{102} وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين } الْفَرِيق مِنْ أَحْبَار الْيَهُود وَعُلَمَائِهَا الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ بِأَنَّهُمْ نَبَذُوا كِتَابه الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُوسَى وَرَاء ظُهُورهمْ , تَجَاهُلًا مِنْهُمْ وَكُفْرًا بِمَا هُمْ بِهِ عَالِمُونَ , كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ . فَأَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ رَفَضُوا كِتَابه الَّذِي يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّل مِنْ عِنْده عَلَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَنَقَضُوا عَهْده الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ فِي الْعَمَل بِمَا فِيهِ , وَآثَرُوا السِّحْر الَّذِي تَلَتْهُ الشَّيَاطِين فِي مُلْك سُلَيْمَان بْن دَاوُد فَاتَّبَعُوهُ ; وَذَلِك هُوَ الْخَسَار وَالضَّلَال الْمُبِين . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الَّذِينَ عُنُوا بِقَوْلِهِ : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } . فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى اللَّه بِذَلِك الْيَهُود الَّذِينَ كَانُوا بَيْن ظَهَرَانِي مُهَاجِر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّهُمْ خَاصَمُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّوْرَاةِ , فَوَجَدُوا التَّوْرَاة لِلْقُرْآنِ مُوَافِقَة , تَأْمُرهُ مِنْ اتِّبَاع مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَصْدِيقه بِمِثْلِ الَّذِي يَأْمُر بِهِ الْقُرْآن , فَخَاصَمُوا بِالْكُتُبِ الَّتِي كَانَ النَّاس اكْتَتَبُوهَا مِنْ الْكَهَنَة عَلَى عَهْد سُلَيْمَان . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1366 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } عَلَى عَهْد سُلَيْمَان . قَالَ : كَانَتْ الشَّيَاطِين تَصْعَد إلَى السَّمَاء , فَتَقْعُد مِنْهَا مَقَاعِد لِلسَّمْعِ , فَيَسْتَمِعُونَ مِنْ كَلَام الْمَلَائِكَة فِيمَا يَكُون فِي الْأَرْض مِنْ مَوْت أَوْ غَيْث أَوْ أَمْر , فَيَأْتُونَ الْكَهَنَة فَيُخْبِرُونَهُمْ , فَتُحَدِّث الْكَهَنَة النَّاس فَيَجِدُونَهُ كَمَا قَالُوا . حَتَّى إذَا أَمَّنَتْهُمْ الْكَهَنَة كَذَبُوا لَهُمْ , فَأَدْخَلُوا فِيهِ غَيْره فَزَادُوا مَعَ كُلّ كَلِمَة سَبْعِينَ كَلِمَة . فَاكْتَتَبَ النَّاس ذَلِكَ الْحَدِيث فِي الْكُتُب وَفَشَا فِي بَنِي إسْرَائِيل أَنَّ الْجِنّ تَعْلَم الْغَيْب . فَبَعَثَ سُلَيْمَان فِي النَّاس , فَجَمَعَ تَلِك الْكُتُب فَجَعَلَهَا فِي صُنْدُوق , ثُمَّ دَفَنَهَا تَحْت كُرْسِيّه , وَلَمْ يَكُنْ أَحَد مِنْ الشَّيَاطِين يَسْتَطِيع أَنْ يَدْنُو مِنْ الْكُرْسِيّ إلَّا احْتَرَقَ , وَقَالَ : " لَا أَسْمَع أَحَدًا يَذْكُر أَنَّ الشَّيَاطِين تَعْلَم الْغَيْب إلَّا ضَرَبْت عُنُقه " . فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَان , وَذَهَبَتْ الْعُلَمَاء الَّذِينَ كَانُوا يَعْرِفُونَ أَمْر سُلَيْمَان , وَخَلَفَ بَعْد ذَلِكَ خَلَف , تَمَثَّلَ الشَّيْطَان فِي صُورَة إنْسَان , ثُمَّ أَتَى نَفَرًا مِنْ بَنِي إسْرَائِيل , فَقَالَ : هَلْ أَدُلّكُمْ عَلَى كَنْز لَا تَأْكُلُونَهُ أَبَدًا ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : فَاحْفِرُوا تَحْت الْكُرْسِيّ وَذَهَبَ مَعَهُمْ فَأَرَاهُمْ الْمَكَان . فَقَامَ نَاحِيَة , فَقَالُوا لَهُ : فَادْنُ ! قَالَ : لَا وَلَكِنِّي هَاهُنَا فِي أَيْدِيكُمْ , فَإِنْ لَمْ تَجِدُوهُ فَاقْتُلُونِي . فَحَفَرُوا فَوَجَدُوا تِلْكَ الْكُتُب , فَلَمَّا أَخْرَجُوهَا قَالَ الشَّيْطَان : إنَّ سُلَيْمَان إنَّمَا كَانَ يَضْبِط الْإِنْس وَالشَّيَاطِين وَالطَّيْر بِهَذَا السِّحْر . ثُمَّ طَارَ فَذَهَبَ . وَفَشَا فِي النَّاس أَنَّ سُلَيْمَان كَانَ سَاحِرًا وَاِتَّخَذَتْ بَنُو إسْرَائِيل تِلْكَ الْكُتُب . فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَمُوهُ بِهَا , فَذَلِكَ حِين يَقُول : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } . 1367 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } قَالُوا : إنَّ الْيَهُود سَأَلُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَانًا عَنْ أُمُور مِنْ التَّوْرَاة , لَا يَسْأَلُونَهُ عَنْ شَيْء مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِ مَا سَأَلُوهُ عَنْهُ فَيَخُصّهُمْ . فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَالُوا : هَذَا أَعْلَم بِمَا أُنْزِلَ إلَيْنَا مِنَّا . وَإِنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْ السِّحْر وَخَاصَمُوهُ بِهِ , فَأَنْزَلَ اللَّه جَلّ وَعَزَّ : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } . وَإِنَّ الشَّيَاطِين عَمَدُوا إلَى كِتَاب فَكَتَبُوا فِيهِ السِّحْر وَالْكَهَانَة وَمَا شَاءَ اللَّه مِنْ ذَلِكَ , فَدَفَنُوهُ تَحْت مَجْلِس سُلَيْمَان , وَكَانَ سُلَيْمَان لَا يَعْلَم الْغَيْب , فَلَمَّا فَارَقَ سُلَيْمَان الدُّنْيَا اسْتَخْرَجُوا ذَلِكَ السِّحْر , وَخَدَعُوا بِهِ النَّاس وَقَالُوا : هَذَا عِلْم كَانَ سُلَيْمَان يَكْتُمهُ وَيَحْسُد النَّاس عَلَيْهِ . فَأَخْبَرَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْحَدِيث . فَرَجَعُوا مِنْ عِنْده , وَقَدْ حَزِنُوا وَأَدْحَض اللَّه حُجَّتهمْ . 1368 - وَحَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } قَالَ : لَمَّا جَاءَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ { نَبَذَ فَرِيق مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب } الْآيَة . قَالَ : اتَّبَعُوا السِّحْر , وَهُمْ أَهْل الْكِتَاب . فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى اللَّه بِذَلِك الْيَهُود الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْد سُلَيْمَان . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 1369 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : تَلَتْ الشَّيَاطِين السِّحْر عَلَى الْيَهُود عَلَى مُلْك سُلَيْمَان فَاتَّبَعَتْهُ الْيَهُود عَلَى مُلْكه ; يَعْنِي اتَّبَعُوا السِّحْر عَلَى مُلْك سُلَيْمَان . 1370 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : حَدَّثَنِي ابْن إسْحَاق , قَالَ : عَمَدَتْ الشَّيَاطِين حِين عَرَفَتْ مَوْت سُلَيْمَان بْن دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام , فَكَتَبُوا أَصْنَاف السِّحْر : مَنْ كَانَ يُحِبّ أَنْ يَبْلُغ كَذَا وَكَذَا , فَلْيَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا . حَتَّى إذَا صَنَعُوا أَصْنَاف السِّحْر , جَعَلُوهُ فِي كِتَاب . ثُمَّ خَتَمُوا عَلَيْهِ بِخَاتَمِ عَلَى نَقْش خَاتَم سُلَيْمَان , وَكَتَبُوا فِي عِنْوَانه : " هَذَا مَا كَتَبَ آصف بْن برخيا الصِّدِّيق لِلْمَلَكِ سُلَيْمَان بْن دَاوُد مِنْ ذَخَائِر كُنُوز الْعِلْم " . ثُمَّ دَفَنُوهُ تَحْت كُرْسِيّه , فَاسْتَخْرَجَتْهُ بَعْد ذَلِكَ بَقَايَا بَنِي إسْرَائِيل حِين أَحْدَثُوا مَا أَحْدَثُوا , فَلَمَّا عَثَرُوا عَلَيْهِ قَالُوا : مَا كَانَ سُلَيْمَان بْن دَاوُد إلَّا بِهَذَا . فَأَفْشَوْا السِّحْر فِي النَّاس وَتَعَلَّمُوهُ وَعَلَّمُوهُ , فَلَيْسَ فِي أَحَد أَكْثَر مِنْهُ فِي يَهُود . فَلَمَّا ذَكَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا نَزَلَ عَلَيْهِ مِنْ اللَّه سُلَيْمَان بْن دَاوُد وَعَدَّهُ فِيمَنْ عَدَّهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ , قَالَ مَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ يَهُود : أَلَا تَعْجَبُونَ لِمُحَمَّدِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزْعُم أَنَّ سُلَيْمَان بْن دَاوُد كَانَ نَبِيًّا ! وَاَللَّه مَا كَانَ إلَّا سَاحِرًا ! فَأَنْزَلَ اللَّه فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا } قَالَ : كَانَ حِين ذَهَبَ مُلْك سُلَيْمَان ارْتَدَّ فِئَام مِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَات . فَلَمَّا رَجَّعَ اللَّه إلَى سُلَيْمَان مُلْكه , قَامَ النَّاس عَلَى الدِّين كَمَا كَانُوا . وَإِنَّ سُلَيْمَان ظَهَرَ عَلَى كُتُبهمْ فَدَفَنَهَا تَحْت كُرْسِيّه . وَتُوُفِّيَ سُلَيْمَان حِدْثَان ذَلِكَ , فَظَهَرَتْ الْجِنّ وَالْإِنْس عَلَى الْكُتُب بَعْد وَفَاة سُلَيْمَان , وَقَالُوا : هَذَا كِتَاب مِنْ اللَّه نَزَلَ عَلَى سُلَيْمَان أَخْفَاهُ مِنَّا . فَأَخَذُوا بِهِ فَجَعَلُوهُ دِينًا , فَأَنْزَلَ اللَّه : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُول مِنْ عِنْد اللَّه مُصَدِّق لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيق مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب كِتَاب اللَّه وَرَاء ظُهُورهمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين } وَهِيَ الْمَعَازِف وَاللَّعِب وَكُلّ شَيْء يَصُدّ عَنْ ذِكْر اللَّه . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } أَنَّ ذَلِكَ تَوْبِيخ مِنْ اللَّه لِأَحْبَارِ الْيَهُود الَّذِينَ أَدْرَكُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَجَحَدُوا نُبُوَّته وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لِلَّهِ رَسُول مُرْسَل , وَتَأْنِيب مِنْهُ لَهُمْ فِي رَفْضهمْ تَنْزِيله , وَهَجْرهمْ الْعَمَل بِهِ وَهُوَ فِي أَيْدِيهمْ يَعْلَمُونَهُ وَيَعْرِفُونَ أَنَّهُ كِتَاب اللَّه , وَاتِّبَاعهمْ وَاتِّبَاع أَوَائِلهمْ وَأَسْلَافهمْ مَا تَلَتْهُ الشَّيَاطِين فِي عَهْد سُلَيْمَان . وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْه جَوَاز إضَافَة أَفْعَال أَسْلَافهمْ إلَيْهِمْ فِيمَا مَضَى , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا هَذَا التَّأْوِيل لِأَنَّ الْمُتَّبِعَة مَا تَلَتْهُ الشَّيَاطِين فِي عَهْد سُلَيْمَان وَبَعْده إلَى أَنْ بَعَثَ اللَّه نَبِيّه بِالْحَقِّ وَأَمْر السِّحْر لَمْ يَزَلْ فِي الْيَهُود , وَلَا دَلَالَة فِي الْآيَة أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَرَادَ بِقَوْلِهِ : { وَاتَّبَعُوا } بَعْضًا مِنْهُمْ دُون بَعْض , إذْ كَانَ جَائِزًا فَصِيحًا فِي كَلَام الْعَرَب إضَافَة مَا وَصَفْنَا مِنْ اتِّبَاع أَسْلَاف الْمُخْبِر عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين } إلَى أَخْلَافهمْ بَعْدهمْ . وَلَمْ يَكُنْ بِخُصُوصِ ذَلِكَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَثَر مَنْقُول , وَلَا حُجَّة تَدُلّ عَلَيْهِ , فَكَانَ الْوَاجِب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : كُلّ مُتَّبِع مَا تَلَتْهُ الشَّيَاطِين عَلَى عَهْد سُلَيْمَان مِنْ الْيَهُود دَاخِل فِي مَعْنَى الْآيَة , عَلَى النَّحْو الَّذِي قُلْنَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين } يَعْنِي جَلّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين } الَّذِي تَتْلُو . فَتَأْوِيل الْكَلَام إذًا : وَاتَّبَعُوا الَّذِي تَتْلُو الشَّيَاطِين . وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيل قَوْله : { تَتْلُوا } فَقَالَ بَعْضهمْ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { تَتْلُوا } تُحَدِّث وَتَرْوِي وَتَتَكَلَّم بِهِ وَتُخْبِر , نَحْو تِلَاوَة الرَّجُل لِلْقُرْآنِ وَهِيَ قِرَاءَته . وَوَجْه قَائِلُو هَذَا الْقَوْل تَأْوِيلهمْ ذَلِكَ إلَى أَنَّ الشَّيَاطِين هِيَ الَّتِي عَلَّمَتْ النَّاس السِّحْر وَرَوَتْهُ لَهُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1371 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ عَمْرو , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } قَالَ : كَانَتْ الشَّيَاطِين تَسْمَع الْوَحْي , فَمَا سَمِعُوا مِنْ كَلِمَة زَادُوا فِيهَا مِائَتَيْنِ مِثْلهَا , فَأَرْسَلَ سُلَيْمَان إلَى مَا كَتَبُوا مِنْ ذَلِكَ فَجَمَعَهُ . فَلَمَّا تُوُفِّيَ سُلَيْمَان وَجَدَتْهُ الشَّيَاطِين فَعَلَّمَتْهُ النَّاس ; وَهُوَ السِّحْر . 1372 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } مِنْ الْكَهَانَة وَالسِّحْر ; وَذَكَر لَنَا وَاَللَّه أَعْلَم أَنَّ الشَّيَاطِين ابْتَدَعَتْ كِتَابًا فِيهِ سِحْر وَأَمْر عَظِيم , ثُمَّ أَفْشَوْهُ فِي النَّاس وَعَلَّمُوهُمْ إيَّاهُ . 1373 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قَالَ عَطَاء : قَوْله : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين } قَالَ : نَرَاهُ مَا تُحَدِّث . 1374 - حَدَّثَنِي سَلَم بْن جُنَادَةَ السُّوَائِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ الْمِنْهَال , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : انْطَلَقَتْ الشَّيَاطِين فِي الْأَيَّام الَّتِي اُبْتُلِيَ فِيهَا سُلَيْمَان , فَكَتَبَتْ فِيهَا كُتُبًا فِيهَا سِحْر وَكُفْر , ثُمَّ دَفَنُوهَا تَحْت كُرْسِيّ سُلَيْمَان , ثُمَّ أَخْرَجُوهَا فَقَرَءُوهَا عَلَى النَّاس . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْله : { مَا تَتْلُوا } مَا تَتَّبِعهُ وَتَرْوِيه وَتَعْمَل بِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1375 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عَمْرو العنقزي , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي مَالِك , عَنْ ابْن عَبَّاس : { تَتْلُوا } قَالَ : تَتْبَع . 1376 - حَدَّثَنِي نَصْر بْن عَبْد الرَّحْمَن الْأَزْدِيّ , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن إبْرَاهِيم , عَنْ سُفْيَان الثَّوْرِيّ , عَنْ مَنْصُور , عَنْ أَبِي رَزِين مِثْله . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلّ أَخْبَرَ عَنْ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِين عَلَى عَهْد سُلَيْمَان بِاتِّبَاعِهِمْ مَا تَلَتْهُ الشَّيَاطِين . وَلِقَوْلِ الْقَائِل : " هُوَ يَتْلُو كَذَا " فِي كَلَام الْعَرَب مَعْنَيَانِ : أَحَدهمَا الِاتِّبَاع , كَمَا يُقَال : تَلَوْت فُلَانًا إذَا مَشَيْت خَلْفه وَتَبِعْت أَثَره , كَمَا قَالَ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { هُنَالِكَ تَبْلُو كُلّ نَفْس مَا أَسْلَفَتْ } 10 30 يَعْنِي بِذَلِك تَتْبَع . وَالْآخَر : الْقِرَاءَة وَالدِّرَاسَة , كَمَا تَقُول : فُلَان يَتْلُو الْقُرْآن , . بِمَعْنَى أَنَّهُ يَقْرَؤُهُ وَيَدْرُسهُ , كَمَا قَالَ حَسَّان بْن ثَابِت : نَبِيّ يَرَى مَا لَا يَرَى النَّاس حَوْله وَيَتْلُو كِتَاب اللَّه فِي كُلّ مَشْهَد وَلَمْ يُخْبِرنَا اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ بِأَيِّ مَعْنَى التِّلَاوَة كَانَتْ تِلَاوَة الشَّيَاطِين الَّذِينَ تَلُوا مَا تَلَوْهُ مِنْ السِّحْر عَلَى عَهْد سُلَيْمَان بِخَبَرِ يَقْطَع الْعُذْر . وَقَدْ يَجُوز أَنْ تَكُون الشَّيَاطِين تَلَتْ ذَلِكَ دِرَاسَة وَرِوَايَة وَعَمَلًا , فَتَكُون كَانَتْ مُتَّبِعَته بِالْعَمَلِ , وَدِرَاسَته بِالرِّوَايَةِ , فَاتَّبَعَتْ الْيَهُود مِنْهَاجهَا فِي ذَلِكَ وَعَمِلَتْ بِهِ وَرَوَتْهُ .
 
{102} وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } . يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } فِي مُلْك سُلَيْمَان ; وَذَلِك أَنَّ الْعَرَب تَضَع " فِي " مَوْضِع " عَلَى " و " عَلَى " فِي مَوْضِع " فِي " , مِنْ ذَلِكَ قَوْل اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَأُصَلِّبَنكُمْ فِي جُذُوع النَّخْل } 20 71 يَعْنِي بِهِ : عَلَى جُذُوع النَّخْل , وَكَمَا قَالَ : " فَعَلْت كَذَا فِي عَهْد كَذَا وَعَلَى عَهْد كَذَا " بِمَعْنَى وَاحِد . وَبِمَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ كَانَ ابْن جُرَيْجٍ وَابْن إسْحَاق يَقُولَانِ فِي تَأْوِيله . 1377 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ , حَدَّثَنِي حَجَّاج , قَالَ : ابْن جُرَيْجٍ : { عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } يَقُول : فِي مُلْك سُلَيْمَان . 1378 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : قَالَ ابْن أَبِي إسْحَاق فِي قَوْله : { عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } أَيْ فِي مُلْك سُلَيْمَان .
 
