ساحة المرجة
لم تعرف دمشق ولا غيرها من المدن العربية ساحة تاريخية مثل ساحة المرجة، التي ماتزال قلب دمشق الذي ينبض بالحياة والصخب والضجيج الذي شرع من خيوط الشمس الأولى وحتى ساعات فجر اليوم الثاني، فهي الساحة الساهرة التي لا تنام، إنها ساحة المفردات المتناقضة حيث ترى الشيء ونقيضه، ترى الغني والفقير، ترى القديم والحديث، ترى الجيد والسيئ .
ساحة المرجة، هي ساحة تم ارتباط اسمها بتاريخ سوريا سياسيا وعمرانيا واجتماعيا وثقافيا منذ أيام الحكم العثماني، وقبل وبعد الاستقلال من الحكم الفرنسي، كما ارتبطت هذه الساحة بالفكر القومي العربي منذ أن كانت ملتقى لكل العابرين بين جوانب الدولة العثمانية، فكان عمود هذه الساحة الشامخ منذ ما يزيد على مائة عام شاهدا على جريمة جمال باشا السفاح الذي أعدم شهداء السادس من مايو/أيار عام 1916 ليصبح اسم الساحة ساحة الشهداء ولتبقى فعلا ساحة للشهداء بعد إعدام أبطال الثورة السورية الكبرى من قبل الفرنسيين .
وإلى اليوم ماتزال هذه الساحة ساحة دمشق الأولى بتاريخها الحافل ومكانها المركزي الذي يجمع مفردات دمشق كلها، بل ومفردات المدن والدول العربية ورموزها، فهنا يقف رمسيس الأول، وهناك بلاد الرافدين، وعلى بعد خطوات مملكة البحرين، وبجوارها العربية السعودية، وليس ببعيد عنها بيروت، إلى أن تنتهي لائحة الدول العربية، فكأنما هذه الساحة خريطة مصغرة جامعة وموحدة العرب على أوراقها، فما أجمل هذه الفنادق المتواضعة التي وحدت العرب في مكان وزمان واحد، لتجعل من أحلامهم حقيقة واقعة لا أمنيات .
حيث ان لهذه الساحة العتيقة سر عميق مثل قدم مدينتها، إنها قصة دمشقية تروى: ويوضح الباحث في تاريخ دمشق حسن زكي الصواف بأن تسمية ساحة المرجة تعود إلى أن نهر بردى كان يتفرع في تلك المنطقة إلى فرعين تقع بينهما جزيرة صغيرة غنية بالأشجار، وكانت تعرف بالجزيرة أو بالحديقة الخضراء لكثرة خضرتها، كما كانت تسمى بين النهرين، وكثيرا ما كانت تشهد فيضانات في موسم الشتاء كونها أخفض نقطة في دمشق، ثم عرفت باسم المرجة، وفي العام 1866 تمت تغطية نهر بردى في تلك المنطقة المعروفة بالمرجة في عهد الوالي العثماني محمد راشد باشا، فأصبحت المنطقة فسيحة وواسعة مما جعلها مركزا أساسيا لمدينة دمشق حينها، وبات اسمها الميدان الكبير، وقد قام والي دمشق في العام 1895 حسين ناظم باشا بإقامة دار البرق والبريد ودار العدل وبناء السجن، وبذلك أصبحت هذه المنطقة نواة للحكومة العثمانية في دمشق،كما شهدت هذه الساحة حركة النقل والقوافل التجارية مما جعلها مركزا اقتصاديا وسياسيا .
ويؤكد الصواف أن ضرورة ساحة المرجة ازدادت كثيرا بعد عام 1900م عندما فكر السلطان العثماني عبد الحميد نتيجة علاقاته القوية مع الألمان ببناء الخط الحديدي الحجازي الممتد من المدينة المنورة إلى استانبول عاصمة الإمبراطورية العثمانية مرورا بدمشق، ولذلك فإن العمود المنتصب في وسط هذه الساحة يعود إلى عام 1907 أيام حكم الوالي حسن ناظم باشا .
أما أهم الأحداث التي عاصرتها الساحة كما يقول الباحث حسن الصواف فكانت إعدام شهداء السادس من أيار الذي قام به جمال باشا السفاح وتحول بعد ذلك اسم الساحة الى ساحة الشهداء، لتشهد بعدها إعدام شهداء الثورة السورية الكبرى ضد الفرنسيين الذين ألقوا بجثث الشهداء في هذه الساحة .
ويدل الصواف إلى أن ساحة المرجة تشكل مخزناً مهماً لذاكرة الدمشقيين حينما انتشرت فيها عربات الحنتور التي تشدها الخيول باتجاه الربوة ودمر ومصايف دمشق الأخرى، ثم تلاها التراموي القادم من جهات دمشق الأربع، ثم السيارات التي كانت تعرف بالأتونبيل .
وانشئت فنادق كثيرة منذ أوائل القرن العشرين بعد أن كانت الخانات تلعب دورا كبيرا في تأمين أماكن نوم الزائرين والمسافرين عبر دمشق، كفندق عمر الخيام وسمير وفندق الجامعة العربية وغيرها الكثير من الفنادق التي تحمل أسماء دول عربية أو رموزها، كما يشاهد في الساحة أبنية ذات طرز معمارية مختلفة أشهرها مبنى العابد الذي اشتراه عزت باشا العابد من حسين ناظم باشا، كما هناك مبنى العدلية والبرق، وقصر غازي، وجامع يلبغا المملوكي الكبير، الذي هدم ليبنى مكانه مجمع كبير منذ أواسط السبعينيات .