حكم التعامل مع أرباب الأموال المحرمة س123: أيصح لشخص أن يتعامل مع من يعرف أن ماله حرام؟ أم لا تزر وازرة وزر أخرى؟( )
ج: إذا كان يعرف أن ماله حرام لا يعامله، أما إذا كان مخلوطاً، فله أن يعامله؛ مثل ما عامل النبي صلى الله عليه وسلم اليهود، واليهود أموالهم مخلوطة؛ عندهم الربا، وعندهم العقود الباطلة، والنبي صلى الله عليه وسلم عاملهم؛ اشترى منهم، وأكل طعامهم. وأباح الله لنا طعامهم وعندهم ما عندهم، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾( )، فعندهم بيوع جائزة، وعندهم بيوع محرمة، وعندهم أكساب مباحة وأكساب محرمة. فالذي ماله مخلوط لا بأس أن يعامل، أما إذا علمت أن هذا المال محرم، فلا تشتر منه ولا تبع عليه في هذا المال المحرم.
124- حكم أكل الأولاد والأقارب والضيوف من الأموال الربوية سماحة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي عام المملكة العربية السعودية، ورئيس هيئة كبار العلماء، وإدارة البحوث العلمية والإفتاء حفظه الله، ووفقه لكل خير، آمين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: امرأة زوجها يعمل مديراً لبنك ربوي، وهي موظفة. والسؤال: 1- هل يستجاب دعاء زوجة وأولاد آكل الربا؟ علماً بأنها تأكل هي وأولادها من ماله، وذلك ليس لحاجتها الماسة، فكما سبق أن أشير إلى أنها موظفة... ولكنها تخشى من فساد العلاقات بينها وبينه؛ لأنه يتضايق إذا رفضت الأكل أو الشراء من ماله؟ 2- هل يجوز للأقارب زيارتهم والأكل من أكلهم - أي زيارة المرابي، والأكل من ماله -؟ 3- هل يجب على الزوجة إخبار ضيوفها أن المال مال ربا؟ وهل تأثم إذا أكل عندها أحد غير عالم بحال زوجها ومصدر ماله؟ 4- وما حكم الأموال التي مصدرها هذا الطريق؟ وهل تكون تجارته منها صالحة وصحيحة، لاسيما إذا أراد أن يترك العمل في البنك؛ استناداً على ما عنده من مشاريع أسسها من هذه الأموال، أم أن هذه المشاريع تكون كلها حراماً؛ نظراً لأن أصلها مال ربوي؟ 5- هل تورث أمواله أم لا يحق لأولاده وزوجته منها شيء؛ نظراً لأنها أموال ربوية؟ وماذا يفعلون بها أي بأمواله بعد موته؟ 6- إذا كان عالماً بالحكم ومع ذلك أصر على أكل الربا، فهل يستدعي ذلك لطلب الطلاق منه؟ أفتونا وفقكم الله، وفتح عليكم، وجعلكم ذخراً للإسلام المسلمين نرجو إيضاح الإجابة وذكرها بالتفصيل؛ إذ إن البلاء شديد. يسر الله لنا أمورنا، وأعاننا على اتباع شرعه، ونهج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته( ). ج: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، بعده: الواجب نصيحته، وتحذيره من البقاء في العمل المذكور؛ لأن مباشرة الأعمال الربوية من أكبر الكبائر، ومن أسباب عدم قبول الدعاء والصدقة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً))، إلى أن قال في آخر الحديث: ((ثم ذكر: الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يده إلى السماء: يا رب. يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام؛ فأنى يستجاب لذلك))( ). ونوصيك: بأن تكون نفقة البيت من كسبك أنت مادام زوجك في العمل المذكور. وفق الله الجميع لما يرضيه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. عبد العزيز بن عبد الله بن باز مفتي عام المملكة العربية السعودية
علاج المريض لا يسوغ التعامل بالربا س125: رجل عنده ثلاثون ألف ريال، وعنده ولد مريض، قرر الأطباء إجراء عملية له تكلفتها ستون ألف ريال، ولم يجد من يقرضه المبلغ المتبقي، ولم يجد طريقة أخرى؛ فاستثمر المبلغ الثلاثون ألف ريال - في الربا؛ فأصبح ستين ألف ريال، فعالج ابنه به، وهو يقول: الضرورات تبيح المحظورات، فما رأي الدين في هذا؟( ) ج: تجب عليه التوبة إلى الله من المعاملة الربوية؛ لأن الحاجة لا تبيح المعاملات الربوية، ولا يسمى مثل هذا الواقع ضرورة؛ لأن العلاج للمريض مستحب وليس بواجب، ولأن في إمكانه أن يستدين بالقرض، أو بشراء سلعة بثمن مؤجل، ثم يبيعها بثمن معجل أقل من المؤجل، إلى غير ذلك من الأسباب التي تعينه على قضاء حاجته. نسأل الله أن يوفقنا وإياه للتوبة النصوح، والله الموفق.
حكم الاقتراض بالفائدة لسداد الديون س126: أنا موظف مرتبي حوالي: 3048 ريال، ومتزوج منذ عام تقريباً، وعلي ديون تصل إلى 53 ألف ريال، وكثيراً ما يحرجني أصحاب الديون ولا أجد ما أسدد لهم، فهل يجوز لي أن أقترض من أحد البنوك التي تقرض بأخذ فائدة، علماً بأن القرض لا يكفي نصف ديوني؟ أفيدوني جزاكم الله خيراً( ). ج: لا يجوز للمسلم أن يقترض من البنك ولا غيره قرضاً بالفائدة؛ لأن ذلك من أعظم الربا، وعليه أن يأخذ بالأسباب المباحة في طلب الرزق، وقضاء الدين، وفيما أباح الله من المعاملات وأنواع الكسب ما يغني المسلم عما حرم الله عليه. والواجب على أصحاب الدين أن ينظروك إلى ميسرة إذا عرفوا إعسارك؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾( ). وصح
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من أنظر معسراً أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله))( )، وقال صلى الله عليه وسلم: ((من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة))( ). حكم صرف الراتب قبل وقته مقابل مبلغ من المال س127: هل يجوز صرف شيك الراتب للموظفين قبل تاريخ صرفه لدى بنوك أخرى مقابل عشرين ريالاً لقاء الصرف؟ جزاكم الله خيراً( ). ج: لا يجوز صرف هذا الشيك على هذا الوجه؛ لما في ذلك من الربا.
