هل علم النفس"علم"/بيتر ريكمان
كنت قد دُهِشتُ بعض الشيء عندما استمعت إلى متكلّم أثناء محاضرة بعلم النفس يزعم فيها بثقة أنّ علم النفس Psychology كان علماً. طبعاً، إذا قمنا بتعريف العلم على نطاق واسع كبحث منظّم عن المعرفة فسيتأهّل علم النفس لتلك الدرجة. لكنّ المصطلح ليس هو موضوع بحثنا هنا، بل مسألة أخرى أكثر أهمّية بكثير.

 

عندما نتكلّم عن العلم، فنحن نفكّر بالعلم الفيزيائيّ/ المادّيّ بالدرجة الأولى. فإذا قالت أمّ ما عن ابنها أنّه كان يدرس العلوم في جامعة كامبريدج، فهل سيخطر علم النفس أوّلاً على بال المستمع؟ فأمثلة العلوم المادّية هي: الفيزياء، بسبب نظريّاتها الأنيقة القائمة على الملاحظات المتأنّية والتجارب التي تقدّم تفسيرات على درجة كبيرة من الوضوح بالإضافة إلى التنبّؤات والتوقّعات الموثوقة. كما أنّها تقدمّ الأساس النظريّ للتقنيات التي حسّنت طريقة حياتنا. فالرجل الذي يستقلّ حافلة "كلافام" قد لا يعرف قوانين علم الفيزياء، إلاّ أنه يعتمد بكلّ سرور على وسائل النقل التي تقوم على أساس تلك القوانين.

 

بالمقابل، إنّ طرائق علم الفيزياء باتت نموذجاً للمنهج العلميّ Scientific Methodology. فالمجالات الأخرى على اختلاف أنواعها والتي تهتمّ بدراسة النواحي الإنسانية: كعلم النفس، علم الاجتماع، وعلم الإنسان، يبدو أنّها تسقط بشكلٍ سريع من هذا التقييم. إنّ المفاهيم والنظريات المتعلّقة بهذه المجالات ليست متّسقة بثبات، كما أنّ تطبيقاتها لا تقارَن بتطبيقات العلوم الفيزيائيّة. فبينما تبدو الطائرات كوسائل نقل مضمونة، كما أنّ هناك الملايين من البشر الذين يستمتعون بمشاهدة البرامج التلفزيونية، إلاّ أنه ما زال هناك الكثير من حالات الطلاق والانهيارات العقلية. وما زالت عصابات الشّبّان العنيفين تملأ شوارع المدن.
 
حقائق غير مرئية
هناك العديد من الطلاّب الدارسين للعقل الذين يلتمسون العلاج الناجع لحالات فشلهم وافتقارهم للاحترام العامّ في عرض طرق علم النفس على العلوم الطبيعية. وهناك مثال واضح عن تلك الحالة يتمثّل في السلوكية Behaviorism". لماذا لا نركّز على دراسة السلوك الظاهريّ للبشر بنفس الطريقة التي ندرس بها حركة الأجسام الساقطة والنظريات التي تصفها؟ في النهاية، ما البشر إلا ّ أجسام سلوكية. هناك عيوب كثيرة في هذه الفكرة، وأحدها متمثّل في نكتة موجّهة بشكلٍ جيّد. هناك اثنان من السلوكيّين كانا قد قضيا ليلة عاطفية حارّة وهما يمارسان الحبّ بشغف، وفي الصباح التالي، قال أحدهما للآخر: "كان الأمر جيّداً بالنسبة لك، فكيف كان الأمر بالنسبة لي؟".

 

أفضل نقطة للانطلاق منها هي أن نتعرّف على المجالات التي تدرس الطبيعة الإنسانية كمجموعة مختلفة تتطلّب على الأقلّ - إذا لم يكن بديلاً كاملاً عن الطريقة العلمية - بعض طرق علم المنهج الإضافية والضرورية.

