بختي بن عودة

انسحاب الكتابة

لعل مدخلا إشاريا لا ينتمي إلى مدونة وافية يقلص من آمال ورقة محمولة على جدية وخطورة وتعقّد مسألة أساسية لها ما يبررها وسط نقاش لانهائي حول اللغة والتربية والبحث, وهنا فقط تنتفي كل قطعة لاتتوخى الاسهام في ترشيد بلاغة غير واضحة الأطراف, بل ولا تعثر على سند نظري يخترق المسألة, ولنوعية الحدود ههنا شرعيتها. إن الكتابة إذن وفي هذا السطح الساطع بتمييز منهجي مكثف براهينته, تفاجىء الركلة التي انتهت إليها ممارسات نوعية (اتخذت شكل رهان له مقاومته للتضييع والبعثرة, إذ جمع مجموعة من المشاغل لصنع فضاء ناطق (أي ملحق= Supplement)هو في حدّذاته كتابة, والاصرار على فتح بوابات لمسافرين ناشئين لنسخ لعبة مع نص وليِّ عبارة وإيقاظ ملكة أو الدخول في عراك مع مفهوم هو أيضا كتابة, ولأن المعنى غير مطروح بسهولة أمام القارىء أو أمام الصفحة, كان انتقاء الوجوه والرسومات الدالة وطرق الإخراج التي وفرتها مرحلة ما بعد ماكلوهان أي بالانتقال من الرصاص إلى التركيب المصور, يستدرج هو الآخر ظلّ الكتابة, إذا ما قسنا ذلك مع المطلب الشكلي الموفر لحصة الامتاع في سياق منظومة الاستقبال أو التقبل(Receptivité). إن تدرّجا من هذا النوع لا يستشعره قارىء عادي لم تتح له فرصة الدخول إلى جريدة ما لاستلهام هذه العتبات والاطمئنان إلى هذه الهيئة أو تلك, ولأنّ الكتابة عبر الإعلام لها شبه قوانينها ارتأينا إلى تهذيب المدخل بهذا التنبيه تسجيلا لمنعطف مسكوت عنه, لأنّ المهم في نظرنا هو كيفية التأمل حول قضية ثم تجريد أساساتها أي وضعها في أفق نظري ما.

لا تحتّم علينا التجربة(الكتابة النقدية) مسحا غير مستقر على منحى ولا تسرق منا لحظات كنا نحاور خلالها نصوصا للأصدقاء ولغير الأصدقاء, نقسو على بعضها كما لو كانت هذه القسوة توغلا في عوالمها ونلاطف بعضها الآخر كما لو كان يترجم تطلعات ذات غير قنوعة. كان الامتحان في الجمهورية حربا ضدّ قبيلة لا أعرف اسمها, وكان في المسار المغاربي(الذي توقف) تأكدا من أن الفعل الثقافي في فعل يتيم. الملاحق واكتشاف الذات: أظهرت تجارب الملاحق الثقافية والأدبية عبر صحف الداخل والخارج أن وضع القارىء في ديمومة من العلائق الضيقة أو الواسعة مع المنتوج الجمالي والذهني والتأملي كتقليد أولا وكضرورة ثانية يفتت كل ما من شأنه وضع القارىء على هامش حركة من الأفكار تتربص بالانتقتلات القدرية أي تلك التي تمس الأمم في صميم جوارحها المنصتة للوجود, وتمنح القارىء بصيرة التدقيق في الحي والميت, ثم رغبة النقد.

لكن ذوبان الفردي في الجماعي, أي الاستقلالي في الاتفاقي, المتحول في الثابت, المنفتح في المنغلق من خلال الأمثلة السابقة أي بتضافر طاقات تراتينية متعالية(رئيس قسم, رئيس تحرير ثم مدير عام) لم يسهم في رواج مادة ومهما كانت طبيعتها على أساس وضع اليد على الكائن ذاته, وهو ما تحول لدى الآخر إلى علم يزن القابلية والتوجه والاستطراد مع استشراف ممكن لزمن يظل هو بدوره تحت وطأة الفواعل التاريخية, وإذا كانت فرنسا مثلا عبر ملاحق لوموندو الفيغارو وليبيراسيون أو مجلات مثل ليروماغازين ليتيرير وليتر فرانسيز وغيرها, على سبيل المثال ناهيك عن ما لا نعرفه وعن المختص منها أيضا في نقد الصورة أو العلامة أو الجسد المسركي أو الذات من وجهة التحليل النفسي تقترح على قارىء محظوظ جغرافيات من الخطابات تصل بريده.