128- الرد على ما أثير حول الفوائد المصرفية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخيرته من خلقه؛ نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن سلك سبيلهم واتبع هداهم إلى يوم الدين، أما بعد:( ) فقد اطلعت على ما نشرته مجلة (منار الإسلام) - في عددها الثالث، الصادر في ربيع الأول من عام 1404هـ، السنة التاسعة - من إعلان إحدى دوائر المحكمة الاتحادية العليا في إحدى الدول العربية، بعض المبادئ بخصوص الفوائد المصرفية، والتقاضي بشأنها أمام المحاكم، وما تضمنته: من أن الفائدة البسيطة للقرض تجوز استثناءً من أصل تحريم الربا إذا دعت الحاجة إليها، واقتضتها المصلحة، واعتبار أن البنوك في حالتها الراهنة، ووفقاً لأنظمتها العالمية، تتطلبها حاجة العباد، ولا تتم مصالح معاشهم إلا بها. وأن المحاكم لا تملك الامتناع من القضاء بالفوائد؛ بمقولة أن الشريعة تحرم الفائدة، وأنه ليس للقاضي في حالة الفائدة الاتفاقية إلا أن يحكم بها. وأخيراً: القول بجواز الفائدة البسيطة ما دامت في
حدود 12 % في المسائل التجارية، و 9 % في غيرها، واعتبارهم أن هذه الفوائد في تلك الحالات لا تتنافى مع الشريعة الإسلامية التي تلتزم بها تلك الدولة المسلمة. وإنني أستغرب جداً هذه الخطوة الجريئة على إعلان هذه المبادئ الغريبة، التي تحمل انتهاكاً لحرمات الله وتعاليم شريعته السمحة، المعلومة في دين الإسلام من نصوص القرآن الصريحة، وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة، وخاصة أنها أعلنت في ظل دولة إسلامية يرأسها رجل مسلم، وفي هذه البادرة الخطيرة افتراء على الإسلام وتحليل لما هو من أشد المحرمات في شريعة الله. ومعلوم أن الله سبحانه وتعالى قد حرم الربا بجميع أشكاله وألوانه في كتابه العزيز في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾( )، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾( )، وقال:﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ﴾( )، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾( ). وهذا الأسلوب الشديد يدل على أن الربا من أكبر الجرائم وأفظعها، وأنه من أعظم الكبائر الموجبة لغضب الله، والمسببة لحلول العقوبات العاجلة والآجلة؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾( ). وقال عليه الصلاة والسلام: ((اجتنبوا السبع الموبقات؟)) قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: ((الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات))( )، ومعنى الموبقات: المهلكات. وقال صلى الله عليه وسلم: ((الربا اثنان وسبعون باباً، أدناها مثل إتيان الرجل أمه))( ). وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه: ((لعن آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء))( )، وقال صلى الله عليه وسلم: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلاً بمثل، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ، والمعطي فيه سواء))( ). رواه مسلم. فهذه الآيات والأحاديث وغيرها تؤكد حرمة الربا قليله وكثيره، وتبين خطره على الفرد والمجتمع، وأن من تعامل به أو تعاطاه فقد أصبح محارباً لله ورسوله، وليس بين جميع أهل العلم خلاف في تحريم ذلك؛ لصراحة النصوص فيه. وكيف يجيز المسلم الغيور على دينه، الذي يؤمن بأن هذا الإسلام العظيم جاء ديناً شاملاً كاملاً، متضمناً جلب المصالح ودرء المفاسد، صالحاً للتطبيق في كل العصور والأمكنة، كيف يجيز لنفسه إباحة الربا والتعامل به؟! وإن هذه المبادئ التي أعلنتها إحدى دوائر المحكمة الاتحادية العليا في تلك الدولة؛ لتحليل ما حرمه الله ورسوله؛ بحجة قيام الحاجة إليه فيها جرأة على الله، ومحاداة لأحكامه، وقول عليه بغير علم. وحاجة الناس إلى المصارف، لا تكون إلا بسيرها على أسس من الشريعة الإسلامية؛ بإحلال ما أحله الله وتحريم ما حرمه، فإذا كانت خلاف ذلك فهي شر وفساد. وأحكام شريعة الله ثابتة وقطعية؛ لأنها صدرت من عزيز حكيم، يعلم شئون عباده وما يصلح أحوالهم، ولا يجوز لنا تحكيم الرأي أو الهوى أو ما أشبههما في تحليل حرام أو تحريم حلال. وامتثالاً لأمر الله ورسوله في وجوب التناصح بين المسلمين؛ وأداء لما يجب على مثلي من البيان والتحذير عما حرمه الله ورسوله، جرى تحرير هذه الكلمة الموجزة. وأسأل الله أن يوفقنا وجميع المسلمين للفقه في دينه والثبات عليه، والنصح لله ولعباده، والحذر من كل ما يخالف شرعه المطهر؛ إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد عبد العزيز بن عبد الله بن باز
129- تكذيب ما نسب إلى سماحته من القول بجواز الفوائد الربوية للضرورة تكذيب خبر نشر في صحيفة (الأهرام) الصادرة في 18/2/1411هـ( ) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، أما بعد: فقد اطلعت على ما نشرته صحيفة (الأهرام)، الصادرة في 18/2/1411هـ، نقلاً عن معالي وزير الأوقاف المصري، بأنني أفتيت بجواز التعامل مع البنوك بالفوائد من أجل الضرورة. انتهى المقصود. ومن أجل إيضاح الحق للقراء وغيرهم، أعلن أن هذا النقل لا صحة له، وقد صدرت مني فتاوى كثيرة - نشرت في الصحف المحلية وغيرها - بتحريم الفوائد البنكية المعروفة؛ لأن الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة قد دلت على ذلك. وحسبنا الله ونعم الوكيل. ونسأل الله أن يوفق المسلمين جميعاً لكل ما
