صرخت به: أنه قلبيا أرجوك لا.. ديرسم لا .
ومددت يدي، لأبعد يده عن عنقي، ويدي الأخرى تتلمس مكان الدم الذي بدأ ينزف من عنقي، أصرخ
ديرسم ! أصرخ ويدك مازالت تريد المزيد من دمي النازف لا . لا . واستيقظت مذعورة وأنا مازلت أصرخ بك وأمد يدي لإبعادك ! حاولت أن أتبين الوقت، لكنَّ الستارة المسدلة تزيد من عتمة الغرفة، أيعقل أن أكون قد غفوت كلَّ هذه المدة ؟ فمنذُ الثانية عشر ظهرا، وأنا ملقاة على سريري، أجل أيعقل أن يكون الليل في ساعاته الأخيرة ؟ أشعلت الضوء لأتبين الوقت يا...
إنها الثانية صباحا مددت يدي أتلمس عنقي لازالت السلسلة الذهبية معلق فيها تلك القطعة الملونة بـ( كصك وصور وزر ) تلفت لأنظر حولي ، كانت هناك أشياء مبعثرة ، صور أشرطة ، أوراق كثيرة قد كتبها ( ديرسم ) أرد ت الخروج من غرفتي كي أتنفس الهواء ، فبرزت جمجمتك المعلقة تحت الضوء كأنها تسألني أين تذهبين ؟ والعبارة التي خطتها يدك : ( حتى جمجمتي تصرخ : أحبك يا علم بلادي ) أردت الخروج لكن تمنعني عيون أبي وأمي اللتان تنظران إليَّ ربما شفقة أو حيرة ، فوالدي قد التقى بدير سم قبلي وعرف قراره قبلي أنا بل وشجعه : لا أريد لأحد من أهلي أن يرى تلك الحالة التي شاهدوني حين عدت ظهرا ، انهمار دموعي ، حزني ، كنت أسرع بالخطوات كي أصل سريري ، أرتمي عليه أبكي بلوعة من فارق أمانيه وشاهد تبعثر الحلم وشظايا زمن مضى تجرحه .
أبعدت الورقة والشريط الذي كان يغلف هدية ديرسم لأجد صورا قد جمعتني معه وشريطا قد سجله بصوته فيه أغانيه الأثيرة لديه ، لقلبه ، وأوراق عدة بخط يده ، وما فاجأني هو صورة شعاعيه لرأس ، مؤكد أنه رأسه رأس ( ديرسم ) قمت بتأطير الصورة وعلقتها تحت الضوء بطريقة طبية . هذا الاعتكاف أو الحصار الذي أرغمني عليه ديرسم أم أنني أنا من أرغم نفسه عليه ، فقد دخلت غرفتي وأنا أنوي أن أهرب من عالمي الآخر هل نويت أن ..؟ ربما أحاسب نفسي أو ... ربما أعاقبها، أو ربما... أشحذ همتها وصبرها على الانتظار ( فدير سم لم يكن طائشا أبدا ولم يكن يخضع لأية إغراءات أو وعود حين قرر هذا الرحيل فقد لمست ذلك في أعماقه من خلال علاقتنا التي امتدت لخمسة أعوام متتالية ، كانت معرفتي به سطحيه إلى أن جاء اليوم الذي تسلم فيه ديرسم مهمة قيادة الاجتماعات بنا ، فقد كنا رفاقا تجمعنا مبادئ وأفكارا عدة ، وأرضا واحدة ، تبعثرت فهو ليس أهوج حتى يتخذ قراره بهذه السرعة ، مؤكد أنه منذ زمن طويل ويحسب له ويفكر به ، وهذا ما أعرفه عنه خلال اللقاءات التي كانت تجمعه بوالدي ، والده الذي كان يوكل إليه بعض المهام ليختبر قوته وصبره ، كبر ديرسم وكبرت مهماته ، كثيرا ما كان يردد أمامي : لا تترددي ولا تتورعي عن انتقادي وتقريعي لأن هذا تحديدا سيفيدني أكثر وهناك أشياء كثيرة يا( مها باد ) أكبر من همومنا أحلامنا الصغيرة المتواضعة ، هناك حلم بوطن وأرض واحد ة يرفف عليها العلم الجميل بألوانه الزاهية ( قوس قزح ) وحين أهمس لأبي بذلك يروح أبي ليحدثني عن ديرسم وأهله وفجيعتهم ، ويقول بتنهدات كانت توجع صدره : يا ابنتي نحن ولدنا هنا ، وكبرنا ، توارثنا البيت ، الأرض ، الهوية ، النسب ، ولم تحرق أرضنا أمامنا بمحاصيلها ولا تهدم لنا بيوت نحن بنيناها ، ولم نرحل عنوة عن قرانا ، والرصاص في قلوب أولادنا وأقاربنا ، ويكمل والدي الحديث عن ديرسم وعشيرته ، وكيف شردت ، وعملت بوحشية ، وترحل روحي مع ذكريات بعيدة عشتها مع ديرسم الذي كان في أية مناسبة تجمعنا يغني أغنيته المحببة لقلبه .
