{89} وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَاب مِنْ عِنْد اللَّه مُصَدِّق لِمَا مَعَهُمْ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَاب مِنْ عِنْد اللَّه مُصَدِّق لِمَا مَعَهُمْ } وَلَمَّا جَاءَ الْيَهُود مِنْ بَنِي إسْرَائِيل الَّذِينَ وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ صِفَتهمْ , { كِتَاب مِنْ عِنْد اللَّه } يَعْنِي بِالْكِتَابِ : الْقُرْآن الَّذِي أَنَزَلَهُ اللَّه عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , { مُصَدِّق لِمَا مَعَهُمْ } يَعْنِي مُصَدِّق لِلَّذِي مَعَهُمْ مِن الْكُتُبِ الَّتِي أَنَزَلَهَا اللَّه مِنْ قَبْل الْقُرْآن . كَمَا : 1252 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَاب مِنْ عِنْدِ اللَّه مُصَدِّق لِمَا مَعَهُم } وَهُوَ الْقُرْآن الَّذِي أَنَزَلَ عَلَى مُحَمَّد مُصَدِّق لِمَا مَعَهُمْ مِنْ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل . 1253 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَاب مِنْ عِنْد اللَّه مُصَدِّق لِمَا مَعَهُمْ } وَهُوَ الْقُرْآن الَّذِي أَنَزَلَ عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصَدِّق لِمَا مَعَهُمْ مِنْ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل .
 
{89} وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَكَانُوا مِنْ قَبْل يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ } . يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَكَانُوا مِنْ قَبْل يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا } أَيْ وَكَانَ هَؤُلَاءِ الْيَهُود - الَّذِينَ لَمَّا جَاءَهُمْ كِتَاب مِنْ عِنْد اللَّه مُصَدِّق لِمَا مَعَهُمْ مِنْ الْكُتُب الَّتِي أَنَزَلَهَا اللَّه قَبْل الْفُرْقَان , كَفَرُوا بِهِ - يَسْتَفْتِحُونَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعْنَى الِاسْتِفْتَاح : الِاسْتِنْصَار - يَسْتَنْصِرُونَ اللَّه بِهِ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَب مِنْ قَبْل مَبْعَثه ; أَيْ مِنْ قَبْل أَنْ يُبْعَث . كَمَا : 1254 - حَدَّثَنِي ابْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , قَالَ : حَدَّثَنِي ابْن إسْحَاق , عَنْ عَاصِم بْن عُمَر بْن قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيّ , عَنْ أَشْيَاخ مِنْهُمْ قَالُوا : فِينَا وَاَللَّه وَفِيهِمْ - يَعْنِي فِي الْأَنْصَار وَفِي الْيَهُود الَّذِينَ كَانُوا جِيرَانهمْ - نَزَلَتْ هَذِهِ الْقِصَّة , يَعْنِي : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَاب مِنْ عِنْد اللَّه مُصَدِّق لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْل يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا } قَالُوا : كُنَّا قَدْ عَلَوْنَاهُمْ دَهْرًا فِي الْجَاهِلِيَّة , وَنَحْنُ أَهْل الشِّرْك , وَهُمْ أَهْل الْكِتَاب , فَكَانُوا يَقُولُونَ : إنَّ نَبِيًّا الْآن مَبْعَثه قَدْ أَظَلَّ زَمَانه , يَقْتُلكُمْ قَتْل عَاد وَإِرَم ! فَلَمَّا بَعَثَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره رَسُوله مِنْ قُرَيْش وَاتَّبَعْنَاهُ كَفَرُوا بِهِ . يَقُول اللَّه : { فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ } . 1255 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , قَالَ : حَدَّثَنِي ابْن إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى آل زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَوْ عِكْرِمَة مَوْلَى ابْن عَبَّاس , عَنْ ابْن عَبَّاس : أَنَّ يَهُود كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الْأَوْس وَالْخَزْرَج بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل مَبْعَثه . فَلَمَّا بَعَثَهُ اللَّه مِنْ الْعَرَب , كَفَرُوا بِهِ , وَجَحَدُوا مَا كَانُوا يَقُولُونَ فِيهِ , فَقَالَ لَهُمْ مُعَاذ بْن جَبَل وَبِشْر بْن الْبَرَاء بْن مَعْرُور أَخُو بَنِي سَلَمَة : يَا مَعْشَر يَهُود , اتَّقُوا اللَّه وَأَسْلِمُوا ! فَقَدْ كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ أَهْل شِرْك , وَتُخْبِرُونَنَا أَنَّهُ مَبْعُوث , وَتَصِفُونَهُ لَنَا بِصِفَتِهِ . فَقَالَ سَلَّامُ بْن مشكم أَخُو بَنِي النَّضِير : مَا جَاءَنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفهُ , وَمَا هُوَ بِاَلَّذِي كُنَّا نَذْكُر لَكُمْ ! فَأَنْزَلَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْله : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَاب مِنْ عِنْد اللَّه مُصَدِّق لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْل يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَة اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ } . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُس بْن بُكَيْرٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى آل زَيْد بْن ثَابِت , قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيد بْن جُبَيْر أَوْ عِكْرِمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس , مِثْله . 1256 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَكَانُوا مِنْ قَبْل يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا } يَقُول : يَسْتَنْصِرُونَ بِخُرُوجِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَب - يَعْنِي بِذَلِكَ أَهْل الْكِتَاب - فَلَمَّا بَعَثَ اللَّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَأَوْهُ مِنْ غَيْرهمْ كَفَرُوا بِهِ وَحَسَدُوهُ . 1257 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : حَدَّثَنِي عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ عَلِيّ الْأَزْدِيّ فِي قَوْل اللَّه : { وَكَانُوا مِنْ قَبْل يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا } قَالَ : الْيَهُود , كَانُوا يَقُولُونَ : اللَّهُمَّ ابْعَثْ لَنَا هَذَا النَّبِيّ يَحْكُم بَيْننَا وَبَيْن النَّاس ; { يَسْتَفْتِحُونَ } يَسْتَنْصِرُونَ بِهِ عَلَى النَّاس . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ عَلِيّ الْأَزْدِيّ - وَهُوَ الْبَارِقِيّ - فِي قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَكَانُوا مِنْ قَبْل يَسْتَفْتِحُونَ } فَذَكَر مِثْله . 1258 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : { وَكَانُوا مِنْ قَبْل يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا } كَانَتْ الْيَهُود تَسْتَفْتِح بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى كُفَّار الْعَرَب مِنْ قَبْل , وَقَالُوا : اللَّهُمَّ ابْعَثْ هَذَا النَّبِيّ الَّذِي نَجِدهُ فِي التَّوْرَاة يُعَذِّبهُمْ وَيَقْتُلهُمْ ! فَلَمَّا بَعَثَ اللَّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَوْا أَنَّهُ بَعَثَ مِنْ غَيْرهمْ كَفَرُوا بِهِ حَسَدًا لِلْعَرَبِ , وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ فِي التَّوْرَاة ; { فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ } . 1259 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا آدَم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , قَالَ : كَانَتْ الْيَهُود تَسْتَنْصِر بِمُحَمَّدِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَب , يَقُولُونَ : اللَّهُمَّ ابْعَثْ هَذَا النَّبِيّ الَّذِي نَجِدهُ مَكْتُوبًا عِنْدنَا حَتَّى يُعَذِّب الْمُشْرِكِينَ وَيَقْتُلهُمْ ! فَلَمَّا بَعَثَ اللَّه مُحَمَّدًا وَرَأَوْا أَنَّهُ مِنْ غَيْرهمْ كَفَرُوا بِهِ حَسَدًا لِلْعَرَبِ , وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَقَالَ اللَّه : { فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَة اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ } . 1260 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَاب مِنْ عِنْد اللَّه مُصَدِّق لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْل يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ } قَالَ : كَانَتْ الْعَرَب تَمُرّ بِالْيَهُودِ فَيُؤْذُونَهُمْ , وَكَانُوا يَجِدُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاة , وَيَسْأَلُونَ اللَّه أَنْ يَبْعَثهُ فَيُقَاتِلُوا مَعَهُ الْعَرَب ; فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُحَمَّد كَفَرُوا بِهِ حِين لَمْ يَكُنْ مِنْ بَنِي إسْرَائِيل . 1261 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْت لِعَطَاءٍ قَوْله : { وَكَانُوا مِنْ قَبْل يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا } قَالَ : كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى كُفَّار الْعَرَب بِخُرُوجِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيَرْجُونَ أَنْ يَكُون مِنْهُمْ . فَلَمَّا خَرَجَ وَرَأَوْهُ لَيْسَ مِنْهُمْ كَفَرُوا , وَقَدْ عَرَفُوا أَنَّهُ الْحَقّ وَأَنَّهُ النَّبِيّ , قَالَ : { فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَة اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ } . قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن جُرَيْجٍ , وَقَالَ مُجَاهِد : يَسْتَفْتِحُونَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُول إنَّهُ يَخْرَج , { فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا } وَكَانَ مِنْ غَيْرهمْ , { كَفَرُوا بِهِ } . 