أولا: معنى التكبر:

لغة: التكبر في اللغة هو التعظم أي إظهار العظمة، قال صاحب اللسان: (والتكبر والاستكبار: التعظم ومنه قوله تعالى {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق} أي : أنهم يرون أنهم أفضل الخلق وأن لهم من الحق ما ليس لغيرهم).
اصطلاحا: أما في اصطلاح الدعاة أو العاملين فإن التكبر هو إظهار العامل إعجابه بنفسه بصورة تجعله يحتقر الآخرين في أنفسهم وينال من ذواتهم ويترفع عن قبول الحق منهم.

ثانيا: الفرق بين التكبر وبين العزة:

والفرق بين التكبر والعزة واضح، إذ التكبر ترفع بالباطل والعزة ترفع بالحق ، أو أن التكبر: نكران النعمة وجحودها ، والترفع : اعتراف بالنعمة وتحدث بها.

ثالثا: أسباب التكبر:

1) مبالغة الآخرين في التواضع وهضم النفس:
ذلك أن بعض الناس قد تحملهم المبالغة في التواضع على ترك التجمل والزينة في اللباس ونحوه وعلى عدم المشاركة بفكر أو برأي في أي أمر من الأمور بل والعزوف عن التقدم للقيام بمسؤلية أو تحمل أمانة وقد يرى ذلك من لم يدرك الأمور على حقيقتها فيوسوس له الشيطان وتزين له نفسه أن عزوف الآخرين عن كل ما تقدم إنما هو للفقر أو لذات اليد، وإلا لما تأخروا أو توانوا لحظة، وتظل مثل هذه الوساوس وتلك التزيينات تلح عليه وتحيط به من هنا وهناك حتى ينظر إلى الآخرين نظرة ازدراء وسخرية في الوقت الذي ينظر فيه إلى نفسه نظرة إكبار وإعظام.
2) اختلال القيم أو معايير التفاضل عند الناس:
ذلك أن الجهل قد يسود في الناس إلى حد اختلال القيم أو معايير التفاضل عندهم ، فتراهم يفضلون صاحب الدنيا ، ويقدمونه حتى لو كان عاصياً أو بعيداً عن منهج الله ، في الوقت الذي يحتقرون فيه البائس المسكين الذي أدارت الدنيا ظهرها له حتى وإن كان طائعاً ملتزماً بهدي الله .
3) مقارنة نعمته بنعمة الآخرين ونسيان المنعم:
ذلك أن من الناس من يحبوه الله - لحكمة يعلمها - بنعم يحرم منها الآخرين، كالصحة أو الزوجة أو الولد أو المال أو الجاه أو المركز أو العلم أو حسن الحديث أو الكتابة أو التأليف أو القدرة على التأثير أو كثرة الأنصار والأتباع ... إلخ ، وتحت بريق وتأثير هذه النعم ينسى المنعم ، ويأخذ في الموازنة أو المقارنة بين نعمته ونعمة الآخرين فيراهم دونه فيها ، وحينئذٍ يحتقرهم ويزدريهم ويضع من شأنهم وهذا هو التكبر .
4) ظن دوام النعمة وعدم التحول عنها:
ذلك أن بعض الناس قد تأتيه النعمة من الدنيا وتحت تأثيرها وبريقها يظن دوامها أو عدم التحول عنها وينتهي به هذا الظن إلى التكبر أو الترفع أو التعالي على عباد الله ، كما قال صاحب الجنتين لصاحبه:
{.... مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} [الكهف : 35 ، 36].
5) السبق بفضيلة أو أكثر من الفضائل:
كالعلم أو الدعوة أو الجهاد أو التربية أو نحوها، ذلك أن بعض الناس قد يحبوهم القدر بفضيلة السبق في بعض خصال الخير، وإذا بهم ينظرون إلى اللاحق نظرة ازدراء واحتقار ولسان حالهم أو مقالهم ينطق في استكبار: ومن هؤلاء الذين يعملون الآن؟ لقد كانوا عدماً أو في حكم العدم يوم أن مشينا على الأشواك ، وتحملنا مشاق ومتاعب الطريق ، حتى عبَّدناها لهم ولغيرهم من الناس .
6) الغفلة عن الآثار المترتبة على التكبر:
ذلك أن من غفل عن الآثار الضارة لعلة من العلل أو آفة من الآفات فإنه يصاب بها وتتمكن من نفسه ، ولا يشعر بذلك إلا بعد فوات الأوان، وبعد الاستعصاء على القلع والعلاج.

