على بعد بضعة أميال لا أكثر في شمال القسطنطينية بحر مضطرب من خلائق الآداب ويحبون الحرب بنصف قلوبهم. ولم تكد موجة الهون تتراجع حتى أقبلت من التركستان خلائق أخرى جديدة تمت إليهم بصلة الدم يدعون الآفار مخترقين جنوبي الروسيا (558) واسترقوا جموعاً من الصقالبة، وأغاروا على ألمانيا حتى نهر الألب (562)، ودفعوا اللمبارد أمامهم إلى إيطاليا (568)، وعاثوا في بلاد البلقان فساداً حتى كاد ينمحي منها سكانها الذين ينطقون باللغة اللاتينية. وبسط الآفار سلطانهم في وقت ما على البلاد الممتدة من البحر البلطي إلى البحر الأسود، وحاصروا القسطنطينية في عام 626 وكادوا يستولون عليها؛ وكان عجزهم عن ذلك بداية اضمحلالهم؛ فغلبهم شارلمان على أمرهم في عام 805، وما لبثوا أن امتصهم البلغار والصقالبة شيئاً فشيئاً.
 
وكان البلغار، وهم في أصلهم خليط من الدم الهوني، والأجري Ugrian والتركي، يكونون قبل ذلك الوقت جزءاً من إمبراطورية الهون في روسيا؛ وأقام فرع منهم بعد موت أتلا Atilla مملكة لهم-"بلغاريا القديمة"-على ضفاف نهر الفلجا Volga حول مدينة قازان الحالية. وأثرت عاصمتهم بلغار Bolgar من التجارة النهرية، وظلت مزدهرة حتى خربها التتار في القرن الثالث عشر. وهاجر فرع آخر منهم في القرن الخامس نحو الجنوب الغربي إلى وادي الدن Donـ، وعبرت إحدى قبائل هذا الفرع، وهي قبيلة اليوتجر Uitgurs، نهر الدانوب (679)، وأسست مملكة بلغارية ثانية في موئيزيا Moesia واسترقوا من فيها من الصقالبة، وأخذوا عنه لغتهم وأنظمتهم، وامتصهم آخر الأمر العنصر الصقلبي، وبلغت الدولة الجديدة أوجهها في عهد الخاقان أو الخان (الرئيس) كروم Krum (802)، وهو رجل جمع إلى شجاعة الهمج دهاء المتحضرين. وغزا الخاقان مقدونية-إحدى ولايات الدولة الرومانية الشرقية-ونهب 1100 رطل من الذهب، وأحرق مدينة سرديقا Sardica المسماة الآن صوفيا عاصمة بلغاريا الحالية. وكان له الإمبراطور نقفور الصاع صاعين وأحرق بلسكا Pliska عاصمة كروم (811)؛ ولكن كروم أوقع الجيش اليوناني في كمين نصبه له في أحد ممرات الجبال، وقتل نقفور، واتخذ من جمجمة الإمبراطور قدحاً لشرابه ثم حاصر القسطنطينية في عام 813، وأحرق أرباضها، وضرب تراقية، وفعل بها ما فعلته الجيوش التي غزتها في عام 1913. وبينما هو يعد العدة لهجوم آخر إذ انفجر أحد أوعيته الدموية وقضى على حياته. وعقد ابنه أمورتاج Omurtag الصلح مع اليونان وأسلموه بمقتضاه نصف تراقية، واعتنق البلغار المسيحية في عهد الخان بوريس Boris (852-888). وآوى بوريس نفسه بعد حكم طويل إلى أحد الأديرة، ثم خرج منه بعد أربع سنين ليخلع ابنه الأكبر فلادمير، ويُجلس على العرش ابناً آخر أصغر من أخيه يدعى سيمون Simeon (893-927)، وعاش بوريس حتى عام 907، وأصبح هو أول قديس قومي لبلغاريا. وكان سيمون من أعظم ملوك زمانه، فقد وسع رقعة أملاكه حتى شملت بلاد الصرب والبحر الأدرياوي، ولقب نفسه "إمبراطوراً وحاكماً مطلقاً لجميع البلغار واليونان"، وشن الحرب عدة مرات على بيزنطية، لكنه حاول أن يدخل الحضارة إلى بلاده بتراجم الآداب اليونانية، وأن يجمل عاصمته في أقاليم الدانوب بروائع الفن اليوناني. ويصف أحد معاصريه مدينة برسلاف Breslav بأنها "من أعجب ما تقع عليه العين". مليئة "بالقصور والكنائس الشامخة الكثيرة الزخرف، ولقد كانت في القرن الثالث عشر أكبر مدينة في بلاد البلقان كلها؛ ولا تزال خرابات قليلة باقية منها. وأضعفت المنازعات الداخلية بلغاريا بعد موت سيمون. وحول ملاحدة بجوميل Bogomil نصف الفلاحين خلائق مسالمين شيوعيين؛ واستردت بلاد الصرب استقلالها في عام 931؛ وأعاد الإمبراطور يوحنا تزيمسيس بلغاريا الشرقية إلى أحضان الإمبراطورية اليونانية في عام 972، وفتح باسيل الثاني بلغاريا الغربية في عام 1014، وبذلك أضحت بلغاريا (1018-1186) مرة أخرى ولاية تابعة لبيزنطية.
 
