د. سليمان بن محمد المومني .
مقدمة
1. يصل الهواء الذي نتنفسه إلى الرئة عن طريق ممرات موصلة تبدأ بالفم والأنف وتمتد للأسفل مرورا بالقصبة الرئيسة التي تتفرع إلى الشعب الرئيسية ثم الفرعية ثم يتفرع كل من هذه إلى أجيال عديدة من الشعيبات تصل إلى 23 جيلا.
يسمى الجزء الممتد من الفم والأنف مرورا بالبلعوم والحنجرة إلى القصبة الهوائية الرئيسة بمجرى أو ممر النفس العلوي، وتقوم عضلات لاإرادية محيطة بالجزء السفلي من البلعوم بالمحافظة على بقاء المجرى التنفسي العلوي في هذه المنطقة مفتوحا بشكل كامل في أوقات اليقظة.
أثناء النوم تسترخي معظم عضلاتنا، ورغم تضيق المجرى التنفسي العلوي الناتج عن إسترخاء عضلات البلعوم فإن قطر هذا المجرى يبقى كافيا للتنفس الطبيعي لأن حاجتنا للهواء تقل حينما نستسلم للنوم.
2. يحتاج الجسم يوميا إلى فترة كافية من النوم بمعدل يتراوح من 8 -9 ساعات( مع ملاحظة الفروق الفردية) لإعادة النشاط لأعضاء الجسم للقيام بوظائفها بشكل طبيعي. ويؤدي عدم الحصول على نوم جيد كاف إلى إضطرابات عديدة سنفصلها لاحقا ويحدث ذلك :
Sleep Fragmentation إما بسبب تقطع النوم
Sleep Deprivation أو بسبب الحرمان الكامل أو الجزئي من النوم
(Sleep Apnea Syndrome) متلازمة خناق النوم
نعني بخناق النوم توقف أوإنقطاع النفس خلال النوم، وقد أورد الأديب الإنجليزي تشارلز ديكنز وصفا ينطبق على أعراض هذا المرض لأحد شخصيات روايته
(The Posthumous Papers of the Pickwick Club)
أدرك المجتمع الطبي شيوع هذا المرض والأخطار الناجمة عنه مؤخرا رغم معرفته به لوقت طويل، وتدفق عنه سيل كبير من الأبحاث والمعلومات خلال العقود القليلة الماضية.
ينقسم خناق النوم إلى نوعين:
- خناق النوم الإنسدادي
- خناق النوم المركزي
- (Obstructive Sleep Apnea) خناق النوم الإنسدادي
ينقطع النفس نتيجة إنسداد مجرى النفس العلوي الناتج عن واحد أو أكثر من الأسباب التالية :
1. عوائق غير طبيعية تسبب صغر قطر الممر التنفسي العلوي، وتشمل فرط السمنة الذي يسبب تجمع كمية كبيرة من النسيج الدهني في الرقبة حول مجرى النفس العلوي كما تشمل تضخم اللوزتين واللحميات خلف الأنف،و إنحراف الوتيرة الأنفية، وتضخم اللسان، وصغر حجم الفك السفلي، وعدد من التشوهات الخلقية النادرة.
2. فرط الإسترخاء لعضلات مجرى النفس العلوي خلال النوم.
تعتبرزيادة الوزن و السمنة أهم الأسباب لدى البالغين وأكثرها قابلية للعلاج، أما الأطفال فأكثر الحالات لديهم تنتج عن تضخم اللوزتين واللحميات خلف الأنف.
كيف يحدث خناق النوم الإنسدادي؟
عند الخلود للنوم يرتد اللسان للخلف و تبدأ عضلات مجرى النفس العلوي المسترخية بفقدان قدرتها تدريجيا على المحافظة على بقاء المجرى مفتوحا بشكل كاف وينتج الشخير عند تضيق هذا المجرى إلى حد حرج.
مع إستمرار العضلات بالإسترخاء يحدث إنسداد كامل لمجرى النفس العلوي وإنقطاع للنفس لفترة تمتد لعشر ثوان أو أكثر، ويتم خلال فترة الخناق هبوط مستوى الأكسجين في الدماغ وزيادة سرعة النبض أو إضطرابه ويزداد الجهد المبذول من عضلات الصدر والبطن لمحاولة التغلب على إنسداد مجرى النفس العلوي.