رغم ازدحام الحظ الذي يغري القارىء الجزائري والموجود في وضعية اختلال زمني(Decalage) مثلثة بالنسبةإلى الخريطة الوطنية ثم العربية والعالمية, وتتسع آلام هذه الوضعية باتساع الشقوق بين المعرفة وموضوعاتها من جهة وباستمرار مأساوية القراءة عندنا من جهة أخرى. مجموعة إدراكات: لسنوات معتبرة لا بحجمها كوقت ولكن بامتلاء أدراجها ومتغيراتها كان ثمة ما يشبه الرماد يعلو سطح العلائق بين البشر تارة وبين الأشياء تارة أخرى, ظللت أتأمل الرماد الكسول وهو يتطرف في تحفيز سلطة ما على تهيئة أرضية الانسحاب, وكان التحفيز يتعالى رافعا أعذاره إلى الميثولوجيا الرديئة, حيث ما يشبه كل شيء ما عدا النظرة العاقلة كان بجرة قلم يوقف هذا(الملحق ويتهم ذاك, يرفض هذا النص ويدنس ذاك.) لم يكن معقولا أن تشهد الساحة الإعلامية الوطنية موجة انسحاب للكتابة حتى داخل القطاع الخاص نفسه(مثال الخبر) ولن أتحدث نسبيا, أما الخطاب السمعي البصري فحالة لا إسم لها.

ما هويّة الكارثة؟ ما أطرافها المختفية وراء تقنيات النهي والأمر؟ كيف تتراجع المعرفة النقدية لصالح التفقه والتدجيل وغراميات متفجرة بتراجيديات الليل والنهار, وخواطر تجري بما تشتهي ثقافة الفاستفود؟ وهل "لإعلاناتكم" تزن مثقال صورة فنية أو فقرة فلسفية أو بطاقة مبدع؟ أسئلة واقفة على دهشتها والمكان الإعلامي الجريح ما عاد ليتحمل الأعباء الاستهلاكية المريضة والطرق التي كانت تؤدي إلى "النادي الأدبي" أو "أوراق معاصرة" أو "قراءات" أو "إبداعات" تؤدي إلى "البسيكوغراما" معلنة عن عودة الساذج فنيا إلى السطح, عودة حرمان لم يتبلور في هيئة كشف بل في هيئة استعطاف كما لو أن القراء في هذا الإطار ومن هذا الصنف يبحثون عن أم رمزية يرون بريقها في أجوبة شبيهة بحيل الحظ أو النجوم, أجوبة تخفف من حمّاهم معمّقة فيهم الإيمان بالطاليسمان لا الإيمان بالنص, أو أكثر صرامة التسلّي الضحوك بالجواب لا الإنصات إلى توتر السؤال. بهذه الكيفية يخلق إعلامنا ردود أفعال لا تجعل من الأنا منطقة ثقافية متماسكة ولا مرجعا يطارد الهشاشة يعيد ابتكار المسافة بين القارىء والأدب على أساليب من الرغبة في الخرق والتجاوز, حيث الفضول يشكل القوة الكامنة في اتجاه الخيارات, فهذا الإعلام إذن يقوم بتفشية ذهنية مسالمة, راضية, وغير احتجاجية, إنه بذلك يديم حالة من السالبية(Passivité) تجاه ما يتحرك من حول القارىء, من حول عين ترى إلى مشهد لا يتبدل, بل يستكين ويضمحل.

في بحث ميداني عنوانه "القراءة والقراء في المغرب" حاول كل من الأستاذين أحمد الرضاوني ومحمد بنيس أن يتسللا إلى ظاهرة لم نعد نولي لها الأهمية المتوخاة بالتزامن الفعلي مع توجهات عامة تتحكم ببنيات غير متماثلة وقد قدما له كالتالي "قديما عرفنا أن لا هوية وطنية دون ثقافة, وأن لا ثقافة دون قراءة. واليوم ندرك أن لا تحول, ولا نمو دون فتح المجال أمام المجتمعات العربية لمعانقة المعرفة المنقولة عبر النص المطبوع أساسا, بصفته أقوم وسيط لتثبيت المعرفة ودمقراطتها, ثم عبر الوسائط التي تمخض عنها التطور التكنولوجي, الذي هو وليد التراكم العملي والمعرفي طياة الحياة البشرية جمعاء" (1). نلاحظ أن تشابه الموضوع يوقفنا عند الدمقرطة وتثبيت المعرفة, ولعل ذلك كاف للتأكد من نوعية الوعي السائد ومن التقاط نبض الإيقاع الحضاري, أما في حالة الجزائر وبحسب التجريب الحاصل أحيانا وبدون قياسات علمية, فإن: المعطى لا يترجم استماتة للمكتوب في شكل متابعة نقدية لا تهمنا بالدرجة الأولى شحنتها وإنما انهيارا معتبرًا بحسب المؤشرات الإعلامو-ثقافية, يمكن أن نعممه على الاستعارة كقوة نقل للصور من حقل إلى آخر, وهو ما يقنعنا أن هذا التراجع والذي ليس بالهيّن: مستمر, منتظم ومتواتر.