وفي أثناء هذه الأحداث أقبل على الإمبراطورية القلقة زائرون من أقوام همج جدد يدعون المجر. والراجح أن المجر كانوا، كما كان البلغار، من تلك القبائل التي يطلق عليها ذلك الاسم غير الدقيق الأجري Ugri أو الإيجور Igurs (ومن هذا اللفظ اشتقت كلمة Ogre المرادفة لكلمة غول)، والتي كانت تضرب في البلاد المصاقبة لحدود الصين الغربية. وكان هؤلاء أيضاً قد سرى إليهم دم هوني وتركي كثير لطول اختلاطهم بهذين العنصرين. وكانوا يتكلمون لغة وثيقة الصلة بلغتي الفن (أهل فنلندة) والسمويد Somoyeds. وقد هاجروا في القرن التاسع الميلادي من سهول الأورال وبحر الخزر (قزوين) إلى الأراضي المجاورة لنهري الدن والدنيبر Dneiper والبحر الأسود، حيث كانوا يعيشون بفلح الأرض في الصيف، وصيد السمك في الشتاء، واقتناص الصقالبة وبيعهم عبيداً غلى اليونان في جميع فصول العام. وبعد أن أقاموا في أكرانيا ستين عاماً أو نحوها تحركوا مرة أخرى في اتجاه الغرب. وكانت أوربا وقتئذ في الدرك الأسفل من حياتها؛ فلم تكن فيها حكومة قوية غرب القسطنطينية، ولم يقف في وجههم جيش قوي. لهذا اجتاح المجر بسرابيا Bessarabia وملدافيا Moldavia (البغدان) في عام 889 وشرعوا في عام 895 في فتوحهم الدائمة لبلاد هنغاريا (المجر) بقيادة زعيمهم أرباد Arpad. وفي عام 899 عبرت جموعهم جبال الألب وانقضت على إيطاليا، وأحرقوا بافيا Pavia وكنائسها الثلاث والأربعين جميعها، وذبحوا أهلها، وظلوا عاماً كاملاً يعيشون فيشبه الجزيرة فساداً، ثم فتحوا بنونيا Pannonia، وأغاروا على بافاريا Bavaria (900-907)، وخربوا كارانثيا Carinthia (901)، واستولوا على مورافيا Moravia (906) ونهبوا سكسونيا، وثورنجيا Thuringia وسوابيا Swabia (913)، وألمانيا الجنوبية، والألساس Alsace (917)، وانقضوا فجأة على الألمان المقيمين على ضفاف نهر الك Lech أحد روافد الدانوب (924). وارتجفت لذلك قلوب الأوربيين وتوجهوا إلى خالقهم بالدعاء والصلاة، لأن هؤلاء المغيرين كانوا لا يزالون أقواماً وثنيين، ولاح أن العالم المسيحي مقضي عليه لا محالة. ولكن المجر هُزموا عند جوثا Gotha عام 933، ووقف زحفهم على أثر هذه الهزيمة، ثم غزا إيطاليا مرة أخرى في عام 943ن ونهبوا برغنديا في عام 955. وانتهى الأمر في ذلك العام نفسه بأن هزمتهم جيوش ألمانيا المتحدة بقيادة أتو Otto الأول في معركة حاسمة في لكفلد Lechfeld أو وادي ألك بالقرب من مدينة أوجزبرج Augsburg، واستطاعت أوربا عقب هذه الهزيمة أن تتنفس الصعداء بين خراباتها بعد أن حاربت في قرن واحد (841-955) النورمان في الشمال، والمسلمين في الجنوب، والمجر في الشرق. وبعد أن خضع المجر أضحت أوربا أكثر أمناً مما كانت لاعتناقهم الدين المسيحي (975). ذلك أن الأمير جيزا Geza خشي اندماج هنغاريا في الإمبراطورية البيزنطية التي عادت وقتئذ توسع رقعتها، ولهذا اختار المذهب المسيحي اللاتيني لكي يسالمه الغرب، وزاد على ذلك بأن زوج ابنه ستيفن من جزيلا Gisela ابنة هنري الثاني دوق بافاريا. وأمسى استيفن الأول (997-1083) شفيعاً لهنغاريا وراعيها وأعظم ملوكها، فقد نظم شئون المجر على غرار النظام الإقطاعي الألماني، وقوى الأساس الديني الذي أقام عليه المجتمع الجديد بأن قبل مملكة هنغاريا وتاجها من البابا سلفستر Sylvster الثاني (1000).
 
