رحمة عبد العزيز الطيب

قال تعالى: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات..)الآية.
دخل رجل مسجد دمشق، فقام على باب المسجد فقال: اللهم ارحم غربتي، وآنس وحشتي وصِل وحدتي وارزقني صالحا ينفعني، ثم صلى ركعتين.ثم جلس إلى شيخ فقال: من أنت يا عبد الله ؟ فقال: أنا أبو الدرداء فجعل يكبّر ويحمد الله. فقال له أبو الدرداء: مالك يا عبد الله؟ قال: دخلت هذه القرية وأنا غريب لا أعرف بها أحدا فقلت: اللهم ارحم غربتي، وآنس وحشتي، وصل وحدتي، وارزقني جليسا صالحا ينفعني، قال فقال أبو الدرداء: فأنا أحق أن أحمد الله إذ جعلني ذاك الجليس. أما إني أحدثك بشيء ما حدثت به أحدا غيرك أتحفك به: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يجيء السابقون يوم القيامة فيدخلون الجنة بغير حساب، وأما المقتصدون فيحاسبون حسابا يسيرا، ويجيء الظالمون فيحبس حتى يصيبه كظّ العذاب وسوء الحساب ثم يدخل الجنة. فمن هؤلاء وما صفتهم؟).

ورثة الكتاب
أورثنا، معناها أعطيناه فرقة بعد موت فرقة، وأورثنا الكتاب: أي أوحينا إليك القرآن ثم أورثناه من بعدك أي حكمنا بتوريثه. والكتاب هنا يريد به معاني الكتاب وعلمه وأحكامه وعقائده، وقيل الكتاب شهادة إلا إله الله. فكأنه تعالى لما أعطى أمة محمد صلى الله عليه وسلم القرآن وهو قد تضمّن معاني الكتب المنزلة قبله فكأنه ورّث أمة محمد الكتاب الذي كان في الأمم قبلها. والذين اصطفينا من عبادنا، هم أمته من الصحابة والتابعين وتابعهم ومن بعدهم إلى يوم القيامة لأنه اصطفاهم على سائر الأمم، وجعلهم أمة وسطا ليكونوا شهداء على الناس، واختصهم بكرامة الانتماء إلى أفضل رسله.
وكلهم مؤمنون، وأما صفة الكفار فبعد هذا وهو قوله: (والذين كفروا لهم نار جهنم)، وأما الطبقات الثلاث فهم الذين اصطفى من عباده فإنه قال فمنهم ومنهم ومنهم، والكل راجع إلى قوله (الذين اصطفينا من عبادنا). وسمّى الكل مصطفيْن وأخبر أنه اصطفاهم من جملة العباد، ومحال أن يكون الكافر والمشرك من المصطفين، لأن الاصطفاء هو الاختيار وهو الافتعال من صفوة الشيء وهو خياره، فعلم أن هذه الأصناف الثلاثة صفوة الخلق، وبعضهم خير من بعض، فسابقهم مصطفى عليهم، ثم مقتصدهم مصطفى على ظالمهم، ثم ظالمهم مصطفى على الكافر والمشرك، وهم أهل الإيمان، وكلهم بمنزلة واحدة.
وقدم الظالم لئلا ييأس من رحمة الله تعالى وفضله، وليعرفه أن ذنبه لا يبعده عن ربه، و أخّر السابق لئلا يعجب بعمله، فتعين توسيط المقتصد. وإنما قدم الظالم للإيذان بكثرتهم وأن المقتصد قليل بالإضافة إليهم، والسابقون أقل من القليل، وتوريثهم الكتاب هو الفضل الكبير، وربما بدأ بالظالمين إخبارا أنه لا يتقرب إليه إلا بكرمه، وأن الظلم لا يؤثر في الاصطفاء، ثم ثنّى بالمقتصدين لأنهم بين الخوف والرجاء، ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكره، وكلهم في الجنة، تحاكت مناكبهم ثم أعطوا الفضل بأعمالهم..

الظالم لنفسه
هو المقصّر في العمل بالكتاب، المفرّط بترك مأمور أو فعل محظور، الذي رجحت
سيئاته، الذي يعبد الله على الغفلة والعادة، واشتغل بمعاشه عن معاده، وحّد الله بلسانه ولم يوافق فعله قوله، ظاهره خير من باطنه، الذي طلب الدنيا وأخذها حلالاً كانت أو حراما.
وقيل هو الجاهل، وقيل الكافر بالنعمة غير الجاحد لها، وهو المرجأ لأمر الله، صاحب الكبائر وقيل هم أصحاب المشأمة.. وهو مغفور له.

المقتصد
فهو القائم بأداء الواجبات وترك المحرمات، الذي يعبد الله على الرغبة والرهبة، استوت حسناته وسيئاته، الذي اشتغل بمعاشه ومعاده، وحّد الله بلسانه وأطاعه بجوارحه، يستوي ظاهره وباطنه، طلب العقبى واجتهد ألا يأخذ من الدنيا إلا حلالا وقيل هو المرائي.
وقيل هو القارئ للقرآن العامل به أغلب أوقاته، أو هم من اتبع أثره من أصحابه صلى الله عليه وسلم، وقيل هو صاحب الصغائر الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا، وهم أصحاب اليمين، ثلة من الأولين وثلة من الآخرين، وهو في الجنة عند الله.

السابق بالخيرات
فهو بمنزلة المقرب الذي يتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض حتى يحبه الحق، الذي رجحت حسناته، الذي يعبد الله على الهيبة والاستحقاق، اشتغل بمعاده، وحد الله بلسانه وأطاعه بجوارحه وأخلص له عمله، باطنه وظاهره، أعرض عن الدنيا جملة وطلب المولى بإذن بأمره أو بعلمه أو بتوفيقه.
وقيل هو العالم القارئ للقرآن العامل بما فيه، الذي يضم إلى العلم التعليم والإرشاد إلى العمل، والمخلص أو هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، الذين مضوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة والرزق، الذين اجتنبوا الصغائر والكبائر، وهم بالمكان الأعلى وهم السابقون المقربون، ثلة من الأولين وقليل من الآخرين، وهم في الدرجات عند الله، في روح وريحان وجنة نعيم.
قال تعالى: (جنات عدن يدخلونها يحلّون فيها أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير).. وقال صلى الله عليه وسلم: (سابقنا سابق، مقتصدنا ناج، وظالمنا مغفور له

المراجع

شبكة المشكاة الاسلامية

التصانيف

تصنيف :عقيدة