رابعا: مظاهر التكبر:

هناك مظاهر للتكبر يعرف أو يستدل عليه بها ، نذكر منها :
  1. الاختيال في المشية مع لي صفحة العنق وتصعير الخد: قال تعالى {ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الحج : 9] {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [الحديد : 23] {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان : 18].
  2. الإفساد في الأرض عندما تتاح الفرصة مع رفض النصيحة والاستنكاف عن الحق:  قال تعالى : {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ...} [البقرة : 204 - 206].
  3. التقعر في الحديث: يقول النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - : (إن الله عز وجل  يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه ، كما تخلل البقرة بلسانها) ، (ألا أنبئكم بشراركم ؟ فقال : هم الثرثارون المتشدقون ....).
  4. إسبال الإزار بنية الاختيال والتكبر: يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : (من جرّ ثوبه خيلاء لم ينظر صلى الله عليه وسلم إليه يوم القيامة).
  5. محبة أن يسعى الناس إليه ولا يسعى هو إليهم: وأن يمثلوا له قياماً إذا قدم أو مر بهم.

خامساً: آثار التكبر:

وللتكبر في الأرض بغير الحق آثار ضارة ، وعواقب مهلكة:
1- الحرمان من النظر والاعتبار:
ذلك أن المتكبر - بترفعه وتعاليه على عباد الله - قد اعتدى من حيث يدري أو لا يدري على مقام الألوهية ، ومثل هذا لابد له من عقوبات، وأول هذه العقوبات: الحرمان من النظر والاعتبار.
2- القلق والاضطراب النفسي:
ذلك أن المتكبر يحب - إشباعاً لرغبة الترفع و التعالي أن يحني الناس رؤوسهم له ، وأن يكونوا دوماً في ركابه ، ولأن أعزة الناس وكرامهم يأبون ذلك ، بل ليسوا مستعدين له أصلاً ، فإنه يصاب بخيبة أمل ، تكون عاقبتها القلق والاضطراب النفسي .
3- الملازمة للعيوب والنقائص:
ذلك أن المتكبر لظنه أنه بلغ الكمال في كل شيء لا يفتش في نفسه ، حتى يعرف أبعادها ومعالمها ، فيصلح ما هو في حاجة منها إلى إصلاح ، ولا يقبل كذلك نصحاً أو توجيهاً أو إرشاداً من الآخرين ، ومثل هذا يبقى غارقاً في عيوبه ونقائصه.
4- الحرمان من الجنة:
وأما الأثر الرابع الذي يتركه التكبر على العاملين ، فإنما هو الحرمان من الجنة ، وذلك أمر بدهى ، فإن من يعتدي على مقام الألوهية ، ويظل مقيماً على عيوبه ورذائله ، ستنتهي به الحياة حتماً ، وما حصل خيراً يستحق به ثواباً أو مكافأة فيحرم الجنة مؤبداً أو مؤقتاً ، وصدق الله ورسوله إذ يقول الحق في الحديث القدسي : (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري من نازعني واحداً منهما ألقيته في جهنم) ، وإذ يقول النبي - صلى الله عليه وسلم : (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثال ذرة من كبر ..).

سادساً: علاج التكبر:

  1. تذكير النفس بالعواقب والآثار المترتبة على التكبر
  2. عيادة المرضى ، ومشاهدة المحتضرين وأهل البلاء وتشييع الجنائز ، وزيارة القبور.
  3. الانسلاخ من صحبة المتكبرين ، والارتماء في أحضان المتواضعين المخبتين.
  4. مجالسة ضعاف الناس وفقرائهم ، وذوي العاهات منهم ، بل ومؤاكلتهم ومشاربتهم ، كما كان يصنع النبي - صلى الله عليه وسلم – وصحبه الكرام .
  5. التفكر في النفس ، وفي الكون ، بل وفي كل النعم التي تحيط به من أعلاه إلى أدناه ، مَن مصدر ذلك كله ؟
  6. النظر في سير وأخبار المتكبرين ، كيف كانوا؟ وإلى أي شيء صاروا؟ من إبليس والنمرود إلى فرعون ، إلى هامان ، إلى قارون ، إلى أبي جهل ، إلى أبي بن خلف ، إلى سائر الطغاة والجبارين والمجرمين.
  7. حضور مجالس العلم التي يقوم عليها علماء ثقات نابهون ، لاسيما مجالس التذكير والتزكية،  فإن هذه المجالس لا تزال بالقلوب حتى ترق وتلين وتعود إليها الحياة من جديد .
  8. حمل النفس على ممارسة بعض الأعمال التي يتأفف منها كثير من الناس ممارسة ذاتية ما دامت مشروعة.
  9. الاعتذار لمن تعالى وتطاول عليهم بسخرية أو استهزاء.
  10. التذكير دوماً بمعايير التفاضل والتقدم في الإسلام.
  11. محاسبة النفس أولاً بأول، بحيث يعرف صاحب هذا الداء الحد الذي انتهى إليه في علاجه.
  12. وأخيراً.. الاستعانة بالله عز وجل فإنه سبحانه يعين من استعان به، و يجيب دعاء المضطر إذا دعاه.
بتصرف نقلا عن كتاب (آفات على الطريق) للدكتور السيد محمد نوح .
 

المراجع

موسوعة اسلاميات

التصانيف

عقيدة