وهرع الرهبان البندكتيون إلى بلاده، وأنشئوا الأديرة والقرى وأدخلوا فيها فنون الغرب الزراعية والصناعية، وبهذا انتقلت هنغاريا بعد حروب دامت مائة عام من ظلمات الهمجية إلى نور الحضارة، ولما أن هدت الملكة جزيلاً صليباً إلى صديق لها ألماني كان هذا الصليب آية رائعة من فن الصياغة الذهبية. وكان أقدم موطن معروف للصقالبة إقليم من روسيا كثير المنافع تحيط به كيف، ومهيلف Mohilev، وبرست لتوفسك Brest Litovsk، وكانوا من عصر هندي أوربي يتكلمون لغات ذات صلة باللغتين الألمانية والفارسية. وكانت أقوام من البدو تجتاح بلادهم من آن إلى آن، وكثيراً ما كانوا يُستَرَقون، وكانوا على الدوام يعانون مرارة الفقر والظلم، ولهذا طبعوا على الصبر وجعلتهم الصعاب وخشونة العيش الدائمة صلاباً أشد، وفاقت خصوبة نسائهم نسبة الوفيات العالية بينهم المسببة من المجاعات، والأمراض والحروب، التي لم ينطفئ لها سعير. وكانوا يسكنون كهوفاً أو أكواخاً من الطين، ويعيش من صيد الحيوان، ورعيه، وصيد السمك، وتربية النحل، وكانوا يبيعون العسل، والشمع، والجلود، ثم استسلموا آخر الأمر لحياة الزراعة والاستقرار. وكانوا أهم أنفسهم يطاردون ويدفعون إلى المناقع والغابات التي يتعذر الوصول إليها، ثم يؤمرون بوحشية، ويباعون بلا رحمة؛ ولهذا تخلقوا، بأخلاق زمانهم، فكانوا يستبدلون السلع بالرجال؛ وإذ كانوا يعيشون في أقاليم باردة رطبة، فقد اعتادوا أن يدفئوا أجسامهم بالمشروبات الكحولية القوية، ومن أجل هذا وجدوا أن المسيحية خير لهم من الإسلام الذي يحرم الخمور(34). وكانت أبرز عيوبهم هي السكر، والقذارة، والقسوة، وحب السلب والنهب، وكان الادخار، والحذر، وسعة الخيال تتذبذب فيهم بين الفضيلة والرذيلة؛ ولكنهم كانوا إلى ذلك طيبي القلوب، أسخياء، حسني العشرة، مولعين بالألعاب، والرقص، والموسيقى، والغناء. وكان زعماؤهم كثيري الأزواج، أما الفقراء فكانوا يقتصرون على واحدة، وكانت النساء- اللاتي يشترين بالمال أو يؤسرن في الحروب ليتخذن زوجات- وفيات مطيعات على غير ما كان ينتظر منهن(35). وكانت الأسر الخاضعة لسلطان الأب تنتظم انتظاماً غير وثيق العرى في عشائر ثم تنتظم العشائر في قبائل. ولربما كان للعشائر أملاك مشتركة في مراحل الرعي الأولى(36)، ولكن قيام الزراعة- التي تثمر فيها الدرجات المختلفة من النشاط، والكفاية في التربة المختلفة الخصوبة: ثماراً غير متساوية- أدى إلى نشأة الملكية عند الأفراد أو الأسر وكثيراً ما كان الصقالبة يتفرقون بسبب الهجرة أو الحروب الداخلية، ولهذا نشأت بينهم عدة لغات صقلبية: البولندية والونديشية Wendish، والتشكية، والسلوفاكية في الغرب، والسلوفينية والصربيكرواتية Serbo-Croat، والبلغارية في الجنوب، والروسية الكبرى، والروسية البيضاء، والروسية الصغرى (الروثينية والأكرانية Ruthenian & Ukrainian) في الغرب. على أن الذين يتكلمون أية لغة من هذه اللغات قد ظلوا يفهمون كل واحدة منها، وكانت جامعة اللغة والعادات بين الصقالبة، مضافة إلى سعة بلادهم، وكثرة مواردهم، وحيويتهم الناشئة من قسوة الظروف المحيطة بهم، والانتقاء الصارم، والطعام البسيط الخشن، كانت هذه كلها سبباً في ازدياد قوة الصقالبة الآخذة في الانتشار.
 