{102} وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } . إنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَمَا هَذَا الْكَلَام مِنْ قَوْله : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } وَلَا خَبَر مَعَنَا قَبْل عَنْ أَحَد أَنَّهُ أَضَافَ الْكُفْر إلَى سُلَيْمَان , بَلْ إنَّمَا ذَكَرَ اتِّبَاع مَنْ اتَّبَعَ مِنْ الْيَهُود مَا تَلَتْهُ الشَّيَاطِين ؟ فَمَا وَجْه نَفْي الْكُفْر عَنْ سُلَيْمَان بِعَقِبِ الْخَبَر عَنْ اتِّبَاع مَنْ اتَّبَعَتْ الشَّيَاطِين فِي الْعَمَل بِالسِّحْرِ وَرِوَايَته مِنْ الْيَهُود ؟ قِيلَ : وَجْه ذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ أَضَافَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ إلَيْهِمْ اتِّبَاع مَا تَلَتْهُ الشَّيَاطِين عَلَى عَهْد سُلَيْمَان مِنْ السِّحْر وَالْكُفْر مِنْ الْيَهُود , نَسَبُوا مَا أَضَافَهُ اللَّه تَعَالَى ذِكْره إلَى الشَّيَاطِين مِنْ ذَلِكَ إلَى سُلَيْمَان بْن دَاوُد , وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ عِلْمه وَرِوَايَته , وَأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ يَسْتَعْبِد مَنْ يَسْتَعْبِد مِنْ الْإِنْس وَالْجِنّ وَالشَّيَاطِين وَسَائِر خَلْق اللَّه بِالسِّحْرِ . فَحَسَّنُوا بِذَلِك - مِنْ رُكُوبهمْ مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ السِّحْر - أَنْفُسهمْ عِنْد مَنْ كَانَ جَاهِلًا بِأَمْرِ اللَّه وَنَهْيه , وَعِنْد مَنْ كَانَ لَا عِلْم لَهُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه فِي ذَلِكَ مِنْ التَّوْرَاة , وَتَبَرَّأَ بِإِضَافَةِ ذَلِكَ إلَى سُلَيْمَان - مِنْ سُلَيْمَان , وَهُوَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ - بَشَر , وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُون كَانَ لِلَّهِ رَسُولًا , وَقَالُوا : بَلْ كَانَ سَاحِرًا . فَبَرَّأَ اللَّه سُلَيْمَان بْن دَاوُد مِنْ السِّحْر وَالْكُفْر عِنْد مَنْ كَانَ مِنْهُمْ يَنْسُبهُ إلَى السِّحْر وَالْكُفْر لِأَسْبَابِ ادَّعَوْهَا عَلَيْهِ قَدْ ذَكَرْنَا بَعْضهَا , وَسَنَذْكُرُ بَاقِي مَا حَضَرَنَا ذِكْره مِنْهَا . وَأَكْذَب الْآخَرِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِالسِّحْرِ , مُتَزَيِّنِينَ عِنْد أَهْل الْجَهْل فِي عَمَلهمْ ذَلِكَ بِأَنَّ سُلَيْمَان كَانَ يَعْمَلهُ . فَنَفَى اللَّه عَنْ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام أَنْ يَكُون كَانَ سَاحِرًا أَوْ كَافِرًا , وَأَعْلَمهُمْ أَنَّهُمْ إنَّمَا اتَّبَعُوا فِي عَمَلهمْ السِّحْر مَا تَلَتْهُ الشَّيَاطِين فِي عَهْد سُلَيْمَان , دُون مَا كَانَ سُلَيْمَان يَأْمُرهُمْ مِنْ طَاعَة اللَّه وَاتِّبَاع مَا أَمَرَهُمْ بِهِ فِي كِتَابه الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُوسَى صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ . ذِكْر الدَّلَائِل عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَا مِنْ الْأَخْبَار وَالْآثَار : 1379 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : ثنا يَعْقُوب الْقَمِّيّ , عَنْ جَعْفَر بْن أَبِي الْمُغِيرَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : كَانَ سُلَيْمَان يَتَتَبَّع مَا فِي أَيْدِي الشَّيَاطِين مِنْ السِّحْر , فَيَأْخُذهُ فَيَدْفِنهُ تَحْت كُرْسِيّه فِي بَيْت خِزَانَته . فَلَمْ تَقْدِر الشَّيَاطِين أَنْ يَصِلُوا إلَيْهِ , فَدَنَتْ إلَى الْإِنْس , فَقَالُوا لَهُمْ : أَتُرِيدُونَ الْعِلْم الَّذِي كَانَ سُلَيْمَان يُسَخِّر بِهِ الشَّيَاطِين وَالرِّيَاح وَغَيْر ذَلِكَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالُوا : فَإِنَّهُ فِي بَيْت خِزَانَته وَتَحْت كُرْسِيّه . فَاسْتِثَارَته الْإِنْس فَاسْتَخْرَجُوهُ فَعَمِلُوا بِهِ . فَقَالَ أَهْل الْحِجَاز : كَانَ سُلَيْمَان يَعْمَل بِهَذَا وَهَذَا سِحْر . فَأَنْزَلَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ عَلَى لِسَان نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرَاءَة سُلَيْمَان , فَقَالَ : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } الْآيَة , فَأَنْزَلَ اللَّه بَرَاءَة سُلَيْمَان عَلَى لِسَان نَبِيّه عَلَيْهِمَا السَّلَام . 1380 - حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِب السُّوَائِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ الْمِنْهَال , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : كَانَ الَّذِي أَصَابَ سُلَيْمَان بْن دَاوُد فِي سَبَب أُنَاس مِنْ أَهْل امْرَأَة يُقَال لَهَا جَرَادَة , وَكَانَتْ مِنْ أَكْرَم نِسَائِهِ عَلَيْهِ , قَالَ : فَكَانَ هَوَى سُلَيْمَان أَنْ يَكُون الْحَقّ لِأَهْلِ الْجَرَادَة فَيَقْضِي لَهُمْ , فَعُوقِبَ حِين لَمْ يَكُنْ هَوَاهُ فِيهِمْ وَاحِد . قَالَ : وَكَانَ سُلَيْمَان بْن دَاوُد إذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُل الْخَلَاء أَوْ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ نِسَائِهِ أَعْطَى الْجَرَادَة خَاتَمه . فَلَمَّا أَرَادَ اللَّه أَنْ يَبْتَلِي سُلَيْمَان بِاَلَّذِي ابْتَلَاهُ بِهِ , أَعْطَى الْجَرَادَة ذَات يَوْم خَاتَمه , فَجَاءَ الشَّيْطَان فِي صُورَة سُلَيْمَان فَقَالَ لَهَا : هَاتِي خَاتَمِي ! فَأَخَذَهُ فَلَبِسَهُ , فَلَمَّا لَبِسَهُ دَانَتْ لَهُ الشَّيَاطِين وَالْجِنّ وَالْإِنْس . قَالَ : فَجَاءَهَا سُلَيْمَان فَقَالَ : هَاتِي خَاتَمِي ! فَقَالَتْ : كَذَبْت لَسْت بِسُلَيْمَان . قَالَ : فَعَرَفَ سُلَيْمَان أَنَّهُ بَلَاء اُبْتُلِيَ بِهِ . قَالَ : فَانْطَلَقَتْ الشَّيَاطِين فَكَتَبَتْ فِي تِلْكَ الْأَيَّام كُتُبًا فِيهَا سِحْر وَكُفْر ثُمَّ دَفَنُوهَا تَحْت كُرْسِيّ سُلَيْمَان , ثُمَّ أَخْرَجُوهَا فَقَرَءُوهَا عَلَى النَّاس وَقَالُوا : إنَّمَا كَانَ سُلَيْمَان يَغْلِب النَّاس بِهَذِهِ الْكُتُب . قَالَ : فَبَرِئَ النَّاس مِنْ سُلَيْمَان وَأَكْفَرُوهُ , حَتَّى بَعَثَ اللَّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَأَنْزَلَ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } يَعْنِي الَّذِي كَتَبَ الشَّيَاطِين مِنْ السِّحْر وَالْكُفْر { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا } فَأَنْزَلَ اللَّه جَلّ وَعَزَّ وَعَذَرَهُ . 1381 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيّ , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت عِمْرَان بْن حُدَيْر , عَنْ أَبِي مِجْلَز , قَالَ : أَخَذَ سُلَيْمَان مِنْ كُلّ دَابَّة عَهْدًا , فَإِذَا أُصِيب رَجُل فَسُئِلَ بِذَلِك الْعَهْد خُلِّيَ عَنْهُ , فَرَأَى النَّاس السَّجْع وَالسِّحْر وَقَالُوا : هَذَا كَانَ يَعْمَل بِهِ سُلَيْمَان ; فَقَالَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } . 1382 - حَدَّثَنَا أَبُو حُمَيْدٍ , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ حُصَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ عِمْرَان بْن الْحَارِث , قَالَ : بَيْنَا نَحْنُ عِنْد ابْن عَبَّاس إذْ جَاءَهُ رَجُل , فَقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس : مِنْ أَيْنَ جِئْت ؟ قَالَ : مِنْ الْعِرَاق , قَالَ : مِنْ أَيّهِ ؟ قَالَ : مِنْ الْكُوفَة . قَالَ : فَمَا الْخَبَر ؟ قَالَ : تَرَكْتهمْ يَتَحَدَّثُونَ عَلِيًّا خَارِج إلَيْهِمْ . فَفَزِعَ فَقَالَ : مَا تَقُول لَا أَبَا لَك ! لَوْ شَعَرنَا مَا نَكَحْنَا نِسَاءَهُ وَلَا قَسَمْنَا مِيرَاثه , أَمَا إنِّي أُحَدِّثكُمْ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَتْ الشَّيَاطِين يَسْتَرِقُونَ السَّمْع مِنْ السَّمَاء فَيَأْتِي أَحَدهمْ بِكَلِمَةِ حَقّ قَدْ سَمِعَهَا , فَإِذَا حَدَثَ مِنْهُ صِدْق كَذَبَ مَعَهَا سَبْعِينَ كِذْبَة , قَالَ : فَيَشْرَبهَا قُلُوب النَّاس ; فَأَطْلَعَ اللَّه عَلَيْهَا سُلَيْمَان فَدَفَنَهَا تَحْت كُرْسِيّه . فَلَمَّا تُوُفِّيَ سُلَيْمَان بْن دَاوُد قَامَ شَيْطَان بِالطَّرِيقِ فَقَالَ : أَلَا أَدُلّكُمْ عَلَى كَنْزه الْمُمَنَّع الَّذِي لَا كَنْز مِثْله ؟ تَحْت الْكُرْسِيّ . فَأَخْرَجُوهُ فَقَالُوا : هَذَا سِحْر . فَتَنَاسَخَهَا الْأُمَم , حَتَّى بَقَايَاهُمْ مَا يَتَحَدَّث بِهِ أَهْل الْعِرَاق . فَأَنْزَلَ اللَّه عُذْر سُلَيْمَان : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } . 1383 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا وَاَللَّه أَعْلَم أَنَّ الشَّيَاطِين ابْتَدَعَتْ كِتَابًا فِيهِ سِحْر وَأَمْر عَظِيم , ثُمَّ أَفْشَوْهُ فِي النَّاس وَأَعْلَمُوهُمْ إيَّاهُ . فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِك سُلَيْمَان نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَتَبَّعَ تِلْكَ الْكُتُب , فَأَتَى بِهَا فَدَفَنَهَا تَحْت كُرْسِيّه كَرَاهِيَة أَنْ يَتَعَلَّمهَا النَّاس . فَلَمَّا قَبَضَ اللَّه نَبِيّه سُلَيْمَان عَمَدَتْ الشَّيَاطِين فَاسْتَخْرَجُوهَا مِنْ مَكَانهَا الَّذِي كَانَتْ فِيهِ فَعَلَّمُوهَا النَّاس , فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّ هَذَا عِلْم كَانَ يَكْتُمهُ سُلَيْمَان وَيَسْتَأْثِر بِهِ . فَعَذَرَ اللَّه نَبِيّه سُلَيْمَان وَبَرَّأَهُ مِنْ ذَلِكَ , فَقَالَ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا } . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : كَتَبَتْ الشَّيَاطِين كُتُبًا فِيهَا سِحْر وَشِرْك , ثُمَّ دَفَنَتْ تِلْكَ الْكُتُب تَحْت كُرْسِيّ سُلَيْمَان . فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَان اسْتَخْرَجَ النَّاس تِلْكَ الْكُتُب , فَقَالُوا : هَذَا عِلْم كَتَمْنَاهُ سُلَيْمَان . فَقَالَ اللَّه جَلّ وَعَزَّ : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } . 1384 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا حَجَّاج , حَدَّثَنَا الْحُسَيْن قَالَ : عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد قَوْله : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } قَالَ : كَانَتْ الشَّيَاطِين تَسْتَمِع الْوَحْي مِنْ السَّمَاء , فَمَا سَمِعُوا مِنْ كَلِمَة زَادُوا فِيهَا مِثْلهَا . وَإِنَّ سُلَيْمَان أَخَذَ مَا كَتَبُوا مِنْ ذَلِكَ فَدَفَنَهُ تَحْت كُرْسِيّه ; فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَجَدَتْهُ الشَّيَاطِين فَعَلَّمَتْهُ النَّاس . 1385 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ أَبِي بَكْر , عَنْ شَهْر بْن حَوْشَبٍ , قَالَ : لَمَّا سُلِبَ سُلَيْمَان مُلْكه كَانَتْ الشَّيَاطِين تَكْتُب السِّحْر فِي غَيْبَة سُلَيْمَان , فَكَتَبَتْ : مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِي كَذَا وَكَذَا فَلْيَسْتَقْبِلْ الشَّمْس وَلْيَقُلْ كَذَا وَكَذَا , وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَفْعَل كَذَا وَكَذَا فَلْيَسْتَدْبِرْ الشَّمْس وَلْيَقُلْ كَذَا وَكَذَا . فَكَتَبَتْهُ وَجَعَلَتْ عِنْوَانه : " هَذَا مَا كَتَبَ آصف بْن برخيا لِلْمَلِكِ سُلَيْمَان بْن دَاوُد مِنْ ذَخَائِر كُنُوز الْعِلْم " , ثُمَّ دَفَنَتْهُ تَحْت كُرْسِيّه . فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَان قَامَ إبْلِيس خَطِيبًا فَقَالَ : يَا أَيّهَا النَّاس إنَّ سُلَيْمَان لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا , وَإِنَّمَا كَانَ سَاحِرًا , فَالْتَمِسُوا سِحْره فِي مَتَاعه وَبُيُوته ! ثُمَّ دَلَّهُمْ عَلَى الْمَكَان الَّذِي دُفِنَ فِيهِ , فَقَالُوا : وَاَللَّه لَقَدْ كَانَ سُلَيْمَان سَاحِرًا , هَذَا سِحْره , بِهَذَا تَعَبَّدَنَا , وَبِهَذَا قَهَرَنَا . فَقَالَ الْمُؤْمِنُونَ : بَلْ كَانَ نَبِيًّا مُؤْمِنًا . فَلَمَّا بَعَثَ اللَّه النَّبِيّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ يَذْكُر الْأَنْبِيَاء حَتَّى ذَكَرَ دَاوُد وَسُلَيْمَان , فَقَالَتْ الْيَهُود : اُنْظُرُوا إلَى مُحَمَّد يَخْلِط الْحَقّ بِالْبَاطِلِ , يَذْكُر سُلَيْمَان مَعَ الْأَنْبِيَاء , وَإِنَّمَا كَانَ سَاحِرًا يَرْكَب الرِّيح . فَأَنْزَلَ اللَّه عُذْر سُلَيْمَان : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } الْآيَة . 1386 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : حَدَّثَنِي ابْن إسْحَاق : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } وَذَلِك أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا بَلَغَنِي لَمَّا ذَكَرَ سُلَيْمَان بْن دَاوُد فِي الْمُرْسَلِينَ , قَالَ بَعْض أَحْبَار الْيَهُود : أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ مُحَمَّد يَزْعُم أَنَّ ابْن دَاوُد كَانَ نَبِيًّا , وَاَللَّه مَا كَانَ إلَّا سَاحِرًا ! فَأَنْزَلَ اللَّه فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا } أَيْ بِاتِّبَاعِهِمْ السِّحْر وَعَمَلهمْ بِهِ { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت } . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَإِذَا كَانَ الْأَمْر فِي ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْنَا وَتَأْوِيل قَوْله : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا } مَا ذَكَرْنَا ; فَتَبَيَّنَ أَنَّ فِي الْكَلَام مَتْرُوكًا تُرِكَ ذِكْره اكْتِفَاء بِمَا ذُكِرَ مِنْهُ , وَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين } مِنْ السِّحْر { عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } فَتُضِيفهُ إلَى سُلَيْمَان , { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان } فَيَعْمَل بِالسِّحْرِ { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } . وَقَدْ كَانَ قَتَادَة يَتَأَوَّل قَوْله : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا } عَلَى مَا قُلْنَا . 1387 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا } يَقُول : مَا كَانَ عَنْ مَشُورَته , وَلَا عَنْ رِضَا مِنْهُ ; وَلَكِنَّهُ شَيْء افْتَعَلَتْهُ الشَّيَاطِين دُونه . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى اخْتِلَاف الْمُخْتَلِفِينَ فِي مَعْنَى " تَتْلُو " , وَتَوْجِيه مَنْ وَجَّهَ ذَلِكَ إلَى أَنَّ " تَتْلُوا " بِمَعْنَى تَلَتْ , إذْ كَانَ الَّذِي قَبْله خَبَرًا مَاضِيًا وَهُوَ قَوْله : { وَاتَّبَعُوا } وَتَوْجِيه الَّذِينَ وَجَّهُوا ذَلِكَ إلَى خِلَاف ذَلِكَ . وَبَيَّنَّا فِيهِ وَفِي نَظِيره الصَّوَاب مِنْ الْقَوْل , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَأَمَّا مَعْنَى قَوْله : { مَا تَتْلُوا } فَإِنَّهُ بِمَعْنَى الَّذِي تَتْلُو وَهُوَ السِّحْر . 1388 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } أَيْ السِّحْر . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَلَعَلَّ قَائِلًا أَنْ يَقُول : أَوَ مَا كَانَ السِّحْر إلَّا أَيَّام سُلَيْمَان ؟ قِيلَ لَهُ : بَلَى قَدْ كَانَ ذَلِكَ قَبْل ذَلِكَ , وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه عَنْ سَحَرَة فِرْعَوْن مَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ , وَقَدْ كَانُوا قَبْل سُلَيْمَان , وَأَخْبَرَ عَنْ قَوْم نُوح أَنَّهُمْ قَالُوا لِنُوحِ إنَّهُ سَاحِر ; قَالَ : فَكَيْف أَخْبَرَ عَنْ الْيَهُود أَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا تَلَتْهُ الشَّيَاطِين عَلَى عَهْد سُلَيْمَان ؟ قِيلَ : لِأَنَّهُمْ أَضَافُوا ذَلِكَ إلَى سُلَيْمَان عَلَى مَا قَدْ قَدَّمْنَا الْبَيَان عَنْهُ , فَأَرَادَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره تَبْرِئَة سُلَيْمَان مِمَّا نَحَلُوهُ وَأَضَافُوا إلَيْهِ مِمَّا كَانُوا وَجَدُوهُ إمَّا فِي خَزَائِنه وَإِمَّا تَحْت كُرْسِيّه , عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَار الَّتِي قَدْ ذَكَرْنَاهَا مِنْ ذَلِكَ . فَحَصَرَ الْخَبَر عَمَّا كَانَتْ الْيَهُود اتَّبَعَتْهُ فِيمَا تَلَتْهُ الشَّيَاطِين أَيَّام سُلَيْمَان دُون غَيْره لِذَلِك السَّبَب . وَإِنْ كَانَ الشَّيَاطِين قَدْ كَانَتْ تَالِيَة لِلسِّحْرِ وَالْكُفْر قَبْل ذَلِكَ .
 
