الشيخ عادل بن سعد الخوفي .
لا أظنُّكِ تختلفينَ مَعِيَ في أن الزينة هي إحدى اهتماماتك، وأنَّها سلوك تتعاملين معه يومياً، وأنَّه كذلك يأخذ من فِكرك، ووقتك، ومالك الشيء الكثير، إلاَّ أن لديَّ سؤالاً مُلِحاً : أمرٌ بهذا التأثير في فِكرك، ووقتك، ومالك، من أين تتعرَّفينَ على مُتطلَّباته، والجديد فيه، ومَن الذي يُغَذِّيكِ به ؟
إنَّ الجواب الذي يتردَّد من بعض فتياتنا هو: (الموضة، أو الكتلوجات)، أو القنوات الفضائية المتخَصِّصَة، أو المشاهير من الفنَّانات والمطربات، أو المحلات التجارية وما تورِّده من بيوت الأزياء العالمية.
ألا ترين يا ابنة الكرام! أنَّه قد تم تغييب شَرعكِ المُطَهَّر عن هذه العناصر، غابت سيرة أمَّهات المؤمنين رضوان الله عليهن، غابت عادات مجتمعك المحافظ الكريم، وبرز شيئٌ واحدٌ يجمع العناصر الخمسة التي أشرتِ إليها؛ هو تقليد من لا ينتمون إلى دينك ، ولا يعتبرون بشريعتك، ولا يقتدون بنبيِّك الكريم صلى الله عليه وسلم، ولا يَهتَمُّون بما يحفظك ويسعدك في الدنيا والآخرة.
انظري لبنات جنسك: في حفلات الزواج، وفي الأسواق والمستشفيات، وفي المدارس والجامعات، وتأمَّلي هذه المظاهر في زينة المرأة؛ لتُحَدِّدي من أي الطريقينِ وَصَلَتْ إلينا: الزينة في الوجه ، ولبس الملابس الضيقة أو المفتوحة أو القصيرة أو الشفافة أو ذات الفتحات الواسعة، ولبس العباءة المطرزة أو المزركشة، ووضع العباءة على الكتف، ولبس السراويل (البنطلونات) الضيِّقة التي تَصِفُ ، أو تشِف .
إن ما نراه من معروضات في واجهة المحلات التجارية؛ لأمر يدعو إلى الحيرة والأسى، فقد باتت دور الأزياء العالمية، وآخر صيحات (الموضة)، تنسج لنسائنا وفتياتنا ما يخدش الحياء، ويُنافي العِفَّة، ويُثير الغرائز، ويدعو إلى الرذيلة، وكأنَّكِ حين تتأمَّلين هذه المعروضات، لستِ في ديار المسلمين، بَل إنَّنا لا نكاد نَنتهي من معروضات صيفِ عام كذا، حتى نَستقبل معروضات شتاء عام كذا، فنحن أسرى ما يخيطون، وأسواقنا غرقى بما يُصدِّرون.
لحد الركبتين تشمرينا ، بربك أي نهر تعبرينا
كأن الثوب ظل في صباح ، يزيد تقلصاً حينا فحينا
تظنين الرجال بلا شعور ، لأنك ربما لا تشعرينا
لقد اهتم ديننا الحنيف بزينة المرأة اهتماماً بالغاً، بل لقد جعل ذلك مما فُطِرَتْ عليه، وفيه تلبية لنداء أنوثتها : ( أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ) [1] ، إلا أن التحول الخطير الذي نراه هنا، هو تَغْييب تعاليم شرعنا المُطَهَّر، والجهل بأحكام الزينة واللباس، لِيُفسح المجال بلا قيود لما يَرِدُ من الغرب، وما ترتضيه من لَمْ تُقِم لشرع الله وزناً أو قدراً.
يا فتاة الإسلام، وابنة الكرام :
إنَّك امتداد لتاريخ طويل ، امتلأ عِزَّةً ومجداً، وفخراً ونَجاحاً، وعِفَّة وستراً، تاريخ سَطَّر أنقى سطور الشرف، وأسمى معاني المَنَعة، وأرق صفات الطهر والإيمان والسعادة والسمو، عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( كنت أدخل بيتي الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإني واضع ثوبي وأقول : إنما هو زوجي وأبي ، فلما دفن عمر رضي الله عنه معهم فوالله ما دخلته إلا وأنا مشدودة علي ثيابي حياء من عمر )[2].
وهذه أم سلمة رضي الله عنها، تسمعه صلى الله عليه وسلم يذكر الإزار، وأن المرأة ترخيه شبراً، فتُطالب بالزيادة، خشية أن تتكشَّف، تقول حين ذكر الإزار : ( فالمرأة يا رسول الله ؟ قال : ترخي شبرا ، قالت أم سلمة : إذاً ينكشف عنها ! قال : فذراعا لا تزيد عليه )[3].
وقد كانت الغيرة والعِفَّة سِمَة المجتمع المسلم، فهذه: " امرأة تقدمت إلى قاضي الري فادَّعت على زوجها بصداقها خمسمائة دينار، فأنكره، فجاءت ببينة تشهد لها به، فقالوا: نريد أن تُسفرَ لنا عن وجهها حتى نعلم أنها الزوجة أو لا. فلما صمَّمُوا على ذلك قال الزوج: لا تفعلوا، هي صادقة فيما تدعيه. فأقرَّ بما ادَّعت؛ ليصون زوجته عن النظر إلى وجهها. فقالت المرأة حين عرفت ذلك منه ، وأنه إنما أقر ليصون وجهها عن النظر: هو في حِلٍّ من صَداقي عليه في الدنيا والآخرة"[4].