 

إنّ حقيقة أنّ ذلك الدليل الجزئيّ الذي يحصل عليه طلاّب الدراسات الإنسانية كي يبنوا نظرياتهم عليه، ليس من الحقائق التي يمكن ملاحظتها. كما أنه لا يقارن بأيّ شيء جدير بالملاحظة. بمعنى آخر، إنّ ذلك الشيء الموجود أمام عالم النفس مجرّد تصريحات من مريض أو مجموعة كاملة من الاستفتاءات (مثال ذلك: أنا أخشى الموت، لقد تعرّضت للاعتداء أثناء طفولتي… إلخ)، استجابات على اختبارات مثل صور رورشاخ، يوميات، وما شابه ذلك. وبنفس الشكل، يلجأ عالم الاجتماع إلى المقابلات، الاستبيانات والوثائق الرسمية. بينما يلجأ المؤرّخون إلى السير الذاتية، الرسائل، الكتابات المنقوشة على الأضرحة، الشهود العيان على المعارك والثورات وما شابهها من موادّ مختلفة. ويصحّ الأمر نفسه على الدراسات الإنسانية الأخرى كالأنثربولوجيا الاجتماعية أو السياسة.

 

جميع هذه الأمور جليّة وواضحة حتى الآن. فهي بحاجة لأن تذكَر بسبب الخطأ الشائع الذي يتمثّل في أخذ المعلومات المتّصلة بهذه المادّة كبيانات بسيطة معناها شفّاف. فالشيء الذي تمّ إهماله هنا هو التعقيد الهائل في عملية الاتصال. فمثلاً، قد يكون السؤال، على غرار الجواب، قد تمّ فهمه بشكلٍ خاطئ، أو قد يكذب المجيبون كي يسرّوا السائل، وذلك بسبب الكبرياء أو الشعور بالعار أو ببساطة لأنّهم يريدون التخلّص من السائل. اعترفت لي سيّدة أنّه عندما جاء الناخبون على اختلاف أحزابهم وطرقوا بابها وقت الانتخابات، كانت تقول لهم جميعهم: "نعم، سأصّوت لكم جميعاً" ثمّ تغلق الباب. أو إذا جاء غريب ورنّ جرس بابك ثمّ سألك كم مرّة تمارس الجنس، فهل ستخبره الحقيقة بالضرورة؟ بالتأكيد، إنّ شركات الدعاية الإعلانية كانت هي الخاسرة أثناء محاولتها في بيع منتجاتها لأنّ أغلب الناس يحاولون أن ينالوا الإعجاب أثناء إجابتهم على أسئلة السائلين.

 

هناك قصة كنت قد اقتبستها في أحد كتبي تعرض أحد أشكال الفهم الخاطئ والمغلوط. كان هناك محقّق قد أصيب بالدهشة عندما أجاب سجين ما بـ "لا" على أحد الاستفسارات التي طرحت عليه "هل سبق وأن وقعت في مشكلة مع الشرطة؟"، فذهب ليقابل ذلك السجين وسأله: "كيف تقول ذلك؟ فأنت الآن تقضي محكوميتك في السجن". فأجاب الرجل: "آه، اعتقدت أنّك قصدت مشكلة".

 

هناك حالة فشل جزئية في الفهم هي الدراسة الشهيرة للشخصية الاستبدادية، والتي عرضت بنجاح بعض ميزات الشخصية الفاشية. فقد ظهر فيما بعد أنّ الخصائص المشخّصة لم تكن تنحصر في الفاشيين، بل أيضاً يتشارك فيها أعضاء الأحزاب اليسارية. هذا التأويل الخاطئ للبيانات قد تمّ ارتكابه بسبب السذاجة السياسية.
ويترتب على ذلك أنّ الدراسات الإنسانية لا تستطيع تقليد العلوم الفيزيائية بسذاجة. فإذا هم لم يرغبوا بالكفّ عن كونهم مجرّد قاصّين وحكواتيين، فعليهم أن ينكبّوا بشكلٍ منظّم على المشكلات المعقّدة للاتصال.
 
