عبد الله بريمي
في سنة 1981 نظمت جمعية هيغل في مدينة شتوتغارت الألمانية ندوة محورها “كانط أم هيغل؟” ويبدو أن سؤال المقارنة هذا (اختيار واحد من اثنين ) يبدو محرجا وضروريا في الوقت نفسه، محرج لأنه لا أحد يفكّر في التخلي عن أحد القطبين. وضروري لأنه يجعلنا نعيد طرح السؤال الموالي أفلاطون أم أرسطو؟
إن هذا السؤال أساسي ومشروع مادام الفكر الفلسفي يعطينا الحق في القول أيّ من المفكرين على صواب؟ إن لم يكن كليا فعلى الأقل في نقطة محددة؛أين يتفقان وأين يختلفان ؟

تجرّنا هذه المقارنة إلى الحديث عن أبرز مفكري الاتجاه الهرمينوسي الحالي گادامير وريكور على غرار ما كان عليه هوسرل وهايدغر بالنسبة للتقليد الظاهراتي/ الفينومنولوجي. لذا سيكون لا محالة من المسموح به، التفكير فيما إذا كان المفكران معا يتقاسمان تصورا مشتركا عن الهرمينوسيا.

إذا كان گادامير وريكور منخرطين في التقليد الهرمينوسي المنحدر من شلايرماخير وديلتاي وبولتمان وهايدغر ،فإنه انخراط قد تمّ بدرجات مختلفة وبمقاصد ومرجعيات متباينة. فقد كان همّ گادامير هو السعي إلى تطوير هرمينوسيا فلسفية للعلوم الإنسانية؛ أي إنتاج تأمل فكري يعيد الاعتبار لمفهوم الحقيقة. إن فكرته العميقة هذه تظهر أن مفهوم الحقيقة لا يمكن أن يفهم إلاّ انطلاقامن فكرة المنهج. لهذا السبب فهو يختلف مع ديلتاي فيما يتعلّق بتصور هذا الأخير الميتودولوجي والمنهجي للهرمينوسيا.

فالهرمينوسيا ليست “منهجا للحصول على الحقيقة”، إنها ،في نظر گادامير ، ليست منهجية للعلوم الإنسانية ولكنها محاولة من أجل فهم ما في الحقيقة (..) وما يربطها بكلية تجربتنا في العالم”. فهي تقوم على استراتيجية تنفلت من المنهجية، إذ تقوم باستدراج الوجود إلى اللّغة لتستطيع الإمساك بالكائن وفكره من خلال إشاراته، وعلاماته وإحالته داخل عالم اللّغة أي عالم النّص.

إن نقد گادامير لهذا البراديغم أوالأنموذج المنهجي/ الميتودولوجي استقاه بالتأكيد من أستاذه ومُلهمه هايدغر حتى وإن لم يأخذ عنه كل أفكاره في هرمينوسيا الكينونة أو الهرمينوسيا الأنطولوجية،فقد تعلّم منه أن الفهم والتأويل لا يتجسّدان ويتحققان في الوهلة الأولى داخل مناهج العلوم الإنسانية ؛ولكنهما يخصصان ويميزان نمط كينونة الوجود الفعلي، كينونة لا يمكنها سوى أن تتجه نحو الوجود عبر مشاريع الفهم والتوقعات التي تملك صلة وثيقة بسياقها وشرطها التاريخي. إن هذا البحث الذؤوب والحثيث عن الفهم هو الذي جعل العلوم الإنسانية،حسب گادامير، تسبح في: التاريخ، والآدب، والفلسفة، وتاريخ الفن واللاهوت. إننا دائما أمام حضور ذات تبحث وتسعى باستمرار إلى فهم ذاتها وعلى نحو متعدد. فلا حرج إذن من الاعتراف إن كانت العلوم الإنسانية تولّي أهمية قصوى لموضوعاتها. إنه على الأجدر الذكاء الميتودولوجي الصّرف للحقيقة الذي يسعى لاحتواء اهتمامات المؤول،ويغيّب كل إسهاماته المعرفية.