الآن عرفت لماذا كان يؤديها كأنَّها صلاة يغنيها بوله صوفي تذوب الروح مع رقة كلماته ونغمات العود كانت كلمات الأغنية :
( لنا بيت بنيناه بأيدينا
سهرنا الليل نرعاه
زرعنا فيه من أحدا قنا وردا
وخططنا على جدرانه الوجدا
ولم جاءنا الصبح ...هدمنا ودسنا ما زرعناه
وكان سيد البيت حبيبي ... آه ما أحلاه ... | | )
الآن فقط أعذر لك حزن عينيك ، وجهامة ملامحك وصعوبة القرار الذي اتخذته ، كنت في البدء مثل ما هو حال أي فتاة تلاحظ عينيّ من يهتم بها فأكثرت من قراءاتي المتعددة ، وحواراتي ، أسئلتي مع أبي كي أتزود من أفكارهم ، أعيش محنتهم ألتزم أكثر و أنشط أكثر في المهمات التي تسند إليّ ، وذات يوم بعد أن انتهى اجتماع ( ديرسم ) بنا ، ونحن نهم بالخروج ووسط الأصوات التي تعالت أتاني صوته : طالباً مني الانتظار قليلا ، لنستغرق أكثر من ساعة ، وأكثر لم يقل لي أيًّ كلمة خارج موضوع الاجتماع ، لكني بحدس الأنثى فهمت شوقه ، فلقد كان بجدية أخرى ، وحديث مختلف تماما ، ومن يومها تتالت اللقاءات ، ورغم الحزن والتشتت فقد عشقته ، عشقت حلمه ، حزنه ، عشقت تلك السلسلة التي لا تفارق أصابعه بألوانها التي أعرفها كما أعرف لون دمي ، لكن لماذا اختار ( ديرسم ) اليوم تحديداً ليلتقي بي ، وينهي مشوارنا الذي بدأناه منذ زمن ، هل ليجدد الزمن ؟ أم ليقتل الانتظار ويغلفه ضد صدأ الأيام القادمة التي سيكتب فيها الحزن عليًّ .؟ هذا ما أكده هاتفه الليلي حين أتاني صوته متحشرجاً يريد لقائي في صباح اليوم التالي...
وصباحاً خرجت حسب الموعد الذي حدده لي ، التقيته في سيارة وهذا الغريب في الأمر ، كان جالساً في المقعد الأمامي قرب السائق ، فتح لي الباب الخلفي لأصعد .
-صباح الخير- قلتها بصعوبة
-صباح النور: رد هو والسائق معاً . انطلقت السيارة وأنا أنتظر التفاته منه ، أو كلمة أو نظرة ، لكنه بقي يتابع ذوبان الإسفلت تحت عجلات السيارة ، انتظرت وانتظرت كثيراً ، والسيارة التي أجهل وجهتها فقد خلفنا المدينة وراءنا ، لم أتمالك نفسي أكثر فسألت ديرسم :"Eme Herin Ku. " إلى أين سنذهب . .
سألته بلغتنا كي لا يفهم السائق حيرتي إلا أنَّ السائق نظر إليَّ من خلال المرآة مبتسما فعرفت أنه من أحد معارف ديرسم الذي التفت إلي فشحت ابتسامتي الصغيرة ، لتتحول إلى شرود مع ديرسم ، ووضعه ، إنه يخبئ شيئاً في صدره ، يخفيه عني ، تذكرت أول لقاء لي معه وأول ضحكة سماوية انطلقت من حنجرته ، أخذتني أحلامٌ كثيرة ، وكبيرة ، لبيت يجمعنا وطفل يحمل دماءنا ووطن يلتم بقراه التي تناثرت ومدنه ، كان مجرد أن أردد اسم ديرسم تبتسم لي الدنيا وتأخذني إلى الجبال البعيدة ، لقد شجع والدي ارتباطي به ، بت لا أخشى ذكر علاقتي معه بل أعلنها بشيء من النشوة والفرح ، أمام أهلي الذين يحترمونه ، ويحترمون أهله ، فقد كنت أخطو معه بثقة ، دون خوف ، كانت تلك الأيام أجمل ما سأبقى أذكره منك يا ديرسم خلال عمري القادم .