يوافق شرعه المطهر، ويعيذهم من أسباب غضبه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة والرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية
حكم المعونة من البنك مقابل الإيداع س130: أحد البنوك عرض على المسئولين عن صندوق الطلبة، حفظ أموال الصندوق مقابل - ما يسميه البنك - معونة، وهي عبارة عن: مبلغ من المال يتم إعطاؤه دون مقابل، سوى حفظ المبلغ، ويقوم البنك بدوره بتشغيله واستثماره، فهل يجوز إيداع المبلغ في ذلك البنك؟( ) ج: هذا العمل لا يجوز؛ لأنه عين الربا، وحقيقته أن البنك يتصرف في أموال الصندوق بفائدة معلومة يسلمها للصندوق، وإنما سماها البنك (معونة) تلبيساً وخداعاً، وتغطية للربا، والربا ربا وإن سماه الناس ما سموه، والله المستعان. لا يجوز الإيداع في البنوك بفائدة من أجل دفع الضرائب س131: الأخ الذي رمز لاسمه بـ / أ. ع. من اللاذقية
في سوريا يقول في سؤاله: هل يجوز أن أضع وديعة في البنك بفائدة؛ من أجل أن أدفع الضرائب المترتبة علي من تلك الفائدة؟ أرجو التكرم بالإجابة وجزاكم الله خيراً.( ) ج: لا يجوز هذا العمل؛ لأن هذه المعاملة معاملة ربوية لا يجوز فعلها؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾( ). والله ولي التوفيق. الواجب على المسلمين إنشاء بنوك إسلامية س132: ما رأيكم في البنك الإسلامي الذي لا يتعامل بالربا( )؟ ج: الواجب على الحكومات الإسلامية وعلى تجار المسلمين، أن ينشئوا بنوكاً إسلامية؛ حتى يسلم المسلمون من الربا.
133- مقدمة لمقالة الدكتور / محمد بن أحمد الصالح في الرد على الدكتور / إبراهيم الناصر( ) الحمد لله، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: فقد قرأت هذا المقال القيم، المتضمن الرد على ما كتبه الدكتور / إبراهيم بن عبد الله الناصر في موضوع الربا، تحت عنوان: (موقف الشريعة الإسلامية من المصارف)، الصادر من فضيلة الدكتور / محمد بن أحمد بن صالح. فألفيته قد أعطى المقام حقه، واستوفى الأدلة على بطلان ما حاوله الدكتور إبراهيم من تحليل أنواع الربا، ما عدا مسألة واحدة، وهي: ما إذا أعسر المدين، واتفق مع الدائن على التأجيل بفائدة معلومة. ولا ريب أن ما حاوله الدكتور إبراهيم في بحثه المذكور؛ من تحليل أنواع الربا - ما عدا المسألة المذكورة قد حاد فيه عن الصواب بشبه واهية، وأوضح الدكتور محمد في مقاله المذكور بطلانها، وكشف زيغها فجزاه الله خيراً، وضاعف مثوبته، وجعلنا وإياه وسائر إخواننا من أنصار الحق.
ومن تأمل نصوص الكتاب والسنة الصحيحة، علم تحريم ربا الفضل وربا النسيئة في جميع الصور التي تتعامل بها البنوك، وبعض التجار الذين لا يتحرجون من المعاملات الربوية. وقد توعد الله المرابين بأشد الوعيد، فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾( ). وقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ.فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾( ). وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنه لعن آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء))( ). خرجه مسلم في الصحيح. والأحاديث في تحريم الربا بأنواعه كلها كثيرة جداً، فالواجب على كل مسلم أن يحذر المعاملات الربوية، وأن
يبتعد عنها، وألا يغتر ببعض من زلت قدمه في تحليلها أو التساهل فيها. ونسأل الله أن يوفق المسلمين لكل خير، وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يوفق أخانا الدكتور / محمد بن أحمد للمزيد من العلم النافع، والعمل الصالح، وأن يشكر سعيه ويجزل مثوبته. وأن يهدي الدكتور / إبراهيم بن عبد الله الناصر للحق، وأن يلهمه رشده، ويعيذه من شر نفسه؛ إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
134- رد على مقالة الدكتور / إبراهيم بن عبد الله الناصر حول موقف الشريعة الإسلامية من المصارف الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه، أما بعد( ): فقد اطلعت على البحث الذي أعده الدكتور / إبراهيم بن عبد الله الناصر، تحت عنوان: (موقف الشريعة الإسلامية من المصارف). فألفيته قد حاول فيه تحليل ما حرم الله من الربا بأساليب ملتوية، وحجج واهية، وشبه داحضة، ورأيت أن من الواجب على مثلي بيان بطلان ما تضمنه هذا البحث، ومخالفته لما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة؛ من تحريم المعاملات الربوية، وكشف الشبه التي تعلق بها، وبيان بطلان ما استند إليه في تحليل ربا الفضل وربا النسيئة، ما عدا مسألة واحدة، وهي: (ما اشتهر من ربا الجاهلية من قول الدائن للمدين المعسر عند حلول الدين: إما أن تربي وإما أن تقضي)، فهذه المسالة عند الدكتور إبراهيم هي المحرمة من مسائل الربا