{102} وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت } . اخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي تَأْوِيل " مَا " الَّتِي فِي قَوْله : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ الْجَحْد وَهِيَ بِمَعْنَى " لَمْ " . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1389 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي , قَالَ , حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت } فَإِنَّهُ يَقُول : لَمْ يُنْزِل اللَّه السِّحْر . 1390 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنِي حكام عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } قَالَ : مَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِمَا السِّحْر . فَتَأْوِيل الْآيَة عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ ابْن عَبَّاس وَالرَّبِيع مِنْ تَوْجِيههمَا مَعْنَى قَوْله : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } إلَى : وَلَمْ يَنْزِل عَلَى الْمَلَكَيْنِ , وَاتَّبَعُوا الَّذِي تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان مِنْ السِّحْر , وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَا أَنْزَلَ اللَّه السِّحْر عَلَى الْمَلَكَيْنِ { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت , فَيَكُون حِينَئِذٍ قَوْله : { بِبَابِل وَهَارُوت وَمَارُوت } مِنْ الْمُؤَخَّر الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيم . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَكَيْف وَجْه تَقْدِيم ذَلِكَ ؟ قِيلَ : وَجْه تَقْدِيمه أَنْ يُقَال : وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ , وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت . فَيَكُون مَعْنِيًّا بِالْمَلَكَيْنِ : جِبْرِيل وَمِيكَائِيل ; لِأَنَّ سَحَرَة الْيَهُود فِيمَا ذُكِرَ كَانَتْ تَزْعُم أَنَّ اللَّه أَنْزَلَ السِّحْر عَلَى لِسَان جِبْرِيل وَمِيكَائِيل إلَى سُلَيْمَان بْن دَاوُد . فَأَكْذَبَهَا اللَّه بِذَلِك وَأَخْبَرَ نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ جِبْرِيل وَمِيكَائِيل لَمْ يَنْزِلَا بِسِحْرِ قَطُّ , وَبَرَّأَ سُلَيْمَان مِمَّا نَحَلُوهُ مِنْ السِّحْر , فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ السِّحْر مِنْ عَمَل الشَّيَاطِين , وَأَنَّهَا تُعَلِّم النَّاس بِبَابِل , وَأَنَّ الَّذِينَ يُعَلِّمُونَهُمْ ذَلِكَ رَجُلَانِ اسْم أَحَدهمَا هَارُوت وَاسْم الْآخَر مَارُوت ; فَيَكُون هَارُوت وَمَارُوت عَلَى هَذَا التَّأْوِيل تَرْجَمَة عَلَى النَّاس وَرَدًّا عَلَيْهِمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ تَأْوِيل " مَا " الَّتِي فِي قَوْله : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } " الَّذِي " . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1391 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : قَالَ مَعْمَر , قَالَ قَتَادَة وَالزُّهْرِيّ عَنْ عَبْد اللَّه : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت } كَانَا مَلَكَيْنِ مِنْ الْمَلَائِكَة فَأُهْبِطَا لِيَحْكُمَا بَيْن النَّاس . وَذَلِك أَنَّ الْمَلَائِكَة سَخِرُوا مِنْ أَحْكَام بَنِي آدَم , قَالَ : فَحَاكَمَتْ إلَيْهِمَا امْرَأَة فَحَافَا لَهَا , ثُمَّ ذَهَبَا يَصْعَدَانِ , فَحِيلَ بَيْنهمَا وَبَيْن ذَلِكَ وَخُيِّرَا بَيْن عَذَاب الدُّنْيَا وَعَذَاب الْآخِرَة , فَاخْتَارَا عَذَاب الدُّنْيَا . قَالَ مَعْمَر : قَالَ قَتَادَة : فَكَانَا يُعَلِّمَانِ النَّاس السِّحْر , فَأَخَذَ عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُعَلِّمَا أَحَدًا حَتَّى يَقُولَا : إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر . 1392 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : أَمَّا قَوْله : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت } فَهَذَا سِحْر آخَر خَاصَمُوهُ بِهِ أَيْضًا ; يَقُول : خَاصَمُوهُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ وَإِنَّ كَلَام الْمَلَائِكَة فِيمَا بَيْنهمْ إذَا عَلَّمَتْهُ الْإِنْس فَصَنَعَ وَعَمِلَ بِهِ كَانَ سِحْرًا . 1393 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر وَمَا أُنْزِلَ عَلَى النَّاس بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت } فَالسِّحْر سِحْرَانِ : سِحْر تُعَلِّمهُ الشَّيَاطِين , وَسِحْر يُعَلِّمهُ هَارُوت وَمَارُوت . 1394 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت } قَالَ : التَّفْرِيق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه . 1395 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : { فَلَا تَكْفُر } قَالَ : الشَّيَاطِين وَالْمَلَكَانِ يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَمَعْنَى الْآيَة عَلَى تَأْوِيل هَذَا الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْنَا عَمَّنْ ذَكَرْنَاهُ عَنْهُ : وَاتَّبَعَتْ الْيَهُود الَّذِي تَلَتْ الشَّيَاطِين فِي مُلْك سُلَيْمَان الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل وَهَارُوت وَمَارُوت . وَهُمَا مَلَكَانِ مِنْ مَلَائِكَة اللَّه , سَنَذْكُرُ مَا رُوِيَ مِنْ الْأَخْبَار فِي شَأْنهمَا إنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقَالُوا : إنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَهَلْ يَجُوز أَنْ يُنْزِل اللَّه السِّحْر , أَمْ هَلْ يَجُوز لِمَلَائِكَتِهِ أَنْ تُعَلِّمهُ النَّاس ؟ قُلْنَا لَهُ : إنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلّ قَدْ أَنْزَلَ الْخَيْر وَالشَّرّ كُلّه , وَبَيْن جَمِيع ذَلِكَ لِعِبَادِهِ , فَأَوْحَاهُ إلَى رُسُله وَأَمَرَهُمْ بِتَعْلِيمِ خَلْقه وَتَعْرِيفهمْ مَا يَحِلّ لَهُمْ مِمَّا يَحْرُم عَلَيْهِمْ ; وَذَلِك كَالزِّنَا وَالسَّرِقَة وَسَائِر الْمَعَاصِي الَّتِي عَرَفَهُمُوهَا وَنَهَاهُمْ عَنْ رُكُوبهَا , فَالسِّحْر أَحَد تِلْكَ الْمَعَاصِي الَّتِي أَخْبَرَهُمْ بِهَا وَنَهَاهُمْ عَنْ الْعَمَل بِهَا . قَالُوا : لَيْسَ فِي الْعِلْم بِالسِّحْرِ إثْم , كَمَا لَا إثْم فِي الْعِلْم بِصَنْعَةِ الْخَمْر وَنَحْت الْأَصْنَام وَالطَّنَابِير وَالْمَلَاعِب , وَإِنَّمَا الْإِثْم فِي عَمَله وَتَسْوِيَته . قَالُوا : وَكَذَلِك لَا إثْم فِي الْعِلْم بِالسِّحْرِ , وَإِنَّمَا الْإِثْم فِي الْعَمَل بِهِ وَأَنْ يَضُرّ بِهِ مَنْ لَا يَحِلّ ضُرّه بِهِ . قَالُوا : فَلَيْسَ فِي إنْزَال اللَّه إيَّاهُ عَلَى الْمَلَكَيْنِ وَلَا فِي تَعْلِيم الْمَلَكَيْنِ مَنْ عَلَّمَاهُ مِنْ النَّاس إثْم إذَا كَانَ تَعْلِيمهمَا مَنْ عَلَّمَاهُ ذَلِكَ بِإِذْنِ اللَّه لَهُمَا بِتَعْلِيمِهِ بَعْد أَنْ يُخْبِرَاهُ بِأَنَّهُمَا فِتْنَة وَيَنْهَاهُ عَنْ السِّحْر وَالْعَمَل بِهِ وَالْكُفْر ; وَإِنَّمَا الْإِثْم عَلَى مَنْ يَتَعَلَّمهُ مِنْهُمَا وَيَعْمَل بِهِ , إذْ كَانَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره قَدْ نَهَاهُ عَنْ تَعَلُّمه وَالْعَمَل بِهِ . قَالُوا : وَلَوْ كَانَ اللَّه أَبَاحَ لِبَنِي آدَم أَنْ يَتَعَلَّمُوا ذَلِكَ , لَمْ يَكُنْ مِنْ تَعَلُّمه حَرَجًا , كَمَا لَمْ يَكُونَا حَرِجَيْنِ لِعِلْمِهِمَا بِهِ , إذْ كَانَ عِلْمهمَا بِذَلِك عَنْ تَنْزِيل اللَّه إلَيْهِمَا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى " مَا " مَعْنَى " الَّذِي " , وَهِيَ عَطْف عَلَى " مَا " الْأُولَى , غَيْر أَنَّ الْأُولَى فِي مَعْنَى السِّحْر وَالْآخِرَة فِي مَعْنَى التَّفْرِيق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه . فَتَأْوِيل الْآيَة عَلَى هَذَا الْقَوْل : وَاتَّبَعُوا السِّحْر الَّذِي تَتْلُو الشَّيَاطِين فِي مُلْك سُلَيْمَان , وَالتَّفْرِيق الَّذِي بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1396 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح . عَنْ مُجَاهِد : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت } وَهُمَا يَعْلَمَانِ مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه , وَذَلِك قَوْل اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا } وَكَانَ يَقُول : أَمَّا السِّحْر فَإِنَّمَا يَعْلَمهُ الشَّيَاطِين , وَأَمَّا الَّذِي يَعْلَم الْمَلَكَانِ فَالتَّفْرِيق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه , كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى . وَقَالَ آخَرُونَ : جَائِز أَنْ تَكُون " مَا " بِمَعْنَى " الَّذِي " , وَجَائِز أَنْ تَكُون " مَا " بِمَعْنَى " لَمْ " . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 1397 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْث بْن سَعْد , عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد , عَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد , وَسَأَلَهُ رَجُل عَنْ قَوْل اللَّه { يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بَابِل هَارُوت وَمَارُوت } فَقَالَ الرَّجُل : يُعَلِّمَانِ النَّاس مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمَا , أَمْ يُعَلِّمَانِ النَّاس مَا لَمْ يَنْزِل عَلَيْهِمَا ؟ قَالَ الْقَاسِم : مَا أُبَالِي أَيَّتهمَا كَانَتْ . * - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا بِشْر بْن عِيَاض , عَنْ بَعْض أَصْحَابه , أَنَّ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد سُئِلَ عَنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } فَقِيلَ لَهُ : أُنْزِلَ أَوْ لَمْ يُنْزِل ؟ فَقَالَ : لَا أُبَالِي أَيّ ذَلِكَ كَانَ , إلَّا أَنِّي آمَنْت بِهِ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي قَوْل مَنْ وَجَّهَ " مَا " الَّتِي فِي قَوْله : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } إلَى مَعْنَى " الَّذِي " دُون مَعْنَى " مَا " الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى الْجَحْد . وَإِنَّمَا اخْتَرْت ذَلِكَ مِنْ أَجْل أَنَّ " مَا " إنْ وُجِّهَتْ إلَى مَعْنَى الْجَحْد , فَتَنْفِي عَنْ الْمَلَكَيْنِ أَنْ يَكُونَا مُنَزَّلًا إلَيْهِمَا . وَلَمْ يَخْلُ الِاسْمَانِ اللَّذَانِ بَعْدهمَا - أَعْنِي هَارُوت وَمَارُوت - مِنْ أَنْ يَكُونَا بَدَلًا مِنْهُمَا وَتَرْجَمَة عَنْهُمَا , أَوْ بَدَلًا مِنْ النَّاس فِي قَوْله : { يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } وَتَرْجَمَة عَنْهُمَا . فَإِنْ جُعِلَا بَدَلًا مِنْ الْمَلَكَيْنِ وَتَرْجَمَة عَنْهُمَا بَطَلَ مَعْنَى قَوْله : { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَد حَتَّى يَقُولَا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه } لِأَنَّهُمَا إذَا لَمْ يَكُونَا عَالِمَيْنِ بِمَا يُفَرَّق بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه , فَمَا الَّذِي يَتَعَلَّم مِنْهُمَا مَنْ يُفَرِّق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه ؟ وَبَعْد , فَإِنَّ " مَا " الَّتِي فِي قَوْله : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } إنْ كَانَتْ فِي مَعْنَى الْجَحْد عَطْفًا عَلَى قَوْله : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان } فَإِنَّ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ نَفَى بِقَوْلِهِ : { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَان } عَنْ سُلَيْمَان أَنْ يَكُون السِّحْر مِنْ عَمَله , أَوْ مِنْ عِلْمه أَوْ تَعْلِيمه . فَإِنْ كَانَ الَّذِي نَفَى عَنْ الْمَلَكَيْنِ مِنْ ذَلِكَ نَظِير الَّذِي نَفَى عَنْ سُلَيْمَان مِنْهُ , وَهَارُوت وَمَارُوت هُمَا الْمَلَكَانِ , فَمَنْ الْمُتَعَلَّمِ مِنْهُ إذًا مَا يُفَرَّق بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه ؟ وَعَمَّنْ الْخَبَر الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ : { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَد حَتَّى يَقُولَا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر } ؟ إنَّ خَطَأ هَذَا الْقَوْل لَوَاضِح بَيِّن . وَإِنْ كَانَ قَوْله " هَارُوت وَمَارُوت " تَرْجَمَة مِنْ النَّاس الَّذِينَ فِي قَوْله : { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر } فَقَدْ وَجَبَ أَنْ تَكُون الشَّيَاطِين هِيَ الَّتِي تُعَلِّم هَارُوت وَمَارُوت السِّحْر , وَتَكُون السَّحَرَة إنَّمَا تَعَلَّمَتْ السِّحْر مِنْ هَارُوت وَمَارُوت عَنْ تَعْلِيم الشَّيَاطِين إيَّاهُمَا . فَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَلَنْ يَخْلُو هَارُوت وَمَارُوت عِنْد قَائِل هَذِهِ الْمَقَالَة مِنْ أَحَد أَمْرَيْنِ : إمَّا أَنْ يَكُونَا مَلَكَيْنِ , فَإِنْ كَانَا عِنْده مَلَكَيْنِ فَقَدْ أَوْجَبَ لَهُمَا مِنْ الْكُفْر بِاَللَّهِ وَالْمَعْصِيَة لَهُ بِنِسْبَتِهِ إيَّاهُمَا إلَى أَنَّهُمَا يَتَعَلَّمَانِ مِنْ الشَّيَاطِين السِّحْر وَيُعَلِّمَانِهِ النَّاس , وَإِصْرَارهمَا عَلَى ذَلِكَ وَمَقَامهمَا عَلَيْهِ أَعْظَم مِمَّا ذُكِرَ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا أَتَيَاهُ مِنْ الْمَعْصِيَة الَّتِي اسْتَحَقَّا عَلَيْهَا الْعِقَاب , وَفِي خَبَر اللَّه عَزَّ وَجَلّ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا لَا يُعَلِّمَانِ أَحَدًا مَا يَتَعَلَّم مِنْهُمَا حَتَّى يَقُولَا : { إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر } مَا يُغْنِي عَنْ الْإِكْثَار فِي الدَّلَالَة عَلَى خَطَأ هَذَا الْقَوْل . أَوْ أَنْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي آدَم ; فَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَقَدْ كَانَ يَجِب أَنْ يَكُون بِهَلَاكِهِمَا قَدْ ارْتَفَعَ السِّحْر وَالْعِلْم بِهِ وَالْعَمَل مِنْ بَنِي آدَم ; لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عِلْم ذَلِكَ مِنْ قِبَلهمَا يُؤْخَذ وَمِنْهُمَا يُتَعَلَّم , فَالْوَاجِب أَنْ يَكُون بِهَلَاكِهِمَا وَعَدَم وُجُودهمَا عُدِمَ السَّبِيل إلَى الْوُصُول إلَى الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ لَا يُوصَل إلَيْهِ إلَّا بِهِمَا ; وَفِي وُجُود السِّحْر فِي كُلّ زَمَان وَوَقْت أَبْيَن الدَّلَالَة عَلَى فَسَاد هَذَا الْقَوْل . وَقَدْ يَزْعُم قَائِل ذَلِكَ أَنَّهُمَا رَجُلَانِ مِنْ بَنِي آدَم , لَمْ يُعْدَمَا مِنْ الْأَرْض مُنْذُ خُلِقَتْ , وَلَا يُعْدَمَانِ بَعْد مَا وُجِدَ السِّحْر فِي النَّاس . فَيَدَّعِي مَا لَا يَخْفَى بِطُولِهِ . فَإِذَا فَسَدَتْ هَذِهِ الْوُجُوه الَّتِي دَلَّلْنَا عَلَى فَسَادهَا , فَبَيِّن أَنَّ مَعْنَى : { مَا } الَّتِي فِي قَوْله : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } بِمَعْنَى " الَّذِي " , وَأَنَّ هَارُوت وَمَارُوت مُتَرْجَم بِهِمَا عَنْ الْمَلَكَيْنِ ; وَلِذَلِك فُتِحَتْ أَوَاخِر أَسْمَائِهِمَا , لِأَنَّهُمَا فِي مَوْضِع خَفْض عَلَى الرَّدّ عَلَى الْمَلَكَيْنِ , وَلَكِنَّهُمَا لَمَّا كَانَا لَا يُجَرَّانِ فُتِحَتْ أَوَاخِر أَسْمَائِهِمَا . فَإِنْ الْتَبَسَ عَلَى ذِي غَبَاء مَا قُلْنَا , فَقَالَ : وَكَيْف يَجُوز لِمَلَائِكَةِ اللَّه أَنْ تُعَلِّم النَّاس التَّفْرِيق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه ؟ أَمْ كَيْف يَجُوز أَنْ يُضَاف إلَى اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى إنْزَال ذَلِكَ عَلَى الْمَلَائِكَة ؟ قِيلَ لَهُ : إنَّ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ عَرَّفَ عِبَاده جَمِيع مَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَجَمِيع مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ , ثُمَّ أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ بَعْد الْعِلْم مِنْهُمْ بِمَا يُؤْمَرُونَ بِهِ وَيُنْهَوْنَ عَنْهُ . وَلَوْ كَانَ الْأَمْر عَلَى غَيْر ذَلِكَ , لَمَا كَانَ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْي مَعْنَى مَفْهُوم ; فَالسِّحْر مِمَّا قَدْ نَهَى عِبَاده مِنْ بَنِي آدَم عَنْهُ , فَغَيْر مُنْكَر أَنْ يَكُون جَلّ ثَنَاؤُهُ عَلَّمَهُ الْمَلَكَيْنِ اللَّذَيْنِ سَمَّاهُمَا فِي تَنْزِيله وَجَعَلَهُمَا فِتْنَة لِعِبَادِهِ مِنْ بَنِي آدَم كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا يَقُولَانِ لِمَنْ يَتَعَلَّم ذَلِكَ مِنْهُمَا : { إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر } لِيَخْتَبِر بِهِمَا عِبَاده الَّذِينَ نَهَاهُمْ عَنْ التَّفْرِيق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه وَعَنْ السِّحْر , فَيُمَحِّص الْمُؤْمِن بِتَرْكِهِ التَّعَلُّم مِنْهُمَا , وَيُخْزِي الْكَافِر بِتَعَلُّمِهِ السِّحْر وَالْكُفْر مِنْهُمَا , وَيَكُون الْمَلَكَانِ فِي تَعْلِيمهمَا مَنْ عَلَّمَا ذَلِكَ لِلَّهِ مُطِيعِينَ , إذْ كَانَا عَنْ إذْن اللَّه لَهُمَا بِتَعْلِيمِ ذَلِكَ مَنْ عَلَّمَاهُ يَعْلَمَانِ . وَقَدْ عُبِدَ مِنْ دُون اللَّه جَمَاعَة مِنْ أَوْلِيَاء اللَّه , فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ ضَائِرًا إذْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِأَمْرِهِمْ إيَّاهُمْ بِهِ , بَلْ عَبَدَ بَعْضهمْ وَالْمَعْبُود عَنْهُ نَاهٍ , فَكَذَلِك الْمَلَكَانِ غَيْر ضَائِرهمَا سِحْر مَنْ سَحَرَ مِمَّنْ تَعَلَّمَ ذَلِكَ مِنْهُمَا بَعْد نَهْيهمَا إيَّاهُ عَنْهُ وَعِظَتهمَا لَهُ بِقَوْلِهِمَا : { إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر } إذْ كَانَا قَدْ أَدَّيَا مَا أُمِرَ بِهِ بِقَيْلِهِمَا ذَلِكَ . كَمَا : 1398 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد , عَنْ عَوْف , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت } إلَى قَوْله : { فَلَا تَكْفُر } أَخَذَ عَلَيْهِمَا ذَلِكَ . ذِكْر بَعْض الْأَخْبَار الَّتِي فِي بَيَان الْمَلَكَيْنِ , وَمَنْ قَالَ إنَّ هَارُوت وَمَارُوت هُمَا الْمَلَكَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ فِي قَوْله : { بِبَابِل } 1399 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُعَاذ بْن هِشَام , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : ثنا أَبُو شُعْبَة الْعَدَوِيّ فِي جِنَازَة يُونُس بْن جُبَيْر أَبِي غَلَّاب , عَنْ ابْن عَبَّاس قَالَ : إنَّ اللَّه أَفْرَج السَّمَاء لِمَلَائِكَتِهِ يَنْظُرُونَ إلَى أَعْمَال بَنِي آدَم , فَلَمَّا أَبْصَرُوهُمْ يَعْمَلُونَ الْخَطَايَا , قَالُوا : يَا رَبّ هَؤُلَاءِ بَنُو آدَم الَّذِي خَلَقْته بِيَدِك , وَأَسْجَدْت لَهُ مَلَائِكَتك , وَعَلَّمْته أَسْمَاء كُلّ شَيْء , يَعْمَلُونَ بِالْخَطَايَا . قَالَ : أَمَا إنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ مَكَانهمْ لَعَمِلْتُمْ مِثْل أَعْمَالهمْ . قَالُوا : سُبْحَانك مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا , قَالَ : فَأُمِرُوا أَنْ يَخْتَارُوا مَنْ يَهْبِط إلَى الْأَرْض . قَالَ : فَاخْتَارُوا هَارُوت وَمَارُوت , فَأُهْبِطَا إلَى الْأَرْض , وَأُحِلّ لَهُمَا مَا فِيهَا مِنْ شَيْء غَيْر أَنْ لَا يُشْرِكَا بِاَللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقَا , وَلَا يَزْنِيَا , وَلَا يَشْرَبَا الْخَمْر , وَلَا يَقْتُلَا النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّه إلَّا بِالْحَقِّ . قَالَ : فَمَا اسْتَمَرَّا حَتَّى عَرَضَ لَهُمَا امْرَأَة قَدْ قُسِمَ لَهَا نِصْف الْحُسْن يُقَال لَهَا " بيذخت " , فَلَمَّا أَبْصَرَاهَا أَرَادَا بِهَا زِنَا , فَقَالَتْ : لَا إلَّا أَنْ تُشْرِكَا بِاَللَّهِ وَتَشْرَبَا الْخَمْر وَتَقْتُلَا النَّفْس وَتَسْجُدَا لِهَذَا الصَّنَم . فَقَالَا : مَا كُنَّا لِنُشْرِك بِاَللَّهِ شَيْئًا . فَقَالَ أَحَدهمَا لِلْآخَرِ : ارْجِعْ إلَيْهَا . فَقَالَتْ : لَا إلَا أَنْ تَشْرَبَا الْخَمْر ! فَشَرِبَا حَتَّى ثَمِلَا , وَدَخَلَ عَلَيْهِمَا سَائِل فَقَتَلَاهُ . فَلَمَّا وَقَعَا فِيهِ مِنْ الشَّرّ , أَفْرَجَ اللَّه السَّمَاء لِمَلَائِكَتِهِ , فَقَالُوا : سُبْحَانك كُنْت أَعْلَم ! قَالَ : فَأَوْحَى اللَّه إلَى سُلَيْمَان بْن دَاوُد أَنْ يُخَيِّرهُمَا بَيْن عَذَاب الدُّنْيَا وَعَذَاب الْآخِرَة , فَاخْتَارَا عَذَاب الدُّنْيَا , فَكُبِّلَا مِنْ أَكْعُبِهِمَا إلَى أَعْنَاقهمَا بِمِثْلِ أَعْنَاق الْبُخْت وَجُعِلَا بِبَابِل . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ عَلِيّ بْن زَيْد , عَنْ أَبِي عُثْمَان النَّهْدِيّ , عَنْ ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس أَنَّهُمَا قَالَا : لَمَّا كَثُرَ بَنُو آدَم وَعَصَوْا , دَعَتْ الْمَلَائِكَة عَلَيْهِمْ وَالْأَرْض وَالسَّمَاء وَالْجِبَال : رَبّنَا أَلَّا تُهْلِكهُمْ ؟ فَأَوْحَى اللَّه إلَى الْمَلَائِكَة : إنِّي لَوْ أَنْزَلْت الشَّهْوَة وَالشَّيْطَان مِنْ قُلُوبكُمْ وَنَزَلْتُمْ لَفَعَلْتُمْ أَيْضًا . قَالَ : فَحَدَّثُوا أَنْفُسهمْ أَنْ لَوْ اُبْتُلُوا اعْتَصَمُوا . فَأَوْحَى اللَّه إلَيْهِمْ أَنْ اخْتَارُوا مَلَكَيْنِ مِنْ أَفْضَلكُمْ . فَاخْتَارُوا هَارُوت وَمَارُوت , فَأُهْبِطَا إلَى الْأَرْض وَأُنْزِلَتْ الزَّهْرَة إلَيْهِمَا فِي صُورَة امْرَأَة مِنْ أَهْل فَارِس , وَكَانَ أَهْل فَارِس يُسَمُّونَهَا " بيذخت " . قَالَ : فَوَقَعَا بِالْخَطِيئَةِ , فَكَانَتْ الْمَلَائِكَة يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا . { رَبّنَا وَسِعْت كُلّ شَيْء رَحْمَة وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا } . فَلَمَّا وَقَعَا بِالْخَطِيئَةِ اسْتَغْفَرُوا لِمَنْ فِي الْأَرْض : { أَلَا إنَّ اللَّه هُوَ الْغَفُور الرَّحِيم } فَخُيِّرَا بَيْن عَذَاب الدُّنْيَا وَعَذَاب الْآخِرَة فَاخْتَارَا عَذَاب الدُّنْيَا . 1400 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنِي الْحَجَّاج , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ خَالِد الْحَذَّاء , عَنْ عَمْرو بْن سَعِيد , قَالَ سَمِعْت عَلِيًّا يَقُول : كَانَتْ الزَّهْرَة امْرَأَة جَمِيلَة مِنْ أَهْل فَارِس , وَإِنَّهَا خَاصَمَتْ إلَى الْمَلَكَيْنِ هَارُوت وَمَارُوت فَرَاوَدَاهَا عَنْ نَفْسهَا , فَأَبَتْ إلَّا أَنْ يُعَلِّمَاهَا الْكَلَام الَّذِي إذَا تَكَلَّمَ بِهِ يَعْرُج بِهِ إلَى السَّمَاء . فَعَلَّمَاهَا فَتَكَلَّمَتْ فَعَرَجَتْ إلَى السَّمَاء فَمُسِخَتْ كَوْكَبًا . 1401 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار وَمُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَا : ثنا مُؤَمَّل بْن إسْمَاعِيل , وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق جَمِيعًا , عَنْ الثَّوْرِيّ , عَنْ مُحَمَّد بْن عُقْبَة , عَنْ سَالِم , عَنْ ابْن عُمَر , عَنْ كَعْب , قَالَ : ذَكَرَتْ الْمَلَائِكَة أَعْمَال بَنِي آدَم وَمَا يَأْتُونَ مِنْ الذُّنُوب , فَقِيلَ لَهُمْ : اخْتَارُوا مِنْكُمْ اثْنَيْنِ - وَقَالَ الْحَسَن بْن يَحْيَى فِي حَدِيثه : اخْتَارُوا مَلَكَيْنِ - فَاخْتَارُوا هَارُوت وَمَارُوت , فَقِيلَ لَهُمَا : إنِّي أُرْسِل إلَى بَنِي آدَم رُسُلًا , وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنكُمْ رَسُول , انْزِلَا لَا تُشْرِكَا بِي شَيْئًا , وَلَا تَزْنِيَا , وَلَا تَشْرَبَا الْخَمْر ! قَالَ كَعْب : فَوَاَللَّهِ مَا أَمْسَيَا مِنْ يَوْمهمَا الَّذِي أُهْبِطَا فِيهِ إلَى الْأَرْض , حَتَّى اسْتَكْمَلَا جَمِيع مَا نُهِيَا عَنْهُ . وَقَالَ الْحَسَن بْن يَحْيَى فِي حَدِيثه : فَمَا اسْتَكْمَلَا يَوْمهمَا الَّذِي أُنْزِلَا فِيهِ حَتَّى عَمِلَا مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِمَا . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُعَلَّى بْن أَسَد , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز بْن الْمُخْتَار , عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَة , قَالَ : حَدَّثَنِي سَالِم أَنَّهُ سَمِعَ عَبْد اللَّه يُحَدِّث عَنْ كَعْب الْأَحْبَار , أَنَّهُ حَدَّثَ أَنَّ الْمَلَائِكَة أَنْكَرُوا أَعْمَال بَنِي آدَم وَمَا يَأْتُونَ فِي الْأَرْض مِنْ الْمَعَاصِي , فَقَالَ اللَّه لَهُمْ : إنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ مَكَانهمْ أَتَيْتُمْ مَا يَأْتُونَ مِنْ الذُّنُوب فَاخْتَارُوا مِنْكُمْ مَلَكَيْنِ ! فَاخْتَارُوا هَارُوت وَمَارُوت , فَقَالَ اللَّه لَهُمَا : إنِّي أُرْسِل رُسُلِي إلَى النَّاس , وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنكُمَا رَسُول , انْزِلَا إلَى الْأَرْض , وَلَا تُشْرِكَا بِي شَيْئًا , وَلَا تَزْنِيَا ! فَقَالَ كَعْب : وَاَلَّذِي نَفْس كَعْب بِيَدِهِ مَا اسْتَكْمَلَا يَوْمهمَا الَّذِي نَزَلَا فِيهِ حَتَّى أَتَيَا مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِمَا . 1402 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَمْر هَارُوت وَمَارُوت أَنَّهُمَا طَعَنَا عَلَى أَهْل الْأَرْض فِي أَحْكَامهمْ , فَقِيلَ لَهُمَا : إنِّي أَعْطَيْت ابْن آدَم عَشْرًا مِنْ الشَّهَوَات فَبِهَا يَعْصُونَنِي . قَالَ هَارُوت وَمَارُوت : رَبّنَا لَوْ أَعْطَيْتنَا تِلْكَ الشَّهَوَات ثُمَّ نَزَلْنَا لَحَكَمْنَا بِالْعَدْلِ . فَقَالَ لَهُمَا : انْزِلَا فَقَدْ أَعْطَيْتُكُمَا تِلْكَ الشَّهَوَات الْعَشْر فَاحْكُمَا بَيْن النَّاس ! فَنَزَلَا بِبَابِل دنباوند , فَكَانَا يَحْكُمَانِ , حَتَّى إذَا أَمْسَيَا عَرَجَا , فَإِذَا أَصْبَحَا هَبَطَا . فَلَمْ يَزَالَا كَذَلِك حَتَّى أَتَتْهُمَا امْرَأَة تُخَاصِم زَوْجهَا , فَأَعْجَبَهُمَا حُسْنهَا وَاسْمهَا بِالْعَرَبِيَّةِ " الزَّهْرَة " , وَبِالنَّبَطِيَّةِ " بيذخت " , وَاسْمهَا بِالْفَارِسِيَّةِ " واناهيذ " , فَقَالَ أَحَدهمَا لِصَاحِبِهِ : إنَّهَا لَتُعْجِبنِي . فَقَالَ الْآخَر : قَدْ أَرَدْت أَنْ أَذْكُر لَك فَاسْتَحْيَيْت مِنْك . فَقَالَ الْآخَر : هَلْ لَك أَنْ أَذْكُرهَا لِنَفْسِهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ , وَلَكِنْ كَيْف لَنَا بِعَذَابِ اللَّه ؟ قَالَ الْآخَر : إنَّا نَرْجُو رَحْمَة اللَّه . فَلَمَّا جَاءَتْ تُخَاصِم زَوْجهَا ذَكَرَا إلَيْهَا نَفْسهَا , فَقَالَتْ : لَا حَتَّى تَقْضِيَا لِي عَلَى زَوْجِي , فَقَضَيَا لَهَا عَلَى زَوْجهَا . ثُمَّ وَاعَدَتْهُمَا خَرِبَة مِنْ الْخُرْب يَأْتِيَانِهَا فِيهَا , فَأَتَيَاهَا لِذَلِك , فَلَمَّا أَرَادَ الَّذِي يُوَاقِعهَا , قَالَتْ : مَا أَنَا بِاَلَّذِي أَفْعَل حَتَّى تُخْبِرَانِي بِأَيِّ كَلَام تَصْعَدَانِ إلَى السَّمَاء ؟ وَبِأَيِّ كَلَام تَنْزِلَانِ مِنْهَا ؟ فَأَخْبَرَاهَا فَتَكَلَّمَتْ فَصَعِدَتْ . فَأَنْسَاهَا اللَّه مَا تَنْزِل بِهِ فَبَقِيَتْ مَكَانهَا , وَجَعَلَهَا اللَّه كَوْكَبًا - فَكَانَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر كُلَّمَا رَآهَا لَعَنَهَا وَقَالَ : هَذِهِ الَّتِي فَتَنَتْ هَارُوت وَمَارُوت - فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل أَرَادَا أَنْ يَصْعَدَا فَلَمْ يَسْتَطِيعَا فَعَرَفَا الْهَلَك , فَخُيِّرَا بَيْن عَذَاب الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , فَاخْتَارَا عَذَاب الدُّنْيَا مِنْ عَذَاب الْآخِرَة , فَعُلِّقَا بِبَابِل فَجُعِلَا يُكَلِّمَانِ النَّاس كَلَامهمَا وَهُوَ السِّحْر . 1403 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ , ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : لَمَّا وَقَعَ النَّاس مِنْ بَعْد آدَم فِيمَا وَقَعُوا فِيهِ مِنْ الْمَعَاصِي وَالْكُفْر بِاَللَّهِ , قَالَتْ الْمَلَائِكَة فِي السَّمَاء : أَيْ رَبّ هَذَا الْعَالَم إنَّمَا خَلَقْتهمْ لِعِبَادَتِك وَطَاعَتك , وَقَدْ رَكِبُوا الْكُفْر وَقَتْل النَّفْس الْحَرَام وَأَكْل الْمَال الْحَرَام وَالسَّرِقَة وَالزِّنَا وَشُرْب الْخَمْر ! فَحَمَلُوا يَدْعُونَ عَلَيْهِمْ وَلَا يَعْذُرُونَهُمْ . فَقِيلَ لَهُمْ : إنَّهُمْ فِي غَيْب ! فَلَمْ يَعْذُرُوهُمْ , فَقِيلَ لَهُمْ : اخْتَارُوا مِنْكُمْ مَلَكَيْنِ آمُرهُمَا بِأَمْرِي , وَأَنْهَاهُمَا عَنْ مَعْصِيَتِي ! فَاخْتَارُوا هَارُوت وَمَارُوت , فَأُهْبِطَا إلَى الْأَرْض , وَحَمَلَ بِهِمَا شَهَوَات بَنِي آدَم , وَأُمِرَا أَنْ يَعْبُدَا اللَّه وَلَا يُشْرِكَا بِهِ شَيْئًا , وَنُهِيَا عَنْ قَتْل النَّفْس الْحَرَام , وَأَكْل الْمَال الْحَرَام , وَالسَّرِقَة وَالزِّنَا وَشُرْب الْخَمْر . فَلَبِثَا عَلَى ذَلِكَ فِي الْأَرْض زَمَانًا يَحْكُمَانِ بَيْن النَّاس بِالْحَقِّ , وَذَلِك فِي زَمَان إدْرِيس , وَفِي ذَلِكَ الزَّمَان امْرَأَة حُسْنهَا فِي سَائِر النَّاس كَحُسْنِ الزَّهْرَة فِي سَائِر الْكَوْكَب . وَإِنَّهَا أَتَتْ عَلَيْهِمَا فَخَضَعَا لَهَا بِالْقَوْلِ , وَأَرَادَاهَا عَلَى نَفْسهَا , وَإِنَّهَا أَبَتْ إلَّا أَنْ يَكُونَا عَلَى أَمْرهَا وَدِينهَا , وَإِنَّهُمَا سَأَلَاهَا عَنْ دِينهَا الَّتِي هِيَ عَلَيْهِ , فَأَخْرَجَتْ لَهُمَا صَنَمًا وَقَالَتْ : هَذَا أَعْبُد . فَقَالَا : لَا حَاجَة لَنَا فِي عِبَادَة هَذَا . فَذَهَبَا فَصَبَرَا مَا شَاءَ اللَّه , ثُمَّ أَتَيَا عَلَيْهَا فَخَضَعَا لَهَا بِالْقَوْلِ وَأَرَادَاهَا عَلَى نَفْسهَا . فَقَالَتْ : لَا إلَّا أَنْ تَكُونَا عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ . فَقَالَا : لَا حَاجَة لَنَا فِي عِبَادَة هَذَا . فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهُمَا أَبَيَا أَنْ يَعْبُدَا الصَّنَم , قَالَتْ لَهُمَا : اخْتَارَا إحْدَى الْخِلَال الثَّلَاث : إمَّا أَنْ تَعْبُدَا الصَّنَم , أَوْ تَقْتُلَا النَّفْس , أَوْ تَشْرَبَا الْخَمْر . فَقَالَا : كُلّ هَذَا لَا يَنْبَغِي , وَأَهْوَن الثَّلَاثَة شُرْب الْخَمْر . فَسَقَتْهُمَا الْخَمْر , حَتَّى إذَا أَخَذَتْ الْخَمْر فِيهِمَا وَقَعَا بِهَا , فَمَرَّ بِهِمَا إنْسَان وَهُمَا فِي ذَلِكَ , فَخَشِيَا أَنْ يُفْشِي عَلَيْهِمَا فَقَتَلَاهُ . فَلَمَّا أَنْ ذَهَبَ عَنْهُمَا السُّكْر عَرَفَا مَا وَقَعَا فِيهِ مِنْ الْخَطِيئَة وَأَرَادَا أَنْ يَصْعَدَا إلَى السَّمَاء فَلَمْ يَسْتَطِيعَا , فَحِيلَ بَيْنهمَا وَبَيْن ذَلِكَ , وَكُشِفَ الْغِطَاء بَيْنهمَا وَبَيْن أَهْل السَّمَاء . فَنَظَرَتْ الْمَلَائِكَة إلَى مَا وَقَعَا فِيهِ مِنْ الذَّنْب , فَعَجِبُوا كُلّ الْعَجَب , وَعَلِمُوا أَنَّ مَنْ كَانَ فِي غَيْب فَهُوَ أَقَلّ غَشْيَة , فَجَعَلُوا بَعْد ذَلِكَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْض . وَإِنَّهُمَا لَمَّا وَقَعَا فِيمَا وَقَعَا فِيهِ مِنْ الْخَطِيئَة , قِيلَ لَهُمَا : اخْتَارَا عَذَاب الدُّنْيَا أَوْ عَذَاب الْآخِرَة ! فَقَالَا : أَمَّا عَذَاب الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يَنْقَطِع وَأَمَّا عَذَاب الْآخِرَة فَلَا انْقِطَاع لَهُ . فَاخْتَارَا عَذَاب الدُّنْيَا , فَجُعِلَا بِبَابِل , فَهُمَا يُعَذَّبَانِ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا فَرَج بْن فَضَالَةَ , عَنْ مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ نَافِع , قَالَ : سَافَرْت مَعَ ابْن عُمَر , فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِر اللَّيْل قَالَ : يَا نَافِع اُنْظُرْ طَلَعَتْ الْحَمْرَاء ! قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا . ثُمَّ قُلْت : قَدْ طَلَعَتْ . قَالَ : لَا مَرْحَبًا وَلَا أَهْلًا ! قُلْت : سُبْحَان اللَّه نَجْم مُسَخَّر سَامِع مُطِيع ؟ قَالَ : مَا قُلْت لَك إلَّا مَا سَمِعْت مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَقَالَ : قَالَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إنَّ الْمَلَائِكَة قَالَتْ : يَا رَبّ كَيْف صَبْرك عَلَى بَنِي آدَم فِي الْخَطَايَا وَالذُّنُوب ؟ قَالَ : إنِّي ابْتَلَيْتهمْ وَعَافَيْتُكُمْ . قَالُوا : لَوْ كُنَّا مَكَانهمْ مَا عَصَيْنَاك . قَالَ : فَاخْتَارُوا مَلَكَيْنِ مِنْكُمْ ! قَالَ : فَلَمْ يَأْلُوا أَنْ يَخْتَارُوا , فَاخْتَارُوا هَارُوت وَمَارُوت " . 1404 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : وَأَمَّا شَأْن هَارُوت وَمَارُوت , فَإِنَّ الْمَلَائِكَة عَجِبْت مِنْ ظُلْم بَنِي آدَم وَقَدْ جَاءَتْهُمْ الرُّسُل وَالْكُتُب وَالْبَيِّنَات , فَقَالَ لَهُمْ رَبّهمْ : اخْتَارُوا مِنْكُمْ مَلَكَيْنِ أُنْزِلهُمَا يَحْكُمَانِ فِي الْأَرْض بَيْن بَنِي آدَم ! فَاخْتَارُوا هَارُوت وَمَارُوت , فَقَالَ لَهُمَا حِين أَنْزَلَهُمَا : عَجِبْتُمَا مِنْ بَنِي آدَم وَمِنْ ظُلْمهمْ وَمَعْصِيَتهمْ , وَإِنَّمَا تَأْتِيهِمْ الرُّسُل وَالْكُتُب مِنْ وَرَاء وَرَاء , وَأَنْتُمَا لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنكُمَا رَسُول , فَافْعَلَا كَذَا وَكَذَا , وَدَعَا كَذَا وَكَذَا ! فَأَمَرَهُمَا بِأَمْرِ وَنَهَاهُمَا . ثُمَّ نَزَلَا عَلَى ذَلِكَ لَيْسَ أَحَد لِلَّهِ أَطْوَع مِنْهُمَا , فَحَكَمَا فَعَدَلَا , فَكَانَا يَحْكُمَانِ النَّهَار بَيْن بَنِي آدَم , فَإِذَا أَمْسَيَا عَرَجَا وَكَانَا مَعَ الْمَلَائِكَة , وَيَنْزِلَانِ حِين يُصْبِحَانِ فَيَحْكُمَانِ فَيَعْدِلَانِ . حَتَّى أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمَا الزَّهْرَة فِي أَحْسَن صُورَة امْرَأَة تُخَاصِم , فَقَضَيَا عَلَيْهَا . فَلَمَّا قَامَتْ وَجَدَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا فِي نَفْسه , فَقَالَ أَحَدهمَا لِصَاحِبِهِ : وَجَدْت مِثْل مَا وَجَدْت ؟ قَالَ : نَعَمْ , فَبَعَثَا إلَيْهَا أَنْ ائْتِينَا نَقْضِ لَك . فَلَمَّا رَجَعَتْ قَالَا لَهَا وَقَضَيَا لَهَا : ائْتِينَا ! فَأَتَتْهُمَا , فَكَشَفَا لَهَا عَنْ عَوْرَتهمَا . وَإِنَّمَا كَانَتْ شَهْوَتهمَا فِي أَنْفُسهمَا وَلَمْ يَكُونَا كَبَنِي آدَم فِي شَهْوَة النِّسَاء وَلَذَّتهَا . فَلَمَّا بَلَغَا ذَلِكَ وَاسْتَحَلَّاهُ وَافْتَتَنَا , طَارَتْ الزَّهْرَة فَرَجَعَتْ حَيْثُ كَانَتْ . فَلَمَّا أَمْسَيَا عَرَجَا فَرُدَّا وَلَمْ يُؤْذَن لَهُمَا وَلَمْ تَحْمِلهُمَا أَجْنِحَتهمَا ; فَاسْتَغَاثَا بِرَجُلِ مِنْ بَنِي آدَم , فَأَتَيَاهُ فَقَالَا : اُدْعُ لَنَا رَبّك ! فَقَالَ : كَيْف يَشْفَع أَهْل الْأَرْض لِأَهْلِ السَّمَاء ؟ قَالَا : سَمِعْنَا رَبّك يَذْكُرك بِخَيْرِ فِي السَّمَاء . فَوَعَدَهُمَا يَوْمًا وَغَدًا يَدْعُو لَهُمَا . فَدَعَا لَهُمَا فَاسْتُجِيبَ لَهُ , فَخُيِّرَا بَيْن عَذَاب الدُّنْيَا وَعَذَاب الْآخِرَة . فَنَظَرَ أَحَدهمَا إلَى صَاحِبه فَقَالَا : نَعْلَم أَنَّ أَنْوَاع عَذَاب اللَّه فِي الْآخِرَة كَذَا وَكَذَا فِي الْخُلْد وَمَعَ الدُّنْيَا سَبْع مَرَّات مِثْلهَا . فَأُمِرَا أَنْ يَنْزِلَا بِبَابِل , فَثَمَّ عَذَابهمَا . وَزُعِمَ أَنَّهُمَا مُعَلَّقَانِ فِي الْحَدِيد مَطْوِيَّانِ يَصْفِقَانِ بِأَجْنِحَتِهِمَا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَحُكِيَ عَنْ بَعْض الْقُرَّاء أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : { وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ } يَعْنِي بِهِ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي آدَم . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى خَطَأ الْقِرَاءَة بِذَلِك مِنْ جِهَة الِاسْتِدْلَال ; فَأَمَّا مِنْ جِهَة النَّقْل فَإِجْمَاع الْحُجَّة عَلَى خَطَأ الْقِرَاءَة بِهَا مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَقُرَّاء الْأَمْصَار , وَكَفَى بِذَلِك شَاهِدًا عَلَى خَطَئِهَا . وَأَمَّا قَوْله { بِبَابِل } فَإِنَّهُ اسْم قَرْيَة أَوْ مَوْضِع مِنْ مَوَاضِع الْأَرْض . وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيهَا , فَقَالَ بَعْضهمْ : إنَّهَا بَابِل دنباوند . * - حَدَّثَنِي بِذَلِك مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ . وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ ذَلِكَ بَابِل الْعِرَاق . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1405 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن أَبِي الزِّنَاد , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَائِشَة فِي قِصَّة ذَكَرَتْهَا عَنْ امْرَأَة قَدِمَتْ الْمَدِينَة , فَذَكَرَتْ أَنَّهَا صَارَتْ فِي الْعِرَاق بِبَابِل , فَأَتَتْ بِهَا هَارُوت وَمَارُوت فَتَعَلَّمَتْ مِنْهُمَا السِّحْر . وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى السِّحْر , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ خِدَع وَمَخَارِيق وَمَعَانٍ يَفْعَلهَا السَّاحِر , حَتَّى يُخَيَّل إلَى الْمَسْحُور الشَّيْء أَنَّهُ بِخِلَافِ مَا هُوَ بِهِ نَظِير الَّذِي يَرَى السَّرَاب مِنْ بَعِيد , فَيُخَيَّل إلَيْهِ أَنَّهُ مَاء , وَيَرَى الشَّيْء مِنْ بَعِيد فَيُثْبِتهُ بِخِلَافِ مَا هُوَ عَلَى حَقِيقَته . وَكَرَاكِبِ السَّفِينَة السَّائِرَة سَيْرًا حَثِيثًا يُخَيَّل إلَيْهِ أَنَّ مَا عَايَنَ مِنْ الْأَشْجَار وَالْجِبَال سَائِر مَعَهُ . قَالُوا : فَكَذَلِك الْمَسْحُور ذَلِكَ صِفَته , يَحْسِب بَعْد الَّذِي وَصَلَ إلَيْهِ مِنْ سِحْر السَّاحِر أَنَّ الَّذِي يَرَاهُ أَوْ يَفْعَلهُ بِخِلَافِ الَّذِي هُوَ بِهِ عَلَى حَقِيقَته . كَاَلَّذِي : 1406 - حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن الْوَلِيد , وَسُفْيَان بْن وَكِيع قَالَا : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَائِشَة : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سُحِرَ كَانَ يُخَيَّل إلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَل الشَّيْء وَلَمْ يَفْعَلهُ . 1407 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : اثْنَا ابْن نُمَيْر , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَائِشَة , قَالَتْ : سَحَرَ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُودِيٌّ مِنْ يَهُود بَنِي زُرَيْق يُقَال لَهُ لَبِيد بْن الْأَعْصَم , حَتَّى كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَيَّل إلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَل الشَّيْء وَمَا يَفْعَلهُ . 1408 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُس , عَنْ ابْن شِهَاب , قَالَ : كَانَ عُرْوَة بْن الزَّبِير وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب يُحَدِّثَانِ : أَنَّ يَهُود بَنِي زُرَيْق عَقَدُوا عُقَدَ سِحْر لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَجَعَلُوهَا فِي بِئْر حُزَم حَتَّى كَانَ رَسُول اللَّه يُنْكِر بَصَره وَدَلَّهُ اللَّه عَلَى مَا صَنَعُوا . فَأَرْسَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى بِئْر حُزَم الَّتِي فِيهَا الْعُقَد فَانْتَزَعَهَا , فَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " سَحَرَتْنِي يَهُود بَنِي زُرَيْق " . وَأَنْكَرَ قَائِل هَذِهِ الْمَقَالَة أَنْ يَكُون السَّاحِر يَقْدِر بِسِحْرِهِ عَلَى قَلْب شَيْء عَنْ حَقِيقَته , وَاسْتِسْخَار شَيْء مِنْ خَلْق اللَّه إلَّا نَظِير الَّذِي يَقْدِر عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ سَائِر بَنِي آدَم , أَوْ إنْشَاء شَيْء مِنْ الْأَجْسَام سِوَى الْمَخَارِيق وَالْخُدَع الْمُتَخَيَّلَة لِأَبْصَارِ النَّاطِرِينَ بِخِلَافِ حَقَائِقهَا الَّتِي وَصَفْنَا . وَقَالُوا : لَوْ كَانَ فِي وُسْع السَّحَرَة إنْشَاء الْأَجْسَام وَقَلْب لِحَقَائِق الْأَعْيَان عَمَّا هِيَ بِهِ مِنْ الْهَيْئَات , لَمْ يَكُنْ بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل فَصْل , وَلَجَازَ أَنْ تَكُون جَمِيع الْمَحْسُوسَات مِمَّا سَحَرَتْهُ السَّحَرَة فَقَلَبَتْ أَعْيَانهَا . قَالُوا : وَفِي وَصْف اللَّه جَلّ وَعَزَّ سَحَرَة فِرْعَوْن بِقَوْلِهِ : { فَإِذَا حِبَالهمْ وَعِصِيّهمْ يُخَيَّل إلَيْهِ مِنْ سِحْرهمْ أَنَّهَا تَسْعَى } . وَفِي خَبَر عَائِشَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّهُ كَانَ إذَا سُحِرَ يُخَيَّل إلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَل الشَّيْء وَلَا يَفْعَلهُ , أَوْضَح الدَّلَالَة عَلَى بُطُول دَعْوَى الْمُدَّعِينَ : أَنَّ السَّاحِر يُنْشِئ أَعْيَانِ الْأَشْيَاء بِسِحْرِهِ , وَيَسْتَسْخِر مَا يَتَعَذَّر اسْتِسْخَاره عَلَى غَيْره مِنْ بَنِي آدَم . كَالْمَوَاتِ وَالْجَمَاد وَالْحَيَوَان , وَصِحَّة مَا قُلْنَا . وَقَالَ آخَرُونَ : قَدْ يَقْدِر السَّاحِر بِسِحْرِهِ أَنْ يُحَوِّل الْإِنْسَان حِمَارًا , وَأَنْ يَسْحَر الْإِنْسَان وَالْحِمَار وَيُنْشِئ أَعْيَانًا وَأَجْسَامًا . وَاعْتَلُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا : 1409 - حَدَّثَنَا بِهِ الرَّبِيع بْن سُلَيْمَان , قَالَ : ثنا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن أَبِي الزِّنَاد , قَالَ : حَدَّثَنِي هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَائِشَة زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ : قَدِمَتْ عَلَيَّ امْرَأَة مِنْ أَهْل دَوْمَة الْجَنْدَل , جَاءَتْ تَبْتَغِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد مَوْته حَدَاثَة ذَلِكَ , تَسْأَلهُ عَنْ شَيْء دَخَلَتْ فِيهِ مِنْ أَمْر السِّحْر وَلَمْ تَعْمَل بِهِ . قَالَتْ عَائِشَة لِعُرْوَة : يَا ابْن أُخْتِي , فَرَأَيْتهَا تَبْكِي حِين لَمْ تَجِد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَشْفِيهَا , كَانَتْ تَبْكِي حَتَّى إنِّي لَأَرْحَمهَا , وَتَقُول : إنِّي لَأَخَاف أَنْ أَكُون قَدْ هَلَكْت , كَانَ لِي زَوْج فَغَابَ عَنِّي , فَدَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوز فَشَكَوْت ذَلِكَ إلَيْهَا , فَقَالَتْ : إنْ فَعَلْت مَا آمُرك بِهِ فَأَجْعَلهُ يَأْتِيك , فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل جَاءَتْنِي بِكَلْبَيْنِ أَسْوَدَيْنِ , فَرَكِبَتْ أَحَدهمَا وَرَكِبَتْ الْآخَر , فَلَمْ يَكُنْ كَشَيْءِ حَتَّى وَقَفْنَا بِبَابِل , فَإِذَا بِرَجُلَيْنِ مُعَلَّقَيْنِ بِأَرْجُلِهِمَا , فَقَالَا : مَا جَاءَ بِك ؟ فَقُلْت : أَتَعْلَمُ السِّحْر ؟ فَقَالَا : أَمَّا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُرِي وَارْجِعِي , فَأَبَيْت وَقُلْت : لَا , فَقَالَا : اذْهَبِي إلَى ذَلِكَ التَّنُّور فَبُولِي فِيهِ ! فَذَهَبْت فَفَزِعْت فَلَمْ أَفْعَل , فَرَجَعْت إلَيْهِمَا , فَقَالَا : أَفَعَلْت ؟ قُلْت : نَعَمْ , فَقَالَا : فَهَلْ رَأَيْت شَيْئًا ؟ قُلْت : لَمْ أَرَ شَيْئًا , فَقَالَا لِي : لَمْ تَفْعَلِي , ارْجِعِي إلَى بِلَادك وَلَا تَكْفُرِي ! فَأَبَيْت , فَقَالَا : اذْهَبِي إلَى ذَلِكَ التَّنُّور فَبُولِي فِيهِ ! فَذَهَبْت , فَاقْشَعْرَرْت وَخِفْت . ثُمَّ رَجَعْت إلَيْهِمَا فَقُلْت : قَدْ فَعَلْت , فَقَالَا : فَمَا رَأَيْت ؟ فَقُلْت : لَمْ أَرَ شَيْئًا , فَقَالَا : كَذَبْت لَمْ تَفْعَلِي , ارْجِعِي إلَى بِلَادك وَلَا تَكْفُرِي , فَإِنَّك عَلَى رَأْس أَمْرك ! فَأَبَيْت , فَقَالَا : اذْهَبِي إلَى ذَلِكَ التَّنُّور فَبُولِي فِيهِ ! فَذَهَبْت إلَيْهِ فَبُلْت فِيهِ , فَرَأَيْت فَارِسًا مُتَقَنِّعًا بِحَدِيدِ خَرَجَ مِنِّي حَتَّى ذَهَبَ فِي السَّمَاء وَغَابَ عَنِّي حَتَّى مَا أَرَاهُ , فَجِئْتهمَا فَقُلْت : قَدْ فَعَلْت , فَقَالَا : مَا رَأَيْت ؟ فَقُلْت : فَارِسًا مُتَقَنِّعًا خَرَجَ مِنِّي فَذَهَبَ فِي السَّمَاء حَتَّى مَا أَرَاهُ , فَقَالَا : صَدَقْت , ذَلِكَ إيمَانك خَرَجَ مِنْك اذْهَبِي ! فَقُلْت لِلْمَرْأَةِ : وَاَللَّه مَا أَعْلَم شَيْئًا وَمَا قَالَا لِي شَيْئًا , فَقَالَتْ : بَلَى , لَنْ تُرِيدِي شَيْئًا إلَّا كَانَ , خُذِي هَذَا الْقَمْح فَابْذُرِي ! فَبَذَرَتْ , فَقُلْت : أَطْلِعِي ! فَأَطْلَعَتْ , وَقُلْت : أَحْقِلِي ! فَأَحْقَلَتْ , ثُمَّ قُلْت : اُفْرُكِي ! فَأَفْرَكَتْ , ثُمَّ قُلْت : أَيْبِسِي ! فَأَيْبَسَتْ , ثُمَّ قُلْت : أَطْحِنِي ! فَأَطْحَنَتْ , ثُمَّ قُلْت : اخْبِزِي ! فَأَخْبَزَتْ . فَلَمَّا رَأَيْت أَنِّي لَا أُرِيد شَيْئًا إلَّا كَانَ سَقَطَ فِي يَدِي وَنَدِمْت وَاَللَّه يَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ , وَاَللَّه مَا فَعَلْت شَيْئًا قَطُّ وَلَا أَفْعَلهُ أَبَدًا . قَالَ أَهْل هَذِهِ الْمَقَالَة بِمَا وَصَفْنَا وَاعْتَلُّوا بِمَا ذَكَرْنَا , وَقَالُوا : لَوْلَا أَنَّ السَّاحِر يَقْدِر عَلَى فِعْل مَا ادَّعَى أَنَّهُ يَقْدِر عَلَى فِعْله مَا قَدَرَ أَنْ يُفَرِّق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه , قَالُوا : وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَتَعَلَّمُونَ مِنْ الْمَلَكَيْنِ مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه , وَذَلِك لَوْ كَانَ عَلَى غَيْر الْحَقِيقَة وَكَانَ عَلَى وَجْه التَّخْيِيل وَالْحُسْبَان , لَمْ يَكُنْ تَفْرِيقًا عَلَى صِحَّة , وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يُفَرِّقُونَ عَلَى صِحَّة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ السِّحْر أَخَذَ بِالْعَيْنِ .
 