إن هذا التصور قاد گادامير ،من جهة، إلى إيلاء أهمية خاصة وإعطاء قيمة تثمينية لمفهوم الحكم المسبق وكذا دوره في بناء الواقعة، ثم الاهتمام بتاريخانية الفهم من جهة أخرى . فالمؤول لا يمكن أن يفهم قطعا،إلاّ إذا سقط في شكّ ما أراد فهمه،وعبر ما أسماه الهرمينوسي الألماني گادامير “اندماج الآفاق” بين المؤول وموضوعه. فالفعل التأويلي، هو حوار متجدد بين الماضي والحاضر، وهو حوار يقوم على آلية الفهم العميق للنص. بهذا الفهم تصبح المهمة الحقيقية للهرمينوسيا، حسب گادامير، هي تجاوز اغتراب الوعي الإنساني سواء كان موضوع هذا الوعي هو الفن أو الدين أو التاريخ، أو أيّ ظاهرة إنسانية تحتاج إلى الفهم والتأويل لتصبح مألوفة في عالمنا.

إن هرمينوسيا گادامير تأخذ منحى فلسفة كلّية وشمولية للشرط اللغوي في علاقة الذات بالعالم،بتأكيدها على أن كل فهم إنما هو بيان وكشف للغة، بل إن الكينونة هي الأخرى صناعة لغوية. وبعبارة أخرى نؤكد إن الهرمينوسيا تعني التفعيل الحقيقي للكينونة أي كينونة الإنسان فى هذا الكون . وكل فهم متكامل وجديد يحقق للإنسان الحرية الذهنية، ويضع الشروط الصحيحة لتأويل وفهم العلاقات الداخلية والإحالات وغيرها من مضامين النص وكل الوقائع الإنسانية. وكل تأويل لا بد أن يحصّن نفسه ضد سطوة الخواطر السحرية ومحدودية عادات التفكير غير الملحوظة،ويسلط بصره على الأشياء المعنية .

وكل من يريد أن يفهم نصا ما أو أيّ واقعة لغوية أو غير لغوية،يرسم دائماً مسارا؛أي يختط لنفسه معنى مسبقاً للنظر في كلية النص وهويته. ومن خلال هذه الاستراتيجية المسبقة تُراجع وتُصحح كل الأحكام التي تصب فى المعنى عبر التوغل المتواصل فى النص. وهذه الدائرة تدلّ على أن مراجعة الاستراتيجية المسبقة تفتح لنا إمكانية وضع استراتيجية جديدة فتتأكد وحدة المعنى عبر فعل القراءة . إن ما أسميناه استراتيجية هنا، هو ما تتضمنه الوظيفة النظرية لمفهوم الدائرة (الحلقة) الهرمينوسية، وهذا المفهوم هو ما «يشرح -نظريا- كيف يمكن للنص أن يحافظ على معنى ما دون امتلاك شروط الحقيقة» . فلا يتأتى هذا التناسب إلا داخل لعبة الدوران أي من خلال الانتقال خارج سياج السكون، خارج النقاط التي تخلفها آثار المعنى المتولدة من نماذج العلاقات والقيم الدلالية والسيمائية. وينحو بنا نص غودمان نحو تعريف يقارب مفهوم الدائرة الهرمينوسية «حيث يبدو أنَّــا ندور في حلقة، لكن لا يعني هذه المرة حلقة مفرغة (..)، نُعدِّل قاعدة إنْ هي أنتجت استدلالا لسنا مستعدين لتقبُّله، ونستغني عن استدلال إنْ هو اخترق قاعدة لسنا مستعدين لتعديلها» . فالدائرة تعمل وفق الاستعداد الذّاتي للتعديل، لتبادل الرؤية بين المعنى وشروط الحقيقة، مع شروط التفاعل بين الذّات القارئة وموضوع القراءة.
إن هذه الهرمينوسيا تنشُد وتشيّد في الآن نفسه طموحا إلى الكلّية والشمولية التي تترك خلفها الأنموذج الميتودولوجي لهرمينوسيا العلوم الإنسانية. ويمكن أن نقول بإعجاب إن گادامير قدّم مشروعه الهرمينوسي في كتابه المعلمة “حقيقة ومنهج” وهو مشروع شكل نقطة انطلاق للعديد من المناظرات الفكرية الضحمة سواء تلك التي كانت مع أوضدّ ونقصد هنا تناظره مع يورغن هابرماس وجاك دريدا وإميليو بيتي وهانز روبر ياوس….