وما سواها فهو حلال، ومن تأمل كتابه اتضح له منها ذلك، وسأبين ذلك إن شاء الله تعالى بياناً شافياً؛ يتضح به الحق، ويزهق به الباطل، والله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وإلى القارئ بيان ذلك: أولاً: قال إبراهيم في أول بحثه ما نصه: "يمكن القول: أنه لن تكون هناك قوة إسلامية بدون قوة اقتصادية، ولن تكون هناك قوة اقتصادية بدون بنوك، ولن تكون هناك بنوك بدون فوائد". والجواب أن يقال: يمكن تسليم المقدمة الأولى؛ لأن المسلمين في كل مكان يجب عليهم أن يعنوا باقتصادهم الإسلامي بالطرق التي شرعها الله سبحانه؛ حتى يتمكنوا من أداء ما أوجب الله عليهم وترك ما حرم الله عليهم، وحتى يتمكنوا بذلك من الإعداد لعدوهم، وأخذ الحذر من مكائده؛ قال الله عز وجل: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾( )، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾( )، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ
كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾، إلى قوله سبحانه: ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ﴾( ). الآية، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾( ). الآية، وقال سبحانه: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾( ). الآية. والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهي مشتملة على توجيه الله سبحانه لعباده إلى التعاون على كل ما ينفعهم في أمر دينهم ودنياهم، وأمرهم بالتعاون على البر والتقوى، وتحذيرهم من التعاون على الإثم والعدوان، كما أمرهم سبحانه بالوفاء بالعقود، وإثبات حقوقهم بالطرق الشرعية، وحذرهم من أكل أموالهم بالباطل، وأمرهم سبحانه-بالإعداد لعدوهم ما استطاعوا من قوة؛ وبذلك يستقيم اقتصادهم الإسلامي، ويحصل بذلك تنمية الثروات وتبادل المنافع، والوصول إلى حاجاتهم ومصالحهم بالوسائل التي شرع الله لهم، كما حذرهم سبحانهفي آيات كثيرات من الكذب والخيانة، وشهادة الزور، وكتمان شهادة الحق، ومن أكل أموالهم بينهم بالباطل، والإدلاء بها إلى الحكام؛ ليميلوا عن الحق إلى الحكم بالجور. وعظم سبحانه شأن الأمانة، وأمر بأدائها في قوله عز وجل: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾( )، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾( ) الآية. وحذرهم عز وجل من خيانة الأمانة في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾( ). ووصف عباده المؤمنين في سورة (المؤمنون)، وفي سورة (المعارج) بأنهم يرعون الأمانات والعهود، وذلك في قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾( ). فمتى استقام المسلمون على هذا التعليم والتوجيه، وتواصوا به، وصدقوا في ذلك؛ فإن الله عز وجل يصلح لهم أحوالهم، ويبارك لهم في أعمالهم وثرواتهم، ويعينهم على بلوغ الآمال، والسلامة من مكائد الأعداء. وقد أكد هذه المعاني سبحانهفي قوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾( ) وفي قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾( ). وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾( ). وقال سبحانه: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾( ) الآية، وقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾( ). والآيات في هذا أكثر من أن تحصر. وأما المقدمتان الثانية والثالثة، وهما قوله: "ولن تكون هناك قوة اقتصادية بدون بنوك، ولن تكون هناك بنوك بدون فوائد". فهما مقدمتان باطلتان، والأدلة الشرعية التي قدمنا بعضها، وما درج عليه المسلمون من عهد نبيهم صلى الله عليه وسلم إلى أن أنشئت البنوك، كل ذلك يدل على بطلان هاتين المقدمتين، فقد استقام اقتصاد المسلمين طيلة القرون الماضية وهي أكثر من ثلاثة عشر قرناً بدون وجود بنوك، وبدون فوائد ربوية، وقد نمت ثرواتهم، واستقامت معاملاتهم، وحصلوا على الأرباح الكثيرة والأموال الجزيلة بواسطة المعاملات الشرعية. وقد نصر الله المسلمين في عصرهم الأول على أعدائهم، وسادوا غالب المعمورة، وحكموا شرع الله في عباده، وليس هناك بنوك ولا فوائد ربوية. بل الصواب عكس ما ذكره الكاتب إبراهيم، وهو أن وجود البنوك والفوائد الربوية، صار سبباً لتفرق المسلمين وانهيار اقتصادهم، وظهور الشحناء بينهم وتفرق كلمتهم، إلا من رحمه الله. وما ذاك إلا لأن المعاملات الربوية تسبب الشحناء والعداوة، وتسبب المحق ونزع البركة، وحلول العقوبات، كما قال الله عز وجل: ﴿يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾( ). ولأن ما يقع بين الناس بسبب الربا من كثرة الديون ومضاعفتها؛ بسبب الزيادة المتلاحقة، كل ذلك يسبب الشحناء والعداوة، مع ما ينتج عن ذلك من البطالة، وقلة الأعمال، والمشاريع النافعة؛ لأن أصحاب الأموال يعتمدون في تنميتها على الربا، ويعطلون الكثير من المشاريع المفيدة النافعة من أنواع الصناعات وعمارة الأرض، وغير ذلك من المعاملات التي يحصل بها تبادل المنافع، ونمو الثروات، والتعاون على كل ما ينفع المجتمع، ويشغل الأيدي العاطلة، ويعين الفقراء على كسب الرزق الحلال، والاستغناء عن الربا والتسول وأنواع المكاسب الخبيثة. ومن ذلك: المضاربات، وأنواع الشركات التي تنفع المجتمع، وأنواع المصانع؛ لما يحتاج إليه الناس من السلاح والملابس والأواني والمفارش وغير ذلك، وهكذا أنواع الزراعة التي تشغل بها الأرض، ويحصل بها النفع العام للفقراء وغيرهم. وبذلك يعلم كل من له أدنى بصيرة، أن البنوك الربوية ضد الاقتصاد