أوتيك
تعتبر أوتيك من أقدم المدن الفينيقية في جهة شمال إفريقيا، وتدعى المدينة العتيقة أو أوتيقا “Atica” كما وردت في المؤلف المنسوب لأرسطو وليوس باتركولوس، وأطلق عليها ابن خلدون اسم “وطاقة”. انشئت في القرن الثاني عشر قبل الميلاد وتحديدا سنة 1101 ق.م أي قبل انشاء قرطاج بـــ 287 سنة وبعد انشاء مدينة قادش بإسبانيا سنة 1110 ق.م (2877) من قبل الفينيقيين. يقع الموقع الأثري بمنطقة مرباط سيدي بو شاتر في سفح جبل منزل القل بولاية بنزرت والتي على تونس العاصمة حوالي 30كم وعن بنزرت حوالي 25كم.
أوتيك أو المدينة القديمة اعدها التجار الفينيقيون عـاصمة لإمبراطوريتهم في جهة شمال إفريقيا لتصبح أول مصرف بحري فينيقي بإفريقية. فكانت أوتيك مرفأ تجاريا يسهل حمايته لوجوده في مضيق غار الملح. وفي الفترة الرومانية وإثر تراجع البحر نتيجة انجراف التربة التي حملها وادي مجردة فردم قسطا كبيرا من خليج تونس وترك وراءه مستنقعات مثل قرعة بوعمّار وبحيرات مثل بحيرة غار الملح وسباخ مثل سبخة أريانة أصبح ميناء أوتيكا أرضا يابسة تبعد حوالي 11كم عن خط الساحل.
كما كان موقع أوتيكا القديم استراتيجيا للغاية فقد كانت تتوسط الطريق من قرطاجة إلى مدينتي هيبوأكرا و هيبو ريجيوس المهمتين مما جعلها تزدهر بشكل كبير. و كان ذلك الإزدهار سببا للتنافس المتبادلين بين أوتيكا وقرطاجة. وقد ورد ذكر مدينة أوتيك في معاهدة 348 ق.م التجارية بين روما و قرطاجة.
أما حاليا فان مرباط سيدي بوشاتر في سفح منزل القل قد اكتشفت فيها مقابر فينيقية ترجع إلى القرن الثامن ق.م. كما توجد كذلك المقبرة البونيقية الكبيرة التي ترجع إلى القرن الخامس ق.م بالإضافة إلى أثار للجزء السكني من المدينة الرومانية. ويوجد على بعد 500 متر تقريبا من مدخل الموقع الأثري متحف يحتوي على عديد النقوش والتماثيل ولوحات الفسيفساء والأواني الخزفية وقطع أثرية مختلفة بونية وفينيقية ورومانية. وسيتم قريبا تشييد متحف أثري جديد بأوتيك على مساحة تناهز 390 م2.
تاريخ المدينة
انشئت أوتيك سنة 1101 قبل الميلاد من قبل الفينيقيين، استناداً إلى ما ذكرته الكتابات التاريخية قبل بناء قرطاج بقرابة 287 سنة، ويوافق ذلك وفق هذه الكتابات سنة 1101 ق.م لتكون بذلك صلة وصل بين مدينة صور والمستوطنات الفنيقية في أيبيريا. كان موقع أوتيكا القديم موقعا استراتيجيا هامّا للغاية إذ كانت تتوسط الطريق من قرطاجة إلى مدينتي هيبوأكرا و هيبو ريجيوس المهمتين مما جعلها تزدهر بشكل كبير. وكان ذلك الازدهار سببا لتنافس بين أوتيكا وقرطاجة.
كان لانشاء مدينة قرطاج سنة 814 ق.م دورا في تقلص أهمية أوتيك كعاصمة للفينينقين منذ نهاية القرن السادس قبل الميلاد، لتصبح مدينة خاضعة إلى قرطاج مع تبعية تواصلت إلى حدود سنة 149 ق. م أي عند إنطلاق الحرب الرومانية- البونية الثالثة (149-146 ق.م) حين صارت أوتيك حليفة لروما وتنكرت لقرطاج، بعد أن كانت حليفتها في الحربين الأوليين (الحرب الأولى 264-241 ق.م، والحرب الثانية 218-202 ق.م).
