في نطاق تصريحات معبرة عن تخوفٍ من ذهاب الإسلام وعدم سيادته ومرجعيته كـضامن وحيد لدين الدولة المصرية، فُهم موقف الإخوان المسلمين، من قبل بعض المحللين، بتحالفهم مع التيار السلفي المتشدد، وكأنه خطوة تكتيكية جديدة، وذلك بشأن الجدل حول تغيير المادة الثانية من الدستور المصري التي تنص على إسلامية دين الدولة، والعربية لغتها الرسمية. لكن هذا التكتيك من قبل الإخوان، وإن بدا أنه خطوة استباقية إلى الأمام تحاول أن تسيطر على المزاج العام للمصريين واستغلال كعكة الثورة، فإن إثارته من جديد من قبل الأصوات السلفية هي خطوة استباقية أخرى لخلق مساحة لهم في المشهد السياسي المصري ما بعد نجاح الثورة، وخاصة بعد أن كشفت مواقفهم المفضوحة أثناء الانتفاضة بوقوفهم ضدها وتحالفاتهم الخفية مع نظام مبارك في إجهاضها (ولا ننسى أن السلفية هي من إنتاج مبارك).
 
لكن لهذا التحالف التكتيكي بين الإخوان والسلفية، أيضا، أوجه أخرى لا تتعلق بطبيعة المرحلة، بقدر ما ترتبط عضوياً بجوهرية الإيديولوجية الدينية العليا التي تجمع هذين التيارين. فالاختلافات العلنية السابقة بينهما التي كانت تظهر للعلن ليست سوى فقاعات فقهية، أو في أحسن حالاتها إعلامية "سياسية"، أما في عمق تفكير هذين الاتجاهين فالوضع مختلف:
 
بداية لنعترف أن السلفية بوجه عام –بغض النظر عن تفرعاتها-، من حيث سلوكها ومنهجها الإيديولوجي، هي أكثر وضوحاً وأقل براغماتية من شقيقاتها جماعات الإخوان. وهذه النقطة يمكن ملاحظتها على الأقل من الناحية الشكلية لمواقف الخطابين من العمل السياسي والهيكلية الخارجية لبنية الخطاب الديني عند كل منهما، ليس أقلها مثلاً القاموس التي تختار السلفية منه مفرداتها: دار الكفر، أهل الكتاب والذمة، أهل الصليب… هذه المفردات إذا لم تنعدم عند الإخوان فإن استعمالها قليل مقارنة بالسلفية. والسبب الرئيس لهذا هو العزلة التي يفرضها السلفيون على فكرهم والحذر البالغ من أن يتلوث ببراثين الحداثة الغربية ومشتقاتها. فالسلفي دائم الإصرار على أن لا يعيش في زمنه إلا بجسده فقط، أما عقله فيبقى معلقاً هناك في أحابيل القرن السابع الميلادي. أما مفردات الإخوان فهي مطعّمة بالحداثة والديمقراطية حيناً وبمفردات اللاهوت الديني حيناً آخر. وليس ثمة من مشكلة معرفية عند الإخواني إذا جُمعت هذه المفردات جميعاً في سلة واحدة، لطالما أن الغاية لا تبرر الوسيلة فقط، إنما تصبح قواماً إيديولوجياً يسير الإخواني وفقاً لمقتضياته.
 
بالأصل، إن بنية التفكير السلفي ترفض رفضاً قاطعاً فكرة الديمقراطية لكونها ليست فقط منتجاً صليبياً غربياً، وإنما لتعارضها الجوهري مع البنى الثيولوجية التي يحملها السلفي في كيانه الديني، وخاصة أنها تكرس مبدأ التعددية في الحكم على حساب الحكم الواحدي للآلهة. و"سيفان لا يجتمعان في غمد واحد"، يقول السلفي. بالتأكيد الإخواني لا يستطيع أن يعتقد بعكس هذا الكلام، ما دام عقله مرتهنا إلى لاهوت ديني؛ لكن ربما يبدو لنا أنه أقل حدة في هذه النقطة من أخيه السلفي. هذا صحيح للوهلة الأولى. لكن فحصاً دقيقاً للحامل الفكري والديني عند كل منهما سيسفر عن نتيجة مهمة وهي أن بنية المنطلق اللاهوتي واحدة، وليس ثمة أي افتراق بينهما في تبنيها إيديولوجياً، سوى من الناحية الإجرائية والعملية في تطبيقها على أرض الواقع.
 