السليم، وضد المصالح العامة، ومن أعظم أسباب الانهيار والبطالة، ومحق البركات، وتسليط الأعداء، وحلول العقوبات المتنوعة والعواقب الوخيمة. فنسأل الله أن يعافي المسلمين من ذلك، وأن يمنحهم البصيرة والاستقامة على الحق. ثانياً: قال إبراهيم: "إن وظيفة الجهاز المصرفي في اقتصاد ما، تشبه إلى حد قريب وظيفة القلب بالنسبة لجسم الإنسان تماماً... إلخ". والجواب: ليس الأمر كما قال؛ بل يمكن أن يقوم الجهاز المصرفي بما ذكره الكاتب من غير حاجة إلى الربا، ولا ضرورة إليه، كما قام اقتصاد المسلمين في عصورهم الماضية، وفي عصرهم الأول الذهبي بأكمل اقتصاد وأطهره، من دون وجود بنوك ربوية - كما تقدم - وقد نصر الله بهم دينه، وأعلى بهم كلمته، وأدر عليهم من الأرزاق والغنى، وأخرج لهم من الأرض ما كفاهم وأغناهم، وأعانهم على جهاد عدوهم، وحماهم به من الحاجة إلى ما حرم الله عليهم. ومن درس تاريخ العالم الإسلامي من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما قبل إنشاء المصارف الربوية، علم ذلك يقيناً، وإنما يؤتى المسلمون وغيرهم في اقتصادهم ونزع البركات مما في أيديهم؛ بأسباب انحرافهم عن شريعة الله، وعدم قيامهم بما أوجب الله عليهم، وعدم سيرهم على المنهج الذي شرعه الله لهم فيما بينهم من المعاملات؛ وبذلك تنزل بهم العقوبات، وتحل بهم الكوارث بأسباب أعمالهم المخالفة لشرع الله. كما قال عز وجل: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾( )، وقال عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾( )، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ. وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾( )، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾( )، وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ
يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾( ). ثالثاً: ذكر إبراهيم في بحثه ما نصه: "والسؤال الذي لم نعثر له على جواب حتى الآن هو: كيف ينظر فقهاء المسلمين إلى الظاهرة الاقتصادية للفائدة؟ ولماذا يعتبر القرض بالفائدة محرماً في نظرهم؟... إلخ". والجواب: عما ذكره هنا، إلى نهاية بحثه المشار إليه، أن يقال: إنما نظر الفقهاء من سائر علماء المسلمين في أمر الفائدة، وعلقوا بها التحريم؛ لأن الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أناطت بها التحريم، وهي أحاديث مستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا مغمز فيها، وهي تدل دلالة صريحة قطعية على أن بيع المال الربوي بجنسه مع أي زيادة ولو قلت، رباً صريح محرم. ولكن الكاتب إبراهيم المذكور - هداه الله، وألهمه رشده - أعرض عنها كلها، ولم يلتفت إليها، وإنما تكلم عن الربا المجمل الوارد في القرآن الكريم، وحاول بكل ما استطاع أن يحصر الربا في مسألة واحدة، وهي: ما إذا أعسر المدين، واتفق مع الدائن على إمهاله بفائدة معينة. هذا ملخص بحثه، وما سوى ذلك فقد حاول في هذا البحث إلحاقه بقسم الحلال؛ لحاجة الناس بزعمه إلى ذلك، وأن هذا هو الذي تقوم به المصارف، وزعم أن الحاجة داعية إلى ذلك، وأن مصالح العباد لا تتم إلا بهذه المعاملات الربوية التي تستعملها البنوك، وقد تعلق بأشياء مجملة من كلام الموفق ابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة ابن القيم رحمهم الله جميعاً فيما ذكروه عن المصلحة، وأن الشرع الشريف لا يمنع تحقيق المصالح التي تنفع المسلمين بدون ضرر على أحد، ولا مخالفة لنص من الشرع المطهر. وهذا كله لا حجة له فيه؛ لأن المصالح التي أراد هؤلاء الأئمة وأمثالهم تحقيقها، إنما أرادوا ذلك حيث لا مانع شرعي يمنع من ذلك، وذلك في المسائل الاجتهادية التي لا نص فيها يوضح الحكم الشرعي. وقد دلت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم على تحريم ربا الفضل، وعلى تحريم ربا النسيئة، وذكر بعض أهل العلم: أن تحريم ربا الفضل من باب تحريم الوسائل؛ لأن عاقلاً لا يبيع شيئاً بأكثر منه من جنسه يداً بيد، وإنما يكون ذلك إذا كان أحد العوضين مؤجلاً، أو كان أحدهما أنفس من الآخر. ولهذا لما باع بعض الصحابة - رضي الله عنهم صاعين من التمر الرديء بصاع واحد من التمر الطيب، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((أوَّه عين الربا عين الربا لا تفعل))( ). الحديث متفق عليه. وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائباً بناجز))( ). وفي صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواءً بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد))( ). والأحاديث في هذا المعنى كثيرة في الصحيحين وغيرهما. وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه: ((إنما الربا في النسيئة))( )، فالمراد به عند أهل العلم معظم الربا، وليس مراده صلى الله عليه وسلم كل أفراد الربا؛ للحديثين السابقين، وما جاء في معناهما من الأحاديث الصحيحة. وقد علم أن المعاملات الربوية تجمع بين ربا الفضل وربا النسيئة؛ فإن المودع بالفائدة قد جمع هو وصاحب البنك بين الأمرين، وهما: النسيئة والفائدة؛ فباءا بإثم المعاملتين. وأما كون المرابي الباذل للفائدة قد يكون محتاجاً، فهذا ليس هو