تبدأ الليلة بسيكارة لكنها قد لا تنتهي بعلبة سجائر . هكذا اعتدتُ أن أُلاعب النوم بالسكائر المطفأة كل ليلة , بعد أن فارقت صديق الأعوام الثلاثين واكثر أرفع الغطاء عاليا ,جيدا , حتى أتأكد من انه قد غطى جسدي وراسي . لتزورني أطيافك وكلماتك فأحاول الهرب منها إلى اليقظة في عملية أغاضة للنوم الذي يهرب من جفوني. فأوشوش لروحي أنني سأنهض واصنع الشاي وأشعل السيكارة و ...و.......و.... النوم يدنو مني بخدر لذيذ, يداعب الوسن أجفاني وإذا أغمض عينيَ تعاود صورتك الظهور أمامي فافتح عيوني بسرعة كي اتاكد من ثبات الأشياء حولي وأعاود ملاعبة النوم ثانية أغمض عينيَ مجبرا وارضخ لاستعيد لحظاتك الأخيرة المرَة وأنت مستلق على سرير المستشفى فاقد النطق والحركة يمنعك جبروتك....من أن تبدو ولو لحظة في موقف الضعف. و أن تمسك بالقلم و تكتب ماتريد النطق به . لكن لماذا لاتمسك بالقلم و تكتب لي مايدور على لسانك دون أنا تصلني أحرفه بلغة سليمة مفهومة؟ ترفض أن ترد علي وتبقى عيناك تنتظران لحظات الإغماض الأبدي, مازالت روحك حتى الأنفاس الأخيرة عنيدة , رافضة , متمردة , مازالت الدروس الأولى التي تلقيتها من الملاّ"1" تقرع أذنيك لتستمر عذابات حياتك و أنت الرجل حقاً بينما وهي المرأة الضعيفة الخائفة اختارت اقرب الطرق كي تتخلص من حياتها وأبقى أنا جنيناً في أعماقها. النتيجة لديها كانت واحدة رغماً من الخيارات الكثيرة للوصول إلى نحبها, أن تزوجت أخاك فالفضيحة ستلم بالعشيرة وربما بالقرية والقرى المحيطة بها حين يكتشفونني جنيناً . وإن هربت مع حبيبها" والدي " أ؟أيضا, الرصاصة أو الخنجر ينتظران جسدها الغادر, لذلك قررت أن تنهي حياتها و تقضي نحبها منهيةً فضيحتها بيدها, فالموت يلبسها كما تلبس ثوبها, وأنا الآن لا أريد أن ألومك أو أقاضيك على الرغم من مرور تلك المدة كلها , فما أورثك إياه الملاّ لم يكن باستطاعتك أن تتخلى عنه أو تتراجع. و مما زاد الأمر تعقيد وصعوبةً وفاة أبيك وتسلم عمّك زعامة العشيرة, وهناك للزعامة أمور يجب أن تفرض هيمنته وسيطرته بان يطيع الجميع أوامره إلا يرفع احد نظراته بوجه الزعيم, فقرر زواج ابنته منك. كيف لا وأنت ابن عمها . ولكن كيف أوافق وأنا اعلم بعشقها لقريب لها. ثم حاولت بشتى المسوغات أن تبعد نفسك عمّا يرغبه الزعيم . حاولت أن أتهرب من الموافقة على ما يريده عمي " الزعيم " لتتحول هيمنته على أخي الأصغر لكن عبثاً كنت أقنعه بعدم الرضوخ لرغبة عمي إلا انه كان يسوغ ذلك بقوله: أنها عرضنا وشرفنا وعلينا أن نستر عليها. لكني اعرف طيش أخي وجنونه فهو سيقتلها مفتخراً بأنه غسل عاراً كان سيصبغ وجوه رجال العشيرة كلها. كيف اوجد الحل ؟ و كلمات أبي مازالت تتردد أمامي : إياك أن تطأطئ الرأس . دع روحك متمردة ضد الأعراف و قوانين العشيرة برمتها. لكن ما مصير تلك المخذولة ؟ انه يرتسم أمامي, جسدها يقطر منه الدم الغامق وهي مرمية على ارض قد ضاقت بجسدها الطفو لي, فالعشيق عشيقها رحل بعيداً بعد أن رُفض طلبه الزواج منها عدة مرات و العذر انه ليس بأبن عمها المباشر , وهي تتوارى بجسدها لكن فضيحتها تزداد نمواً , هل أكون أنا من قد عجل بقتلها ؟ موتها, انتحارها, كيف لي أن أتزوجها وأنا اعلم أن كل مسام جسدها تختلج شوقاً و حباً لرجل آخر سواي ؟ كيف اقتل قلباً نبض وخفق مرة وأعلن التحدي ؟ والأبشع من كل هذا كيف أسجل طفلاً على اسمي وهو ليس مني ....ولو انه قريب لي.... لكنها .... ابنة عمي كانت الأقرب والأسرع والأقدر منا جميعاً على اتخاذ القرار حين صبت الكيروسين على جسدها وأشعلت عود الثقاب, لكنها ولخشيتها على الجنين وليس على روحها التي بدأت النار تستطعم لحمها هرعت إلى وسط الدار تستنجد وتصرخ: هوارى, هوارى,هوارى "2".