1262 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : وَقَالَ ابْن عَبَّاس : كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى كُفَّار الْعَرَب . 1263 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنِي الْحُمَانِيّ , قَالَ : حَدَّثَنِي شَرِيك , عَنْ أَبِي الْحِجَاب , عَنْ مُسْلِم الْبَطِين , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر قَوْله : { فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ } قَالَ : هُمْ الْيَهُود عَرَفُوا مُحَمَّدًا أَنَّهُ نَبِيّ , وَكَفَرُوا بِهِ . 1264 - حُدِّثْت عَنْ المنجاب , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { وَكَانُوا مِنْ قَبْل يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا } قَالَ : كَانُوا يَسْتَظْهِرُونَ يَقُولُونَ نَحْنُ نُعِين مُحَمَّدًا عَلَيْهِمْ , وَلَيْسُوا كَذَلِكَ ; يُكَذِّبُونَ . 1265 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : سَأَلْت ابْن زَيْد عَنْ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَكَانُوا مِنْ قَبْل يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ } قَالَ : كَانَتْ يَهُود يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى كُفَّار الْعَرَب يَقُولُونَ : أَمَّا وَاَللَّه لَوْ قَدْ جَاءَ النَّبِيّ الَّذِي بِشْر بِهِ مُوسَى وَعِيسَى أَحْمَد لَكَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ . وَكَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّهُ مِنْهُمْ وَالْعَرَب حَوْلهمْ , وَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلَيْهِمْ بِهِ وَيَسْتَنْصِرُونَ بِهِ { فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ } وَحَسَدُوهُ . وَقَرَأَ قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْد أَنْفُسهمْ مِنْ بَعْد مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقّ } 2 109 قَالَ : قَدْ تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ رَسُول , فَمِنْ هُنَالِكَ نَفَعَ اللَّه الْأَوْس وَالْخَزْرَج بِمَا كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْهُمْ أَنَّ نَبِيًّا خَارِج . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : فَأَيْنَ جَوَاب قَوْله : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَاب مِنْ عِنْد اللَّه مُصَدِّق لِمَا مَعَهُمْ } ؟ قِيلَ : قَدْ اخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي جَوَابه , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ مِمَّا تَرَكَ جَوَابه اسْتِغْنَاء بِمُعْرِفَةِ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ بِمَعْنَاهُ وَبِمَا قَدْ ذَكَرَ مِنْ أَمْثَاله فِي سَائِر الْقُرْآن . وَقَدْ تَفْعَل الْعَرَب ذَلِكَ إذَا طَالَ الْكَلَام , فَتَأْتِي بِأَشْيَاء لَهَا أَجَوْبَة فَتَحْذِف أَجَوْبَتهَا لِاسْتِغْنَاءِ سَامِعِيهَا بِمَعْرِفَتِهِمْ بِمَعْنَاهَا عَنْ ذِكْر الْأَجْوِبَة , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَال أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْض أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْر جَمِيعًا } 13 31 فَتَرَك جَوَابه . وَالْمَعْنَى : " وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سِوَى هَذَا الْقُرْآن سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَال لَسُيِّرَتْ بِهَذَا الْقُرْآن " اسْتِغْنَاء بِعِلْمِ السَّامِعِينَ بِمَعْنَاهُ . قَالُوا : فَكَذَلِكَ قَوْله : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَاب مِنْ عِنْد اللَّه مُصَدِّق لِمَا مَعَهُمْ } . وَقَالَ آخَرُونَ : جَوَاب قَوْله : { وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَاب مِنْ عِنْد اللَّه } فِي " الْفَاء " الَّتِي فِي قَوْله : { فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ } وَجَوَاب الْجَزَاءَيْنِ فِي " كَفَرُوا بِهِ " كَقَوْلِك : لَمَّا قُمْت فَلَمَّا جِئْتنَا أَحْسَنْت , بِمَعْنَى : لَمَّا جِئْتنَا إذْ قُمْت أَحْسَنْت .
