster، و كنوث Connaught. وكان كل ملك من هؤلاء الملوك تام السيادة في مملكته، ولكن القبائل كلها رضيت أن تكون تارا Tara من أعمال ميث Meath عاصمتها القومية ، فيها يتوج كل ملك من الملوك ، وفيها يجمع في بداية حكمة الفيس Feis أو مؤتمر أعيان أيرلندة كلها لإقرار التشريعات التي تخضع لها الممالك بأجمعها ، ولتصحيح أنساب القبائل وتدوينها، ثم تسجيلها في المحفوظات الأهلية. وشاد الملك كرماك ماك إيرت Cormac Mac Airt في القرن الثالث بهواً كبيراً لا يزال أساسه باقياً حتى الآن لتعقد فيه جلسات هذا المؤتمر. وكان مجلس إقليمي يدعى الأوناك Aonach يجتمع مرة كل سنة أو كل ثلاث سنين في عاصمة كل مملكة، ليسن قوانينها، ويقر الضرائب التي يجب على أهلها أداؤها، ويقوم بوظيفة محكمة الإقليم. وكانت الألعاب والمباريات تسير على النمط التقليدي الآتي: الموسيقى، والغناء، وألعاب الشعوذة؛ والتمثيل الهزلي، والقصص، وإنشاد الشعر وكانت تعقد في أثنائها الزيجات فتزيدها بهجة، وكان عدد كبير من السكان يشتركون في هذه الحفلات. ويبدو لمن يرجع بفكره من خلال القرون الطوال، التي تخلع على القديم رواء وسحراً، إلى هذا التوفيق بين الحكومة المركزية والحرية الإقليمية أنه هو المثل الأعلى للنظم الحكومة. وظل المؤتمر (الفيس Feis) قائماً حتى عام 560 ، أما المجلس المحلي (الأوناك Aonach) فقد بقي حتى عام 1168.
وأول شخصية نستطيع أن نعدها وتقين شخصية تاريخية بحق هي شخصية تواثال Tuathal الذي حكم لينستر Leinster وميث حوالي عام 160 م. ومن ملوك أيرلندة أيضاً الملك نيال Niall (حوالي 358) الذي غزا ويلز وعاد منها بغنائم لا تحصى، وأغار على غالة ، ثم قتل رجل من أهل أيرلندة عند نهر اللوار. وكان معظم ملوك أيرلندة الذي جاءوا بعده من نسله. وفي السنة الخامسة من حكم ولده ليجير Laeghaire (ليري Leary) وفد القديس بتريك على أيرلندة. وكان الأيرلنديون قد استنبطوا لهم حروفاً هجائية مكونة من خطوط مستقيمة؛ وكان لهم أدب واسع من شعر وقصص يأخذه الناس مشافهة بعضهم عن بعض، وكانت لهم مصنوعات طيبة من الزخرف والبرونز والذهب. وكان دينهم من أديان الشرك وعبادة الطبيعة؛ فكانوا يعبدون الشمس والقمر وغيرهما من مختلف الأجسام الطبيعية، وقد أسكنوا بقاعاً لا حصر لها في أيرلندة بالجن والشياطين والعفاريت.
وكانت طائفة من الكهنة ذوي الثياب البيض تتنبأ بالغيب ، وتسيطر في زعمها على الشمس والرياح بعصى وعجلات سحرية، وتنزل أمطاراً وتوقد نيراناً سحرية، وتحفظ أخبار القبائل وأشعارها عن ظهر قلب، وتلقنها إلى من يأتون بعدها، وتدرس مواقع النجوم، وتعلم الشبان، وتسدي النصح إلى الملوك، وتجلس للقضاء بين الناس، وتسن الشرائع، وتقرب القرابين للآلهة من فوق مذابح قائمة في الهواء الطلق. وكان من بين أوثانها المقدسة تمثال مغطى بصفائح الذهب يسمونه كرم كرواك Crom Cruach؛ وكان هو إله جميع القبائل الأيرلندية؛ ويلوح أنه كان يُقَرَّب إليه الابن الأول الذي يولد لكل أسرة في البلاد(18) -وربما كان منشأ هذه العادة الرغبة في الحد من كثرة النسل. وكان أيرلنديون يؤمنون بتجسد الأرواح بعد الموت، ولكنهم كانوا يحملون بوجود جزيرة سماوية وراء البحر، "ليس فيها عويل أو غدر، ولا خشونة أو عنف، بل فيها موسيقى حلوة تشنف الأسماع، وفيها أرض جميلة عجيبة ذات منظر لا يدانيه شيء آخر في روعته وبهائه". وتقول إحدى القصص إن الأمير كونال Couall تأثر بهذا الوصف فأبحر في قارب من اللؤلؤ ليكشف هذه الجزيرة السعيدة.
