لم تكن مهمة المسجد محصورة في شيء واحد، ولا مقتصرة على أنشطة معينة، بل كانت له الريادة في كل مجالات حياة المجتمع، فمن المسجد تبذل الزكاة وتعطى الصدقة، فتسد الخلة، وتفرج الكربة، ومن المسجد تنطلق الأيادي البيضاء لإغاثة الملهوف، وإطعام الجائع، وإعانة العاجز، وهو ساحة التنافس والمسارعة إلى الخيرات،وإليك تصوير ذلك في مشهد مؤثر يعد أول حملة تبرع في المسجد، وذلك ما رواه جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر النهار، قال فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر بل كلهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالاً فأذن وأقام فصلى ثم خطب فقال: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ } إلى آخر الآية: { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } [النساء : 1]والآية التي في الحشر: { وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ } [الحشر : 18] تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من صاع تمره حتى قال: ولو بشق تمرة. قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء»[صحيح مسلم (2398)]، ولم يكن ذلك مقتصراً على الرجال بل شمل النساء كما روى ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ومعه بلال فظن أنه لم يُسمِعْ فوعظهن وأمرهن بالصدقة فجعلت المرأة تلقي القرط والخاتم وبلال يأخذ في طرف ثوبه) 2) صحيح البخاري (98)].
 

توزيع الصدقات على المستحقين:

كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام رضي الله عنهم يوزعون الصدقات في المساجد أو يديرون توزيعها على المستحقين منها، وهذا النبي صلى الله عليه وسلم يخرج مسرعا بعد أداء فريضة العصر يتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه، فيما يرويه عقبة رضي الله عنه إذ يقول: صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة العصر فسلم ثم قام مسرعا فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه ففزع الناس من سرعته فخرج عليهم فرأى أنهم عجبوا من سرعته، فقال: «ذكرت شيئا من تبر عندنا فكرهت أن يحبسني فأمرت بقسمته»[صحيح البخاري (851)].
 
وهذا أحد الصحابة يأخذ صدقاته ويؤم بها إلى من في المساجد من الفقراء والمساكين، فوضعها عند أحدهم ليجعلها عند من يراه مستحقا لها، فتقع في يد ابنه يقول معن بن يزيد رضي الله عنه بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأبي وجدي وخطب عليَّ فأنكحني وخاصمت إليه، وكان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها فأتيته بها، فقال: والله ما إياك أردت. فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «لك ما نويت يا يزيد ولك ما أخذت يا معن»[صحيح البخاري (1422)]. 
 

المراجع

موسوعة اسلاميات

التصانيف

عقيدة