تنتهي فترة الإنسداد والخناق بإستثارة الدماغ الذي يتنبه ( غالبا بشكل لاواعي إذ نادرا ما تحدث يقظة كاملة)، وبمعاودة الدماغ لنشاطه تنقبض عضلات مجرى النفس العلوي المسترخية ويتم فتح المجرى لمعاودة التنفس.
غير أن الرجوع للسبات يسبب الدخول مرة أخرى في الحلقة المفرغة لإسترخاء العضلات و إنسداد مجرى النفس العلوي وتوقف التنفس وإستثارة الدماغ وتنبيهه ثم معاودة التنفس، ويؤدي هذا إلى تقطع النوم المريح ( حتى لو لم تحصل يقظة كاملة)، وبالتالي عدم الحصول على نوم جيد كاف، وتزداد خطورة الخناق طرديا مع عدد المرات التي يتوقف فيها التنفس.
الأعراض المرضية
يشكو المرضى من:
زيادة النعاس في ساعات النهار والشعور بقلة النشاط وسرعة التعب.
الصداع وجفاف الفم عند الإستيقاظ صباحا.
عدم أو قلة التركيز وهبوط التحصيل الأكاديمي والقدرة على إنجاز الواجبات.
الأرق ليلا
وعادة يكشف أحد أفراد العائلة أو الذين يقيمون معه وجود الشخير لدى المريض أو مشاهدة فترات متكررة من إنقطاع النفس خلال نومه.
ما هي الأخطارالناجمة عن خناق النوم الإنسدادي؟
البالغون
1. يعتقد أن المسبب الرئيسي للخطورة من هذا المرض هو هبوط مستوى الأكسجين في الدم و الدماغ خلال فترة الخناق، وقد أثبتت الأبحاث بشكل قاطع أن مرضى خناق النوم الإنسدادي أكثرعرضة للإصابة بالأمراض التالية
- إرتفاع ضغط الدم
- النوبات والجلطات القلبية
- إضطرابات إيقاع النبض والقلب
- هبوط القلب
- النوبات والجلطات الدماغية
وأثبتت الأبحاث أن مرضى خناق النوم الإنسدادي أكثرعرضة للوفاة من هذه الأمراض.
كما أن هناك مؤشرات قوية على علاقة خناق النوم الإنسدادي بإرتفاع سكر الدم ومرض السكري وإضطرابات أيض الكوليسترول والدهنيات.
2. حوادث السير: أثبتت الأبحاث بشكل قاطع أيضا أن السائقين من مرضى خناق النوم الإنسدادي أكثرعرضة لأخطار حوادث السير وأكثر تسببا بها لإزدياد إحتمال النوم خلال قيادتهم للمركبات، ومعاناتهم من التعب الزائد وقلة التركيز، وفي الولايات المتحدة توقف رخصة السواقة للمرضى حتى يثبت نجاح العلاج في القضاء على فرط النعاس وإمكانية القيادة الآمنة للمركبات.
الأطفال
إذا لم يتم معالجة الأطفال المصابين فإن المضاعفات لا تقتصر على الجانب الصحي ( الذي غالبا يتأثر بعيد البلوغ كما ذكر أعلاه) بل تتعداه إلى الجانب السلوكي والتطور العقلي والتحصيل الأكاديمي، إذ يؤدي هذا المرض إلى:
- فرط النشاط بشكل غير طبيعي ( عكس البالغين)
- عدم التركيز
- السلوك العدواني
- الهيجان وتقلب المزاج السريع
كيف يتم تشخيص المرض؟
إن وجود أعراض المرض خصوصا مع الوزن الزائد و السمنة يجعل احتمال الإصابة بالمرض كبيرا،و لتشخيص المرض يحتاج المريض لعمل ما يسمى بتخطيط النوم المتعدد ( كونه يشمل تخطيط الدماغ والعضلات والقلب وحركات العين والصدر والبطن وتدفق الهواء في الأنف وتسجيل صوتي للشخير،ومجس سطحي مستمر لمستوى الأكسجين في الدم ).