إنَّ اللباس الساتر للمرأة المسلمة حِرْزٌ لها، ودليل عِفَّتها، وحيائها، وحشمتها، وهو حِصنٌ من أذى كلِّ مؤذٍ، ومن كل عين خائنة، أو نفسٍ خائرة، إنَّه حارس بإذن الله للعرض، وسبب لدفع الفتنة والفساد، وقبل هذا وذاك، هو مرضاة لله الذي أمرنا بكل ما ينفعنا في حاضرنا ومستقبلنا، قال الله الحكيم : ( وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ) [5].
عن النواس بن سمعان رضي الله عنه، أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً ، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة ، وعلى الأبواب ستور مرخاة ، وعلى باب الصراط داع يقول : يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً ولا تعوجوا ، و داع يدعو من فوق الصراط ، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال : ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه ، فالصراط : الإسلام ، و السوران : حدود الله ، و الأبواب المفتحة : محارم الله ، و ذلك الداعي على رأس الصراط : كتاب الله ، و الداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم )[6].
وَعَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : ( هَلْ تَرَكَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ دِينَهُمْ أَيْ حَتَّى عُذِّبُوا بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ كَمَسْخِهِمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ وَأَمْرِهِمْ بِقَتْلِ أَنْفُسِهِمْ ؟ قَالَ : لَا ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إذَا أُمِرُوا بِشَيْءٍ تَرَكُوهُ ، وَإِذَا نُهُوا عَنْ شَيْءٍ رَكِبُوهُ حَتَّى انْسَلَخُوا مِنْ دِينِهِمْ كَمَا يَنْسَلِخُ الرَّجُلُ مِنْ قَمِيصِهِ)[7].
هذه المعروضات ؛ ابتلاء من الله ، اختلط فيها الحلال بالحرام، والسُّم بالدسم، والخير بالشر المستطير، ولذا ينبغي لابنة الإسلام أن تُعمِل فِكرها، وتُرَشِّد عاطفتها، فتنظر إلى هذه الأدوات على أنها وسائل لا غايات، وأنها لا تُكْمِلُ نقصاً في ذاتها، فإنَّ الله أعطاها سبب الكمال؛ قال الله تعالى: ( وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) [8] .
وفي الحلال غُنية عن الحرام، وأدوات الزينة متعدِّدة الأشكال والأنواع، والبدائل كثيرة، ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا )[9] ، و ( الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ، فَمَنْ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى ، أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ )[10].
فاحذري أن تكون زينتك في الدنيا، مصدرَ شقاء لكِ في الدنيا والآخرة، وأن تشتري ثناء الناس عليك، بغضب الله ومقته، فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، ( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً فَقَالَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنْ الْفِتْنَةِ ، مَاذَا أُنْزِلَ مِنْ الْخَزَائِنِ ؟ مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ ؟ يَا رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الْآخِرَةِ )[11].
إنَّ أغلب ما يَرِد إلينا من أدوات الزينة، هي من مجتمع تختلف ثقافته عن ثقافتنا، ودينه عن ديننا، ولذا فمعرفة الأحكام الشرعية في الزينة واللباس، مطلب مهم لكِ ابنتي الكريمة والسؤال عمَّا يُشكل عليكِ، من خلال أهل العلم المُعتَبرين، مخرج لكِ من حرج المعصية، ومخالفة أمر الجبار عزَّ وجل.
وأختم بمسألة مهمة في هذا الشأن؛ وهي: أن تضعي زينتك في مسارها الصحيح، نعم هو أمر فِطري، فَطَرَكِ الله عليه، وأنه حقٌ أباحه الله لك، لكن ما ينبغي العناية به، ألا تغلب هذه المسألة على تفكيرك، فتصرفكِ عن الهدف الأسمى لوجودك، ألا وهو عبادة الله تعالى، ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ )[12]، وأن اهتماماتك يجب أن تَتَّسِع، لتشمل: المحافظة على الصلاة في أوقاتها، وبرِّك بوالديك، وصلة أرحامك، ومتابعة تحصيلك العلمي، وتنمية مهاراتك، وتوسيع ثقافتك، والقيام بواجباتك المنزلية.
وأخيراً : اعلمي أن هذا المال الذي بين يديك عارية استرعاكِ الله عليها، وهو سائلكِ من أين حصلتِ عليها، وأين أنفقتِها!؟ فإنَّ السَّرَف والمخيلة ما كانت في شيء إلا وكانت نفثات الشياطين، وغضب أرحم الراحمين.
------------
[1] : سورة الزخرف .
[2] : رواه الإمام أحمد، وصحَّحه الألباني رحمهما الله .
[3] : رواه أبو داود رحمه الله .
[4] : البداية والنهاية .
[5] : سورة الأحزاب .
[6] : صححه الشيخ الألباني رحمه الله . صحيح الجامع : 3887 .
[7] : حلية الأولياء .
[8] : سورة الأعراف .
[9] : سورة الطلاق .
[10] : رواه البخاري رحمه الله .
[11] : رواه البخاري رحمه الله .
[12] : سورة الذاريات .
المراجع
موسوعه المستشار
التصانيف
الحياة