ما أن تفتح عينيك في أرجاء هذه المدينة حتى تقع بصيرتك على نسوة ملفوفة بالأسود، و هنّ يخفين في ملامحهنّ حسرات و تعاسة الأيام الجائرة. أو شيوخاً بلحاهم المقلومة البيضاء و هم في طرق عودتهم كأسراب النمل من المساجد، أو عمالاً ببنطالهم المتهرئة تسارع خطاهم شروق الشمس متوجهين صوب أعمالهم الشاقة تحت لسعات الحر و زخات الصقيع. أو ترى مجاميعاً مبعثرة من الطالبات الصغار ذوات الظفائر المنسوجة بخطواتهن المتسارعة و الغير منتظمة نحو المدارس الواقعة في طيات الأزقة. و المزارعون النحاف بمعاولهم المتآكلة في مسيرتهم العوجاء لسقي مزارع القطن و البطاطم و الرز مع الفجر.

أصباح المدينة مألوفة و موروثة من الأجيال الفائتة بهدوئها النسبي و عاداتها القائمة لحد يومنا هذا. فأصوات تلاوة القرآن تنساب بأيقاع شجي من المقاهي القديمة و المفتوحة أبوابها للتو. وسحب الأدخنة المتصاعدة من المقلاة على الارصفة الخالية تنثر رائحة البيض المقلي في الهواء النقي مستقبلة وجوه الزبائن – المارة القليلون. و حشود صغيرة لجنسي المرء منتصبة أمام أفران الصمون، تصطف في جانبيها نسوة يتكورن في عباءاتهنّ كطيور بللتها الأمطار، وهنّ يضعن أمامهنّ صواني القيمر و اللبن و التي تتحول في الظهيرة الى الأسماك و الخضراوات و المعجنات المصنوعة في المنازل. المدينة باقية كما كانت قبل عقد من السنين بهياكل منازلها القديمة المجرّدة جدرانها من الألوان الزاهية للأصباغ بفعل الحر و تأثير الأمطار، و الأفاريز المعدنية الصدئة المتدلية على ايوانات المنازل تليها في الأسفل خطاً عمودياً سوداء من الطحالب المتيبسة. و العتبات الأسمنتية المتآكلة عند المداخل الرئيسية للبيوت. و أعمدة الكهرباء التي تربط حزماً شائكة من الأسلاك المختلفة عن بعضها من حيث اللون و الغلظ، و بعضها مقطوعة من أعلى العمود لتلامس نهاياتها السائبة أرضية الزقاق.

و الأسواق الشعبية التي تصم أجوائها صيحات الباعة في تنافس عنيف فيما بينهم لعرض بضاعتهم التي تشمل الفواكه و الخضراوات و المعجنات و التوابل و أوانٍ معدنية و أكواب زجاجية و الألبسة المستعملة المعروضة على عربات تنهمر عليها النسوة. و الشوارع تتخللها بين مسافة و أخرى حفراً تحولت الى برك صغيرة من مياه نتنة. و قد غدت الأرصفة لشوارع ثانوية أو بيوت مهجورة عديمة الجدران مزبلة للنفايات و الأوساخ. و على الرغم من ذلك فقد غدت الأحوال في نظر أهل المدينة طبيعية. فقد اعتادوا هذه الحياة. و ما أن تستقر المدينة بسكونها في ذهنك حتى تتناهى الى مسامعك و فجأةً دوي انفجار هائل يهز معالم المدينة، و تهرع رجال الشرطة على أثره الى مكان الحادث، مطوقين الدمار الحاصل. أو تصم أصوات قذائف الهاون فضاء سوق شعبي أو مدرسة أو ساحة لوقوف العمـــال، سرعان ما تنطلق سيارات الاطفاء أو الاسعاف بزعيقها المتواصل معلنة قدومها.

و الحصيلة في جميع هذه الأحوال هي الدماء. فالدماء تراق مجاناً كالماء، و هي لا تميز بين الأصناف و الشرائح، و ثمّ خراب تلو الخراب. فقد تتوقف الحركة في الشوارع لانفجار محطة وقود ما، أو تبقى المدينة بالكامل و لأيام دون مياه الشرب لتدمير خطوطها، أو يقضي الناس لياليه في الظلام الدامس أو يجف في الحر لأحتراق مولدة الأزقة بسبب اشتباك دامي. أو يتسمّرصبيان عند عتبة البيت و للأبد في انتظار ابيها المقتول عبثاً. أو قد تنقص من طلابِ صفٍ ثلاثة أو أربعة أطفال، و يفر البقية نحو جحورهم بوجوههم المصفرة كطيور نجت من مصيدة صياد، حينئذٍ لا يلبث أن يصعد صراخ و زعيق النسوة و هن يلطمن صدورهن و خدودهن دونما شفقة في تشكيلة دائرة يطوقها أطفال مذعورين.

و ما أن يطبق الليل بسواده على المدينة، يسبت الجميع في مساكنهم خلف الأبواب المقفلة و تدار الأحاديث عادة حول مائدة العشاء في ضياء المصابيح الخافتة عن الأيام الدموية التي تقرض احشاء المدينة و أهلها. و كثيراً ما يتساءل الاطفال من الكبار ألغاز هذه الحياة. أو يتذكر الابن احد أقرانه في الصف و يخبر ذويه بلسان متعثر كيف انه قد رأى و بأم عينيه رأس زميله الشاطر تقافز أثر انفجار لغم عند مدخل المدرسة أو بتر ذراعه. انّ الشر لا يكف و لا يتعب. بعض الأحيان يخطر ببال المرء أن يترك مسكنه و مصدر قوت عائلته العالقة به ليفر الى حيث الحياة، لكنه يتردد، يتلوّى في حيرته الخانقة، يفكر في أجداده القدامى، يتدفّق الحنين من أعماقه الفياضة، و يقرر البقاء. انّ الحياة تزحف و تنبض في هذه المدينة تحت نيران قاتمة، ولكن و رغم ذلك يبقى أهلها الأبرياء صامدون بأيديهم المشققة و ملامحهم الغاضبة بوجه أشباح الظلام. انهم يمرّون صفاً براياتهم الواعدة. محدقين في خيوط الشمس البازغة على أسطح المنازل و البساتين المحروقة و قِبب المساجد المهدمة و الجدران الساقطة الغارقة في أفق هذه المدينة.


المراجع

almothaqaf.com

التصانيف

فنون  أدب  أدب عربي  مجتمع   الآداب   قصة