ولما أن زحفت القبائل الألمانية جنوباً وغرباً في هجرتها إلى إيطاليا وغالة خلفت وراءها رقعة من الأرض قليلة السكان في شمالي ألمانيا ووسطها. وانجذب الصقالبة نحو هذا الفراغ، ودفعهم إليه دفعاً الهون الغزاة، فانتشروا غرباً وعبروا نهر الفستيولا Vistula، ونهر الإلب نفسه، وكانوا في هذه الأرض هم الوند Wend، والبولنديين، والتشك، والفلاخ Vlache والسلوفاك الذين نعرفهم فيما بعد. وحدث في أواخر القرن الثالث تيار جارف من الهجرة الصقلبية عبر ريف اليونان، وأغلقت المدن بابها دونه، ولكن ماً صقلبياً غزيراً امتزج بالدم الهليني. وجاءت حوالي عام 640 قبيلتان صقلبيتان ذواتي قربي هما الصربي Serbi، والكروباتي Chrobali، واستوطنتا بانونيا وإليركم lllyricum من جديد. واعتنق الصرب المذهب اليوناني المسيحي، واعتنق الكروات المذهب الروماني. وأضعف هذا الانقسام الديني، الذي عاق الوحدة الجنسية واللغوية، الأمة أمام جيرانها، ولهذا أخذت بلاد الصرب تتأرجح بين الاستقلال تارة، والخضوع لبيزنطية أو بلغاريا تارة أخرى، إلى أن كان عام 989 فهزم صمويل قيصر البلغار يوحنا فلادمير الصربي، وأسره، ثم زوجه بابنته كسارا Kossara وسمح له بالعودة إلى عاصمته زيتا Zita، على أن يكون فيها أميراً من قبل فلدمير. ذلك هو موضوع أقدم الروايات القصصية الصربية فلدمير وكسارا التي ألفت في القرن الثالث عشر. واحتفظت المدن الساحلية في دلماشيا القديمة-زارا، واسبالاتو Spalato، وراجوسا Ragusa بلغتها وثقافتها اللاتينيتين، أما بقية بلاد الصرب فأضحت صقلبية. وحرر الأمير فواسلاف صربياً في عام 1042 ولكنها عادت فاعترفت بسيادة بيزنطية في القرن الثاني عشر.
 