وكان صراخها المدوي يشق سكينة المكان, إلا أن النار كانت أسرع منا جميعاً مثلما هي صاحبة هذي النار التي التهمت اللحم البض و القلب النابض والأحلام الجميلة و العشق الذي داهمها ذات مرة إثر سهرة في تلك الأراضي المشرفة على السهل فاستسلمت مع ضوء القمر الفضي , وكانت تلك الليلة بحبها الفضاح . رفضت أن يرافقها احد حين قررت أخذها إلى المدينة لإسعافها. اليست خطيبتي ؟ الست الوحيد الذي يعلم بحملها أنا وأمها المسكينة المغلوبة على أمرها ؟ لقد أسرّت لي بذلك حين حاول أبوها أن يجبرني بالزواج بها فطلبت لقائي سراً, وكيف أنسى ذاك اللقاء حين ارتمت على كتفي ليست أما ولا حبيبة ولا أختا ولكنها إنسانة , أنثى ظُلمت لأنها أحبت و صدقت . انتحبت بذل ولوعة ومرارة وطلبت أن لا أوافق على طلب أبيها فهي لاتريد لي المهانة و الغبن . لكني شددت على كتفها, أنني معها. في المستشفى قلت: أني زوجها وهي حامل بطفلي ولم تستطع تدارك النار التي اشتعلت بثوبها ثم بجسدها, قال الطبيب : قد بلغت حروق جسدها درجة كبيرة لكننا سنحاول قدر الإمكان الإبقاء على حياة الجنين و كمحاولة لإرضاء روحها "التي ألقت بها للنار لكنها حين شعرت بجنينها يرفض أن تأكل النار حياته وحلمه استنجدت بي " وهاأنا ذا أوافق لكن اشترطت على الطبيب أن يبقى أمر الجنين سراً بذريعة: كي لا يأخذه أهل زوجتي مني. لكنه يحتاج إلى حاضنة ليكمل أيامه. رضخت مرغماً وحين استلمت الجثة رافقتها إلى القرية وحدي . شعرت بها تنام بعمق بعد أن ارتاحت من الحيرة التي أكلت عينيها و جسدها . ها هي تغفو وحيدة, عارية, لا تخشى علوا بطنها ولا حروق الجسد, حزمت صرة الثياب واتجهت معلناً الرحيل دون عودة أبدا إلى تلك الديار لتستمر الرحلة إلى هذه اللحظات. فأنت الآن شابا وستفهم ما قصصته عليك. اطلب لروحها المغفرة و الرحمة . هي ماتت, لكن والدك مازال حياً وأخاله يعتقد انك احترقت في أحشاء أمك. فلا يجرؤ على السؤال عنك أي فرد من العائلة وأنا بغربتي الطويلة أخفيت كل ما يتعلق بك عنهم . أنت دوائي ودائي وداؤود " داوي " ابني وابن أختي . أنهى حكايته وراح في غيبوبة مرضيّة , دامت اشهراً ليزفر بعدها آخر أنفاسه وهو مرتاح الضمير. وقد أدى الأمانة , أفشى السر ليتركني العب لعبة النوم والنار, كل ليلة فانا أحاول أن استعيد طقس أمي الليلي حين أشعلت النار بجسدها, استعيد حروقها, واستمع إلى صوتها, يصرخ بي وسط السنة النار, وتمد يدها إلى أن اسمع صراخها: آآآآآآخ لِمن آ...... خ .....لِم.... ن "3" وتذوب أحرف كلماتها في النار التي صهرتها وحرمتني منها, وأنا يا أمي..........؟ أيحق لي أن ألومك ؟ أحاسبك على عشقٍ فتك بكِ وبي ؟ أم اعتب على من تولى تربيتي و تعليمي ! وتحمل مشاقاً لاتنتهي ليوصلني حتى هذا العمر, ويجلسني أمامه كل ليلة يسكب الشاي ويدخن, ويتحدث تارة, ليمسح دمعة انحدرت حتى شاربه الأسود.قصة امتدت ثلاثين عاماً علمت من خلالها إننا غرباء قادمون من ارض بعيدة, داهمها الحرب لتشتت أسرته. ولحرصه علي بعد أن توفيت زوجته " أمي " هرب بعيداً عن الحرب, هكذا كان يخبرني, انه مشتتون ضالون لا يعلم أحدهم أخبار الآخر . لكنه الآن يخبرني بصدق قصتي التي لا يشابهها إلا تصرفي الناري. فأنا كل ليلة أُطعم النار بعض الأوراق وعلب الدواء والسكائر لأجري محرقة أمامي من نوع خاص .
"1" : الملاّ : هي مرتبة دينية عند" الأكراد " أي الشيخ
"2" : هوارى : مفردة باللغة الكردية تعني ياويلتي .
"3" : آخ لِمن : مفردة باللغة الكردية تُقال في حالة الحزن والقهر .
المراجع
موسوعة القصة السورية
التصانيف
الادب