يفد إلينا كل عام ضيف كريم ووافد عزيز ألا وهو شهر رمضان المبارك ، والناس إزاءه أنواع :
فمنهم : من لا يرى فيه أكثر من حرمان لا فائدة منه ، وتقليد ديني لا مبرر له ، وقد تقدمت الحضارة وتطور الفكر الإنساني بحيث لا يسيغ - في زعمه - هذه القيود الدينية الثقيلة ، فهو عازم على الإفطار فيه ، مجاهر بذلك ، مستهزئ من الصائمين ، ساخر بعقولهم وتفكيرهم .
ومنهم : من لا يرى فيه إلا جوعًا لا تتحمله أعصاب معدته ، وعطشًا لا تقوى عليه مجاري عروقهن ، فهو عازم على الإفطار مستخف فيه الناس ، متظاهر بالصيام أمام من لا يعرفه ، مجاهر به أمام من لا ينكر عليه .
ومنهم : من يرى في رمضان موسمًا سنويًا للموائد الزاخرة بألوان الطعام والشراب ، وفرصة جميلة للسمر واللهو الممتد إلى بزوغ الفجر ، والنوم العميق في النهار حتى غروب الشمس ، فإن كان ذا عمل برم بعمله ، وإن كان ذا معاملة ساءت معاملته ، وإن كان موظفًا ثقل عليه أداء واجبه .
ومنهم : - وهم الأقلون - يرون في رمضان شهرًا غير هذا كله ، وأجل من هذا كله .. يرون فيه دورة تدريبية لتجديد معان في نفوس الناس من : الخلق النبيل ، والإيثار ، والصبر الكريم ، والتهذيب الإلهي العظيم …
أما الذين لا يرون في الصيام انسجاماً مع تطور الحضارة فنحن نحيلهم إلى أطباء الأجسام والنفوس ليحدثوهم عما اكتشفه العلم الحديث من فوائد الصيام لا يجدها الناس في غيره .
وأما الذين تنهزم عزائمهم أمام جوع الصيام وحرمانه وهم مؤمنون بفرضيته وقدسيته ، فنحن نذكرهم بأننا نعيش في قلب المعركة الفاصلة في تاريخ هذه الأمة ، وليس الصيام إلا صبر ساعات على أقل مظاهر الحرمان في الحياة من طعام وشراب ، فمن انهزم بينه وبين نفسه عن تحمل شدة الصبر ساعات من النهار ، فسيكون أشد هزيمة بينه وبين أعدائه عن تحمل قسوة الكفاح والنضال أيامًا وشهوراً وأعوامًا .. إن المنهزمين في ميدان صغير ليسوا أهلاً لأن يحرزوا النصر لأمتهم في ميدان كبير . ومن أعلن استسلامه في معركة نفسيه تدوم ساعات ، فقد حكم على نفسه بفقدان أول خلق من أخلاق المكافحين وهو الرجولة ، ومن عز عليه أن يعيش في جو الرجال أخرج نفسه من معارك الشهداء والأبطال .
وأما الذين يرون في رمضان جوعًا في النهار ، ومتعة مادية في الليل .. أما جمهور المسلمين الصائمين فإليهم نوجه هذا الحديث ، وهم الذين نرجو أن ينفعهم الله بالصيام ، ويثبتهم عليه ، ويجزل مثوبتهم فيه .
إن الأمم كالأفراد تحتاج في حياتها الطويلة إلى فترات من الراحة والهدوء ، تصلح فيها ما فسد من أوضاعها ، وتجدد ما كاد يبلى من مقوماتها ، وتعالج ما ساء من شؤونها . وهذه الفترات هي اللحظات الفاصلة في تاريخ الأفراد والجماعات ، فإن عرفت كيف تستفيد منها ، كانت مفتاحًا لكل خير تناله في المستقبل ، ولكل نصر تحرزه في المعارك ، ولكل خلود تسجله في التاريخ .