=القديس باتريك
وكانت المسيحية قد دخلت إنجلترا قبل قدوم القديس بتريك إليها بنحو جيل أو كثر من جيل. وقد ورد في أحد التواريخ الإخبارية، التي يؤيدها بيدي، ضمن حوادث عام 431 أن "الباب سلستيني Celstine قد رسم بلديوس Palladius أسقفاً وأرسله إلى من يؤمنون بالمسيح من الأيرلنديين ليكون أول أسقف لهم"، لكن بلديوس توفي ذلك العام ذاته ونال القديس بتريك راعي أيرلندة وحاميها شرف اعتناق أيرلندة المذهب الكاثوليكي الذي لم تتحول عنه قط.
وكان مولده حوالي 389 في قرية بنافنتا Bonnaventa من قرى غربي إنجلترا ، من أسرة متوسطة الثراء والجاه. وإذ كان طفل ابن مواطن روماني فقد سمي باسم روماني هو بتريكيوس Patricius. ولم ينل من التعليم إلا قسطاً قليلاً، ولهذا كان يعتذر للناس عن خشونة، ولكنه درس الكتاب المقدس دراسة متقنة يستطيع معها أن يورد منه شواهد من الذاكرة في كل ما يعرض له من المناسبات. ولما بلغ السادسة عشرة من عمره أسره جماعة من المغيرين الأسكتلنديين" (أي الأيرلنديين) وجاءوا به إلى أيرلندة، حيث أقام ست سنين يرعى الخنازير. و "تحول" في هذه الساعات التي كان يقضيها بعيداً عن الخلق فتبدلت حاله من عدم المبالاة بشؤون الدين إلى الصلاح البالغ الحد؛ ويقول هو عن نفسه إنه كان يستيقظ في كل يوم قبل الفجر، ثم يخرج للصلاة مهما يكن الجو -سواء كان يتساقط فيه البرد أو المطر أو الثلج. ثم استطاع آخر الأمر أن يفر، واتخذ سبيله إلى البحر، وعثر عليه جماعة من الملاحين في مكان مقفر، فأخذوه معهم إلى غالة أو لعلهم أخذوه إلى إيطاليا. ثم تمكن من أن يسلك سبيله إلى إنجلترا، وأن ينضم مرة أخرى إلى أسرته، وأن يعيش معها بضع سنين.
ولكن شيئاً ما دعاه أن يعود إلى أيرلندا - وقد يكون هذا الشيء هو ذكرى جمالها الريفي، أو طيبة قلوب أبنائها وحنوهم. وفسر هو هذا الإحساس بأنه رسالة إلهية، تدعوه إلى نشر المسيحية بين الأيرلنديين. فذهب من ليرنز Lerins وأوكسير Auxerr ودرس اللاهوت، ورسم قسيساً. ولما وصل إلى أوكسير نبأ وفاة بلديوس، عين بتريك أسقفاً، وأعطى بعض مخلفات بطرس وبولس، وأرسل إلى أيرلندا.