ولما أن بلغت هذه الهجرة الصقلبية الرائعة العجيبة تمامها في أواخر القرن الثامن أمست أوربا الوسطى، وبلاد البلقان، والروسيا بأجمعها بحراً صقلبياً تصطدم أمواجه بحدود القسطنطينية، وبلاد اليونان؛ وألمانيا.
 
البلقان العثماني في عصر نابليون 
 
كانت أيام الإنجاز العثماني في مجال الحكم والأدب والفن قد ولت، لكن الأتراك (العثمانيين) كانوا مايزالون في سنة 9871 يمسكون بأيد غير ثابتة زمام الأمر في مصر والشرق الأدنى إلى الفرات وآسيا الصغرى وأرمينيا واليونان وبلغاريا وألبانيا وصربيا والمقاطعتين الدانوبيتين فاليشيا ومولدافيا (الأفلاق والبغدان) (الآن رومانيا) اللتين كانتا من بين مناطق متنازع عليها تركها نابليون لإسكندر Alexander في اتفاقية تيلسيت Peace of Tilsit وكان السلاطين العثمانيون قد ضعفوا بسبب الجمود الاقتصادي والتفسخ الأخلاقي، فسمحوا للباشاوات بحكم الولايات، واستنزافها دون تدخل من إسطنبول Constantinpole إلا قليلا. وسبق أن لاحظنا مع بايرون حكم علي باشا القوي في ألبانيا (8871 - 2281) وكيف أن (علي باشا) تجاوز حده وراح يتآمر على الباب العالي، فدبر السلطان أمر قتله.
 
لقد حارب الصرب من أجل الاستقلال. وعندما أعدم الإنكشارية الباشا ذا الشعبية حاول الوطني الصربي قره جورج Karageorge (4081) أن يؤسس جمهورية بجمعية وطنية تختار بدورها مجلس شيوخ (سينات Senate) وفي سنة 8081 انتخب مجلس الشيوخ هذا قره جورج أميرا تتوارث ذريته الحكم، فأرسل السلطان محمود جيشا كبيرا إلى بلجراد للقضاء على هذه الجمهورية الجديدة (3181) فهرب قره جورج وآلاف من أتباعه إلى النمسا. وقامت ثورة أخرى بقيادة الأمير ميلوسي أوبرينوفتش Milos Obrenovich فاضطر السلطان محمود لقبول تسوية (5181) يمنح الصرب بمقتضاها حرية الاعتقاد (الحرية الدينية) والتجارة وأن يكون لهم نظامهم التعليمي الخاص. ودعم ميلوسي أوبرينوفتش حكمه بالأساليب السياسية والاغتيالات إذ عمل على إعدام منافسه قره جورج، وحصل من السلطان على اعتراف بأن يكون الحكم متوارثا في ذريته. وفي سنة 0381 كانت صربيا من الناحية الفعلية دولة مستقلة.
 
