لقد عاد لتوه من تلك البلاد البعيدة والتي يسمونها بلاد الغربة والتي أمضى فيها ما يقارب ثماني سنوات بدلاً من الستة المفترض به أن يقضيها في دراسته الجامعية، فتلك البلاد وما تحمله في طيات شوارعها وأرصفتها ونظرات نسائها من علامات الإغواء لشاب عربي كفيلة بأن تسحر شاب أمضى دراسته الثانوية يتلصص وأصدقائه على مدارس الفتيات المجاورة لمدرستهم علهم يظفرون بنظرة وضيعة لفتاة أنهكها اليوم الدراسي أو يتسللون ليلاً إلى منزل أحدهم فتراهم ملتصقون ببعض أمام شاشة التلفاز واللعاب يسيل من أفواههم كالكلاب علهم يطفئون نار شهوة انتابتهم منذ أن انتابهم ذلك ال ح ل م البغيض.
لم يمتنع كريم عن شيء في تلك البلاد، كان شرقي "متغرب" مثالي، أمضى ليال طوال يرقص كالبهلوان في جميع حانات البلدة، كان الفارس المغوار على سرير كل فتاة التقاها، كان يعيش حلماً جميلاً ما كان يتجرأ على أن يعيش لحظة من لحظاته في بلاده النتنة التي يسبها في اليوم مائة مرة، فالمقارنة معدومة أساسا في نظر شاب محدود الأحلام مثله ... |
تلذذ في إنفاق معظم الأموال التي كانت تصله مبللة بعرق والده إلى حسابه البنكي، في إخماد نار شهوته القذرة.
ذلك الوالد المسكين الذي أنفق سنين حياته يخيط ويطرز بدقة وعناية فائقتان المعطف الأبيض لابنه الدكتور الكبير، فآبائنا يتفنون بقتل أحلامنا وانتقاء الأحلام التي تناسب أحلامهم وآمالهم، في كل تفاصيل حياتنا، كل شيء، ، ويتجاهلون بإتقان تام رغباتنا وميولنا وأحلامنا وطموحاتنا... فهم يشعرون أنهم أصحاب القرار الأول في منحنا هذه الحياة التعيسة وزعنا في أرحام أمهاتنا اللاتي لا حول لهن ولا قوة.. (اعذروني لخروجي عن موضوع القصة قليلاً).
طبعاً ، ونظراً للحاجة الماسة إلى المال والخجل الذي أصبح أخيراً يعتريه من طلب المال من ذلك الوالد المسكين، اضطر كريم في النهاية للعمل كنادل في إحدى المطاعم الصغيرة كحال معظم أصدقائه المغتربين هناك.
أعجبته المدينة، مدينته، أخيراً بعد ثمانية سنين أمضاها بعيداً ، ها هو اليوم يحتضنها، يشم ترابها، ويقبل أرضها، عاد حاملاً معه شهادته الملعونة وأحلاما وضيعة كان قد حقق معظمها هناك فما بقي في جعبته إلا القليل منها.
أخذ يتفحص الوطن، قرأ عنه كثيراً في الجرائد اليومية الغربية، قرأ عن ضعفه ووهنه وسكوته، لكنه يبقى وطنه ... | لقد تغير كثيراً، مبانٍ عملاقة، وازدحام لا يطاق، مازلت تعجبه تلك البراءة في عيون نسائه، البسمة الحزينة على وجوه أطفاله، أصوات مآذنه، أجراس كنائسه، نسماته ، أشجاره ، شوارعه، الفوضى في كل مكان ، لقد اكتشف للتو أن وطنه كان ومازال يعيش في داخله.
رآها هناك، كالفراشة الملونة ترقص بخفة وتتمايل كورود الربيع التي بللتها حبات الندى العطشى ، كانت كالملائكة بجناحين أبيضين ينثران السحر في كل مكان وعينان تفيضان غنجاً ودلالاً، ملاك هي طالما قرأ عنها في قصص الأطفال.
حاول تجاهلها لكن شيئاً ما شده إليها، رائحة أنفاسها، شذى عطرها، تلك النظرة، آه كم أرهقته .
بفستانها الحريري الأحمر والذي يكشف عن تفاصيل دقيقة ومفاتن يصعب مقاومتها ، شعرها الأسود الغجري المنسدل كستار مخملي عتيق على كتفها ليغطى ظهرها الأبيض الذي يحمل دروب أمطار وأنهار، ليرسم بذلك صورة لملكة تعجز أمهر أيدي الرسامين عن رسماها.
اعتقد كريم أنه اجتاز مرحلة الشبع النسائي (إن صح أن أسميه كذلك)، لكنه أدرك اليوم أنه مازال تلميذ فاشلا في هذه المدرسة التي يصعب مقاومتها.
أعجبها، أعجبها كبريائه، أعجبتها رجولته التي كان يرسلها لها مع كل نفس وكل نظرة.
تتمايل أمامه ، فيتمايل قلبه ويهوي في أحضان رغبة عارمة، اعتقد أنه تغلب عليها في تلك البلاد المشئومة.
كان قد تدرب هناك على رقصة الفالس، وأتقنها، وهاهو الآن وبعد أن أخبره أعز أصدقائه أنه قد تم (ونظراً للمحاولات اللامتناهية في تقليد أولئك الغرب) فتح صفوف خاصة لتعليم الرقص، وكانت رقصة الفالس أحدى تلك الرقصات. يجتمع محبي الرقص مرتين في الأسبوع، ليلقوا ما في جعبتهم من مهارات وإبداعات يستمتعون باستعراضها أمام بعضهم البعض.
أحب الفالس... وعشقه بعد أن رآها.