لضرورة الحرص على البديل, يكون لنا مجرد تفكير حول صيغة مضادة ما دام البديل هو نتاج وعي ضدي, وما دامت الاسئلة لا تحشر الزوائد في استثمارات خائبة مسبقا, فإن الالتفات إلى اقتراح تركيبة "الأرشفة الجمالية للكينونة" أو للوجود يسعف نسبيا هذا التأمل, ما دام الكتاب كمنتوج خاضع لمنطق النوع (Le genre) بما لهذا النوع من قوانين, فإن الخيار بهذه الكيفية يستجيب لحدس معرفي ولتمفصلات لها أسبابها في عمق الظاهرة. ما المقصود إذن بالأرشفة الجمالية للكينونة؟ هذا السؤال يتهم وضعا باثولوجيا يتجه كما هو معيش نحو انتزاع الخاصية الشعرية للرؤية إلى العالـم (Dépoétisation de la vision du monde) كتربية ولو بهذا المفهوم المدرسي والمبسط, بل يراعي وسط تسارع انتاجية العلوم والأفكار والخطابات الأدبية على مقربة من حدودنا كيفيات تقلص المعنى الخاص بحق الفرد/ القارىء في إكتشاف الأسماء والرموز وكذا الذاكرات في تواترها ونموها, لأن ما يهم بالدرجة الأولى ليس هو السالب أو الموجب في هذا العمل أو ذاك وإنما العمل في حد ذاته كأثر وبصمة وتحقّق تنتهي جميعها عاجلا أم آجلا إلى الإستقرار بتفاعل الإنصات إليها من خلال المبحث الأكاديمي أو المبحث الحر, وهي لا تلزمنا بالتحاليل أو التواطؤ حيالها, لا معها ولا ضدها لأنها في الأصل منعزلة وحيادية ما دامت لم تتعرض بعد للإحتكاك.

إذا كان ناقد نادر مثل بارت يؤكد على موت المؤلف لميلاد القارىء, (والمسألة هنا مجرد استعارة( فإن الوضع المطروح أمامنا يشترط موت الصمت وانكسار خصيصة رهن الشيء الثقافي باللحظة النفعية والمكرسة لتبرير أسبقية السياسوي على الجمالي والإشهاري على الكتابي, وهذه فجوة ظلامية تحصر الإشكالية في نطاقات جاهلة وعمياء, تستظل بغياب الافق وخطاب الحاجة المهيكل كبكاء تشجعه صداقة التشيؤ. ما هي خطوة الضمير ههنا؟ كيف يسهم المبدعون والناشرون والنقاد والصحفيون المختصون في تأسيس ما أسميناه بالأرشفة الجمالية للكينونة؟ إعادة تركيب المعنى: إنها تجربة أفراد, مغامرات تنحت في رمزية المتاه بعض الأسئلة الممكنة حول علاقة المسؤول عن الصفحة الأدبية بالمحيط الذي يصوغه ويغذيه, وليست هذه العلاقة متوازنة ولا متجانسة ما دامت تربتها الضئيلة وسط بنية التفقيرالمبرمج (Pauperisation programmée). إن فضاءات مثل الملاحق الأدبية خلقت ديناميكية حول نواة الكتابة وحول جهود لا يمكن مهما اختلفنا حول فعاليتها أن نقارن مساحتها بالمساحة التي يأخذها مسلسل برتران بوارو ديلبيش (B.P-DELBECH) في لوموند الكتب حيث القراءة نظام مؤسّسيُّ أي مجموعة هياكل تحكمها ضوابط والتزمات وعقود ورهانات وحيث التقليد شبيه بدورة الفصول.