{102} وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَد حَتَّى يَقُولَا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر } . وَتَأْوِيل ذَلِكَ : وَمَا يُعَلِّم الْمَلَكَانِ أَحَدًا مِنْ النَّاس الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمَا مِنْ التَّفْرِيق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه حَتَّى يَقُولَا لَهُ : إنَّمَا نَحْنُ بَلَاء وَفِتْنَة لِبَنِي آدَم فَلَا تَكْفُر بِرَبِّك . كَمَا : 1410 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : لَنَا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : إذَا أَتَاهُمَا - يَعْنِي هَارُوت وَمَارُوت - إنْسَان يُرِيد السِّحْر وَعَظَاهُ وَقَالَا لَهُ : لَا تَكْفُر إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة . فَإِنْ أَبَى قَالَا لَهُ : ائْتِ هَذَا الرَّمَاد فَبُلْ عَلَيْهِ . فَإِذَا بَالَ عَلَيْهِ خَرَجَ مِنْهُ نُور يَسْطَع حَتَّى يَدْخُل السَّمَاء , وَذَلِك الْإِيمَان - وَقِيلَ شَيْء أَسْوَد كَهَيْئَةِ الدُّخَان - حَتَّى يَدْخُل فِي مَسَامِعه وَكُلّ شَيْء مِنْهُ , فَلِذَلِك غَضِبَ اللَّه , فَإِذَا أَخْبَرَهُمَا بِذَلِك عَلَّمَاهُ السِّحْر . فَذَلِكَ قَوْل اللَّه : { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَد حَتَّى يَقُولَا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر } الْآيَة . 1411 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَة وَالْحَسَن : { حَتَّى يَقُولَا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر } قَالَ : أَخَذَ عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُعَلِّمَا أَحَدًا حَتَّى يَقُولَا : إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر . 1412 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , قَالَ : قَالَ قَتَادَة : كَانَا يُعَلِّمَانِ النَّاس السِّحْر , فَأَخَذَ عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُعَلِّمَا أَحَدًا حَتَّى يَقُولَا : إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر . 1413 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , قَالَ : قَالَ غَيْر قَتَادَة : أَخَذَ عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُعَلِّمَا أَحَدًا حَتَّى يَتَقَدَّمَا إلَيْهِ فَيَقُولَا : إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر . * - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد , عَنْ عَوْف , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : أَخَذَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَقُولَا ذَلِكَ . 1414 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : أَخَذَ الْمِيثَاق عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُعَلِّمَا أَحَدًا حَتَّى يَقُولَا : إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة فَلَا تَكْفُر , لَا يَجْتَرِئ عَلَى السِّحْر إلَّا كَافِر . وَأَمَّا الْفِتْنَة فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَإِنَّ مَعْنَاهَا الِاخْتِبَار وَالِابْتِلَاء , مِنْ ذَلِكَ قَوْل الشَّاعِر . وَقَدْ فُتِنَ النَّاس فِي دِينهمْ وَخَلَّى ابْن عَفَّان شَرًّا طَوِيلًا وَمِنْهُ قَوْله : فَتَنْت الذَّهَب فِي النَّار : إذَا امْتَحَنْتهَا لِتَعْرِف جَوْدَتهَا مِنْ رَدَاءَتهَا , أَفْتِنهُ فِتْنَة وَفُتُونًا . كَمَا : 1415 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة } أَيْ بَلَاء .
 
