تجهَد الحركات الإسلامية في العالم لتكظم غيظها أمام حجم النكبات الانتخابية، غير المسبوقة، التي تتالت عليها مؤخّرا.
السقوط المذهل للقوى السياسية الإسلامية (شيعية وسنّية) في انتخابات المحافظات العراقية التي جرت أواخر يناير الماضي، لم يكن سوي الحلقة الأعلى صوتا في خطّ انهيارات انتخابية مدوّية شهدتها حركات وتنظيمات وأحزاب تعتمد ما تسمّيه بالمرجعية الإسلامية.
ففي تركيا عجز حزب العدالة والتنمية الحاكم عن تحقيق تطلّعاته باكتساح الانتخابات المحلية التي جرت في مارس الماضي، وتهاوت أرصدته في مقاطعات انتخابية دأب على احتكارها، على غرار ما حدث في شرق البلاد(الكرديّ) والمناطق الحضرية الكبرى كإسطنبول وأضنة وأزمير.
حصول حزب العدالة والتنمية على قرابة 40% من أصوات الناخبين في هذه الانتخابات، مثّل تقهقرا واضحا عن نتائجه الكبيرة في الانتخابات المحلية سنة 2004 ، أو حتى برلمانية عام 2007، وأعطى الفرصة للقوى السياسية العلمانية (حزبا الشعب الجمهوري والحركة القومية)، لتستردّ أخيرا وبعد سنوات من الانحسار بعض ملامح قوّتها القديمة.
وفى المغرب عزّز مشهد الانتخابات البلدية التي جرت في يونيو الماضي من فرضية تراجع الإسلاميين عبر صناديق الاقتراع.
فقد حقّق حزب الأصالة والمعاصرة، الذي يحلو له القول إنّه بديل الإسلاميين في السياسة المغربية، نقلة نوعية حين ضرب الإسلاميين المغاربة في مقتل باكتساحه الانتخابات المحلّية (جرت يونيو الماضي)، بحصوله على أكثر من 20% من الأصوات.
حزب العدالة والتنمية (الإسلامي المغربي) خرج من مولد هذه الانتخابات باقتناص مجرّد 5.5 في المائة من الأصوات فقط، في الوقت الذي قاطع فيه حزب العدل والإحسان (الإسلامي) هذه الانتخابات.
وفى الكويت، الدولة الخليجية الصغيرة والمحافظة، كان الإسلاميون على موعد مع هزيمتين، الأولى انتخابية، والثانية في الفشل في المضيّ قدما في رهانهم التاريخيّ المتمثّل في الحيلولة دون وصول بعض النسوة إلى البرلمان.
نتائج الانتخابات المحلية في مصر كذلك لن تعكّر صفو الفرضية القائلة بتراجع الحركات الإسلامية (الإخوان المسلمين في هذه الحالة)، رغم حقيقة الخروقات الانتخابية التي مارسها النظام والتي ضمنت لحزبه الحاكم أغلبية مطلقة.
لكنّ الاتّهامات بتزوير الانتخابات في الحالة المصرية، لا يعني أنّ التزوير هو السبيل الوحيد لإزاحة الإسلاميين من الساحة السياسية، فمعظم الانتخابات التي شهدتها دول العالم الإسلامي ومنيت خلالها الحركات الإسلامية بهزائم كانت نزيهة بدرجة أو بأخرى.
فبعيدا عن الشرق الأوسط، استمرّ مسار تهاوي الحركات الإسلامية انتخابيا، ومنيت الشعارات التي رفعتها القوى الإسلامية في الانتخابات البرلمانية الإندونيسية بهزيمة مريرة.
وفى باكستان حمل الناخبون سخطهم على ممارسات القوى الإسلامية المتشدّدة التي أنهت حياة رئيسة الوزراء السابقة بى نظير بوتو إلى صناديق الاقتراع.
تحتاج سلسلة هزائم الحركات الإسلامية هذه إلى بعض التوقّف، على غرار وقفة التأمل التي حدثت منذ خمس سنوات حين أحدثت جماعة الإخوان المسلمين في مصر زلزالا عنيفا بحصدها خمس مقاعد في المجلس النيابي - رغم التعنت الذي مارسته السلطة ضدّ مرشّحيها- وهو السيناريو الذي كان يحفر لنفسه طريقا واضحا في العمليات الانتخابية التي شهدتها فلسطين وتركيا واندونيسيا والمغرب والأردن.
وعلى الرغم من التنوع المذهل في أجندات ومصالح هذه الحركات، فضلا عن اختلاف السياقات السياسية التي تتحرّك خلالها، وهو ما يجعل جمعها في سلّة واحدة أمرا عسيرا، إلا أنّ سلسلة الهزائم الانتخابية المشار إليها تبدو وكأنها تؤكّد تشابه خطوط أيديولوجية معيّنة بين هذه الحركات.
البعض قد يدفع بأنّ تقهقر الحركات الإسلامية ليس جديدا، ومن ثمّ فإنّ أيّ تقهقر حالي لا يمثّل إلا حلقة من جملة حلقات التغيّر في المشهد السياسي الذي اعترى العالم العربي والعالم الإسلامي.
تاريخيا، تزامن صعود الشكل الراديكالي للحركات الإسلامية مع تقهقرها سياسيا في نفس الوقت.
فخلال عقد من الزمان (منذ منتصف الثمانينات حتى منتصف التسعينات) تقهقرت هذه الحركات سياسيا حين لملمت الدولة العربية قواها ودخلت في حروب ضروس مع عناصر هذه الحركات، ممّا أسفر عن مشهد للحرب الأهلية في الجزائر، وشكل من أشكال حرب العصابات في صعيد مصر، هذا فضلا عن بعض المذابح الدموية في دولة عربية هنا أو هناك، وانقلاب عسكري في السودان.