ثمة مزاجية عارمة تفكك كل محاولة للحفاظ على فعل في هذا الاتجاه والذي يتبنى تكسير الصمم واختبار الممكن للإنضمام إلى حركية عامة للأرشفة (تشكيل, سينما, دراما, تأليف..) وهو ما يسمح بانبثاق وفرة فكرية تعيد إلى القارىء شيئا من تلك العلاقة المفقودة بالذاكرة الموجودة في صيرورة, ذاكرته وذاكرة العالم. الأمثلة وتجربة العُسر: لهيمنة الوسواس السياسوي عبر القطاعين الخاص والعام إعلاميا وتجريد الأشياء من بعدها الذاتي كمرابـط اختـلاف (Relais de différence) بعض آثاره الحاسمة على مسار القراءة , ولعل المثال لن يخون اختبار جدوى الطرافة بلغة مسترسلة تبحث دوما عن صيغ مُثلى لمواصلة الجريان. يطرح المبدع اللبناني إلياس خوري مشكلة مشابهة في كتابه "زمن الإحتلال" متسائلا بحدة عن مصير كتابة ممنوعة وسط حرب "وقودها النّاس والبراءة" يقول ص114 "هذا العجز شبه المطلق هو ما يجب التوقف عنده ومحاولة فهمه وتحليل أبعاده؟ كيف نتكلم عن الكتابة ونكتب دون أن يكون باستطاعتنا الذهاب إلى الأماكن التي يجري فيها الحدث, والكتابة عن مشاهداتنا؟ لماذا نكتب إذا كنا لا نعرف, أو إذا كنا ممنوعين من المعرفة؟"(2). يقترح علينا إلياس بابا ليست أقل رمزية من مثال الأستاذين الرضاوني وبنيس, فإذا كان المنع ههنا يتعلق بوضع غير طبيعي وسط طاحونة الدم والأشلاء, فإن الأهمية الخاصة بعدم اكتشاف موضوع الإبداع أي مصادره تشبه ولو بدا ذلك غير منطقي الحرمان الممارس على قارىء ينتظر تعريفا بكتاب أو تقديما لعمل, ونكون شاء السياق أو أبى أمام كبت (Frustration) يهاجم ذوقا في طريقه نحو التشكل أو يضيف إلى التأخر الملحوظ على مستوى رصد إيقاع المكتوب تاخرات تعتقل المواجهة الفكرية والحضارية وتحول نتائجها إلى جهالات وتشوهات.

فإذا كان القارىء غير قادر على معرفة رأي حول "تجربة العشق" للطاهر وطار الصادرة عام1989 أو "مصرع أحلام مريم الوديعة" للعرج واسيني الصادرة عام1984 أو أعمال روائي مثل محمد مولسهول "Le privilege du phe" عام 1989 أو "El-Kahira cellule de la mort" عام 1986, والأمثلـة تـكـاد تصبـح هاجسـا (Obsession) إذا ما دخلنا في لعبة حسابات لانهائية, كيف نتصور ما بعد هذه الحدود؟ ما هو المآل؟ إن فكرة بسيطة عن جانب جزئي من ظاهرة ضخمة لا تستثني الإشارة إلى ما يتأسس حولنا من خطابات في النقد والإقتصاد والفلسفة والسوسيلوجيا والأغنية والترجمة والمسرح, وكلها محكومة بحتمية القراءة أي بقوة أو ضعف العبور إلى ذاكرة حاضرة أو موجودة في حالة جنينية, ولن يكون للعبور من معنى إلا إذا تنفس بوصفه تراكما له صفة الأثر. يقترح علينا الباحث الفلسطيني إدوارد سعيد مدخلا أساسيا حول كيفية "انتقال النظريات". قائلا "تنتقل الأفكار والنظريات- على غرار الناس ومدارس النقد- من شخص إلى شخص, ومن موقف إلى موقف, ومن حقبة إلى أخرى. وعادة ما تتغذى الحياة الثقافية, والفكرية, على يد دورة الأفكار هذه, وتستمد منها أسباب الحياة والبقاء" فحرص من هذا المستوى على تشخيص فعالية وإجرائية دورة الحياة له نفس المعنى الذي للمواد التي من شأن الملاحق الادبية أان تحملها وتشتغل عليها. ولا شك أن العكس أي موات الحياة هو العملة الرائجة برغم كل هذا الكم الهائل من الصحف والمجلات, كمٌّ ينادي نجوم اللاعبين وأخبارهم, المطربين وأبارحهم وله في ذلك افتخاراته.



المراجع

موسوعة الأبحاث العلمية

التصانيف

تصنيف :الأبحاث