موقع المستشار - منى ثابت.

حياة البشر مليئة بالمتناقضات، فبينما يسعى المئات من ضحايا العقم إلى السفر عبر القارات لتجريب كل وسيلة ممكنة للإنجاب، يسعى آخرون إلى إجراء جراحة لمنع الإنجاب!

ومع الاتجاه نحو أسرة صغيرة قليلة العدد، يتزايد الطلب على جراحة " التعقيم " يوما بعد يوم.. فما جراحة التعقيم؟ وما المضاعفات المترتبة عليها؟ وما النصائح التي يمكن تقديمها حول هذه الجراحة؟
 
الدكتور عبد الرحمن عبد اللطيف النمر استشاري الجراحة العامة يؤكد أن تفكير بعض الأزواج في جراحة " التعقيم " لمنع الإنجاب له أسباب عدة، فضغوط الحياة في هذا الزمان كثيرة ـ أو هكذا يفكر أكثر الناس! فمن ناحية أولى فإن خروج المرأة للعمل لم يدع لها كثير وقت للإنجاب وتربية الذرية، ومن ناحية ثانية، زادت الأعباء المالية لتربية وتنشئة الأطفال، بسبب ارتفاع المستوى المعيشي في كثير من المجتمعات المعاصرة، وبسبب ارتفاع مستوى تطلعات وطموحات الآباء نحو مستقبل أبنائهم، ومن ناحية ثالثة، تأثر تفكير الناس لدرجة كبيرة بمصطلحات كثر ترديدها في السنوات الأخيرة مثل " الانفجار السكاني " ، " تنظيم الأسرة "، وغير ذلك.

من هذا المنطلق، تتجه كثير من الأسر نحو الاكتفاء بإنجاب طفل أو طفلين أو ثلاثة أطفال على أكثر تقدير.

وبعد إنجاب العدد المرغوب فيه من الأطفال يعمد الزوجان إلى اتباع إحدى وسائل منع الحمل، للتوقف عن الإنجاب عند ذلك الحد.
 
وعن وسائل منع الحمل يوضح د. النمر أنها كثيرة إلا أنه لا توجد وسيلة واحدة لمنع الحمل مضمونة النتائج بنسبة مئة في المئة دون أن يكون لها آثار جانبية.

فأقراص منع الحمل التي تكبح إنتاج البويضات في المبيضين، مضاعفاتها متعددة وخطيرة، وخصوصا على المدى البعيد، إذ تؤدي الأقراص إلى السمنة نتيجة اختزان السوائل وأملاح الصوديوم في الجسم، وتمهد السمنة بدورها إلى الإصابة بأمراض الشرايين وبالبول السكري، فضلا عن أن السمنة مضافة إلى اختزان الأملاح في الجسم تؤدي إلى الإصابة بضغط الدم المرتفع، وأخطر من هذا كله، وجود علاقة وثيقة بين استخدام أقراص منع الحمل لسنوات عدة وبين نشوء سرطان الثدي وسرطان الرحم.

وهناك أدوات توضع داخل الرحم " بمعرفة طبيب " مثل ما يسمى " اللولب " أو " أنشوطة " بهدف منع الحيوانات المنوية من الوصول إلى البويضة لإخصابها.

وفي الغالب تكون نتائج استخدام هذه الأدوات في منع الحمل غير مضمونة، فضلا عن أنها قد تتسبب في إدخال ميكروبات إلى الرحم، وقد تكون سببا في زيادة مقدار الدم المفقود أثناء الحيض.

وعن وجود وسائل للرجال كشف د. النمر عن وجود بعض الأدوات الخاصة بمنع وصول ماء الرجل إلى جوف زوجته مثل الواقي الذكري الذي ربما يكون له انعكاسات سلبية على عملية الجماع، لكنه أقل وسائل منع الحمل ضررا.
 