{102} وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه } . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَقَوْله جَلّ ثَنَاؤُهُ : { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا } خَبَر مُبْتَدَأ عَنْ الْمُتَعَلِّمِينَ مِنْ الْمَلَكَيْنِ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمَا , وَلَيْسَ بِجَوَابِ لِقَوْلِهِ : { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَد } بَلْ هُوَ خَبَر مُسْتَأْنَف ; وَلِذَلِك رُفِعَ , فَقِيلَ : فَيَتَعَلَّمُونَ . فَمَعْنَى الْكَلَام إذًا : وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَد حَتَّى يَقُولَا إنَّمَا نَحْنُ فِتْنَة . فَيَأْبَوْنَ قَبُول ذَلِكَ مِنْهُمَا فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه . وَقَدْ قِيلَ : إنَّ قَوْله : { يَتَعَلَّمُونَ } خَبَر عَنْ الْيَهُود مَعْطُوف عَلَى قَوْله : { وَلَكِنَّ الشَّيَاطِين كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاس السِّحْر وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه } وَجَعَلُوا ذَلِكَ مِنْ الْمُؤَخَّر الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيم . وَاَلَّذِي قُلْنَا أَشْبَه بِتَأْوِيلِ الْآيَة ; لِأَنَّ إلْحَاق ذَلِكَ بِاَلَّذِي يَلِيه مِنْ الْكَلَام مَا كَانَ لِلتَّأْوِيلِ وَجْه صَحِيح أَوْلَى مِنْ إلْحَاقه بِمَا قَدْ حِيلَ بَيْنه وَبَيْنه مِنْ مُعْتَرِض الْكَلَام . وَالْهَاء وَالْمِيم وَالْأَلِف مِنْ قَوْله : { مِنْهُمَا } مِنْ ذِكْر الْمَلَكَيْنِ . وَمَعْنَى ذَلِكَ : فَيَتَعَلَّم النَّاس مِنْ الْمَلَكَيْنِ الَّذِي يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه . و " مَا " الَّتِي مَعَ " يُفَرِّقُونَ " بِمَعْنَى " الَّذِي " . وَقِيلَ مَعْنَى ذَلِكَ : السِّحْر الَّذِي يُفَرِّقُونَ بِهِ , وَقِيلَ : هُوَ مَعْنَى غَيْر السِّحْر . وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافهمْ فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْل . وَأَمَّا الْمَرْء فَإِنَّهُ بِمَعْنَى رَجُل مِنْ أَسْمَاء بَنِي آدَم , وَالْأُنْثَى مِنْهُ الْمَرْأَة ; يُوَحَّد وَيُثَنَّى , وَلَا تُجْمَع ثَلَاثَته عَلَى صُورَته , يُقَال مِنْهُ : هَذَا امْرُؤُ صَالِح , وَهَذَانِ امْرَآنِ صَالِحَانِ , وَلَا يُقَال : هَؤُلَاءِ امْرُؤُ صِدْق , وَلَكِنْ يُقَال : هَؤُلَاءِ رِجَال صِدْق , وَقَوْم صِدْق . وَكَذَلِك الْمَرْأَة تُوَحَّد وَتُثَنَّى وَلَا تُجْمَع عَلَى صُورَتهَا , يُقَال : هَذِهِ امْرَأَة وَهَاتَانِ امْرَأَتَانِ , وَلَا يُقَال : هَؤُلَاءِ امْرَآتُ , وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ نِسْوَة . وَأَمَّا الزَّوْج , فَإِنَّ أَهْل الْحِجَاز يَقُولُونَ لِامْرَأَةِ الرَّجُل : هِيَ زَوْجه , بِمَنْزِلَةِ الزَّوْج الذَّكَر ; وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { أَمْسِكْ عَلَيْك زَوْجك } 33 37 وَتَمِيم وَكَثِير مِنْ قَيْس وَأَهْل نَجْد يَقُولُونَ : زَوْجَته , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَإِنَّ الَّذِي يَمْشِي يُحَرِّش زَوْجَتِي كَمَاشٍ إلَى أُسْد الشَّرَى يَسْتَبِيلهَا فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْف يُفَرِّق السَّاحِر بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه ؟ قِيلَ : قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ مَعْنَى السِّحْر تَخْيِيل الشَّيْء إلَى الْمَرْء بِخِلَافِ مَا هُوَ بِهِ فِي عَيْنه وَحَقِيقَته بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ . فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا بِاَلَّذِي اسْتَشْهَدْنَا عَلَيْهِ , فَتَفْرِيقه بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه تَخْيِيله بِسِحْرِهِ إلَى كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا شَخْص الْآخَر عَلَى خِلَاف مَا هُوَ بِهِ فِي حَقِيقَته مِنْ حُسْن وَجَمَال حَتَّى يُقَبِّحهُ عِنْده فَيَنْصَرِف بِوَجْهِهِ وَيَعْرِض عَنْهُ حَتَّى يُحْدِث الزَّوْج لِامْرَأَتِهِ فِرَاقًا , فَيَكُون السَّاحِر مُفَرِّقًا بَيْنهمَا بِإِحْدَاثِهِ السَّبَب الَّذِينَ كَانَ مِنْهُ فُرْقَة مَا بَيْنهمَا . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِي غَيْر مَوْضِع مِنْ كِتَابنَا هَذَا عَلَى أَنَّ الْعَرَب تُضِيف الشَّيْء إلَى مُسَبِّبه مِنْ أَجْل تَسَبُّبه وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَاشَرَ فِعْل مَا حَدَثَ عَنْ السَّبَب , بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع ; فَكَذَلِك تَفْرِيق السَّاحِر بِسِحْرِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَهُ عَدَد مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1416 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْعٍ , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه } وَتَفْرِيقهمَا أَنْ يُؤْخَذ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبه , وَيُبْغِض كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا إلَى صَاحِبه . وَأَمَّا الَّذِينَ أَبَوْا أَنْ يَكُون الْمَلَكَانِ يُعَلِّمَانِ النَّاس التَّفْرِيق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه , فَإِنَّهُمْ وَجَّهُوا تَأْوِيل قَوْله : { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا } إلَى " فَيَتَعَلَّمُونَ " مَكَان مَا عَلَّمَاهُمْ مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه , كَقَوْلِ الْقَائِل : لَيْتَ لِمَا كَذَا مِنْ كَذَا , أَيْ مَكَان كَذَا . كَمَا قَالَ الشَّاعِر : جَمَعْت مِنْ الْخَيْرَات وَطْبًا وَعُلْبَة وَصَرًّا لِأَخْلَافِ الْمُزَمَّمَة الْبَزْل وَمِنْ كُلّ أَخْلَاق الْكِرَام نَمِيمَة وَسَعْيًا عَلَى الْجَار الْمُجَاوِر بِالنَّجْلِ يُرِيد بِقَوْلِهِ : " جَمَعْت مِنْ الْخَيْرَات " , مَكَان خَيْرَات الدُّنْيَا هَذِهِ الْأَخْلَاق الرَّدِيئَة وَالْأَفْعَال الدَّنِيئَة . وَمِنْهُ قَوْل الْآخَر : صَلُدْت صِفَاتك أَنْ تَلِينَ حُيُودهَا وَوَرِثْت مِنْ سَلَف الْكِرَام عُقُوقًا يَعْنِي وَرِثْت مَكَان سَلَف الْكِرَام عُقُوقًا مِنْ وَالِدَيْك .
 
