"إن التأمل السابق للموت هو التأمل السابق للحرية"
مونتاني

-البداية

مرّت أيام وأشهر وهي تعتقد أنها تشبهه وأنه يشبهها.. أنهما اقتُطِعا من صخر واحد أو شجر واحد.. أو جُبِلا من رمل وماء بحر واحد.. أو أن لهما باختصار روحاً واحدة. لمّحت بذلك له ولم تقله علانية. تخاف أن تفعل فيرمقها بنظرة سخرية: أن أين أنتِ مني.. أين قلبكِ الصغير من قلبي.. أين روحك الأرضية من روحي السماوية.. أين فضاؤك الضيق من فضائي الرحب.. أين مفرداتكِ البسيطة من معاجمي الضخمة.. وأين ما تكتبين مما أكتب. تشابه الأرواح يجب أن يؤدي إلى تشابه درجات النجاح والإخفاق.. التألق والخبو.. ولكن أين أنتِ من أنا
شعرتْ بقولـه هذا من دون كلام، فما أن تُلمّح لـه بتشابه فكرة ما.. جملة ما.. رأي ما.. شعور ما.. حتى يدور بؤبؤا عينيه نصف دورة ويعودا للاستقرار بعد أن يجعلا العالم يدور بها نصف دورة ويعود بها ربع قرن إلى الوراء.. فتقول أنا لا شيء.. أنا لست سوى ابنة أشهر وأيام.. ما كان علي المقارنة معه أو المقاربة منه بشيء من الأشياء.
"وإن تزامنت أفكاركما الغريبة معاً" قال عقلها منتفضاً لسنواتٍ قضاها وهو يملي عليها ما تفعل وما تقول وهو يعلّمها محاولاً وضعها على الطريق الصحيح.. فكيف تنكر كل شيء وتستسلم لبؤبؤي عينيه اللذين بنصف دورتهما قالا: "أنتِ لا شيء". لا تجيبه.. تتركه مهملاً لأنها لا تريد أن تعرف شيئاً.



-تغيُّر.


مرت أيام جديدة بدأت الألوان تغيّر ألوانها.. الأشجار تخلع أوراقها.. الجبال تتعرى من ثلوجها.. السماء تبكي عليها.. الأرض على رحابتها ما عادت تسعها.. جسدها سجن.. البيت سجن.. الشارع سجن.. ووجوه الناس سجون مزخرفة ومصائد مغطاة بالحشائش... ابتسامات العيون والشفاه هي إحدى وسائل الاغتيال المبطّن.. الغدر يلاحقها لتكبو فيطعنها في ظهرها والغيرة تحاصرها من الجهات كلها. الجميع يغار منها ويحسدها. "اللا شيء" في المقابل لا يحسد شيئاً.
لماذا كل هذا الحسد.. أتُحسَد عليه وهي التي لا تملكه؟ أيغارون من أنه حبيبها.. هو الذي ما منحها أكثر مما منحهم سوى بعض الكلمات. بل منحها الانتظار.. القلق.. الخوف.. تأنيب الضمير.. عقدة الذنب وذكريات يشوبها الرماد وطعم المرارة.. أعاد لها ذكرى البكاء الأول المرير يعنّ على بالها كلما غادرها.. خوفاً من ألا يعود كغائبها القديم.


يرون أنها تكبر لأنها تسكن في عينيه وترى أنها تصغر إذ يؤطرونها بإطار عينيه فقط. صاروا يقتربون منها ليقتربوا منه. هو قال نعم لاقترابهم منه فما المانع من معجبين جدد. حاول إقناعها أنه كرمى لعينيها يلاطف هؤلاء الوافدين فهم يقتربون منه ليقتربوا منها. ألبس جوهر الأشياء أشكالها. لم تناقشه لكنها رفضت بصمت أن تكون جسراً يمر عليه الوافدون إليه.

-لحظة تأمل


إلى متى هذه الفوضى.. إلى متى يتوجب عليها أن تقتنع بآرائه وأن تتخلى عن آرائها.. إلى متى ترضى بأن تكون جسراً للعبور.. للوصول إلى الضفة الأخرى.. ضفته.. ضفة النجاة تلوكها ألسنتهم.. تطؤها أقدامهم ونعالهم.. تسمع أغاني نصرهم وهم يعبرون الجسر خفافاً ويصلون عنده ممتلئين. ولكنها الجسر ما وَصَلت مرة ولا وَطِئت مرة الضفة الأخرى.
لا يمكن للجسر أن يستقر على أرض.. كُتِب عليه أن يظل معلقاً بين الأرض والسماء.. كُتِب عليه البقاء وحيداً وكُتِب عليه الحسرة والبكاء.. وإن هرَب خلسة إلى الضفة الجديدة، سقط من عيني نفسه.. وإن عاد أدراجه لضفته الأولى التي انبثق منها، لم تستقبله بيديها المفتوحتين. فهو رفضَ لِكبَر أن تدوسه الأقدام كتراب أرض فداسته كجسر مرتين.. فهو طريق للمسير ووسيلة للعبور.