أما عن السر في بحث العديد من النساء عن جراحات " التعقيم " فيقول : الواضح أن وسائل منع الحمل المتاحة للناس، لا تخلو من مضاعفات ومتاعب، فمع الأقراص، يجب أن تتذكر المرأة دائما تناول القرص في موعده، وإلا ضاع مفعول الأقراص، ومع أدوات داخل الرحم، تخضع المرأة للفحص الطبي الدوري للتأكد من وجود الأداة في موضعها، وللاطمئنان على عدم نشوء عدوى.

وربما لهذه الأسباب تفكر النساء في جراحة التعقيم، إذ توفر هذه الجراحة عناء تذكر تناول أقراص منع الحمل، وعناء الاضطرار إلى مراجعة طبية متكررة، فضلا عن أن الجراحة تجري مرة واحدة ولا تحتاج المرأة إلى التفكير في وسيلة لمنع الحمل، ولا إلى الخوف من حدوث حمل غير مرغوب فيه!
 
وعن جراحة تعقيم الأنثى يشير د. النمر إلى أنها تجرى بطريقتين :
 
جراحة المنظار، وهي تجرى تحت تخدير شامل باستخدام "منظار البطن"، عبر شق فتحة صغيرة في جدار البطن، يدخل منها المنظار ليتمكن الجراح من رؤية قناتي فالوب، ثم باستخدام آلة كي، تكوي كل قناة في موضع منها لمسافة صغيرة" في حدود سنتيمتر واحد"، فيؤدي الكي إلى تجلط الخلايا، في موضع الكي، بحيث ينسد تجويف القناة في ذلك الموضع.

وقناة فالوب ، قناة رفيعة توصل بين الرحم وكل مبيض، أي يوجد اثنان لوجود مبيضين، وعبر هذه القناة تنتقل البويضات من أي من المبيضين إلى الرحم، وفيها كذلك يتم إخصاب البويضة بماء الزوج.

وهناك الجراحة المفتوحة، وفيها تفتح البطن جراحيا تحت تخدير شامل ، بحيث يتمكن الجراح من رؤية ومعاينة الأحشاء بعينيه دون استخدام منظار.

وفي هذه الجراحة تربط كل قناة في موضع منها بخيوط الجراحة، بحيث تصبح قناة مسدودة، وتسمى هذه الطريقة " ربط الأنابيب " ويمكن استخدام حلقات معدنية بدلا من خيوط الجراحة.
 
أما عن جراحة تعقيم الرجل فيذكر د. النمر أن هناك جراحة صغرى تجرى للرجل الراغب في فقد قدرته على الإخصاب، تتم تحت تخدير موضعي، وتتكون الجراحة من عمل شق " فتحة " صغير في الجلد بجوار كل خصية لتعرية " الوعاء الناقل " ثم ربطه بخيوط الجراحة.

و" الوعاء الناقل " قناة توصل بين كل خصية وبين قناة القذف في عضو الذكر التي هي نفسها مجرى البول.
وعلى ذلك، فهذه القناة " الوعاء الناقل " مناظرة لقناة " فالوب " عند الأنثى. إذ تمر الحيوانات المنوية من مكان انتاجها في الخصيتين عبر الوعاء الناقل، مثلما تمر بويضة الأنثى من مكان انتاجها في المبيض عبر قناة " فالوب ".

إذا قطع الوعاء الناقل، سميت الجراحة " قطع الوعاء "، وهي الجراحة الأكثر شيوعا.

أما إذا ربط فحسب، سميت الجراحة " ربط الوعاء "، وقطع الوعاء يوصد باب القدرة على الإخصاب تماما إلى الأبد.
 
أما النصيحة التي يقدمها الدكتور عبد الرحمن النمر لكل زوجين فهي : " إن باب الإنجاب متى أوصد لا يمكن فتحه مرة ثانية، وما يقال عن إجراء جراحة لإعادة القدرة على الإنجاب أقرب ما يكون إلى إجراء جراحة لزراعة شعر في رأس لا ينبت فيه شعر.

وحري بكل زوج أن يترك الأمور تجرى حسب مشيئة الله ، ذلك أن التصدي لهذه المشيئة باهظ الثمن! 
 

المراجع

موسوعه المستشار

التصانيف

حياة