{102} وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَد إلَّا بِإِذْنِ اللَّه } . يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَد إلَّا بِإِذْنِ اللَّه } وَمَا الْمُتَعَلِّمُونَ مِنْ الْمَلَكَيْنِ هَارُوت وَمَارُوت مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه , بِضَارِّينَ - بِاَلَّذِي تَعَلَّمُوهُ مِنْهُمَا مِنْ الْمَعْنَى الَّذِي يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه - مِنْ أَحَد مِنْ النَّاس , إلَّا مَنْ قَدْ قَضَى اللَّه عَلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ يَضُرّهُ ; فَأَمَّا مَنْ دَفَعَ اللَّه عَنْهُ ضُرّه وَحَفِظَهُ مِنْ مَكْرُوه السِّحْر وَالتَّفَث وَالرُّقَى , فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْر ضَارّه وَلَا نَائِله أَذَاهُ . وَلِلْإِذْنِ فِي كَلَام الْعَرَب أَوْجُه : مِنْهَا الْأَمْر عَلَى غَيْر وَجْه الْإِلْزَام , وَغَيْر جَائِز أَنْ يَكُون مِنْهُ قَوْله : { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَد إلَّا بِإِذْنِ اللَّه } لِأَنَّ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ قَدْ حَرَّمَ التَّفْرِيق بَيْن الْمَرْء وَحَلِيلَته بِغَيْرِ سِحْر - فَكَيْف بِهِ عَلَى وَجْه السِّحْر - عَلَى لِسَان الْأُمَّة . وَمِنْهَا التَّخْلِيَة بَيْن الْمَأْذُون لَهُ وَالْمُخَلَّى بَيْنه وَبَيْنه . وَمِنْهَا الْعِلْم بِالشَّيْءِ , يُقَال مِنْهُ : قَدْ أَذِنْت بِهَذَا الْأَمْر , إذَا عَلِمْت بِهِ , آذَن بِهِ إذْنًا ; وَمِنْهُ قَوْل الْحُطَيْئَة : أَلَا يَا هِنْد إنْ جَدَّدْت وَصْلًا وَإِلَّا فَأْذَنِينِي بِانْصِرَامِ يَعْنِي فَأَعْلِمِينِي . وَمِنْهُ قَوْله جَلّ ثَنَاؤُهُ : { فَأْذَنُوا بِحَرْبِ مِنْ اللَّه } 2 279 وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْآيَة , كَأَنَّهُ قَالَ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ } بِاَلَّذِي تَعَلَّمُوا مِنْ الْمَلَكَيْنِ مِنْ أَحَد إلَّا بِعِلْمِ اللَّه . يَعْنِي بِاَلَّذِي سَبَقَ لَهُ فِي عِلْم اللَّه أَنَّهُ يَضُرّهُ . كَمَا : 1417 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , عَنْ سُفْيَان فِي قَوْله : { وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَد إلَّا بِإِذْنِ اللَّه } قَالَ : بِقَضَاءِ اللَّه .
 
{102} وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرّهُمْ وَلَا يَنْفَعهُمْ } . يَعْنِي بِذَلِك جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَيَتَعَلَّمُونَ } أَيْ النَّاس الَّذِينَ يَتَعَلَّمُونَ مِنْ الْمَلَكَيْنِ , مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمَا مِنْ الْمَعْنَى الَّذِي يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه , يَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا السِّحْر الَّذِي يَضُرّهُمْ فِي دِينهمْ وَلَا يَنْفَعهُمْ فِي مُعَادهمْ . فَأَمَّا فِي الْعَاجِل فِي الدُّنْيَا , فَإِنَّهُمْ قَدْ كَانُوا يَكْسِبُونَ بِهِ وَيُصِيبُونَ بِهِ مَعَاشًا .
 
{102} وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } . يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } الْفَرِيق الَّذِينَ لَمَّا جَاءَهُمْ رَسُول مِنْ عِنْد اللَّه مُصَدِّق لِمَا مَعَهُمْ , نَبَذُوا كِتَاب اللَّه وَرَاء ظُهُورهمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ , { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان } فَقَالَ جَلّ ثَنَاؤُهُ : لَقَدْ عَلِمَ النَّابِذُونَ مِنْ يَهُود بَنِي إسْرَائِيل كِتَابِي وَرَاء ظُهُورهمْ تَجَاهُلًا مِنْهُمْ , التَّارِكُونَ الْعَمَل بِمَا فِيهِ , مِنْ اتِّبَاعك يَا مُحَمَّد وَاتِّبَاع مَا جِئْت بِهِ , بَعْد إنْزَالِي إلَيْك كِتَابِي مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ , وَبَعْد إرْسَالك إلَيْهِمْ بِالْإِقْرَارِ بِمَا مَعَهُمْ وَمَا فِي أَيْدِيهمْ , الْمُؤْثِرُونَ عَلَيْهِ اتِّبَاع السِّحْر الَّذِي تَلَتْهُ الشَّيَاطِين عَلَى عَهْد سُلَيْمَان , وَاَلَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِل هَارُوت وَمَارُوت لِمَنْ اشْتَرَى السِّحْر بِكِتَابِي الَّذِي أَنْزَلْته عَلَى رَسُولِي فَآثَرَهُ عَلَيْهِ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق . كَمَا : 1418 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْعٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } يَقُول : قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ أَهْل الْكِتَاب فِي عَهْد اللَّه إلَيْهِمْ أَنَّ السَّاحِر لَا خَلَاق لَهُ عِنْد اللَّه يَوْم الْقِيَامَة . 1419 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قُلْ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } يَعْنِي الْيَهُود , يَقُول : لَقَدْ عَلِمْت الْيَهُود أَنَّ مَنْ تَعَلَّمَهُ أَوْ اخْتَارَهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق . 1420 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } لَمَنْ اشْتَرَى مَا يُفَرِّق بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه . 1421 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } قَالَ : قَدْ عَلِمَتْ يَهُود أَنَّ فِي كِتَاب اللَّه فِي التَّوْرَاة أَنَّ مَنْ اشْتَرَى السِّحْر وَتَرَكَ دِين . اللَّه مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق , فَالنَّار مَثْوَاهُ وَمَأْوَاهُ . وَأَمَّا قَوْله : { لَمَنْ اشْتَرَاهُ } فَإِنَّ " مَنْ " فِي مَوْضِع رَفْع , وَلَيْسَ قَوْله : { وَلَقَدْ عَلِمُوا } بِعَامِلِ فِيهَا ; لِأَنَّ قَوْله : { عَلِمُوا } بِمَعْنَى الْيَمِين ; فَلِذَلِك كَانَتْ فِي مَوْضِع رَفْع , لِأَنَّ الْكَلَام بِمَعْنَى : وَاَللَّه لَمَنْ اشْتَرَى السِّحْر مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق . وَلِكَوْنِ قَوْله : { قَدْ عَلِمُوا } بِمَعْنَى الْيَمِين حُقِّقَتْ بِلَامِ الْيَمِين , فَقِيلَ : { لَمَنْ اشْتَرَاهُ } كَمَا يُقَال : أُقْسِم لَمَنْ قَامَ خَيْر مِمَّنْ قَعَدَ , وَكَمَا يُقَال : قَدْ عَلِمْت لَعَمْرو خَيْر مِنْ أَبِيك . وَأَمَّا " مَنْ " فَهُوَ حَرْف جَزَاء . وَإِنَّمَا قِيلَ " اشْتَرَاهُ " وَلَمْ يَقُلْ " يَشْتَرُوهُ " , لِدُخُولِ لَام الْقَسَم عَلَى " مَنْ " , وَمِنْ شَأْن الْعَرَب إذَا أَحْدَثَتْ عَلَى حَرْف الْجَزَاء لَامَ الْقَسَم أَنْ لَا يَنْطِقُوا فِي الْفِعْل مَعَهُ إلَّا ب " فِعْل " دُون " يَفْعَل " إلَّا قَلِيلًا كَرَاهِيَة أَنْ يُحْدِثُوا عَلَى الْجَزَاء حَادِثًا ; وَهُوَ مَجْزُوم , كَمَا قَالَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ : { لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ } 59 12 وَقَدْ يَجُوز إظْهَار فِعْله بَعْده عَلَى " يَفْعَل " مَجْزُومًا , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : لَئِنْ تَكُ قَدْ ضَاقَتْ عَلَيْكُمْ بُيُوتكُمْ لِيَعْلَم رَبِّي أَنَّ بَيْتِي وَاسِع وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } فَقَالَ بَعْضهمْ : الْخَلَاق فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْمُصِيب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1422 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } يَقُول : مِنْ نَصِيب . 1423 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط . عَنْ السُّدِّيّ : { مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } مِنْ نَصِيب . 1424 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنِي إسْحَاق , قَالَ : ثنا وَكِيع , قَالَ سُفْيَان : سَمِعْنَا فِي : { وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } أَنَّهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ نَصِيب . وَقَالَ بَعْضهمْ : الْخَلَاق هَهُنَا : الْحُجَّة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1425 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق . قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } قَالَ : لَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَة حُجَّة . وَقَالَ آخَرُونَ : الْخَلَاق : الدِّين . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1426 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , قَالَ : قَالَ الْحَسَن : { مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } قَالَ : لَيْسَ لَهُ دِين . وَقَالَ آخَرُونَ : الْخَلَاق هَهُنَا : الْقِوَام . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1427 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ , حَدَّثَنِي حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : قَالَ ابْن عَبَّاس : { مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } قَالَ : قِوَام . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى الْخَلَاق فِي هَذَا الْمَوْضِع : النَّصِيب ; وَذَلِك أَنَّ ذَلِكَ مَعْنَاهُ فِي كَلَام الْعَرَب . وَمِنْهُ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَيُؤَيِّدَن اللَّه هَذَا الدِّين بِأَقْوَامِ لَا خَلَاق لَهُمْ " يَعْنِي لَا نَصِيب لَهُمْ وَلَا حَظّ فِي الْإِسْلَام وَالدِّين . وَمِنْهُ قَوْل أُمَيَّة بْن أَبِي الصَّلْت : يَدْعُونَ بِالْوَيْلِ فِيهَا لَا خَلَاق لَهُمْ إلَّا سَرَابِيل مِنْ قَطْر وَأَغْلَال يَعْنِي بِذَلِك : لَا نَصِيب لَهُمْ وَلَا حَظّ إلَّا السَّرَابِيل وَالْأَغْلَال . فَكَذَلِكَ قَوْله : { مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } مَا لَهُ فِي الدَّار الْآخِرَة حَظّ مِنْ الْجَنَّة مِنْ أَجْل أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إيمَان وَلَا دِين وَلَا عَمَل صَالِح يُجَازَى بِهِ فِي الْجَنَّة وَيُثَاب عَلَيْهِ , فَيَكُون لَهُ حَظّ وَنَصِيب مِنْ الْجَنَّة . وَإِنَّمَا قَالَ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } فَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ لَا نَصِيب لَهُ فِي الْآخِرَة , وَهُوَ يَعْنِي بِهِ لَا نَصِيب لَهُ مِنْ جَزَاء وَثَوَاب وَجَنَّة دُون نَصِيبه مِنْ النَّار . إذْ كَانَ قَدْ دَلَّ ذَمّه جَلّ ثَنَاؤُهُ أَفَعَالَهُمْ الَّتِي نَفَى مِنْ أَجْلهَا أَنْ يَكُون لَهُمْ فِي الْآخِرَة نَصِيب عَلَى مُرَاده مِنْ الْخَيْر , وَأَنَّهُ إنَّمَا يَعْنِي بِذَلِك أَنَّهُ لَا نَصِيب لَهُمْ فِيهَا مِنْ الْخَيْرَات , وَأَمَّا مِنْ الشُّرُور فَإِنَّ لَهُمْ فِيهَا نَصِيبًا .
 