ورمضان هو الفترة الروحية التي تجد فيها الجماهير ، والأفراد فرصة لإصلاح تاريخها .
إن رمضان محطة لتعبئة القوى النفسية والروحية والخلقية التي تحتاج إليها كل أمة في الحياة ، ويحتاج إليها كل فرد في المجتمع . . إنه يمنحنا فيما يمنح ، تذكيرًا بالحق الذي تقوم عليه السموات الأرض عليه ، وتخلقًا بالقوة التي لا تنتصر أمة بدونها ، وشغفًا بالحرية التي لا تتم الكرامة الإنسانية إلا بها .
" حق ، وقوة ، وحرية " هذا هو بعض ما يمنحنا رمضان في أيامه الجائعة العطشى .. وما رأيت في حياتي صائماً يفهم معنى الصوم ، ويتحقق بحكمته وفلسفته إلا مناضلاً في سبيل الحق لا تلين له قناة ، قويًا في حلبة الصراع لا ينهزم ، حراً بأكرم معاني الحرية لا تعلق به ذلة ولا عبودية .
إن المسلم الصائم طواعية وعبودية لله ، وخضوعًا لجلاله ، ورجاء للقرب منه والأنس بحضرته ؛ يرى الأنانية والاثرة العزلة والانقطاع عن مشاركة المجتمع في آلامه وأحزانه
يرى في ذلك كله باطلاً ما أحراه أن يرتفع عنه وينتصر عليه .
ويرى الأهواء والشهوات والظلم والبغي والعداوة والبغضاء ضعفًا يقتل روح الأمة ما أجدر به أن يثور عليه ويقف دونه .
يرى في لذة المناجاة مع الله ، وتنفيذ شرعه فيما نهى وأمر : حرية تنأى به عن العبودية لغير الله من طعام وشراب ولذة وطمع وأماني كاذبة . فهو الحر دئمًا وأبدًا ، هو الحر الذي لا تتجلى حريته على الانتقال من مكان إلى مكان ، بل في القدرة على أن يتحكم في عواطفه وميوله ، فيحبس عنها ما يشاء ويطلق منها ما يشاء .
إنه هنا حر الروح ولو أطبقت عليه الجدران ، حر الفكر ولو عاش في أرض فقر ، حر الإرادة ولو كبل بالحديد .. وهذه لعمري هي الحرية التي تليق بكرامة الإنسان ، وأين منها حرية الأشباح والأجسام .
هذا الفهم الدقيق لرمضان وفلسفته هذا التخلق الكامل بالصيام وآدابه ، سجل تاريخنا القديم والحديث من النصر في معارك الحق آيات بينات ، وترك للإنسانية من أبطال الإصلاح والحكم والعلم أعلامًا شامخات …
فترون المسلمين يوم بدر ، وقد كانت في اليوم السابع عشر من رمضان ، أفترونهم يومئذ خاضوا المعركة في قلة من العدد والعُدد ثم انتصروا على أقرانهم من أبناء عمومتهم ومواطنيهم نصرًا مؤزراً خلده القرآن في محكم آياته …
أفترونهم استطاعوا أن يحرزوا هذا النصر لولا أن الصيام بث فيهم من القوة ونصرة الحق والحرية الكاملة ما جعلهم يخوضون المعركة أقوياء أحرارًا ؟ .. إن بطشوا بقوة الله ، وإن رموا بعزة الله ، وإن صالوا وجالوا كانت قوة الحق وإشراقة الروح هي التي تسدد لهم الهدف ، وتدلهم على مقاتل الأعداء !
هل ترون معاركنا التي انتصرنا فيها في اليرموك والقادسية وجلولاء وحطين وغيرها .. هل كانت تتم بهذه الروعة المعجزة التي لا تزال تذهل كبار الباحثين في أسراراها ، لولا أن أهلها كانوا يتخلقون بخلق الصائمين : من عفة وسمو ، وتضحية وفداء ، وتحمل للشدائد ، وخضوع لله واستعلاء على كل ما سواه ، واستهزاء بقوى الباطل مهما كثرت ؟ .