عندما نجحت روما بالحرب صارت أوتيك مدينة حرة مكافأة من الرومان، لتصير عاصمة للمقاطعة الرومانية في جهة شمال إفريقيا في سنة 49 ق.م وشاركت أوتيكا في الحرب الأهلية التي واجهت فيها أنصار يوليوس قيصر أتباع الثائر بومبيوس. وكان ماركوس بورسيوس كاتو أوتيسنسيس (95 – 46 ق.م)، متحمسا لبومبيوس ولكنه عارض في مناسبتين المذبحة التي كاد يتعرض لها أهالي أوتيك من قبل هذا الثائر بسبب انحيازهم لقيصر.
وعقب معركة ثابسوس في عام 46 ق.م، قام كاتو الاصغر بالتقوقع في أوتيكا في كفاحه الأخير ضد يوليوس قيصر وفيها قام بالإنتحار، ليدخل باب الأسطورة.مكافأة أخرى لأهالي أوتيك، وهذه المرة من قبل أوكتافيوس منحت المدينة حقوق الميونيسيبيوم مع حقوق المواطنة الكاملة عام 36 ق.م، وبقيت مركز إقامة بروقنصل إفريقيا إلى حوالي 10ق.م وأصبحت في عهد حكم الإمبراطور هدريانوس (117-138م) مستعمرة ولقبت بـ “كولونيا جوليا أيليا هادريانا” او”غوستا أوتيكا“.
وفي زمن الإمبراطور سبتميوس سفريوس (193-211م) وعرفت حينها أوجها وتمكنت من الحصول على حقها اللاتيني على غرار لبدة وقرطاج ولكي تتفوق أوتيكا على منافستها قرطاج قامت المدينة ببناء العديد من المعالم مثل القنطرة الأثرية والحمّام الروماني والمسرح الأثري وملعب المصارعة الدائري والقطع الفسيفسائية المعـروضة في متحـف. إثر ذلك منحت أراضي أوتيكا صفة الأراضي “الإيطالية” مع كل ما يمثل ذلك من امتيازات كالإعفاء من الضرائب. وهكذا استقر بها عديد المعمرين كـ”زانا” أو “zana” والتي أطلق اسمها على المنطقة حتى بعد رحيلها. سقطت المدينة بيد جينسيرك والوندال عام 439م.
وقام البيزنطيون كذلك بغزوها سنة 534م، وأخيرا سقطت بيد العرب سنة 698م. لتتحول أوتيك الفينيقيين، أوتيك الرومان، أوتيك الوندال والبيزنطيين إلى “زهانة” اليوم.ظهرت بوادر انتشار المسيحية لدى سكان أوتيكا منذ أواسط القرن الثالث ميلادي. فقد تحدتث عدة مصادر عن مشاركة أسقف أوتيك أوريليوس في مجلس قرطاج سبتمبر 256 ق.م.
الحفريات
انطلقت أولى الحفريات بالموقع الاثري بأوتيك منذ القرن التاسع عشر، من طرفC. Borgia, Auguste Daux, N. Davis et I. Hérisson واندرجت في إطار حملة جمع اللقى الاثرية لإثراء كل من متحف اللوفر والمتحف البريطاني ومتحف لايد آنذاك.
ومنذ القرن العشرين الي اليوم صارت الحفريات ممنهجة واتخذت صبغة علمية بهدف اكتشاف تاريخ المدينة القديمة. ومن أبرز الأثريين الذين ساهموا في اكتشافها نذكر P. Cintas وP.A. Fevrier و A. Lézine .ومن أهمّ ما كشفت عنه حفريات سنة 1905 وسنوات 1948 – 1958 بعناية (M.P.Cintas) وما بعدها المقبرة البونية والمنازل الرومانية خاصة منها منزل الشلاّل ومنزل الكنز ومنزل التيجان المشخّصة لآلهة ومنزل الصيد، وكذلك المعبد والحمّامات والساحة العامة والسرك وعدّة مسارح وأوان وتماثيل ولوحات فسيفسائية معروضة بمتحفها.ومنذ ذلك الحين شهد الموقع الأثري انطلاق جملة من الحفريات الأثرية العلمية اندرجت ضمن اتفاقيات الشراكة والتعاون العلمي التي أبرمها المعهد الوطني للتراث مع الجامعات الأوروبية على غرار جامعة أكسفورد وجامعة السربون والمعهد الإسباني للدراسات البونية
المراجع
inp2020.tn
التصانيف
المغرب العربي مواقع أثرية في تونس قرطاج مدن تونس مدن فينيقية الجغرافيا التاريخ