{102} وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } . قَالَ أَبُو جَعْفَر رَحِمَهُ اللَّه : قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْل عَلَى أَنَّ مَعْنَى شَرَوْا : بَاعُوا ; فَمَعْنَى الْكَلَام إذًا : وَلَبِئْسَ مَا بَاعَ بِهِ نَفْسه مِنْ تَعَلُّم السِّحْر لَوْ كَانَ يَعْلَم سُوء عَاقِبَته . كَمَا : 1428 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ { وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ } يَقُول : بِئْسَ مَا بَاعُوا بِهِ أَنْفُسهمْ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَكَيْف قَالَ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } وَقَدْ قَالَ قَبْل : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } فَكَيْف يَكُونُونَ عَالِمِينَ بِأَنَّ مَنْ تَعَلَّمَ السِّحْر فَلَا خَلَاق لَهُمْ , وَهُمْ يَجْهَلُونَ أَنَّهُمْ بِئْسَ مَا شَرَوْا بِالسِّحْرِ أَنْفُسهمْ ؟ قِيلَ : إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى غَيْر الْوَجْه الَّذِي تَوَهَّمَتْهُ مِنْ أَنَّهُمْ مَوْصُوفُونَ بِالْجَهْلِ بِمَا هُمْ مَوْصُوفُونَ بِالْعِلْمِ بِهِ , وَلَكِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمُؤَخَّر الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيم , وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : وَمَا هُمْ ضَارُّونَ بِهِ مِنْ أَحَد إلَّا بِإِذْنِ اللَّه , وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرّهُمْ وَلَا يَنْفَعهُمْ , وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ , وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق . فَقَوْله : { لَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } ذَمّ مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره فِعْل الْمُتَعَلِّمِينَ مِنْ الْمَلَكَيْنِ التَّفْرِيق بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه , وَخَبَر مِنْهُ جَلّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ بِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ بِرِضَاهُمْ بِالسِّحْرِ عِوَضًا عَنْ دِينهمْ الَّذِي بِهِ نَجَاة أَنْفُسهمْ مِنْ الْهَلَكَة , جَهْلًا مِنْهُمْ بِسُوءِ عَاقِبَة فِعْلهمْ وَخَسَارَة صَفْقَة بَيْعهمْ , إذْ كَانَ قَدْ يَتَعَلَّم ذَلِكَ مِنْهُمَا مَنْ لَا يَعْرِف اللَّه وَلَا يَعْرِف حَلَاله وَحَرَامه وَأَمْره وَنَهْيه . ثُمَّ عَادَ إلَى الْفَرِيق الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ أَنَّهُمْ نَبَذُوا كِتَابه وَرَاء ظُهُورهمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ : وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِين عَلَى مُلْك سُلَيْمَان , وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ . فَأَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّ مَنْ اشْتَرَى السِّحْر مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق , وَوَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ يَرْكَبُونَ مَعَاصِي اللَّه عَلَى عِلْم مِنْهُمْ بِهَا , وَيَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ وَرُسُله , وَيُؤْثِرُونَ اتِّبَاع الشَّيَاطِين , وَالْعَمَل بِمَا أَحْدَثَتْهُ مِنْ السِّحْر عَلَى الْعَمَل بِكِتَابِهِ وَوَحْيه وَتَنْزِيله , عِنَادًا مِنْهُمْ وَبَغْيًا عَلَى رُسُله , وَتَعَدِّيًا مِنْهُمْ لِحُدُودِهِ , عَلَى مَعْرِفَة مِنْهُمْ بِمَا لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عِنْد اللَّه مِنْ الْعِقَاب وَالْعَذَاب , فَذَلِكَ تَأْوِيل قَوْله . وَقَدْ زَعَمَ بَعْض الزَّاعِمِينَ أَنَّ قَوْله : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } يَعْنِي بِهِ الشَّيَاطِين , وَأَنَّ قَوْله : { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } يَعْنِي بِهِ النَّاس . وَذَلِك قَوْل لِجَمِيعِ أَهْل التَّأْوِيل مُخَالِف ; وَذَلِك أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ قَوْله : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ } مَعْنِيّ بِهِ الْيَهُود دُون الشَّيَاطِين . ثُمَّ هُوَ مَعَ ذَلِكَ خِلَاف مَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّنْزِيل , لِأَنَّ الْآيَات قَبْل قَوْله : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ } وَبَعْد قَوْله : { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } جَاءَتْ مِنْ اللَّه بِذَمِّ الْيَهُود , وَتَوْبِيخهمْ عَلَى ضَلَالهمْ , وَذَمًّا لَهُمْ عَلَى نَبْذهمْ وَحْي اللَّه وَآيَات كِتَابه وَرَاء ظُهُورهمْ , مَعَ عِلْمهمْ بِخَطَأِ فِعْلهمْ . فَقَوْله : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } أَحَد تِلْكَ الْأَخْبَار عَنْهُمْ . وَقَالَ بَعْضهمْ : إنَّ الَّذِينَ وَصَفَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } فَنَفَى عَنْهُمْ الْعِلْم هُمْ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّه بِقَوْلِهِ : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ خَلَاق } وَإِنَّمَا نَفَى عَنْهُمْ جَلّ ثَنَاؤُهُ الْعِلْم بِقَوْلِهِ : { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } بَعْد وَصْفه إيَّاهُمْ بِأَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا بِقَوْلِهِ : { وَلَقَدْ عَلِمُوا } مِنْ أَجْل أَنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا بِمَا عَلِمُوا , وَإِنَّمَا الْعَالِم الْعَامِل بِعِلْمِهِ , وَأَمَّا إذَا خَالَفَ عَمَلُهُ عِلْمَهُ فَهُوَ فِي مَعَانِي الْجُهَّال . قَالَ : وَقَدْ يُقَال لِلْفَاعِلِ الْفِعْل بِخِلَافِ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَل وَإِنْ كَانَ بِفِعْلِهِ عَالِمًا : لَوْ عَلِمْت لَأَقْصَرْت ; كَمَا قَالَ كَعْب بْن زُهَيْر الْمُزَنِيُّ , وَهُوَ يَصِف ذِئْبًا وَغُرَابًا تَبِعَاهُ لِيَنَالَا مِنْ طَعَامه وَزَاده : إذَا حَضَرَانِي قُلْت لَوْ تَعَلَّمْنَا بِهِ أَلَمْ تَعْلَمَا أَنِّي مِنْ الزَّاد مُرْمِل فَأَخْبَرَ أَنَّهُ قَالَ لَهُمَا : لَوْ تَعْلَمَانِهِ , فَنَفَى عَنْهُمَا الْعِلْم . ثُمَّ اسْتَخْبَرَهُمَا فَقَالَ : أَلَمْ تَعْلَمَا . قَالُوا : فَكَذَلِكَ قَوْله : { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ } و { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } وَهَذَا تَأْوِيل وَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَج وَوَجْه فَإِنَّهُ خِلَاف الظَّاهِر الْمَفْهُوم بِنَفْسِ الْخِطَاب . أَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَلَقَدْ عَلِمُوا } وَقَوْله : { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِخْرَاج . وَتَأْوِيل الْقُرْآن عَلَى الْمَفْهُوم الظَّاهِر الْخِطَاب دُون الْخَفِيّ الْبَاطِن مِنْهُ , حَتَّى تَأْتِي دَلَالَة مِنْ الْوَجْه الَّذِي يَجِب التَّسْلِيم لَهُ بِمَعْنَى خِلَاف دَلِيله الظَّاهِر الْمُتَعَارَف فِي أَهْل اللِّسَان الَّذِينَ بِلِسَانِهِمْ نَزَلَ الْقُرْآن , أَوْلَى .
 
{103} وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَة مِنْ عِنْد اللَّه خَيْر لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } يَعْنِي جَلّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا } لَوْ أَنَّ الَّذِينَ يَتَعَلَّمُونَ مِنْ الْمَلَكَيْنِ مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْن الْمَرْء وَزَوْجه آمَنُوا , فَصَدَّقُوا اللَّه وَرَسُوله وَمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّهمْ , وَاتَّقَوْا رَبّهمْ فَخَافُوهُ فَخَافُوا عِقَابه , فَأَطَاعُوهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضه وَتَجَنَّبُوا مَعَاصِيه ; لَكَانَ جَزَاء اللَّه إيَّاهُمْ وَثَوَابه لَهُمْ عَلَى إيمَانهمْ بِهِ وَتَقْوَاهُمْ إيَّاهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ السِّحْر وَمَا اكْتَسَبُوا بِهِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ ثَوَاب اللَّه إيَّاهُمْ عَلَى ذَلِكَ خَيْر لَهُمْ مِنْ السِّحْر وَمِمَّا اكْتَسَبُوا بِهِ . وَإِنَّمَا نَفَى بِقَوْلِهِ : { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } الْعِلْم عَنْهُمْ أَنْ يَكُونُوا عَالِمِينَ بِمَبْلَغِ ثَوَاب اللَّه وَقَدْر جَزَائِهِ عَلَى طَاعَته . وَالْمَثُوبَة فِي كَلَام الْعَرَب مَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : أَثَبْتك إثَابَة وَثَوَابًا وَمَثُوبَة , فَأَصْل ذَلِكَ مِنْ ثَابَ إلَيْك الشَّيْء بِمَعْنَى رَجَعَ , ثُمَّ يُقَال : أَثَبْته إلَيْك : أَيْ رَجَّعْته إلَيْك وَرَدَدْته . فَكَانَ مَعْنَى إثَابَة الرَّجُل الرَّجُل عَلَى الْهَدِيَّة وَغَيْرهَا : إرْجَاعه إلَيْهَا مِنْهَا بَدَلًا , وَرَدّه عَلَيْهِ مِنْهَا عِوَضًا . ثُمَّ جَعَلَ كُلّ مُعَوَّض غَيْره مِنْ عَمَله أَوْ هَدَيْته أَوْ يَد لَهُ سَلَفَتْ مِنْهُ إلَيْهِ مُثِيبًا لَهُ . وَمِنْهُ ثَوَاب اللَّه عَزَّ وَجَلّ عِبَاده عَلَى أَعْمَالهمْ , بِمَعْنَى إعْطَائِهِ إيَّاهُمْ الْعِوَض وَالْجَزَاء عَلَيْهِ , حَتَّى يَرْجِع إلَيْهِمْ بَدَل مِنْ عَمَلهمْ الَّذِي عَمِلُوا لَهُ . وَقَدْ زَعَمَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة أَنَّ قَوْله : { وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَة مِنْ عِنْد اللَّه خَيْر } مِمَّا اُكْتُفِيَ بِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَى مَعْنَاهُ عَنْ ذِكْر جَوَابه , وَأَنَّ مَعْنَاهُ : وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَأُثِيبُوا ; وَلَكِنَّهُ اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ الْخَبَر عَنْ الْمَثُوبَة عَنْ قَوْله : لَأُثِيبُوا . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي أَهْل الْبَصْرَة يُنْكِر ذَلِكَ , وَيَرَى أَنَّ جَوَاب قَوْله : { وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَة } وَأَنَّ " لَوْ " إنَّمَا أُجِيبَتْ بِالْمَثُوبَةِ , وَإِنْ كَانَتْ أُخْبِرَ عَنْهَا بِالْمَاضِي مِنْ الْفِعْل لِتَقَارُبِ مَعْنَاهُ مِنْ مَعْنَى " لَئِنْ " فِي أَنَّهُمَا جَزَاءَانِ , فَإِنَّهُمَا جَوَابَانِ لِلْإِيمَانِ , فَأَدْخَلَ جَوَاب كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبَتهَا , فَأُجِيبَتْ " لَوْ " بِجَوَابِ " لَئِنْ " , و " لَئِنْ " بِجَوَابِ " لَوْ " ; لِذَلِك وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَجْوِبَتهمَا فَكَانَتْ " لَوْ " مِنْ حُكْمهَا وَحَظّهَا أَنْ تُجَاب بِالْمَاضِي مِنْ الْفِعْل , وَكَانَتْ " لَئِنْ " مِنْ حُكْمهَا وَحَظّهَا أَنْ تُجَاب بِالْمُسْتَقْبَلِ مِنْ الْفِعْل لِمَا وَصَفْنَا مِنْ تَقَارُبهمَا , فَكَانَ يَتَأَوَّل مَعْنَى قَوْله : { وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا } : وَلَئِنْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَة مِنْ عِنْد اللَّه خَيْر . وَبِمَا قُلْنَا فِي تَأْوِيل الْمَثُوبَة قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1429 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { لَمَثُوبَة مِنْ عِنْد اللَّه } يَقُول : ثَوَاب مِنْ عِنْد اللَّه . 1430 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَة مِنْ عِنْد اللَّه } أَمَّا الْمَثُوبَة , فَهُوَ الثَّوَاب . 1431 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَة مِنْ عِنْد اللَّه خَيْر } يَقُول : لَثَوَاب مِنْ عِنْد اللَّه .
 
{104} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { لَا تَقُولُوا رَاعِنَا } فَقَالَ بَعْضهمْ : تَأْوِيله لَا تَقُولُوا خِلَافًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1432 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُؤَمَّل , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ عَطَاء فِي قَوْله : { لَا تَقُولُوا رَاعِنَا } قَالَ : لَا تَقُولُوا خِلَافًا . 1433 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { لَا تَقُولُوا رَاعِنَا } لَا تَقُولُوا خِلَافًا . * وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق الْأَهْوَازِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ رَجُل عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو نَعِيم , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : تَأْوِيله : أَرْعِنَا سَمْعك : أَيْ اسْمَعْ مِنَّا وَنَسْمَع مِنْك . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1434 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : حَدَّثَنِي ابْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { رَاعِنَا } أَيْ أَرْعِنَا سَمْعك . 1435 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه جَلّ وَعَزَّ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا } لَا تَقُولُوا اسْمَعْ مِنَّا وَنَسْمَع مِنْك . 1436 - وَحُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { رَاعِنَا } قَالَ : كَانَ الرَّجُل مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَقُول : أَرْعِنِي سَمْعك . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي السَّبَب الَّذِي مِنْ أَجْله نَهَى اللَّه الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا رَاعِنَا , فَقَالَ بَعْضهمْ : هِيَ كَلِمَة كَانَتْ الْيَهُود تَقُولهَا عَلَى وَجْه الِاسْتِهْزَاء وَالْمِسَبَّة , فَنَهَى اللَّه تَعَالَى ذِكْره الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1437 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا } قَوْل كَانَتْ تَقُولهُ الْيَهُود اسْتِهْزَاء , فَزَجَرَ اللَّه الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا كَقَوْلِهِمْ . 1438 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , عَنْ فُضَيْل بْن مَرْزُوق , عَنْ عَطِيَّة : { لَا تَقُولُوا رَاعِنَا } قَالَ : كَانَ أُنَاس مِنْ الْيَهُود يَقُولُوا أَرْعِنَا سَمْعك , حَتَّى قَالَهَا أُنَاس مِنْ الْمُسْلِمِينَ . فَكَرِهَ اللَّه لَهُمْ مَا قَالَتْ الْيَهُود , فَقَالَ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا } كَمَا قَالَتْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى . 1439 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا اُنْظُرْنَا } قَالَ : كَانُوا يَقُولُونَ رَاعِنَا سَمْعك , فَكَانَ الْيَهُود يَأْتُونَ فَيَقُولُونَ مِثْل ذَلِكَ مُسْتَهْزِئِينَ , فَقَالَ اللَّه : { لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا اُنْظُرْنَا } . 1440 - وَحُدِّثْت عَنْ الْمِنْجَاب , قَالَ : ثنا بِشْر بْن عِمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { لَا تَقُولُوا رَاعِنَا } قَالَ : كَانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَاعِنَا بِسَمْعِك ! وَإِنَّمَا رَاعِنَا كَقَوْلِك عَاطِنَا . 1441 - وَحَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا اُنْظُرْنَا } قَالَ : رَاعِنَا الْقَوْل الَّذِي قَالَهُ الْقَوْم قَالُوا { سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْر مُسْمَع وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّين } 4 46 قَالَ : قَالَ هَذَا الرَّاعِن , وَالرَّاعِن : الْخَطَّاء . قَالَ : فَقَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ : لَا تَقُولُوا خَطَّاء كَمَا قَالَ الْقَوْم وَقُولُوا اُنْظُرْنَا وَاسْمَعُوا , قَالَ : كَانُوا يَنْظُرُونَ إلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُكَلِّمُونَهُ وَيَسْمَع مِنْهُمْ , وَيَسْأَلُونَهُ وَيُجِيبهُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هِيَ كَلِمَة كَانَتْ الْأَنْصَار فِي الْجَاهِلِيَّة تَقُولهَا , فَنَهَاهُمْ اللَّه فِي الْإِسْلَام أَنْ يَقُولُوهَا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1442 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنِي هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ عَطَاء فِي قَوْله : { لَا تَقُولُوا رَاعِنَا } قَالَ : كَانَتْ لُغَة فِي الْأَنْصَار فِي الْجَاهِلِيَّة , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { لَا تَقُولُوا رَاعِنَا } وَلَكِنْ { قُولُوا اُنْظُرْنَا } إلَى آخِر الْآيَة . * حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ عَبْد الْمَلِك , عَنْ عَطَاء قَالَ : { لَا تَقُولُوا رَاعِنَا } قَالَ : كَانَتْ لُغَة فِي الْأَنْصَار . * حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ عَبْد الْمَلِك , عَنْ عَطَاء , مِثْله . 1443 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , عَنْ ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة فِي قَوْله : { لَا تَقُولُوا رَاعِنَا } قَالَ : إنَّ مُشْرِكِي الْعَرَب كَانُوا إذَا حَدَّثَ بَعْضهمْ بَعْضًا يَقُول أَحَدهمْ لِصَاحِبِهِ : أَرْعِنِي سَمْعك ; فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ . 1444 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : رَاعِنَا قَوْل السَّاخِر , فَنَهَاهُمْ أَنْ يَسْخَرُوا مِنْ قَوْل مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ كَانَ ذَلِكَ كَلَام يَهُودِيّ مِنْ الْيَهُود بِعَيْنِهِ يُقَال لَهُ رِفَاعَة بْن زَيْد , كَانَ يُكَلِّم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ عَلَى وَجْه السَّبّ لَهُ , وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ أَخَذُوا ذَلِكَ عَنْهُ , فَنَهَى اللَّه الْمُؤْمِنِينَ عَنْ قَيْله لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1445 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا اُنْظُرْنَا } كَانَ رَجُل مِنْ الْيَهُود مِنْ قَبِيلَة مِنْ الْيَهُود يُقَال لَهُمْ بَنُو قَيْنُقَاع كَانَ يُدْعَى رِفَاعَة بْن زَيْد بْن السَّائِب . قَالَ أَبُو جَعْفَر : هَذَا خَطَأ إنَّمَا هُوَ ابْن التَّابُوت لَيْسَ ابْن السَّائِب ; كَانَ يَأْتِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِذَا لَقِيَهُ فَكَلَّمَهُ قَالَ : أَرْعِنِي سَمْعك وَاسْمَعْ غَيْر مُسْمَع . فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَحْسِبُونَ أَنَّ الْأَنْبِيَاء كَانَتْ تُفَخَّم بِهَذَا , فَكَانَ نَاس مِنْهُمْ يَقُولُونَ : اسْمَعْ غَيْر مُسْمَع , كَقَوْلِك اسْمَعْ غَيْر صَاغِر , وَهِيَ الَّتِي فِي النِّسَاء : { مِنْ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِم عَنْ مَوَاضِعه وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْر مُسْمَع وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّين } 4 46 يَقُول : إنَّمَا يُرِيد بِقَوْلِهِ : { طَعْنًا فِي الدِّين } . ثُمَّ تَقَدَّمَ إلَى الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ : لَا تَقُولُوا رَاعِنَا . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي نَهْي اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا لِنَبِيِّهِ : رَاعِنَا , أَنْ يُقَال إنَّهَا كَلِمَة كَرِهَهَا اللَّه لَهُمْ أَنْ يَقُولُوهَا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , نَظِير الَّذِي ذُكِرَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " لَا تَقُولُوا لِلْعِنَبِ الْكَرْم وَلَكِنْ قُولُوا الْحَبَلَة " , و " لَا تَقُولُوا عَبْدِي وَلَكِنْ قُولُوا فَتَايَ " وَمَا أَشْبَه ذَلِكَ مِنْ الْكَلِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَكُونَانِ مُسْتَعْمَلَتَيْنِ بِمَعْنَى وَاحِد فِي كَلَام الْعَرَب , فَتَأْتِي الْكَرَاهَة أَوْ النَّهْي بِاسْتِعْمَالِ إحْدَاهُمَا وَاخْتِيَار الْأُخْرَى عَلَيْهَا فِي الْمُخَاطَبَات . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : فَإِنَّا قَدْ عَلِمْنَا مَعْنَى نَهْي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعِنَب أَنْ يُقَال لَهُ كَرْم , وَفِي الْعَبْد أَنْ يُقَال لَهُ عَبْد , فَمَا الْمَعْنَى الَّذِي فِي قَوْله : { رَاعِنَا } حِينَئِذٍ الَّذِي مِنْ أَجْله كَانَ النَّهْي مِنْ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ أَنْ يَقُولُوهُ , حَتَّى أَمَرَهُمْ أَنْ يُؤْثِرُوا قَوْله : { اُنْظُرْنَا } ؟ قِيلَ : الَّذِي فِيهِ مِنْ ذَلِكَ , نَظِير الَّذِي فِي قَوْل الْقَائِل الْكَرْم لِلْعِنَبِ , وَالْعَبْد لِلْمَمْلُوكِ , وَذَلِك أَنَّ قَوْل الْقَائِل عَبْد , لِجَمِيعِ عِبَاد اللَّه , فَكَرِهَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُضَاف بَعْض عِبَاد اللَّه , بِمَعْنَى الْعُبُودِيَّة إلَى غَيْر اللَّه , وَأَمَرَ أَنْ يُضَاف ذَلِكَ إلَى غَيْره بِغَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي يُضَاف إلَى اللَّه عَزَّ وَجَلّ , فَيُقَال : فَتَايَ . وَكَذَلِك وَجْه نَهْيه فِي الْعِنَب أَنْ يُقَال كَرْمًا خَوْفًا مِنْ تَوَهُّم وَصْفه بِالْكَرْمِ , وَإِنْ كَانَتْ مُسَكَّنَة , فَإِنَّ الْعَرَب قَدْ تُسَكِّن بَعْض الْحَرَكَات إذَا تَتَابَعَتْ عَلَى نَوْع وَاحِد , فَكَرِهَ أَنْ يَتَّصِف بِذَلِك الْعِنَب . فَكَذَلِكَ نَهَى اللَّه عَزَّ وَجَلّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا " رَاعِنَا " , لِمَا كَانَ قَوْل الْقَائِل " رَاعِنَا " مُحْتَمِلًا أَنْ يَكُون بِمَعْنَى احْفَظْنَا وَنَحْفَظك وَارْقُبْنَا وَنَرْقُبك , مِنْ قَوْل الْعَرَب بَعْضهمْ لِبَعْضِ : رَعَاك اللَّه بِمَعْنَى حَفِظَك اللَّه وَكَلَأَك . وَمُحْتَمِلًا أَنْ يَكُون بِمَعْنَى أَرْعِنَا سَمْعك , مِنْ قَوْلهمْ : أَرْعَيْت سَمْعِي إرْعَاء . أَوْ رَاعَيْته سَمْعِي رِعَاء أَوْ مُرَاعَاة , بِمَعْنَى : فَرَّغْته لِسَمَاعِ كَلَامه . كَمَا قَالَ الْأَعْشَى مَيْمُون بْن قَيْس : يَرْعَى إلَى قَوْل سَادَات الرِّجَال إذَا أَبْدَوْا لَهُ الْحَزْم أَوْ مَا شَاءَهُ ابْتَدَعَا يَعْنِي بِقَوْلِهِ يَرْعَى : يُصْغِي بِسَمْعِهِ إلَيْهِ مُفْرِغه لِذَلِكَ . وَكَأَنَّ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِتَوْقِيرِ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَعْظِيمه , حَتَّى نَهَاهُمْ جَلّ ذِكْره فِيمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ عَنْ رَفْع أَصْوَاتهمْ فَوْق صَوْته وَأَنْ يَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضهمْ لِبَعْضِ وَخَوْفهمْ عَلَى ذَلِكَ حُبُوط أَعْمَالهمْ , فَتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ بِالزَّجْرِ لَهُمْ عَنْ أَنْ يَقُولُوا لَهُ مِنْ الْقَوْل مَا فِيهِ جَفَاء , وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَخَيَّرُوا لِخِطَابِهِ مِنْ الْأَلْفَاظ أَحْسَنهَا , وَمِنْ الْمَعَانِي أَرَقّهَا , فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلهمْ : { رَاعِنَا } لِمَا فِيهِ مِنْ احْتِمَال مَعْنَى ارْعَنَا نَرْعَاك , إذْ كَانَتْ الْمُفَاعَلَة لَا تَكُون إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ , كَمَا يَقُول الْقَائِل : عَاطِنَا وَحَادِثنَا وَجَالِسنَا , بِمَعْنَى افْعَلْ بِنَا وَنَفْعَل بِك , وَمَعْنَى أَرْعِنَا سَمْعك حَتَّى نَفْهَمك وَتَفْهَم عَنَّا . فَنَهَى اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَصْحَاب مُحَمَّد أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ كَذَلِكَ وَأَنْ يُفْرِدُوا مَسْأَلَته بِانْتِظَارِهِمْ وَإِمْهَالهمْ لِيَعْقِلُوا عَنْهُ بِتَبْجِيلِ مِنْهُمْ لَهُ وَتَعْظِيم , وَأَنْ لَا يَسْأَلُوهُ مَا سَأَلُوهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْه الْجَفَاء وَالتَّجَهُّم مِنْهُمْ لَهُ , وَلَا بِالْفَظَاظَةِ وَالْغِلْظَة , تَشَبُّهًا مِنْهُمْ بِالْيَهُودِ فِي خِطَابهمْ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِمْ لَهُ : { اسْمَعْ غَيْر مُسْمَع وَرَاعِنَا } . يَدُلّ عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَوْله : { مَا يَوَدّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْل الْكِتَاب وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّل عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْر مِنْ رَبّكُمْ } 2 105 فَدَلَّ بِذَلِك أَنَّ الَّذِي عَاتَبَهُمْ عَلَيْهِ مِمَّا يَسُرّ الْيَهُود وَالْمُشْرِكِينَ . فَأَمَّا التَّأْوِيل الَّذِي حُكِيَ عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { رَاعِنَا } أَنَّهُ بِمَعْنَى خِلَافًا , فَمِمَّا لَا يُعْقَل فِي كَلَام الْعَرَب ; لِأَنَّ " رَاعَيْت " فِي كَلَام الْعَرَب إنَّمَا هُوَ عَلَى أَحَد وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا بِمَعْنَى فَاعَلْت مِنْ " الرَّعِيَّة " , وَهِيَ الرَّقَبَة وَالْكِلَاءَة . وَالْآخَر بِمَعْنَى إفْرَاغ السَّمْع , بِمَعْنَى أَرْعَيْته سَمْعِي . وَأَمَّا " رَاعَيْت " بِمَعْنَى " خَالَفْت " , فَلَا وَجْه لَهُ مَفْهُوم فِي كَلَام الْعَرَب , إلَّا أَنْ يَكُون قَرَأَ ذَلِكَ بِالتَّنْوِينِ ثُمَّ وَجْهه إلَى مَعْنَى الرُّعُونَة وَالْجَهْل وَالْخَطَأ , عَلَى النَّحْو الَّذِي قَالَ فِي ذَلِكَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد , فَيَكُون لِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا قِرَاءَة الْقُرَّاء مَعْنَى مَفْهُوم حِينَئِذٍ . وَأَمَّا الْقَوْل الْآخَر الَّذِي حُكِيَ عَنْ عَطِيَّة وَمَنْ حَكَى ذَلِكَ عَنْهُ , أَنَّ قَوْله : { رَاعِنَا } كَانَتْ كَلِمَة لِلْيَهُودِ بِمَعْنَى السَّبّ وَالسُّخْرِيَّة , فَاسْتَعْمَلَهَا الْمُؤْمِنُونَ أَخْذًا مِنْهُمْ ذَلِكَ عَنْهُمْ ; فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْر جَائِز فِي صِفَة الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ كَلَام أَهْل الشِّرْك كَلَامًا لَا يَعْرِفُونَ مَعْنَاهُ ثُمَّ يَسْتَعْمِلُونَهُ بَيْنهمْ وَفِي خِطَاب نَبِيّهمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَكِنَّهُ جَائِز أَنْ يَكُون ذَلِكَ مِمَّا رُوِيَ عَنْ قَتَادَة أَنَّهَا كَانَتْ كَلِمَة صَحِيحَة مَفْهُومَة مِنْ كَلَام الْعَرَب وَافَقَتْ كَلِمَة مِنْ كَلَام الْيَهُود بِغَيْرِ اللِّسَان الْعَرَبِيّ هِيَ عِنْد الْيَهُود سَبّ , وَهِيَ عِنْد الْعَرَب : أَرْعِنِي سَمْعك وَفَرِّغْهُ لِتَفْهَم عَنِّي . فَعَلِمَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ مَعْنَى الْيَهُود فِي قَيْلهمْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَنَّ مَعْنَاهَا مِنْهُمْ خِلَاف مَعْنَاهَا فِي كَلَام الْعَرَب , فَنَهَى اللَّه عَزَّ وَجَلّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ قَيْلهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِئَلَّا يَجْتَرِئ مَنْ كَانَ مَعْنَاهُ فِي ذَلِكَ غَيْر مَعْنَى الْمُؤْمِنِينَ فِيهِ أَنْ يُخَاطِب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ . وَهَذَا تَأْوِيل لَمْ يَأْتِ الْخَبَر بِأَنَّهُ كَذَلِكَ مِنْ الْوَجْه الَّذِي تَقُوم بِهِ الْحُجَّة . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَاَلَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَة مَا وَصَفْنَا , إذْ كَانَ ذَلِكَ هُوَ الظَّاهِر الْمَفْهُوم بِالْآيَةِ دُون غَيْره . وَقَدْ حُكِيَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ : { لَا تَقُولُوا رَاعِنًا } بِالتَّنْوِينِ , بِمَعْنَى : لَا تَقُولُوا قَوْلًا رَاعِنًا , مِنْ الرُّعُونَة وَهِيَ الْحُمْق وَالْجَهْل . وَهَذِهِ قِرَاءَة لِقُرَّاءِ الْمُسْلِمِينَ مُخَالِفَة , فَغَيْر جَائِز لِأَحَدِ الْقِرَاءَة بِهَا لِشُذُوذِهَا وَخُرُوجهَا مِنْ قِرَاءَة الْمُتَقَدِّمِينَ والمتأخرين وَخِلَافهَا مَا جَاءَتْ بِهِ الْحُجَّة مِنْ الْمُسْلِمِينَ . وَمِنْ نُون " رَاعِنَا " نُونه بِقَوْلِهِ : { لَا تَقُولُوا } لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ عَامِل فِيهِ . وَمَنْ لَمْ يُنَوِّنهُ فَإِنَّهُ تَرَكَ تَنْوِينَهُ لِأَنَّهُ أَمْر مَحْكِيّ ; لِأَنَّ الْقَوْم كَأَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { رَاعِنَا } بِمَعْنَى مَسْأَلَته ; إمَّا أَنْ يُرْعِيَهُمْ سَمْعه , وَإِمَّا أَنْ يَرْعَاهُمْ وَيَرْقُبهُمْ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنْت فِيمَا قَدْ مَضَى ; فَقِيلَ لَهُمْ : لَا تَقُولُوا فِي مَسْأَلَتكُمْ إيَّاهُ رَاعِنَا . فَتَكُون الدَّلَالَة عَلَى مَعْنَى الْأَمْر فِي " رَاعِنَا " حِينَئِذٍ سُقُوط الْيَاء الَّتِي كَانَتْ تَكُون فِي " يُرَاعِيه " . وَيَدُلّ عَلَيْهَا - أَعْنِي عَلَى الْيَاء السَّاقِطَة - كَسْرَة الْعَيْن مِنْ " رَاعِنَا " . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ قِرَاءَة ابْن مَسْعُود : { لَا تَقُولُوا رَاعُونَا } بِمَعْنَى حِكَايَة أَمْر صَالِحَة لِجَمَاعَةِ بِمُرَاعَاتِهِمْ . فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ قِرَاءَته صَحِيحًا وَجْه أَنْ يَكُون الْقَوْم كَأَنَّهُمْ نُهُوا عَنْ اسْتِعْمَال ذَلِكَ بَيْنهمْ فِي خِطَاب بَعْضهمْ بَعْضًا كَانَ خِطَابهمْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ لِغَيْرِهِ , وَلَا نَعْلَم ذَلِكَ صَحِيحًا مِنْ الْوَجْه الَّذِي تَصِحّ مِنْهُ الْأَخْبَار .
 