وكانت اليونان قد سقطت في أيدي الأتراك (العثمانيين) في سنة 2541 وظلت طوال هذه الفترة خاضعة لهم حتى كادت تنسى كبرياءها القديم. واختلطت الدماء في اليونان بعد أن غزاها الروم (المقصود: الأتراك العثمانيين) وهاجر إليها الصرب، وكما اختلطت الدماء اختلطت أيضا الذكريات الوطنية (العرقية) واللهجات حتى لم تعد لغة الحديث العامة وثيقة الصلة باللغة اليونانية التي كانت سائدة أيام أفلاطون. ومع هذا احتفظ العلماء والشعراء والوطنيون بشيء من بلاء الإغريق الكلاسية وبذكرى أحد عشر قرنا (593 - 2541) كان اليونانيون خلالها يحكمون الإمبراطورية البيزنطية (الدولة الرومانية الشرقية) واستمروا طوال هذه القرون يثرون العلم والفلسفة والفن. لقد ألهبت أخبار الثورة الفرنسية هذه الذكريات وجعلت اليونانيين يندهشون مع لورد بايرون (في ديوانه شايلد هارولد Childe Harold) ويتساءلون لم لا تعود اليونان حرة كما كانت؟ وأعاد ريجاس فيروس Rhigas Pheraios (7571؟ - 8971) كتابة نشيد المارسليز باليونانية وحوره بما يناسب أوضاع اليونان، ونشره على نطاق واسع، وكون جمعية تهدف إلى ربط اليونانيين والأتراك معا على أساس من الحرية والمساواة وكان ريجاس قد وُلد في فاليشيا (في رومانيا الحالية) في مدينة تيسالي Thessaly وعاش في فينا. وذهب قاصدا اليونان في سنة 7971 ومعه صندوق مليئ بالمنشورات(71) فتم القبض عليه في تريست وأعدم في بلجراد. وتم تكوين جمعية betairia أخرى في أوديسا Odessa امتدت في سائر بلاد اليونان وشاركت في تهيئة اليونان للثورة. وكرس كوريز Koraes (8471 - 3381) العنيد نفسه لتنقية لغة الحديث اليونانية ليجعلها أقرب ما تكون إلى اليونانية القديمة. وكوريز هذا يوناني من سميرنا Smyrna استقر في باريس في سنة 8871، وقد ابتهج لقيام الثورة الفرنسية وراح ينشر المنشورات وينشد القصائد التي لم يكن يعزوها لنفسه (جعلها مجهولة المؤلف) كماراح يطبع التراث اليوناني الكلاسي، فنشر بذلك الأفكار الجمهورية والأفكار المناهضة للكنيسة - رغم أنه حذر من أن الثورة قد تكون مبتسرة (أي أتت قبل الأوان). كانت جهوده هذه في سنة 1281 ولم تأت سنة 0381 إلا وكانت اليونان حرة.
 