في المقابل يصعب علينا أن نتحدّث عن مؤلّف نموذج واحد عند بول ريكور ، فتصوره الفلسفي وبالتالي الهرمينوسي كان نتاج العديد من الأعمال الفكرية بدءا من “فلسفة الإرادة” 1950 وانتهاء ب”مسارات الاعتراف” 2004.لهذا سيكون من غير المنطقي التحدّث عن تصور واحد للهرمينوسيا لأن هذا الأخير وحسب اعتراف ريكور نفسه، قد عرف تحولات وتطورات عدة ويكون صعبا والحالة هذه المقارنة بين گادامير وريكور، لأن السؤال الذي يواجهنا من حين لآخر يتبدّى على النحو الآتي : عن أيّ ريكور نتحدّث ؟ هل نتحدث عن ريكور صاحب هرمينوسيا الرموز؟ أم ريكور الذي استثمر وطوّر أفكاره في قراءاته الفاحصة والعميقة لكلّ من فرويد والبنيوية ؟أم ريكور صاحب نظرية الاستعارة والحكاية والهوية بوصفها نمط علاقة مع الذات التي تفترض آخرها Ipséité ؟ وبعبارة أخرى هل هو ريكور التأملي أم ريكور الظاهراتي أم ريكور الهرمينوسي؟

مما لا يقبل الشك إن ريكور جاء إلى الهرمينوسيا من طرق تختلف عن تلك التي جاء منها گادامير. فريكور في الأصل،لم ينطلق من ديلتاي أو من هايدغر بل كانت منطلقاته المرجعية والنظرية مستقاة من التقليد الفرنسي للفلسفة التأملية la philosophie Ré?exive التي تعود إلى رافيسون لاشولييه وبيرغسون . وقد عرف ريكور هذا التقليد عبر كتّاب أمثال جون نابير وكابرييل مارسيل وإيمانويل مونييه. يقول ريكور : «إني أنتسب إلى واحد من الاتجاهات الفلسفية الأوروبية التي ميّزت نفسها بمحموعة من الأوصاف : فهي فلسفة تأملية وفلسفة ظاهراتية وفلسفة هرمينوسية. فالأولى(التأملية) تركّز على الحركة التي يحاول من خلالها الفكر البشري العمل على استعادة قوى التأثير والتفكير والإحساس، وهي قوى إلى حدّ ما مضمرة ومفقودة في المعرفة والممارسات ،إن الأحاسيس هي التي تكشف عنها. إن جون نابير هو واحد من رموز هذا الاتجاه. أما الثانية ( الظاهراتية) فتعني الطموح نحو الذهاب إلى ” الأشياء ذاتها”، أي إلى التجلّي لكلّ ما يُظهر للتجربة العارية من كلّ البناءات الموروثة عن التاريخ الثقافي والفلسفي واللاهوتي. إن هذا الاتجاه ، خلافا للاتجاه التأمّلي،يؤكّد على البعد القصدي للحياة النظرية والعملية والجمالية، ويحدّد الوعي على أنه دائما الوعي بشيء ما” ويعدّ هوسرل بطل هذا النوع من التفكير بدون منازع . أما الفلسفة الثالثة، فهي الهرمينوسيا الموروثة عن المنهج التأويلي المطبّق أولا على النصوص الدينية (التفسير) والنصوص الأدبية الكلاسيكية (الفيلولوجيا) والنصوص القانونية. إن التركيز في هذه المقاربة يتم على تعدد التأويلات المرتبطة بما يمكننا تسميته قراءة التجربة الإنسانية. وإن ديلتاي وهايدغر وگادامير هم سادة هذا الاتجاه الثالث » .