هرمس والهرمسية
هناك نظام قديم يهتمّ بتأويل الاتصالات وتفسيرها. في اليونان القديمة، كان النظام التعليميّ يركّز على دراسة النصوص الأدبية. وكان يطلق على النظرية والطريقة الميثودولوجية في الفهم اسم "الهرمسية Hermeneutics" تيمّناً بالإله "هرمس Hermes" رسول الآلهة. مع مجيء المسيحية، طغت النزاعات والانقسامات المذهبية على المعنى الحقيقيّ للنصوص التوراتية. ومن أجل تصفية تلك الاختلافات في الرأي أصبحت الهرمسية فرعا من علم اللاهوت. وقد استمرّت هذه التفسيرات النصية المنتظمة خلال العصور القديمة والعصور الوسطى حتى عصرنا الحالي. "شلايرماخر" فيلسوف لاهوتي ومترجم لأعمال أفلاطون، كان يعمل بروفسوراً للفكر الهرمسي عمل على نشر هذا الفكر على نطاق واسع. ولم يقتصر عمله على النصوص فحسب بل كافة أشكال الاتصال الأخرى اللازمة للتفسير والتي يمكن ربطها بهذا النوع من الاختبار. "فلهلم ديلثي" أحد تلامذة "شلايرماخر"، قام بتطوير فكرة أستاذه شلايرماخر بشكل منتظم، مستعرضاً المساهمة الحيوية التي قدّمها الفكر الهرمسي للدراسات الإنسانية.

 

ليس هذا هو المكان المخصّص لاستعراض القيمة الكاملة والمنتظمة للهرمسية، لكنه المكان المخصّص لجذب الانتباه لبعض الخصائص المميّزة للمنهج الهرمسي البارز. أولاً، على المرء أنّ يؤكّد أنّ الهرمسية على عكس العلوم الفيزيائية، فالتركيز على الفهم في الهرمسية لا يكون على الفئات بل على الأفراد. أساساً، نحن نتوجّه لفهم القصيدة، وليس فنّ الشعر بشكلٍ عامّ، أي شخص بعينه، وليس كامل المجموعة التي ينتمي إليها. بالمقابل، فإنّ النموذج التي نبحثه في مجال الفيزياء أو الكيمياء لا يكون من الاهتمامات الجوهرية. وما أن تنتهي التجربة، ستلقى محتويات أنبوب الاختبار في البالوعة: فهي غير هامة إلاّ بقدر ما تساعد في تكوين القوانين العامة. وبالرغم من ذلك، نرى أنه الدراسات الإنسانية، فالشيء الفردي يدرس - قد يكون شخص ما، أو عائلة ما أو مجتمع ما- بقايا موضوع ما. مثل الدراسة الاجتماعية الكلاسيكية للـ "مدل تاون" أو تحليلات سيغموند فرويد النفسية.

 