لا يختلف السلفي والإخواني حول أن الإسلام هو الحل لهذه المجتمعات، بغض النظر عن الاختلافات الشكلية في تطبيق هذا المبدأ. فما يجعهم في هذا السياق هو المبدأ الثيولوجي نفسه بشأن حاكمية السماء على رقاب البشر. ويكاد هذا المبدأ لا يجمع هذين التيارين فقط بل معظم أطياف الإسلام السياسي على اختلاف تلاوينه؛ إلا أنه عند التيارات السلفية والجهادية يظهر بنحو أوضح. لكن أخطر ما يُتخوف منه حقيقة بهذا التحالف هو أن يتحول الإخوان إلى التحالفات مع السلفيين ذوي الطابع الحركي المسلح، بحيث يصبحون العقل السياسي المدبر لأي عمل حركي إسلامي. وهذا ليس ببعيد. وثمة دراسات وتقارير تفيد بشأن ارتباط الإخوان بالقاعدة. وقد قرأنا التصريحات الإخوانية والحمساوية (حركة حماس) المستنكرة لمقتل بن لادن، بحجة كما يقول البعض، الطريقة التي قتل بها! ومؤخراً شهدنا في مصر الحوادث الطائفية، التي كان السلفيون وراءها كما بدا على السطح. لكن طريقة استغلال الإخوان لهذه الحوادث للتشهير الإعلامي بمواقفهم الرافضة لها، هو ما وضع إشارات استفهام حول دورهم بها، أنهم هم ربما يكونون العقل المدبر لها، وذلك لاستغلالها إعلامياً أمام الرأي العام.
 
الديمقراطية بين السلفيين والإخوان:
صندوق الاقتراع -وهو البوابة الإيديولوجية التي يدافع عنها الإخوان بشراسة- ليس أكثر من سلاح خطر في ظل وضع اجتماعي عربي: إسلامي، غير ديمقراطي، سلوكه العام سلوك تقليدي، يحكمه أباطرة المال والكهنة الدينيون من طرف والديكتاتوريون العرب (الذين بدؤوا يتساقطون الآن) من طرف آخر، هذا فضلاً عن فشل الإيديولوجيات اليسارية والقومية للنفاذ إلى هذا المجتمع… إلى آخر ما يميز مجتمعاتنا العربية. الحديث عن صندوق الاقتراع والديمقراطية في ظل هذه الظروف الثقافية والاجتماعية هو حديث "تكتيكي"، إجرائي، مؤقت. 
 
ليس غريباً إذاً إذا سمعنا إخوان سوريا حينما يتحدثون (وخاصة أطاريحهم في السابق) عن أنهم هم من يمثلون الأغلبية!، أو إذا سمعنا الإخوان المصريين يتحدثون بنفس المنطق. يسهل الحديث عن صندوق الاقتراع في ظل المجتمعات غير الديموقراطية، لكن بدون الحديث مسبقاً عن ثقافة صندوق الاقتراع. فكلما اقتربنا من ثقافة ديمقراطية، سيتقلص مشهد الإسلام الإخواني، والعكس بالعكس. ولنلاحظ نقطة مهمة: المجتمع المصري بعمومه مجتمع متدين، لكن لمجرد أن اشتم هذا المجتمع رائحة الحرية والديمقراطية أثناء انتفاضته، تبين الحجم الحقيقي للإخوان حينها، فلم يكن لهم دور في الانتفاضة لا من قريب ولا من بعيد. أما الآن فإنهم يحاولون الانقلاب على منجزات ما أنجزه المجتمع المصري، بطرق ملتوية ليس أقلها التحالف السافر بينهم وبين منافسيهم (ظاهراً) سابقاً مع الاتجاه السلفي. ولنتذكر أن النتائج الكبيرة التي حاز عليها إخوانيو حماس في الانتخابات التشريعية 2006، تبدو في هذا المجتمع طبيعية، لكن هل ستُحصد هذه النتائج في ظل مجتمع أكثر وعيا وأكثر مدنية من قبل أي حزب ديني مشابه لتوجهات حركة حماس؟ بالتأكيد ستكون النتيجة فاقعة في الاختلاف، طبعاً هذا فضلاً عن احتكار حماس لقطاع واسع من الفلسطينيين باسم: "المقاومة".
 