الموجب للتحريم وحده، بل قد جمع هذا العقد بين الربا، وبين ظلم المعسر بتحميله الفائدة ، وقد عجز عن الأصل، وبذلك تكون المعاملة على هذا الوجه أعظم تحريماً وأشد إثماً؛ لأن الواجب إنظاره، وعدم تحميله ما حرم الله من الربا. وأما اشتراك الدائن والمدين في الانتفاع بالمعاملة الربوية، وأن كل واحد منهما يحصل منها على فائدة، فهذا الاشتراك لا ينقل المعاملة من التحريم إلى الحل، ولا يجعلها معاملة شرعية يباح فيها الربا؛ لأن الشرع الحكيم لم يلتفت إلى ذلك، بل حرم الفائدة تحريماً مطلقاً، ونص على ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة؛ منها ما تقدم. ولو كان انتفاع المدين بالفائدة يحلها، لنص عليه المولى سبحانه وبينه في كتابه الكريم أو على لسان رسوله الأمين - عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم - وقد قال الله عز وجل في سورة (النحل): ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾( ). وفي صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنه لم يكن نبي قبلي، إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم))( )، ومعلوم أن نبينا صلى الله عليه وسلم هو أفضل الرسل، وأكملهم بلاغاً وأتمهم بياناً، فلو كانت المعاملة بالفائدة المعينة جائزة إذا كان المدين ينتفع بها، لبينها النبي صلى الله عليه وسلم لأمته، وأوضح لهم حكمها، فكيف وقد بيَّن صلى الله عليه وسلم في صريح أحاديثه تحريمها، والتحذير منها، والوعيد على ذلك وقد علم أن السنة الصحيحة تفسر القرآن، وتدل على ما قد يخفى منه، كما قال تعالى في سورة (النحل): ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾( )، وقال عز وجل: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾( ). والآيات في هذا المعنى كثيرة. وأما ما نقله عن الشيخ / رشيد رضا في إجازته الربا في صندوق التوفير، فهو غلط منه، ولا يجوز أن يعول عليه، والحجة قائمة عليه، وعلى غيره من كل من يحاول مخالفة النصوص
برأيه واجتهاده، وقد تقرر في الأصول: أنه لا رأي لأحد ولا اجتهاد لأحد مع وجود النص، وإنما محل الرأي والاجتهاد في المسائل التي لا نص فيها، فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر، إذا كان أهلاً للاجتهاد، واستفرغ وسعه في طلب الحق؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر))( ). متفق على صحته من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه مثله. أما المسائل التي نص على حكمها القرآن الكريم أو الرسول صلى الله عليه وسلم في سنته، فليس لأحد أن يجتهد في مخالفة ما دل عليه النص، بل الواجب التمسك بالنص، وتنفيذ مقتضاه بإجماع أهل العلم. والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. رابعاً: ثم قال الكاتب الدكتور إبراهيم في نهاية البحث ما نصه: "وخلاصة البحث بعد هذه المقارنة الواضحة بين الربا الذي ورد تحريمه في القرآن، وبين المعاملات المصرفية، يتضح لنا أن المعاملات المصرفية تختلف تماماً عن الأعمال الربوية التي حذر منها القرآن الكريم؛ لأنها معاملات جديدة، لا تخضع في حكمها للنصوص القطعية التي وردت في القرآن الكريم بشأن حرمة الربا. ولهذا، يجب علينا النظر إليها من خلال مصالح العباد وحاجاتهم المشروعة؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في إباحته بيع (السلم)، رغم ما فيه من بيع غير موجود، وبيع ما ليس عند البائع مما قد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأصل. وقد أجمع العلماء: على أن إباحة السلم كانت لحاجة الناس إليه، وهكذا فقد اعتمد العلماء على (السلم) وعلى أمثاله من نصوص الشريعة، في إباحة الحاجات التي لا تتم مصالح الناس في معاشهم إلا بها". والجواب أن يقال: إن المعاملات المصرفية لا تختلف عن المعاملات الربوية التي جاء النص بتحريمها؛ والله سبحانه بعث نبيه صلى الله عليه وسلم إلى جميع الثقلين، وشرع لهم من الأحكام ما يعم أهل زمانه ومن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة؛ فيجب أن تعطى المعاملات الجديدة حكم المعاملات القديمة إذا استوت معها في المعنى، أما اختلاف الصور والألفاظ فلا قيمة له، إنما الاعتبار بالمعاني والمقاصد، ومعلوم أن مقاصد المتأخرين في المعاملات الربوية من جنس مقاصد الأولين، وإن تنوعت الصور واختلفت الألفاظ، فالتفريق بين المعاملات الربوية القديمة والجديدة بسبب اختلاف الألفاظ والصور مع اتحاد المعنى والمقاصد تفريق باطل. وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم قول من قال يوم حنين: "اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط" مثل قول بني إسرائيل لموسى: {اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة}، ولم ينظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى اختلاف الألفاظ لما اتحد المعنى. وهكذا عاقب الله بني إسرائيل لما نصبوا الشباك يوم الجمعة؛ ليصيدوا بها الصيد المحرم عليهم يوم السبت، ولم يعذرهم بهذه الحيلة، مع أنهم لم يأخذوا الصيد من الشباك إلا يوم الأحد؛ وذلك لاتحاد المعنى وإن اختلفت الوسيلة، والأمثلة في هذا كثيرة في النصوص الشرعية. وقد صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود؛ فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل))( ). وأما التشبيه بالسلم فهو من باب المغالطة والتعلق بما لا ينفع؛ فإن إباحة السلم من محاسن الشريعة الكاملة، وقد أباحه الله سبحانه لحاجة العباد إليه، وشرط فيه شروطاً تخرجه عن المعاملات المحرمة. فهو: عقد على موصوف في الذمة بصفات تميزه، وتبعده عن الجهالة والغرر إلى أجل معلوم، بثمن معجل في المجلس، يشترك فيه البائع والمشتري في المصلحة المترتبة على ذلك، فالبائع ينتفع بالثمن في تأمين حاجته الحاضرة، والمشتري ينتفع بالمسلم فيه عند حلوله؛ لأنه اشتراه بأقل من ثمنه عند الحلول، وذلك في الغالب، فحصل للمتعاملين في عقد السلم الفائدة من دون ضرر ولا غرر، ولا جهالة، ولا ربا. أما المعاملات الربوية، فهي مشتملة على زيادة معينة نص الشارع على تحريمها في بيع جنس بجنسه نقداً أو نسيئة. وجعله من أكبر الكبائر؛ لما له سبحانه في ذلك من الحكمة البالغة، ولما للعباد في ذلك من المصالح العظيمة والعواقب الحميدة، التي منها: سلامتهم من تراكم الديون عليهم، ومن تعطيلهم المشاريع النافعة والصناعات المفيدة اعتماداً على فوائد الربا. وأما زعم الكاتب إبراهيم: أن المصارف والأعمال المصرفية حاجة من حاجات العباد، لا تتم مصالح معاشهم إلا بها... إلخ، فهو زعم لا أساس له من الصحة، وقد تمت مصالح العباد في القرون الماضية - قبل القرن الرابع عشر، وقبل وجود المصارف - ولم تتعطل حاجاتهم ولا مشاريعهم النافعة، وإنما يأتي الخلل وتتعطل المصالح من المعاملات المحرمة، وعدم قيام المجتمع بما يجب عليه في معاملة إخوانه من: النصح، والأمانة والصدق، والبعد عن جميع المعاملات المشتملة على الربا أو الغرر، أو الخيانة أو الغش، والواقع بين الناس في
سائر الدنيا يشهد بما ذكرنا، ولا سبيل إلى انتعاش المصالح وتحقيق التعاون المفيد، إلا بسلوك المسلك الشرعي المبني على الصدق والأمانة والابتعاد عن الكذب والخيانة، وسائر ما حرم الله على العباد في معاملاتهم، كما قال الله سبحانه في كتابه المبين: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾( )، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾( ). الآية، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾( ). وقال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾( ). الآية. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾( ). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما))( ). متفق على صحته. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى لله عليه وسلم:((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى. الآخذ والمعطي فيه سواء))( ). رواه أحمد والبخاري. وعن جابر رضي الله عنه قال:((لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء))( ). رواه مسلم. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى اله عليه وسلم:((الورق بالورق ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر رباً إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير رباً إلا هاء
وهاء، والتمر بالتمر رباً إلا هاء وهاء))( ). متفق عليه. وقال عليه الصلاة والسلام:((من غشنا فليس منا))( ). رواه مسلم. وقال عليه الصلاة والسلام:((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس، فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور))( ). متفق عليه. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. ولا يجوز لأحد من الناس أن يحلل ما حرم الله بالنص، قياساً على ما حلل الله بالنص، ومن حاول أن يحلل ما حرم الله من الربا، قياساً على ما أحل الله من السلم، فقد أتى منكراً عظيماً، وقال على الله بغير علم، وفتح للناس باب شر عظيم وفساد كبير، وإنما يجوز القياس عند أهل العلم القائلين به في المسائل الفرعية التي لا
نص فيها، إذا استوفى الشروط التي تلحق الفرع بالأصل كما هو معلوم في محله، وقد حرم الله القول عليه بغير علم، وجعله في مرتبة الشرك وبين عز وجل أن الشيطان يدعو إلى ذلك ويأمر به، كما يدعو إلى الفحشاء والمنكر، قال الله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾( )، وقال سبحانه: (﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ. إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾( ). فنسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يمنحهم الفقه في الدين، وأن يوفق علماءهم لبيان ما أوجب الله عليهم من أحكام شرعه، والدعوة إلى دينه والتحذير مما يخالفه، وأن يكفيهم شر أنفسهم وشر دعاة الباطل. وأن يوفق الكاتب إبراهيم للرجوع إلى الحق، والتوبة مما صدر منه، وإعلان ذلك على الملأ؛ لعل الله يتوب عليه كما قال عز وجل: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾( )، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ.إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾( ). ولا شك أن مقاله يحتاج إلى أكثر مما كتبت، ولكن أرجو أن يكون فيما بينته مقنع وكفاية لطالب الحق، والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه.