إنّ الأجسام الفيزيائية تفسّر جوهرياً في سياق الفئة التي تنتمي إليها. فهذه جوهرة، وتلك طاولة، وهكذا، وهذه الأشياء تتّصف بكذا وكذا. لكنّ هذه التفسيرات غير مناسبة بالنسبة للكائنات البشرية - مثلاً: إنها امرأة، إنه مراهق، إلخ- ويحكم عليه غالباً على أنه نمطيّ وغير أصيل. وبدلاً من ذلك، نحن نميل إلى فهم أفضل للأفراد عن طريق وضعهم في سياقهم الخاص. مثال بسيط يتعلّق بمسالة كيف أنّ المعنى الصحيح للكلمة لا يتحدّد إلاّ من خلال الجملة ككلّ والسياق الشامل والعامّ الذي تطرَح فيه. ألفاظ مثل "منتدى" أو "حياة" تحمل عدّة معاني وتعاريف مختلفة، كما أنّ المعنى لا يتحدّد إلاّ ضمن التصريح المحدّد الذي طُرِح فيه. وبنفس الشكل، إنّ إشارة معيّنة كأن ترفع يدك مثلاً قد تُفهَم على أنّها سلام، أو تهديد، أو أيّ شيء آخر، وذلك حسب النظر إلى السمات الأخرى للظروف التي تترافق مع الفعل.
كل تعبير ذي مغزى هو نقطة تقاطع للسياق. خُذ مثلاً قصيدة "جون دون" التي تحمل عنوان "الشمس تشرق":
Busy old fool, unruly Sun, Why dost thou thus, Through windows, and through curtains, call on us? Must to thy motions lovers’ seasons run? Saucy pedantic wretch, go chide Late school-boys and sour prentices, Go tell court-huntsmen that the king will ride, Call country ants to harvest offices; Love, all alike, no season knows nor clime, Nor hours, days, months, which are the rags of time.
"أيّتها الشمس العجوز الحمقاء المشغولة لماذا أنتِ هكذا
من خلال النوافذ، وخلال الستائر، تنادينا؟
يجب أن تجري فصول الأحبّة وفق حركاتك
أيتها الوقحة والمتحذلقة والتعيسة، وبّخي
تلاميذ المدارس المتأخرين و……
اذهبي واخبري صيّادي البلاط أنّ الملك سيركب،
نادي نمل البلاد لحصد المكاتب
الحبّ، هو ذاته، لا يعرف فصول ولا مناخ
ولا ساعات، أو أيام، أو شهور، التي هي ستائر للزمن"
من الواضح أنّ قواعده ومفرداته هي جزء من سياقه، لكنّ السياق بدوره هو تاريخ القصيدة، شخصية دون، بالإضافة إلى ظروف وتقاليد عصره. ولفهم القصيدة ببصيرة نافذة - مع أنه يبدو في إحدى المستويات سهل المنال والفهم؟- علينا أن نتتبّع السياقات المختلفة طالما أنها مثمرة وعمليّة.
أنواع مختلفة من المجالات
بسبب المنهجيّات المميّزة والمتّبعة، فإنّ التفريق بين مجموعتين من المجالات، العلوم الفيزيائية والدراسات الإنسانية، هو عملية مهمّة ومبرّرة. طبعاً، هناك ميزات مشتركة بين المجموعتين. فعمليات مثل التحقّق من البيانات، تكوين الفرضيات وتجربتها وما شابه ذلك، ضرورية جدّاً للبحث العلمي المنتظم. بعض مناهج العلوم الفيزيائية تلزم أيضاً في مجال العلوم الاجتماعية. فأصالة المخطوطات التاريخية قد تحتاج إلى اختبارات كيميائية، إحصائيات حيوية مُحَلّلة، وما شابه. كما أنّ المناهج التقليدية في الدراسات الإنسانية ليست مكتملة أيضاً، فهي مغيّبة عن العلوم الفيزيائية. علم الفلك على سبيل المثال، يمكنه تفسير حركة الكواكب بالرجوع إلى سياقاتها، بالإضافة إلى علاقاتها مع الكواكب الأخرى أو أمام خلفية من النجوم.
على أيّة حال، يبقى صحيحاً أنّ الدراسات الإنسانية كعلم النفس مثلاً لا يمكن أن تندرج تحت قائمة العلوم في نفس الإطار الذي يندرج فيه علم الفيزياء، مهما كانت الخصائص التي يشترك فيها مع المنهج العلمي، فإنّه يتلقى دعماً جوهرياً من المنهج الهرمسي. فلمعرفة الاتصالات، علينا أن نؤسّس الخلفية، أو بالأحرى المعرفة والدوافع الشخصية للمتّصل.

 

كلمة المترجم:
أعتذر جداً من القرّاء الأفاضل بشأن أيّة أخطاء في ترجمتي للقصيدة، وأنا أرحّب بأيّ رأي أو نقد عساي أتعلّم من أخطائي. وكما قال العلامة الشيخ عبد الله العلايلي:
"من ينقد عليّ كمن يؤلّف معي"

المراجع

www.alawan.org

التصانيف

علم النفس