ووجد فيها ملكاً وثنياً مستنيراً يدعى ليجير يجلس على عرش تارا. وعجز بتريك عن هداية هذا الملك إلى الدين المسيحي، ولكنه حصل على عهد منه بأن يكون له مطلق الحرية في التبشير بهذا الدين. وقاومه كهنة البلاد، وعرضوا على البلاد سحرهم. وقابل بتريك عملهم هذا بأن عرض على الأهلين تعاويذ طاردي الأرواح الخبيثة، وهم طائفة من صغار الكهان جاء بهم معه ليستعينهم على طرد الشياطين. ويحدثنا بتريك في "الاعترافات" التي كتبها حين تقدمت به السن عما تعرض له من الأخطار في عمله فيقول: إن حياته تعرضت للخطر اثنتي عشرة مرة؛ وإنه هو ورفاقه قبض عليهم في يوم من الأيام، وظلوا في الأسر أسبوعين، وهددوا بالقتل، ولكن بعض أصدقائهم أفلحوا في إقناع من قبضوا عليهم بإطلاق سراحهم. وتقص الروايات المتواترة الصادرة عن بعض الأتقياء الصالحين من الكتاب مئات من القصص المدهشة عن معجزات بتريك. من ذلك ما قاله ننيوس Nennius من أنه "رد البصر للعمي والسمع للصم ، وطهر المجذومين، وأخرج الشياطين، وأعاد الأسرى، وأحيا تسعة من الموتى وكتب 365 كتاباً". ولكن أغلب الظن أن أخلاق بتريك لا معجزاته هي التي هدت الأيرلنديين إلى الدين المسيحي - هدنهم ثقته التي لا تتزعزع بعقيدته، ودأبه على عمله وتحمسه له. ولم يكن الصبر من طبعه، وكان استعداده لأن يصب اللعنات لا يقل عن استعداده لمنح البركات(24)، على أن هذا العمل نفسه كان يصدر عن إقناع تمليه عقائده الواثق بها والتي لا يقبل فيها جدلاً. وكان يعين القساوسة، ويشيد الكنائس، وينشئ الأديرة للرجال والنساء، ويترك حاميات روحية قوية لتقوم بحراسة فتوحه الدينية في كل مكان غزاه، وجعا الناس يظنون أن قبولهم في دولته الكهنوتية مغامرة من أسمى المغامرات وأجلها خطراً، وجمع حوله رجالاً ونساء من ذوي الشجاعة والإخلاص، يتحملون جميع الحرمان ليبشروا الناس بأن الإنسان قد نجا من الخطيئة. على أن بتريك لم يهد أيرلندة كلها، بل بقيت فيها للوثنية جيوب منعزلة، كما بقي لها شعرها، ولا تزال فيها إلى الآن آثار من الدين القديم، لكنه حين واتته منيته (461) كان يمكن أن يقال عنه؛ ما لا أن يقال عن رجل غيره. وهو أن رجلاً واحداً قد هدى أمة بأجمعها.
وأقرب الناس بعده لقلوب الأيرلنديين امرأة كان لها أكبر الفضل في تثبيت دعائم نصره، تلك هي القديسة بردجد Brigid ويقال إنها ابنة عبد وملك؛ ولكننا لا نعرف عنها شيئاً موثوقاً به قبل أن تترهب في عام 476. وقد استطاعت أن تنشئ كنيسة شجرة البلوط (كل دارا Cill Dara) بعد أن تغلبت على عقبات يخطئها الحصر؛ ولا يزال الموضع الذي أقامتها فيه يسمى بهذا الاسم كلدير Kildare حتى اليوم. وسرعان ما استحالت الكنيسة ديراً للرجال وللنساء، ومدرسة لا تقل شهرة عن المدرسة الأخرى التي قامت في أرماغ Armagh. وتوفيت بردجد في عام 525، معززة مكرمة من جميع الأيرلنديين، ولا يزال عشرة آلاف من الأيرلنديات يسمين باسم ماري الجيلية Mary of Gael. وبعد جيل من ذلك الوقت صب القديس روادهان لعنة على تارا؛ ثم هجرت الأبهاء القديمة بعد عام 558 حين مات الملك ديرمويد Diarmuid، واعتنق ملوك أيرلندا الدين المسيحي وإن ظلوا مع هذا وثنيين في ثقافتهم.
أيرلندا المسيحية المبكرة400–800

المراجع

موسوعة الأبحاث العلمية

التصانيف

الأبحاث