لكنَّ وجهتها يوم غادرت ترابها الأول كانت القلاع.. وأنّى لجسر الآن أن يرتقي نحو القلاع
الذاهبون لا يعودون.. جميعهم يعبرون باتجاه واحد.. اتجاهه.. وهي تقف متأملة للكوميديا السوداء. مضحك أن يعبروا فوقك أبداً ولا تعبر مرة.. أن يصعدوا على أكتافك أبداً ولا تصعد مرة.. مضحك جداً.. مضحك حد البكاء.


ومرة عاد أحد الذاهبين ليلقي عليها نصيحة. قال: اعبري نحو الضفة الثانية.. اعبري مثلنا..أتريدين أن أتوسط لك عنده كي يدعك تمرّين؟.


ممضّ هذا الكلام وجارح.. من عبر فوقها يحاول أن يعبّرها.. أن يتوسّط لدى من قال لها "لأجلك استقبلهم في أرضي" بينما كان يخطط لزيادة رقعة مملكته بأولئك المرائين.
ذاك الذي ينصحها يتناسى أنه لا تنفع الوساطات مع الجسور، فبذلك تسقط إلى الأبد.

-بداية النهاية

كان لا بد من أن تعرّي الحقائق.. أن تنزع أثواب الممثلين.. وجوه المهرّجين والبهلوانيين.. أقنعة المشاهدين التي يضعونها زمن العرض.. وكان عليها أن تذهب أبعد من ذلك فتدخل وراء ستارة المسرح الخلفية لتجر الكومبارس الذين يلعبون لعبتهم في الخفاء ولترمي بهم تحت الأضواء. كان لا بد من نهاية للأشياء.. والنهاية مثل البداية تبدأ بنقطة معتمة أو مضيئة، لكنها تبقى نقطة تتصاعد وتنمو لها أجنحة حتى تتفجر كطائرة ملغّمة أو تطير بعيداً عنها بعد أن يدركها الجميع جيداً فتكون بذلك درساً مفيداً.


اختارت لبحثها نقطة بداية كانت "الاختلاف". قالت: لكي تقاوم الشر ما عليك سوى أن تواجهه بالخير.. ولكي تكتشف كنه الأشياء ما عليك سوى أن تجمعها بأضدادها في بوتقة واحدة. وضعت نتائج مسبقة لبحثها.. فإما.. أو. إما أن تتماهى الأضداد ببعضها بعضاً بحالة من انجذاب السالب والموجب.. ولا مانع لديها إن كان ذلك عن عشق لما بينهما من اختلاف.. وليس عن طبع كسر الرؤوس من جهة والطاعة العمياء والخجل الزائد من الرفض من الجهة الأخرى.
أما (الأو) فهو الابتعاد المطلق أو الاحتراق التام أو التنافر عن كراهية وملل من التشابهات القليلة التي جمعتهما لوقت، وإن لم يشعرا بها بوضوح. وبذلك يعود كل منهما أدراجه في اتجاهه القديم.. لا يلتفت أحدهما نحو الآخر في محاولة أخيرة للوداع.. إذ لا يمكن له أن يصير مثلها ولا يمكن أن تصير مثله برغم المحاولات الجادة التي باءت بالإخفاق.


ولكن كيف ستبدأ البحث لا بد من مخطط له.. هل تبدأ من النهايات.. من الأبواب المغلقة التي وصلت إليها المحاولات.. من الكلمات المصمتة التي انتهت عندها الحوارات.. ومن أن لا جديد سيأتي بعد. أم تبدأ من البدايات.. بتقصي الحقائق والأحداث وماجريات الأمور أمراً أمراً.. أم تستخدم أسلوباً توصيفياً.. أم.. أم تستخدم خنجراً تغرزه في قلبها وينتهي كل شيء.
الانتحار وسيلة من لا يملك المفاتيح للحلول، لكنها تملك كل متطلبات البحث من أزمنة وتواريخ.. من مذكرات مكتوبة أو محفوظة في ذاكرتها تدل على تقادم الأحداث وكيف كانت تتطوّر كرّة وتعود للوراء أخرى. لديها دلائل الصدق ودلائل الكذب.. دلائل الخداع الأبيض والأسود.. لديها أقوال الناس ونظراتهم.. لديها العيون التي ترمقها بلا رحمة.. لديها الدفاتر والأقلام.. دفاتر ممتلئة وأقلام فارغة.