لقد كنت حلقة الوصل بيني وبين كلّ ما هو حي ونابض ، قطع شرودي دخان سيجارة ديرسم ، إنها المرة الأولى التي أراه يدخن فيها ، فهو لا يتعاطى الخمر ولا يدخن ، وكثيراً ما كنت أستفزه قائلة : كيف تحيا دون دخان وخمره ونساء . راقبت عصبيته وتوتره ، وهو يمسك السيجارة ، وذقنه التي طالت خلال هذه المدة . والشيب الذي بدا واضحاً . أي سرٍ تخبئه في صدرك يا ( ديرسمي ) الجميل ؟ توقفت السيارة معلنة الوصول . تلفت حولي لا بيوت ولا أشجار ولا أيُّ شيء يدل على معالم الحياة هنا في هذه الأرض القاحلة. ترجلت من السيارة وأنا ألحق به فقد أخذ بيدي ومشينا ، بخطوات حتى بان الفرات صغيراً وبضع أشجار مبعثرة ، جلس ( ديرسم ) وأجلسني أمامه . بتُ معه وجهاً لوجه قال : أتينا إلى هنا لأذكركِ بأول رحلة قمنا بها حين قرر الرفاق الاحتفال بعيد ( النوروز ) فيه ، تذكرين النار أول دبكة تشابكت خلالها أصابعك مع أصابعي ، مدّ يده ليمسك بيدي . هنا تشربين من الفرات قبل أن يشرب منه أي كائن قبلك في المدينة ، هنا تشربين نخب . وصمت . . . . ليعيد ترتيب الكلمات ، تشربين نخب الهمسة الأولى ، واللمسة الأولى ، والفراق الأخير ، تسارعت نبضات قلبي ، شدهت عيناي وهما تتعلقان بعينيه طالبة المزيد من التوضيح بينما عيناه تبحثان عن مكان آخر تخبئ فيه نظراتها .
مها باد: دعيني أكمل حديثي قررت أن أحقق رغبة أبي المرحوم بالمهمة التي كان يحلم بها لولا المنية التي كانت أسرع من حلمه، فقد جاء كل شيء بعد دراسة طويلة، حسبت فيها الأمور بتبصر وحكمة فهناك بلادٌ
تنتظرنا، متناثرة، أشلاء دولة كانت تبحث عن أجنحة تنام تحت فيئها، ولأنكِ مثلي، من دمي، ولفتي، ستفهمين. ضعي الحب والعواطف جانبا .
مها باد: ومد يده لتتوجه عيوني إلى وجهه، الأرض بحاجة إلي، ولكِ ولكل من تناثروا بعيداً، بحثاً عن الأمان والاستقرار ! ، لا تجيبي الآن ! ، اسمعيني فقط ولكِ الأيام الآتية فكري فيها، فأنا مثلما أعشقكِ، وتحشرج صوته، فللمرة الأولى يفصحُ عن أحاسيسه ولكن أي أو متى. . . آه . . . ؟ | وهذا التراب الذي بنهال على روح أيام طويلة ، جمعتنا . هي الآن تتوارى تحت التراب ، ما أريده أن تتماسكِ أكثر وتبقي بحماسك ونشاطكِ وروحكِ الطيبة المعطاءة التي عهدكِ بها , فأنا قررتُ أن أحقق حلم أبي في تلك البلاد
صحيح أن المهمة صعبة لكن ليست أكثر صعوبة وقسوة من رؤية تلك الجبال، تلتهمها النيران وتخترقها قذائف الأعداء، لقد سُرقنا وحُرِمنا وتشتتنا في أصقاع العالم كله، نحن لنا أرض ولغة لكن لا علم تستطيع أن نغرسه فوق أي أرض نختارها. مها باد : وانتصب واقفاً مثل سيف بتاراً ليمسك بيدي كي أقف معه أمامه . وقفت ألملم تبعثر جسدي وانهياره الذي زاد أمام دموع ( ديرسم ) : أي مرادفة في كل اللغات تساوي دموعه أية حجج أو تسويفات أقنع فيها حزني المفجع والمخنوق مثلما هي ديارنا المثكولة والمؤودة هناك . ضمني لصدره بقوة وراح ينتحب وكأنني العلم الذي سيزرعه هناك ويخشى ضياعه ، وتسربه مع دموعه ، زفر بقوى قائلاً : قد أعود وقد ؟ .
غطيت فمه بأصابعي لئلا ينطق بمكروه . لكنه أكمل :إذا بقيت حياً ستصلكِ أخباري بالتأكيد وإذا . . .