ولم تكن الحكومة التركية في ظل ظروف العصر والموقع أكثر جورا بشكل واضح - من حكومات أوربا قبل سنة 0081. لقد صدم بايرون وهو يرى رؤوس المجرمين المجذوذة معلقة على جانبي بوابة سيراجليو Seraglio لكن لابد أن نسلم بأن، ما جزته مقصلة الحكومة الثورية الفرنسية من رؤوس الرجال والنساء كان أكثر من الرؤوس التي أمر السلاطين العثمانيون بقطعها في أي فترةرمنية مساوية لفترة الحكومة الثورية الفرنسية. وكانت الثروة مركزة في يد قلة كما هو عليه الحال في كل مكان (أي أن ذلك لم يكن قصرا على الدولة العثمانية) وكان الأتراك (العثمانيون) أهل فلسفة وشعر كما كانوا أهل حرب، وهم يؤمنون بالقضاء والقدر خيره وشره من الله، لن يغيره تذمرهم، ويعتبرون المرأة المهذبة المعطرة أثمن من أي شيء خلا الذهب، ويؤثرون تعدد الزوجات إن استطاعوا مؤونة ذلك، فلم لا يكونون أقدر سلالة؟ ولم يكونوا في حاجة للمومسات (العاهرات) إلا قليلا، وإنما كانت مواخيرهم يرتادها المسيحيون، وكان الترك (العثمانيون) لايزالون ينتجون أدباً وفنا، فكثر الشعراء وتألقت المساجد وربما كانت إسطنبول هي أجمل مدن أوربا في سنة 0081. لقد كان وضع تركيا من الناحية السياسية محفوفاً بالمخاطر فقد كان اقتصادها وجيشها في حالة مضطربة بينما كانت موارد أعدائها وقواتهم العسكرية في حالة نمو. وكانت عاصمتها (إسطنبول) هي أكثر النقاط إستراتيجية على الخريطة فكانت أوربا المسيحية كلها تتحرق شوقا للاستيلاء على هذه اللؤلؤة. ومدت الإمبراطورة كاترين قبضة روسيا للبحر الأسود، فاستولت على القرم Crimea من التتار Tatars وراحت - بمباركة فولتير - تحلم بتتويج حفيدها - قسطنطين - في إسطنبول (القسطنطينية) - كان هذا هو الوضع عند تولي السلطنة سليم الثالث (9871) وهو في السابعة والعشرين من عمره، وكان قد تلقى تعليما جيدا وكون صداقة حميمة مع السفير الفرنسي، وأرسل ممثلا عنه إلى فرنسا ليكتب له تقارير عن غرب أوربا، سياسة وفكرا وأساليب حياة، وقرر السلطان أنه إذا لم يتم إصلاح المؤسسات التركية إصلاحا جوهريا فلن تستطيع تركيا التصدي لأعدائها، فعقد سلاما مع كاترين في جسي Jassy (2971) واعترف بالسيادة الروسية على القرم ونهري دنيستر Dniester وبج Bug ثم كرس نفسه لاستحداث نظام جديد في الإمبراطورية العثمانية، قائم على انتخاب النواب والولاة (المحافظين)، وبمساعدة ضباط وخبراء من غرب أوربا أقام مدارس للملاحة والهندسة وكون بالتدريج جيشا جديدا. ووضع الخطط لنقض عهوده مع روسيا لكن استيلاء نابليون على مصر ومهاجمته عكا عرقلا خططه، وانضم السلطان إلى إنجلترا وروسيا لشن حرب على فرنسا (8971) واستتب السلام في سنة 2081 لكن الحرب كلفت كثيرا وتمرد الولاة والرسميون الفاسدون ضد الدستور الجديد فاعتزل سليم الثالث (7081) ومع ذلك فقد قتلوه (بعد ذلك)، وبعد عام من الفوضى ساد المناصرون له وتولى محمود الثاني (ابن أخيه) السلطنة في سنة 8081 وهو في الواحد والثلاثين من عمره. وحولت القوى المتصارعة في العالم المسيحي التحكم في سياسات الباب العالي (الحكومة العثمانية) باستخدام المال والتهديد. ولم تبق الدولة العثمانية على قيد الحياة إلا لأن واحدة من القوى الأوربية المتصارعة لم تكن لتسمح للقوى الأخرى بالتحكم في مضيق البوسفور. وفي سنة 6081 أرسل إسكندر الأول جيشا إلى مولدافيا وفاليشيا (الأفلاق والبغدان) لضمهما إلى روسيا فحث سفير نابليون السلطان سليما على المقاومة، فأعلنت تركيا (الدولة العثمانية) الحرب على روسيا، وفي معاهدة تيلسيت Tilsit (7081) رتب نابليون أمر السلام لكن الهدنة كانت تخرق مرارا إلى أن قرر إسكندر سحب جيوشه من الجبهة الجنوبية تحسبا للحرب ضد نابليون، وفي 82 مايو 2181 قبل مغادرة نابليون - بيوم واحد - لدريسدن Dresden لينضم إلى قواته المتجمعة في بولندا، تخلت روسيا عن كل دعاويها في الولايتين الدانوبيتين (الأفلاق والبغدان). لقد أصبح في مقدور إسكندر الآن تجميع كل قواته ومدافعه لمواجهة 000،04 مقاتل من الفرنسيين وحلفائهم كانوا يستعدون لعبور النيمن Niemen إلى روسيا.
 

المراجع

موسوعة الأبحاث العلمية

التصانيف

الأبحاث