الآن هي بحاجة من جديد إلى دفاتر فارغة وأقلام ممتلئة لتكتب عن الأحداث التي كتبت عنها سابقاً، ولكن هذه المرة كذكريات وليس كأحداث تعاش. عليها أن تكتب عنها باتجاه معاكس تماماً ومن وجهة نظر محايدة وبأسلوب موضوعي لا ذاتي. ستكتب بعقلها لا بعواطفها. ما عليها سوى أن تبدّل كل كلمة تشابه بكلمة اختلاف.. كل كلمة حب بكلمة كره.. انتظار بوهم الانتظار.. شوقها لـه.. بشوقها لتقرأ أو تسمع كلماته.. دموع حبها لعدم قدرتها على امتلاكه إذ تكون معه بدموع شعورها بالذنب وكرهها لذاتها إذ تجالسه.. وما من مخلّص.


وما كتبته عنه كان عليها أن تغيّره. فبدل اتصالاته الكثيرة بها اتصالاته الكثيرة بنفسه.. الحديث معها بالحديث عنه.. شوقه للجلوس معها بشوقه للجلوس مع حالة ما في أعماقه.. وبدّلت كلمة "أحبكِ" التي قالها لها بعبارة "لا أحب إلا نفسي".. و عبارة "ظلال قديمة لسواكِ كانت تعتريني".. "بظلال متجددة لها لا تزال تعتريني".. عبارة "أريدكِ دائماً وأبداً" بعبارة "أريدكِ حالاً ولمرة واحدة".
هذا كل ما كان عليها أن تفعله لتقلب القصة من تشابه إلى اختلاف. لم يبؤ بحثها بالإخفاق فلقد توازنت المعادلة التي ما كانت تتوازن على الرغم من كل الرموز والدلالات والأرقام فيها حين كان بحثها مستنداً على عنصر التشابه فقط. صارت معادلة صحيحة.. لم تكتشف خطأ أو خللاً في مكان ما منها.


فاجأها أن المعادلة لم تتوازن وحسب بل إنها اتّخذت أيضاً شكل الحقيقة التي أضناها البحث عنها.

-لحظة ما قبل الصفر


الحقيقة التي ستتعرى لحظة يُنزَع عنها آخر ستار أيقنتْ بأن هذه الفتاة قد وصلتها ولم يعد بينهما سوى شعرة. كمحاولة أخيرة من الحقيقة لأن تبقى عذراء قصوى حذّرت الفتاة قائلة: إن وصلتِ قمتي فستخسرين الأحلام الوردية.. الأطياف الملوّنة.. أوراق أشجار الرمّان الحمر في أول الربيع.. قطرات المطر الأول في بداية الشتاء.. التماع الصيف.. دفء الخريف وحنانه.. كل ذلك سيصبح كذبة لديك ولحظات السعادة الوهمية ستولّي إلى الأبد. ستخسرين.. لن تكوني جسراً بعد اليوم.. ستسقطين مغميَّاً عليك إلى الأبد مع آخر رداء أو غلالة تسقط عني، فهل أنت موافقة؟ وهل أنت مستعدة للسقوط؟ لديك فرصة أخيرة لتعودي أدراجك إلى كذبة اخترعتِها وصدقّتِها وأدمنتها إذ أسعدتك وخدّرتك بعض الوقت.. كذبة التشابه.

-قرار حاسم


بتصميم الذي يحمل روحه على راحته وهو ذاهب نحو الشهادة.. بعينيه اللتين تفرغ منهما الدنيا والأم والحبيبة.. وبصوتها القدري العالي قالت: فلأسقط ولتسقط كل الجسور.. وليمروا بعدي بالقفز البهلواني.. ليخترعوا قوارب بكد إيمانهم.. طائرات يحلقون بها.. ليعبروا على جثتي إن شاؤوا نحو ضفاف الخداع.. لتكن مسرحياتهم كوميديا فقط.. كوميديا بيضاء.. ليبنوا بيوتاً ويشتروا عقارات.. ليكبروا فوق تلال الكلمات المقتولة.. ليغردوا وليملؤوا الكون بألحانهم المسروقة. إنه لا يشبهني ولا يشبه أحداً.. وأنا لا أشبهه ولا أشبه أحداً.. نحن مختلفان تماماً.. عن بعضنا بعضاً كما عن الآخرين.

-موت


انزاح الستار الأخير عن الحقيقة فكان لها شكل شمس بيضاء.. توقف نبض الأشياء.. يبس اللوز.. احترقت الفراشات في النور الذي بحثت عنه.. هوى الجسر دفعة واحدة.. وماتت...

-كلمة أخيرة


في حفل تأبين الجسور كانت الكلمة الأخيرة للحقيقة، قالت: لأنها مختلفة كان لها أن تسقط وتموت، ولأنها مختلفة كان عليّ أن أظهر لها أمام إلحاحها وجهودها الحثيثة لمعرفتي. رأتني للحظة قبل موتها.. ولكني سأمكث أمامكم أعواماً ولن تتمكنوا من رؤيتي لأنكم لا تشبهونها ولا تحاولون مشابهتها.. فلا أنتم تضحّون بكل ما تملكون لأجل رؤيتي ولا أنتم تموتون.


المراجع

syrianstory.com

التصانيف

الادب    قصص