لكنه لم يكمل طأطأتُ رأسي الذي أثقلته الدموع . مد يده إليَّ بعلبة صغيرة قد غلفها بأوراق وشرائط ملونة كان قد حرص على أن تكون ألوانها كألوان القطعة التي يحملها في السلسلة التي لا تفارق يده ، أخذت العلبة منه تاركه يده تبعد وشاحا عن عنقي ليرى إذا كانت السلسلة الذهبية مازال معلقا فيها القلب الفارغ ستبعديه عن عنقكِ . . ؟ ألم ترددي أكثر من مرة : أن القلب الحقيقي أصبح فيه نبض آخر وحلم أكبر ، وكأنني أعلم بمصير هذا القلب الذي سيدوم فراغه منك يا ( ديرسم ).
هززت رأسي دون أن يعلم ماذا وشوشت لروحي . أخرج القطعة الملونة بألوانها القوس قزحية المفرحة ووضع القطعة المعدنية في السلسلة الذهبية وعلقها على عنقي بعد أن أخذ قلبي الفارغ الصغير ، وابتعد ليرى السلسلة على عنقي : كم هي رائعة على عنقكِ الذي يزيدها جمالاً . علق بابتسامة يشوبها الحزن ، أمسك بكتفي ، وبدأنا نمشي وهو يحدثني : عن أناس كثر رحلوا مبتعدين ومخلفين ورائهم أطفالاَ جياعاَ وعراة ، وقرى تتهتك وتباد ، بوحشية ودمار هناك نسوة " البيشمرغا " تضيع مع أسلحتها ، وحدود الوطن المبعثر المشتت هناك أطفال يأكل عيونهم الذباب الفج سالباً طعامهم ودوائهم وطفولتهم .
عاد السائق حسب الموعد الذي حدده له ( ديرسم ) ، ديرسم الذي فتح لي باب السيارة الخلفي وقال : اصعدي
وأنت ؟ سألته ـ فأجابني : أنا من هنا سأنطلق في مهمتي ، ومد يده ليصافح السائق ، ويودعه ثم ليصافحني مصافحة الغرباء ، وقد كست وجهه لمحة أسى وفجيعة ، آتية ، أشار إلى العلبة أن : احتفظي بها جيداً افتحيها ، اسمعي الأغاني اقرئي الأوراق فقد أعود ذات يوم وأطالبك بها ، هاهو مرة أخرى يزرع في أيامي
القادمة بذار النبات الذي يتسلق للغد انتظاراً ولهفة .
وهل عاد الذين رحلوا من قبل . . ؟ هل عاد خوشناف وآزاد وبهزاد ونوشين . أغلق باب السيارة وكأنه أمن علي الإغلاق في صندوقي الخشبي انتظرت أن ينطق شيئاً ، لكن عيناه كانت تحملان إليًّ صورة القاضي محمد ، الجبال وأنهار الوطن وعزيمة ذلك الشيخ الذي ورث حب الزراري أباً عن جد ، إلى أن قضى نحبه بعيداً عن خريطة الحلم، استعرضت في عيون ديرسم أسرار طيور القبج والحجل ، وورود المكان الرائع الذي يهدده الخردل وحبر المؤامرات والمؤتمرات وأنا . . . يا ( ديرسم ) . حبنا ، طفلنا ، بيتنا ، غدنا ، جبالنا ، ألواننا القزحية . وبين كل ذلك انهرت باكية فما كان منه إلا أن أبعد يدي عن عيوني وقال : تماسكي فمنك أستمد القوة والصبر . . . |
فما كان مني إلا أن اختصرت الأعوام الخمسة وكلّ الجمل والحكايا والأحلام ، وقلت له ما كنت دائماً أردده على مسمعه وكأنني أضع طوق الأمانة بين عينيه قلت :
" Ez BE`YITe Be’KeSiM "
وأغلقت الباب ، باب السيارة جيداً ليعود بي صديق ( ديرسم ) إلى بيتي وغرفتي التي آوت فجيعتي الأولى وحلمي الأخير
المراجع
موسوعة القصة السورية
التصانيف
الادب
مقالات قد تهمك
-
الكاتب, د. عدي فائز العلوش-السعودية
-
الكاتبة, فاطمة الفلاحي-العراق حظر تجوال
-
الكاتب, حسن حميد-فلسطين حمّى الكلام!!
-
الكاتبة, د. لمى نور الدين محمد-أميركا أسرار جنسية: الجزء الأول (رجوى)
-
الكاتب, د. عيسى بن ضيف الله حداد-فرنسا
-
الكاتبة, وفاء عبد الرزاق-العراق الظل
-
الكاتب, وديع العبيدي-العراق معجزة صغيرة
-
الكاتبة, سحر سليمان-فرنسا دخول الروح
-
الكاتب, زهير الشلبي-قبرص صراخ في الحميدية
-
الكاتب, ضمد كاظم وسمي-العراق المكافأة
|