لك أنهم وصلوا أرواحهم بقوة الله ، ومن ذا الذي يغلب الله ، والله غالب على أمره ؟
وبعد ، .. فالذين يستقبلون رمضان على أنه شهر جوع نهاري وشبع ليلي . وتلاوة للذكر باللسان ، ونوم في المساجد في النهار ، لن يستفيدوا منه …
وأما الذين يستقبلونه على أنه مدرسة لتجديد الإيمان وتهذيب الخلق ، وتقوية الروح ، واستئناف حياة أفضل وأكمل هم الذين يستفيدون منه ..
هم الذين تفتح لهم أبواب الجناب في رمضان ، وتغلق عنهم أبواب النيران ، وتتلقاهم الملائكة ليلة القدر بالبشرى والسلام . هؤلاء هم الذين ينسلخ عنهم رمضان . مغفورة لهم ذنوبهم ، مكفرة عنهم سيئاتهم ، مجلوة بنور الله قلوبهم ، مجددة بقوة الإيمان عزائمهم …
هؤلاء .. هؤلاء هم الذين تصلح بهم الأوضاع وتكسب بهم المعارك ، وتسعد بهم المجتمعات.. وما أحوجنا إليهم اليوم ، ونحن في قلب المعركة مع الباطل والفساد والانحلال ، فأما أن نذل وأما أن نحيا .
أيها المؤمنون ، يا أبناء الأمة .. خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته في آخر يوم من شعبان فكان مما قال : [ أيها الناس : قد أظلكم شهر عظيم مبارك ، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر ، شهر جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعاً ، من تقرب فيه بخصلة كان كمن أدى فريضة فيما سواه ، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه ، وهو شهر الصبر ، والصبر ثوابه الجنة ، وشهر المواساة ، وشهر يزاد في رزق المؤمن فيه ، من فطر فيه صائمًا كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبة من النار ، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء .
قالوا : يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يعطي الله هذا الثواب من فطر صائمًا على تمرة أو شربة ماء أو مذقة لبن .
وهو شهر أوله رحمة ، وأوسطه مغفرة ، وآخره عتق من النار من خفف فيه عن مملوكه غفر الله له وأعتقه من النار ، فاستكثروا فيه من أربع خصال : خصلتين ترضون بهما ربكم ، وخصلتين لا غناء بكم عنهما . فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم : فشهادة أن لا إله إلا الله ، وتستغفرونه . وأما الخصلتان اللتان لا غناء لكم عنهما : فتسألون الله الجنة وتعوذون به من النار ، ومن سقى صائمًا سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة ] رواه ابن خزيمة .
وفي حديث آخر : [ أتاكم شهر رمضان شهر بركة يغشاكم الله فيه ، فينزل الرحمة ، ويحط الخطايا ، ويستجيب فيه الدعاء ، ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه ويباهي بكم ملائكته . فأروا الله من أنفسكم خيرًا ، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله عز وجل ] رواه الطبراني .
هذا ما كان يقوله رسولكم صلى الله عليه وسلم قبيل رمضان ، يستحث فيه عزائم المؤمنين للطاعة والعبادة ، ويشرح صدورهم لما يتنـزل عليهم في أيامه من بركة ورحمة ، ويشوق أرواحهم إلى ما يضيفه الصيام عليها من قوة إشراق وقدسية .. فاستعدوا لرمضان ، وأعدوا أنفسكم بأخلاقه والإفادة من حكمه وأسراره .. هيا أيها المؤمنون ، فقد قامت سوق الجنة ، هيا أيها المتخلفون ، فقد امتدت إليكم يد الله !
المراجع
موسوعة طريق الأيمان
التصانيف
حياة