أراد بإلحاح غريب أن يراقصها، أن يأخذها بيديه، أن يلتصق بها ويخطفها من ضوضاء الفالس والتانغو والرقص الشرقي.
تلاقت أعينهم، فتلاقت أحاسيسهم، ورغباتهم.
اقترب منها وطلب منها أن يحلق معها برقصة بريئة، وافقت بإيماءة صغيرة .. أمهرتها براعته وأمهره جمالها.
أمسك يديها الناعمتين، أخذها بعيداً ، تبادلا الحديث، وأعلن فجأة أمامها بكل تحد نقمته على سكان مدينته لأفكارهم الغريبة، وعاداتهم السخيفة والتي مازالوا يتمسكون بها كما يتمسك الغريق بقشة كما يقلون، أعجبها منطقه الكاذب، أعجبها نفاقه، ليتلها اكتشفت ذلك مسبقاً ....
أمضيا قرابة السنة معاً، هي غارقة في أحلامها البريئة وهو غارق في رغباته القذرة، أقنعها أنه يفكر بطريقة غربية اجتث منها كل جذر شرقي وأنه بعودته من تلك البلاد، نسي كل ما كان قد زرعه والداه في تلك التربة النتنة.
عادات وتقاليد صّممت لتناسب أخطائنا، ولتحتمل إخفاقاتنا، مازلنا ننادي بها في مجتمعاتنا متناسين ما تدعوا إليه أدياننا.
كم تتمنى كل فتاة حمقاء أن تجد ذلك الرجل العربي المتحرر، الذي يحترم رغبتها في رقص الفالس والتانغو والحب. |
سخيفة ووضيعة هي أحلام تلك الفتيات ، وضعيفة بحيث تهوي وتتناثر إذا ما اصطدمت بقساوة الواقع.
تسمك منديلها المطرز، تجفف دمعها ،تمسح رائحته عن جسدها، وتقتلع حبه من قلبها.
ها هو قد تزوج من فتاة عربية شرقية ، لم ترقص الفالس ولم يدخل قلبها أحداً غيره بالطبع ( كما اعتقد هو ووالدته) تزوج على الطريقة الشرقية التي كان يلعنها، أعلن الحرب على الفالس أمام زوجته أو جاريته وأعلن الحرب على الزواج أمام شريكاته في تلك الرقصة ولعنت هي نفسها ألف مرة على أيام قضتها مع شاب عربي شرقي يدعي الغربية.
كم كنت حمقاء. |
طبعا ما زال صديقنا كريم شرقياً في منزله وغربياً خارجه، وقد تزايد عدد الكريمين في مجتمعنا ،، فهنيئاً لنا بهم .
اعتزلت الرقص، اعتزلت الحرية، اعتزلت الأحلام، علها تجد شاب عربي شرقي يقبل بها جارية له .
شمعة وأنثى وشيطان ..
سراب ...
تسللت خلفه، ركضت نحوه، أحاطته، حاصرته من جميع الجهات، اقتربت منه، فما وجدت إلا أشلائها وبقايا امرأة أخرى..
... كتاب الأحلام
كانت تحلم بقصر ذهبي كبير، يحضن غرف كثيرة، لتحلق بسعادة في أرجائه، فتغلق كتاب أحلامها لا تريد منه شيئا....
تحلم الآن بحجرة جرداء صغيرة، تحتضن آدمياً مثلها، ليؤنس وحدتها اليتيمة، ويغلق كتاب آلامها الذي ولد من رحم تلك الأحلام ...
..... خيَرها
إما جنتي بخيرها ونعيمها أو جحيم ابنك بنارها ولهبها .....
فاختارت بإصرار جحيم الدنيا وجنة الآخرة ... |
معنى وجودها وسبب عذابها الأبدي،
فلذت كبدها ...
.... لحظات شيطانية
نظرت إليه والشهوة تأكل كل الأحاسيس الطيبة فيها : وهمست بإذنه: أنا عبدة لجسدك اليوم ، اصلبني، ارجمني، أحبني حتى الموت، وارسم خرائط شهوتك الأبدية على جسدي الأبيض، ودمر بأنفاسك النتنة كل مواطنٍ غيداء فيني وخربش بقبلاتك الباردة على جدران رغبتي الموءودة والتي أجبرتٌ على إخفائها في تجاويف قلبي وزوايا فؤادي لتكون أرضا طاهرة لبطولات الفارس المغوار المنتظر، ذلك الفارس الذي لن يأتي ...
مضى الليل بوشاحه الأسود الذي يخفي خلفه الكثير من الشهوات المقيدة والأحاسيس المغتالة، وشهد القمر المسكين وذلك الفراش الملعون طقوس ندمها الأسود في وحل من دموع عينيها الحزينة ودماء قلبها الموجوع على رجل احتضنها لساعات في عتمة الليل ورحل بانتظار ليل آخر ليدنس بلعابه وأنفاسه فراش مذنبة أخرى...
المراجع
موسوعة القصة السورية
التصانيف
الادب
مقالات قد تهمك
-
الكاتبة, وفاء عبد الرزاق-العراق بعضٌ من لياليها
-
الكاتب, إبراهيم سبتي-العراق زنزانة الصفيح
-
الكاتب, عدنان كنفاني-فلسطين وجعـــي هــو المكــان
-
الكاتب, زهير الشلبي-قبرص المهمة
-
الكاتب, زيد الشهيد-العراق حيرة الأسئلة
-
الكاتب, وديع العبيدي-العراق هديل
-
الكاتبة, وفاء عبد الرزاق-العراق ضوء
-
الكاتبة, تسنيم عادل حسون-الكويت واعلن بكل فخر أني انثى
-
الكاتب, داود سلمان الشويلي-العراق حكاية قصة
-
الكاتب, صبحي عطري-الإمارات العربية المتحدة
|