السلفي في هذا السياق يتميز ببساطة فكرية مقارنة بأخيه الإخواني. فهو من بداية الخط يرفض الديمقراطية جملة وتفصيلاً، ولا يتعب نفسه بمناقشتها. أما الإخواني فلا. لكن ما يجمع بينهما هو ذات الشيء في رفض الثقافة الديمقراطية ذاتها. أما على الصعيد التكتيكي والعملي الإجرائي ينقلب الإخواني بقدرة قادر إلى ديمقراطي ليتحدث باسم المجتمع (الأغلبية) ومصالحها…الخ، فلا يعيبه عندئذ التحدث في الجامع عن "الفضائل الدينية" لصندوق الاقتراع!
 
فإذا كان الإخواني يستند إلى بنية لاهوتية إيديولوجية "واحدية" في قوامها الفكري، فإن السلفي أيضاً يحتكم بذهنه اللاهوتي إلى هذه "الواحدية". لكن الفرق بينهما في هذا السياق، أن السلفي بوجه عام قليل الخبرة في مجال السياسة، بعكس الإخواني الذي يتمتع بالدهاء ومعرفة من أين تؤكل الكتف. كما أن مواقف السلفي أكثر مباشرة وأكثر حدة من أخيه الإخواني؛ وبالتالي ليس مستغرباً إذا قرأنا في الأيام القادمة أن الإخواني سيغدو هو العقل السياسي المدبر للسلفي.
 
إلى وقت قريب كما علق أحد الصحفيين المصريين، كانت بعض التيارات السلفية بمحاربتها لأي شكل ديمقراطي، يطلقون تسميات على فعلهم الهجومي ضد الديمقراطية من قبيل: "غزوة الانتخابات" و"غزوة صندوق الاقتراع"… وذلك في إشارة إلى العداء التاريخي بينهم وبين الديمقراطية كـ فكرة غربية مستوردة كافرة…الخ. لكن الآن مع سقوط مبارك وخلو الساحة، وكعكة الثورة الشهية أمامهم، لا بأس من المشاركة في اقتسام هذه الكعكة، وذلك بالانضواء تحت جناح الإخوان.
 
الآن الإخوان لا يتحدثون –ولا يستطيعون التحدث- عن الديمقراطية إلا بوصفها فعلاً إجرائياً. أما التحدث عنها بوصفها ثقافة "مدنية" شعبية لا علاقة للسماء بها، فهذا سيزيح البساط من تحت أرجلهم، ويفقدهم مشروعيتهم. وهكذا لا نستغرب تلكؤ إخوان مصر إلى الآن عن الإجابة عن أسئلة مصيرية بشكل محدد وواضح حول تولي المرأة مقاليد الحكم، ولا حتى استلام قبطي مسيحي وانضواء الإخواني تحت حكمه، ولا حتى مناقشة قضايا صغيرة أخرى. وما زالت المعركة التي استعرت ضد نصر حامد أبو زيد حاضرة في الأذهان. الإخواني ليس ديمقراطياًَ إلا عند صندوق الاقتراع، أما في بيته وفي فكره وسلوكه، فتبقى هذه مسائل معلقة بأحابيل الخرافة واللاهوت.
 
وبالطبع ليس الحل هو الإقصاء على طريقة الحكومات العسكرية العربية التي هي سبب البلاء في إنتاج هذه الأنماط من الإسلام السياسي والشوفينيات الدينية الأخرى، وإنما بدمقرطة الثقافة العربية نفسها. فلا جدال أن الشعوب العربية عاشت وما زال يعيش معظمها في ظل فكين ديكتاتوريين: الأنظمة السياسية من جهة، والإيديولوجيات الدينية الفاشية من جهة أخرى. وكل طرف منهما يخيف الآخرين بالطرف الآخر، ولسان حاله يقول: إما أنا وإما الجانب الآخر. وبالتالي إن حلاً حقيقياً لا يبدأ إلا بمعالجة الجذور، وهذا بممارسة النقد وإشاعة الديمقراطية ليس فقط كممارسة، وإنما كثقافة.

المراجع

موسوعة الاوان

التصانيف

عقيدة