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
135- الواجب ترك المال الذي ثبت أنه من الربا من عبد العزيز بن عبد الله بن باز، إلى حضرة الأخ المكرم / ص. غ. غ سلمه الله سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فأشير إلى استفتائك المقيد بالأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم: 6009، وتاريخ 28/8/1409هـ الذي جاء فيه: " أفيد سماحتكم بأنه في عام 1406هـ، صدر قرار معالي وزير التجارة بتأسيس (الشركة السعودية للصناعات الدوائية والمستلزمات الطبية)، وأعلنت الشركة عن بدء وضع التصاميم ودراسات المشروع في حينه، وبدأت الشركة في إنشاء المباني، التي تقرر أن تنتهي في نهاية العام الحالي 1409هـ؛ وهذا يعني أن عملية تصنيع الأدوية لم تبدأ بعد، ومع ذلك فقد أعلنت الشركة للمساهمين، بأنها تنوي توزيع الأرباح - التي بلغت أكثر من ثلاثة وثلاثين مليوناً (بالريال السعودي) - حيث جاءت هذه الأرباح نتيجة لاستثمار أموال المساهمين في البنوك. وعلى حسب ما أسمع من الناس: أن مثل هذا الاستثمار في البنوك تقوم به معظم الشركات المساهمة. وحيث إنني أحد المساهمين في هذه الشركة، وأملك عدة أسهم في عدة شركات زراعية وصناعية، فإن هذا الموضوع يشغلني، ويشغل كثيراً من الناس الذين يحرصون على اللقمة الحلال. وبناء على رغبتكم في معرفة الحقيقة بعد الاتصال التليفوني بسماحتكم، وتشجيعكم لي في الكتابة إليكم عن الموضوع؛ فإني ألبي رغبتكم جزاكم الله عن الإسلام وعن المسلمين خير الجزاء، ولزيادة التوضيح: فإني أرفق مع خطابي هذا نسخة من تقرير الشركة المذكورة، مع صورة من جريدة (الجزيرة) التي نشرت تفاصيل التقرير السنوي المذكور عن الشركة. وختاماً: أرجو التكرم بإفادتي بالحكم الشرعي في هذا العمل، وبماذا تنصحوني به؟ وهل أستمر في التعامل مع هذه الشركة وغيرها أم لا"؟ وأفيدك: بأن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء درست استفتاءكم، وما ورد في كتابكم ومشفوعاته، ورأت أن الواجب عليكم ترك ما ثبت لديكم أنه اكتسب من طريق الربا، ولا مانع من قبضه وصرفه في بعض أعمال البر؛ كمواساة الفقراء، ومساعدة المجاهدين وأمثالهم؛ للتخلص منه وبراءة للذمة. وفق الله الجميع لما فيه رضاه، وأعانكم على كل خير. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
حكم دراسة الاقتصاد الربوي
س136: ما حكم الإسلام في دراسة الاقتصاد الربوي؟ وما حكم العمل في البنوك الربوية؟( ) ج: دراسة الاقتصاد الربوي؛ إذا كان المقصود منه معرفة أعمال الربا، وبيان حكم الله في ذلك فلا بأس، أما إن كانت الدراسة لغير ذلك فإنها لا تجوز، وهكذا العمل في البنوك الربوية لا يجوز؛ لأنه من التعاون على الإثم والعدوان، وقد قال الله سبحانه:﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾( ).
137- بيان الحكم الشرعي في المعاملات الربوية في البنوك الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين؛ نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:( ) فقد اطلعت على ما ورد في صحيفة (الشرق الأوسط) الصادرة في يوم الأربعاء 2/1/1416هـ، من تصريح مفتي الديار المصرية د / محمد سيد طنطاوي، بتحليل الفوائد الربوية التي تتعامل بها البنوك. فرأيت: أن الواجب على مثلي التنبيه على ما يقتضيه الشرع المطهر في ذلك؛ نصحاً لله ولعباده، وأداء لواجب البلاغ الذي أوجبه الله على أهل العلم في قوله تعالى:﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ﴾( ) الآية، وقوله سبحانه:﴿وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾( ) الآية، والمقصود: تحذير هذه الأمة من عمل أهل الكتاب، ولاشك أن هذا أمر خطير، وفيه معصية لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ومخالفة لأمر الله تعالى حيث قال سبحانه وتعالى:﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾( )، ولا ريب، أن القول بحل ما تتعامل به البنوك من أنواع الربا، فيه تحليل لما حرمه الله تعالى؛ لأن الربا كما هو معلوم كبيرة من كبائر الذنوب، التي جاء تحريمها مغلظاً في كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بجميع أشكاله وأنواعه ومسمياته، قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ. وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾( )،وقال تعالى:﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ﴾( )، وقال تعالى:﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾( )، وقال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾( ). فما أعظم جريمة من حارب الله ورسوله، نسأل الله العافية من ذلك.وقال عليه الصلاة والسلام:((اجتنبوا السبع الموبقات)) قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال:((الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات))( ) متفق على صحته. وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال:((لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء))( )،
فهذه بعض الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم التي تبين تحريم الربا وخطره على الفرد والأمة، وأن من تعامل به وتعاطاه، فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، وقد أصبح محارباً لله ولرسوله. وقال الموفق ابن قدامة رحمه الله تعالى في كتابه المغني: (أجمعت الأمة على أن الربا محرم) وقال ابن المنذر في كتاب (الإجماع): (أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المقترض زيادة أو هدية، فأسلف على ذلك، أن أخذ الزيادة على ذلك رباً سواء كانت الزيادة في القدر أو الصفة) ومن المعلوم، أن الاشتراك في البنوك الربوية، أو الإيداع فيها، أو الاقتراض منها بفوائد، كل ذلك من المعاملات الربوية التي نهى الله سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم عنها؛ فيجب الابتعاد عنها. نسأل الله الهداية والعافية من مضلات الفتن، والتوفيق للعمل بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وتحكيم شرع الله في جميع شئوننا الخاصة والعامة، وأن يأخذ بنواصينا وجميع المسلمين إلى ما فيه صلاح ديننا ودنيانا، وأن يجنبنا جميعاً طريق المغضوب عليهم والضالين؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، ونصيحتي لفضيلة المفتي محمد سيد طنطاوي أن يتقي الله، وأن يعيد النظر فيما كتب، وأن يتوب إلى الله سبحانه مما طغى به اللسان، وزل به القلم، ولا ريب أن الرجوع إلى الحق واجب وفضيلة، وشرف لصاحبه، وخير من التمادي في الخطأ، والله المسئول أن يوفقه للرجوع إلى الحق، وأن يجعلنا وإياه وسائر إخواننا من الهداة المهتدين، إنه سميع قريب. وصلى الله وسلم على خير خلقه نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
المراجع
الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ عبد الكريم الخضير
التصانيف
تصنيف :الأبحاث