خلاصة مرحلة التقهقر هذه؛ أنّ الأحزاب الإسلامية على اختلاف أشكالها، راديكالية أو سلمية، خاضت، طوال عمرها، معارك ضروسا مع الأنظمة الحاكمة في معركة للبحث عن الشرعية، وتلقّت بموجب هذه المعارك ضربات موجعة أثّرت فعليا على حجم تأثيرها في الشارع السياسيّ.
إلا أنّ الخلاف الأساسيّ ما بين مرحلة تقهقر أواخر القرن العشرين ومرحلة التقهقر، إذا جاز استخدام التعبير، يمكن في أن ّمرحلة التقهقر الأخيرة، هي بنت اللعبة الديمقراطية، وأنّ ترنّح الحركات الإسلامية انتخابيا يعكس حقيقة فشل هذه الأحزاب في إدارة تحدّيات كلّها تدخل تحت عناوين علمانية.
الركود العالمي الكبير الذي تسبّبت به الأزمة المالية في أواخر 2008، مثلا، ألقى بأثقاله على اقتصاديات دول العالم الإسلامي الهشّة في معظمها، وأدّى بدوره إلى إحراج الإسلاميين ممّن في السلطة أو في المعارضة.
في تركيا بات المرشّحون الأتراك أكثر إدراكا بأنّ كلمات الوعظ الأخلاقيّ واللعب على المشاعر الدينية لم تعد حلولا ناجعة لحلّ مشكلاتهم الاقتصادية.
حزب العدالة والتنمية الحاكم تجاهل طوال شهور الاعتراف بالتأثير السلبيّ الذي أحدثته الأزمة المالية العالمية على الاقتصاد التركي، وبلورة استجابة للحدّ من تداعيات الأزمة وحماية الفئات الأكثر تضرّراً منها، وفضّل بدلا من الاعتراف بالمأزق القول إنّ سبب الأزمة مجرّد شعور نفسيّ.
الآن ترزح تركيا تحت وطأة اقتصاد منكمش ومتراجع بنسبة 6,2% (في الربع الأخير من 2008).
أندونسيا دليل آخر على تأثير الأزمة المالية العالمية وتراجع الإسلاميين.
الأحزاب الإسلامية نجحت عام 2004 في حصد أربعين في المائة من الأصوات في الانتخابات البرلمانية، لكنّها الآن لا تتلقّى سوى نصف هذه النسبة من الدعم، نظرا لتورّط بعض من رموز هذه الأحزاب في قضايا الفساد وفشلهم في تقديم اقتراحات عملية للازمة الاقتصادية التي عصفت بالبلاد.
الخطابات الأيديولوجية للحركات الإسلامية، لم تفلح في رد آثار الأزمة المالية العالمية، وفشلت كذلك في إدارة عمليات الصراع داخل المجتمعات مثلما حدث في العراق.
في وقت من الأوقات اتُّهم رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بأنّه مجرد ألعوبة وبهلوان سياسي، خاصة بعد الفشل الذريع الذي منيت به خطته العام الماضي لردع ميليشيات جيش المهدي إبان صولة الفرسان في مدينة البصرة جنوب البلاد.
لكن نتيجة انتخابات المحافظات العرقية أظهرت ليس فقط قوته ولكن حجم الهوة التي تفصل خطاب الأحزاب الإسلامية وتفاصيل واقع اقتصادي واجتماعي مرير يحياه العراقيون.
في هذه الانتخابات تراجعت ثقة العراقيين في مدى أهلية الأحزاب الدينية التي سيطرت على المشهد العراقي ما بعد انتخابات 2005، وجري إلقاء اللوم عليها جراء تورطها في تأجيج الطائفية في البلاد.
الانتخابات الكويتية تقدم صورة أخري لكيفية تعاطي الإسلاميين مع سلسلة من الأزمات التي عصفت بالبلاد، وأفرزت محصلة أخيرة تراجع بموجبها الإسلاميون (السنة) ومؤيدوهم من 21 مقعدا في البرلمان السابق إلى النصف تقريبا (11 مقعدا) في المجلس الجديد، مقابل تعزيز الجناح الليبرالي لقوته (حصل على ثمانية مقاعد).
إيران مثال مراوغ آخر، لكنه لن يخرج في نهاية المطاف عن خسائر الإسلاميين.
فرغم الفوز الكاسح الذي حققه الرئيس محمود أحمدى نجاد، إلا أن حجم الاضطراب السياسي الذي عمّ البلاد احتجاجا على هذه الانتخابات كان بمثابة دليل آخر على فشل سياسة البلاغة في مقابل واقع مزر ترتفع فيه معدلات الفقر والبطالة والتضخم وسوء توزيع الثروة علاوة على عزلة دولية محكمة.
كما حمل الاضطراب الذي عمّ البلاد إخلالا بالتوازن المعقّد بين القوى السياسية والمؤسسات المختلفة في إيران، ووضعت مرشد الثورة في مربّع الخطر حين تخلّى عن حياده وأعلن انحيازه لمرشّح بعينه.
خلاصة السطور السابقة هي أنّ الحركات الإسلامية تتراجع، لكن لا يمكن حسم مدى هذا التراجع، ولا يمكن أيضا حسم ثنائية ما إذا كان التراجع تكتيكيا أم أنّه يخفي ملامح مرحلة جديدة مناقضة لمرحلة سادت فيها مقاربات تعلي من شأن المدّ السياسيّ المتصاعد للحركات الإسلامية.

المراجع

موسوعة الاوان

التصانيف

حياة