إن الفلسفة القائمة على التأمّل الذاتي للذات قادت ريكور مبكّرا نحو كارل ياسبرز الذي خصص له أعماله الأولى 1947و1948 ثم بعد ذلك نحو التوجه الظاهراتي باعتباره كشفا لقصدية الوعي لـ هوسرل.
إن المؤلَّف الأول لريكور كان في فلسفة الإرادة 1950 وقد اتبع فيه ريكور منهجية هوسرل .فالهرمينوسيا هنا كانت غائبة، لكنها ستعود بقوة مع “رمزية الشرّ”1960 من هنا سنتحدث عن التحول الهرمينوسي الذي أسماه ريكور “التطعيم الهرمينوسي في الظاهراتية”

كادامير وريكور

في الختام هل يمكننا أن نتكلم عن تصور مشترك بين گادامير وريكور للهرمينوسيا؟
بالنظر إلى الموضوعات التي تناولتها الهرمينوسيا (الفهم والتاريخ واللغة) والمرجعيات (ديلتاي هايدغر بولتمان)، أحيانا يبدو التصور مشتركا. ويبدو من الحكمة الاستعداد لتأكيد هذا التصور . أما إذا أخذنا بعين الاعتبار نقط انطلاقهما وتصورات من يتفق ويختلف معهما، فإننا نجد جسورا بين المفكرين لا يمكن عبورها إلاّ عبر تأمّل وتفكير دؤوب . لكن ما يجعل الحوار بين الاثنين مثمرا وخصبا هو الطريقة التي عبّر من خلالها الطرفان عن هذا الحوار ؛ فكلاهما ركز على أهميته. فإذا كان گادامير قد أعلن على «أن روح الهرمينوسيا تقتضي الاعتراف والإقرار بأن الآخر يمكن أن يكون صائبا وعلى حق». فمما لا يقبل الجدل كذلك، بأن هذه هي الهرمينوسيا التي مارسها بول ريكور دون توقف. هذا يعني أن «الظاهرة الهرمينوسية تحمل في ذاتها الحوار الأصيل ذي البنية: سؤال/ جواب، فعندما يطرح النّص نفسه كموضوع للتأويل فهو يطرح سؤالا على المؤول، وبهذا المعنى، فالتأويل يحتوي دائما على إحالة مهمة للسؤال المطروح على أحدهم، وفهم النّص هو فهم هذا السؤال وهو ما ينتج الأفق التأويلي».

فكثيرا ما برهن بول ريكور على إعجابه بحقيقة ومنهج،حجر الزاوية للهرمينوسيا الگاداميرية. وكلا الفيلسوفين لم يتوان في التأكيد على الإجماع . ومع ذلك،فإن قراءة متأنية لأعمالهما تحملنا على الاعتقاد بأن كل واحد منهما يقوم بتوظيف خاص للمفاهيم، وهما بهذا يساهمان،كل من موقعه في تطوير الفلسفة الهرمينوسية والفعل التأويلي منذ شلايرماخير وديلتاي وهايدغر.
إن دراستنا تعتزم إيلاء الاهتمام إلى الكيفية التي يعتقد بها هذين الفيلسوفين ممارسة نشاط القراءة. ويتعلق الأمر،على وجه التحديد النظر في التوتر المدرج في صميم القراءة نفسها. وهو توتر جعل من نفسه تجربة غير مستنفذة وبالغة الأهمية. فالقراءة تبدو لنا أحيانا بمثابة فعل ينمحي أمام النص نفسه،وأحيانا أخرى بثمابة امتلاك نشط للنص بواسطة القارئ عبر كل أشكال وصيغ التفاعل. وكلا الفيلسوفين أبدى حساسية تجاه هذا التوتّر الكامن وراء كل قراءة،كل من زاوية نظره. فهرمينوسيا گادامير تطالب القارئ بالإنصات للتقليد والتراث الذي يجهر بصوته انطلاقا من النص. أما هرمينوسيا بول ريكور فتكشف داخل نشاط القراءة عن الحاجة إلى التعاون والتعاضد لتشييد المعنى وتداوله .
إن المقاربتين معا تقدمان نموذجا مزدوجا تحليليا بالغ الدقّة والخصوبة. والسؤال الذي يجب مقاومته هو ذاك الذي يجبرنا على الاختيار بين گادامير (أو) ريكور؛ إذ لابد من القول گادامير (و) ريكور اذا أردنا مدّ نطاق الدائرة الهرمينوسية وبالتالي كونيتها وشموليتها.
 

المراجع

ملتقى ابن خلدون

التصانيف

أبحاث