{104} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقُولُوا اُنْظُرْنَا } . يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَقُولُوا اُنْظُرْنَا } وَقُولُوا يَا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ لِنَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : انْتَظِرْنَا وَارْقُبْنَا نَفْهَم وَنَتَبَيَّن مَا تَقُول لَنَا وَتُعَلِّمنَا . كَمَا : 1446 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَقُولُوا اُنْظُرْنَا } فَهِّمْنَا بَيِّن لَنَا يَا مُحَمَّد . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَقُولُوا اُنْظُرْنَا } فَهِّمْنَا بَيِّن لَنَا يَا مُحَمَّد . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . يُقَال مِنْهُ : نَظَرْت الرَّجُل أَنْظُرهُ نَظْرَة بِمَعْنَى انْتَظَرْته وَرَقَبْته . وَمِنْهُ قَوْل الْحُطَيْئَة : وَقَدْ نَظَرْتُكُمْ أَعْشَاء صَادِرَة لِلْخَمْسِ طَالَ بِهَا حَوْزِي وَتَنْسَاسِي وَمِنْهُ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلّ : { يَوْم يَقُول الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَات لِلَّذِينَ آمَنُوا اُنْظُرُونَا نَقْتَبِس مِنْ نُوركُمْ } 59 13 يَعْنِي بِهِ انْتَظِرُونَا . وَقَدْ قُرِئَ { أَنْظِرْنَا } بِقَطْعِ الْأَلِف فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا , فَمَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَرَادَ أَخِّرْنَا , كَمَا قَالَ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ : { قَالَ رَبّ فَأَنْظِرْنِي إلَى يَوْم يُبْعَثُونَ } 38 79 أَيْ أَخِّرْنِي . وَلَا وَجْه لِقِرَاءَةِ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِع ; لِأَنَّ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا أُمِرُوا بِالدُّنُوِّ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالِاسْتِمَاع مِنْهُ وَإِلْطَاف الْخِطَاب لَهُ وَخَفْض الْجُنَاح , لَا بِالتَّأَخُّرِ عَنْهُ وَلَا بِمَسْأَلَتِهِ تَأْخِيرهمْ عَنْهُ . فَالصَّوَاب إنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ مِنْ الْقِرَاءَة قِرَاءَة مَنْ وَصَلَ الْأَلِف مِنْ قَوْله : { اُنْظُرْنَا } وَلَمْ يَقْطَعهَا بِمَعْنَى انْتَظِرْنَا . وَقَدْ قِيلَ : إنَّ مَعْنَى { أَنْظِرْنَا } بِقُطْعِ الْأَلِف بِمَعْنَى " أَمْهِلْنَا " , حُكِيَ عَنْ بَعْض الْعَرَب سَمَاعًا : أَنْظِرْنِي أُكَلِّمك ; وَذَكَرَ سَامِع ذَلِكَ مِنْ بَعْضهمْ أَنَّهُ اسْتَثْبَتَهُ فِي مَعْنَاهُ , فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ أَرَادَ أَمْهِلْنِي . فَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ صَحِيحًا عَنْهُمْ ف " اُنْظُرْ " و " أَنْظِرْنَا " بِقَطْعِ الْأَلِف وَوَصْلهَا مُتَقَارِبًا الْمَعْنَى . غَيْر أَنَّ الْأَمْر وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ , فَإِنَّ الْقِرَاءَة الَّتِي لَا أَسْتَجِيزُ غَيْرهَا قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : { وَقُولُوا اُنْظُرْنَا } بِوَصْلِ الْأَلِف بِمَعْنَى انْتَظِرْنَا , لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة عَلَى تَصْوِيبهَا وَرَفْضهمْ غَيْرهَا مِنْ الْقِرَاءَات .
 
{104} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاسْمَعُوا } . يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَاسْمَعُوا } وَاسْمَعُوا مَا يُقَال لَكُمْ وَيُتْلَى عَلَيْكُمْ مِنْ كِتَاب رَبّكُمْ وَعُوهُ وَافْهَمُوهُ . كَمَا : 1447 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَاسْمَعُوا } اسْمَعُوا مَا يُقَال لَكُمْ . فَمَعْنَى الْآيَة إذًا : يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا لِنَبِيِّكُمْ رَاعِنَا سَمْعك وَفَرِّغْهُ لَنَا نَفْهَمك وَتَفْهَم عَنَّا مَا نَقُول , وَلَكِنْ قُولُوا انْتَظِرْنَا وَتَرَقَّبْنَا حَتَّى نَفْهَم عَنْك مَا تَعَلَّمْنَا وَتُبَيِّنهُ لَنَا , وَاسْمَعُوا مِنْهُ مَا يَقُول لَكُمْ فَعُوهُ وَاحْفَظُوهُ وَافْهَمُوهُ .
 
{104} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ
ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ جَلّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ لِمَنْ جَحَدَ مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرهمْ آيَاته وَخَالَفَ أَمْره وَنَهْيه وَكَذَّبَ رَسُوله الْعَذَاب الْمُوجِع فِي الْآخِرَة , فَقَالَ : وَلِلْكَافِرِينَ بِي وَبِرَسُولِي عَذَاب أَلِيم , يَعْنِي بِقَوْلِهِ الْأَلِيم : الْمُوجِع . وَقَدْ ذَكَرْنَا الدَّلَالَة عَلَى ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْل وَمَا فِيهِ مِنْ الْآثَار .
 
{105} مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَا يَوَدّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْل الْكِتَاب وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّل عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْر مِنْ رَبّكُمْ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { مَا يَوَدّ } مَا يُحِبّ , أَيْ لَيْسَ يُحِبّ كَثِير مِنْ أَهْل الْكِتَاب , يُقَال مِنْهُ : وَدَّ فُلَان كَذَا يَوَدّ وَدًّا وَوُدًّا وَمَوَدَّة . وَأَمَّا " الْمُشْرِكِينَ " فَإِنَّهُمْ فِي مَوْضِع خَفْض بِالْعَطْفِ عَلَى أَهْل الْكِتَاب . وَمَعْنَى الْكَلَام : مَا يُحِبّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْل الْكِتَاب وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّل عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْر مِنْ رَبّكُمْ . وَأَمَّا { أَنْ } فِي قَوْله : { أَنْ يُنَزَّل } فَنُصِبَ بِقَوْلِهِ : { يَوَدّ } . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى وَجْه دُخُول " مِنْ " فِي قَوْله : { مِنْ خَيْر } وَمَا أَشْبَه ذَلِكَ مِنْ الْكَلَام الَّذِي يَكُون فِي أَوَّله جَحَدَ فِيمَا مَضَى , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . فَتَأْوِيل الْكَلَام : مَا يُحِبّ الْكَافِرُونَ مِنْ أَهْل الْكِتَاب وَلَا الْمُشْرِكِينَ بِاَللَّهِ مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان أَنْ يُنَزَّل عَلَيْكُمْ مِنْ الْخَيْر الَّذِي كَانَ عِنْد اللَّه فَنَزَّلَهُمْ عَلَيْكُمْ . فَتَمَنَّى الْمُشْرِكُونَ وَكَفَرَة أَهْل الْكِتَاب أَنْ لَا يُنَزِّل اللَّه عَلَيْهِمْ الْفُرْقَان وَمَا أَوْحَاهُ إلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حُكْمه وَآيَاته , وَإِنَّمَا أَحَبَّتْ الْيَهُود وَأَتْبَاعهمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ذَلِكَ حَسَدًا وَبَغْيًا مِنْهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ . وَفِي هَذِهِ الْآيَة دَلَالَة بَيِّنَة عَلَى أَنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَهَى الْمُؤْمِنِينَ عَنْ الرُّكُون إلَى أَعْدَائِهِمْ مِنْ أَهْل الْكِتَاب وَالْمُشْرِكِينَ , وَالِاسْتِمَاع مِنْ قَوْلهمْ وَقَبُول شَيْء مِمَّا يَأْتُونَهُمْ بِهِ , عَلَى وَجْه النَّصِيحَة لَهُمْ مِنْهُمْ ; بِإِطْلَاعِهِ جَلّ ثَنَاؤُهُ إيَّاهُمْ عَلَى مَا يَسْتَبْطِنهُ لَهُمْ أَهْل الْكِتَاب وَالْمُشْرِكُونَ مِنْ الضَّغَن وَالْحَسَد وَإِنْ أَظْهَرُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ خِلَاف مَا هُمْ مُسْتَبْطِنُونَ .
 
{105} مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّه يَخْتَصّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاء } . يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَاَللَّه يَخْتَصّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاء } وَاَللَّه يَخْتَصّ مَنْ يَشَاء بِنُبُوَّتِهِ وَرِسَالَته فَيُرْسِلهُ إلَى مَنْ يَشَاء مِنْ خَلْقه , فَيَتَفَضَّل بِالْإِيمَانِ عَلَى مَنْ أَحَبَّ فَيُهْدِيه لَهُ . وَاخْتِصَاصه إيَّاهُمْ بِهَا إفْرَادهمْ بِهَا دُون غَيْرهمْ مِنْ خَلْقه . وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّه رِسَالَته إلَى مَنْ أَرْسَلَ إلَيْهِ مِنْ خَلْقه وَهِدَايَته مَنْ هَدَى مِنْ عِبَاده رَحْمَة مِنْهُ لَهُ لِيُصَيِّرهُ بِهَا إلَى رِضَاهُ وَمَحَبَّته , وَفَوْزه بِهَا بِالْجَنَّةِ وَاسْتِحْقَاقه بِهَا ثَنَاءَهُ ; وَكُلّ ذَلِكَ رَحْمَة مِنْ اللَّه لَهُ . وَفِي قَوْله : { وَاَللَّه يَخْتَصّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاء وَاَللَّه ذُو الْفَضْل الْعَظِيم } تَعْرِيض مِنْ اللَّه تَعَالَى ذَكَره بِأَهْلِ الْكِتَاب أَنَّ الَّذِي آتَى نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ الْهِدَايَة تَفَضُّلًا مِنْهُ , وَأَنَّ نِعَمه لَا تُدْرَك بِالْأَمَانِيِّ وَلَكِنَّهَا مَوَاهِب مِنْهُ يَخْتَصّ بِهَا مَنْ يَشَاء مِنْ خَلْقه .
 
{105} مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
وَأَمَّا قَوْله : { وَاَللَّه ذُو الْفَضْل الْعَظِيم } فَإِنَّهُ خَبَر مِنْ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ عَنْ أَنَّ كُلّ خَيْر نَالَهُ عِبَاده فِي دِينهمْ وَدُنْيَاهُمْ فَإِنَّهُ مِنْ عِنْده ابْتِدَاء وَتَفَضُّلًا مِنْهُ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْر اسْتِحْقَاق مِنْهُمْ ذَلِكَ عَلَيْهِ .

المراجع

موقع الإسلام, تفسير القرآن الكريم

التصانيف

تفسير القرآن الكريم