ولعمل هذا الفحص قد يحتاج المريض للمبيت والنوم لليلة في مختبر أمراض النوم.
علاج خناق النوم الإنسدادي
هدف العلاج الرئيسي هو المحافظة على بقاء المجرى التنفسي العلوي مفتوحا أثناء النوم ويمكن تحقيق ذلك بعدة وسائل يختار الطبيب العلاج المناسب منها لكل مريض حسب حالته و هي:
- إنقاص الوزن و خصوصا مع المرضى ذوي الوزن الزائد و السمنة، ويتم ذلك غن طريق إتباع حمية غذائية صارمة. أما في حالات السمنة المرضية التي تفشل فيها الحمية الجادة فيمكن إذا كان خناق النوم الإنسدادي شديدا اللجوء لجراحات خاصة للمعدة ( تكبيس المعدة أو جراحة تجاوز المعدة) بالتشاور مع الطبيب الجراح
- جهاز الضغط الموجب المستمر: جهاز خاص خفيف وسهل الحمل يستعمل خلال النوم ويقوم بدفع الهواء عن طريق الأنف محدثا ضغطا موجبا مستمرا يدفع عضلات مجرى النفس العلوي المسترخية ويفتح المجرى.
- أطقم أسنان خاصة لدفع الفك السفلي وبالتالي اللسان للأمام للمساعدة على بقاء المجرى التنفسي العلوي مفتوحا أثناء النوم، وتستعمل في حالة المريض الذي لايستطيع تحمل جهاز الضغط الموجب المستمر.
- العلاج الجراحي : عدا عن جراحات المعدة المذكورة أعلاه يوجد العديد من العمليات الجراحية التي تهدف إلى إبقاء المجرى التنفسي العلوي مفتوحا أثناء النوم عن طريق:
إزالة العوائق منه ( كإستئصال اللوزتين واللحميات المتضخمة وإصلاح إنحراف الوتيرة الأنفية)
أو إعادة تشكيله بعمليات تجميلية وترميمية( ويذكر هنا أن نجاح هذه العمليات التجميلية أقل من الوسائل الأخرى)
وأذكر هنا أن العديد من الدراسات أظهرت أن العلاج الناجح (وخصوصا بإستعمال جهاز الضغط الموجب المستمر) قد حسن من أداء عضلة القلب لدى العديد من مرضى هبوط القلب وإعتلال العضلة القلبية مما ألغى حاجة البعض منهم لزراعة القلب، كما ألغى حاجة البعض من مرضى إضطراب النبض إلى زراعة الجهاز المنظم لإيقاع نبض القلب، وساعد على التحكم بسكر وضغط الدم ( حتى لدى المرضى الذين لم يتغير وزنهم أو لم يحتاجوا لإنقاص وزنهم كون وزنهم الأصلي مناسب طبيا).
تحذير: كما يحذر المرضى من قيادة السيارات قبل نجاح العلاج في القضاء على فرط النعاس فإنهم يحذرون وبشدة من إستعمال الأدوية التي تقلل من مستوى الوعي كالمهدئات والمنومات والمواد المخدرة بدون حماية كافية للمجرى التنفسي العلوي، ولهذا يجب على المريض إخبار الطبيب الجراح وطبيب التخدير أنه يعاني من هذا المرض قبل أي عملية أو تداخل جراحي يستلزم التخدير لإتخاذ الإحتياطات اللازمة .
(Central Sleep Apnea) خناق النوم المركزي
خناق النوم المركزي ليس مرضا في حد ذاته ولكنه ينتج عن اضطراب المركزالتنفسي في الدماغ نتيجة العديد من الأمراض التي تشمل:
- أمراض الجهاز العصبي الوعائية(تصلب الشرايين و الجلطات الدماغية)
- هبوط القلب
- أمراض الأيض( هبوط الغدة الدرقية، واضطرابات الغدة النخامية كمرض العملقة)
- الفشل الكلوي
- أمراضا غير محددة السبب
يتميز هدا الخناق بتكرر دورات من انقطاع النفس تتلوها دورات من تسارع النفس.
ويتم علاج هذا النوع بعلاج المرض المسبب له.
المراجع
موسوعه المستشار
التصانيف
حياة