 
{89} وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَعْنَة اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ } . قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى مَعْنَى اللَّعْنَة وَعَلَى مَعْنَى الْكُفْر بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة . فَمَعْنَى الْآيَة : فَخِزْي اللَّه وَإِبْعَاده عَلَى الْجَاحِدِينَ مَا قَدْ عَرَفُوا مِنْ الْحَقّ عَلَيْهِمْ لِلَّهِ وَلِأَنْبِيَائِهِ الْمُنْكَرِينَ , لِمَا قَدْ ثَبَتَ عِنْدهمْ صِحَّته مِنْ نُبُوَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَفِي إخْبَار اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْ . الْيَهُود بِمَا أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ : { فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ } الْبَيَان الْوَاضِح أَنَّهُمْ تَعَمَّدُوا الْكُفْر بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد قِيَام الْحُجَّة بِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِمْ وَقَطَعَ اللَّه عُذْرهمْ بِأَنَّهُ رسوله إليهم .
 
{90} بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنَزَلَ اللَّه } وَمَعْنَى قَوْله جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ } سَاءَ مَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ . وَأَصْل " بِئْسَ " " بِئْسَ " مِنْ الْبُؤْس , سُكِّنَتْ هَمْزَتهَا ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَتهَا إلَى الْبَاء , كَمَا قِيلَ فِي ظَلِلْت ظِلْتُ , وَكَمَا قِيلَ لِلْكَبِدِ : كِبْد , فَنُقِلَتْ حركة الباء إلى الكاف لَمَّا سَكَنَتْ الْبَاء . وَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ تَكُون " بِئْسَ " وَإِنْ كَانَ أَصْلهَا " بِئْسَ " مِنْ لُغَة الَّذِينَ يَنْقُلُونَ حَرَكَة الْعَيْن مِنْ فَعَلَ إلَى الْفَاء إذَا كَانَتْ عَيْن الْفِعْل أَحَد حُرُوف الْحَلْق السِّتَّة , كَمَا قَالُوا مِنْ " لَعِبَ " " لِعْب " , وَمِنْ " سَئِم " " سِئْم " , وَذَلِكَ فِيمَا يُقَال لُغَة فَاشِيَّة فِي تَمِيم , ثُمَّ جُعِلَتْ دَالَّة عَلَى الذَّمّ وَالتَّوْبِيخ وَوُصِلَتْ ب " مَا " . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي مَعْنَى " مَا " الَّتِي مَعَ " بِئْسَمَا " , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : هِيَ وَحْدهَا اسْم , و " أَنْ يَكْفُرُوا " تَفْسِير لَهُ , نَحْو : نِعْمَ رَجُلًا زَيْد , و " أَنْ يُنَزِّل اللَّه " بَدَل مِنْ " أَنَزَلَ اللَّه " . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة : مَعْنَى ذَلِكَ : بِئْسَ الشَّيْء اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ أَنْ يَكْفُرُوا , ف " مَا " اسْم بِئْسَ , و " أَنْ يَكْفُرُوا " الِاسْم الثَّانِي . وَزَعَمَ أَنَّ " أَنْ يُنَزِّل اللَّه مِنْ فَضْله " إنْ شِئْت جَعَلْت " أَنَّ " فِي مَوْضِع رَفْع , وَإِنْ شِئْت فِي مَوْضِع خَفْض . أَمَّا الرَّفْع : فَبِئْسَ الشَّيْء هَذَا أَنْ فَعَلُوهُ ; وَأَمَّا الْخَفْض : فَبِئْسَ الشَّيْء اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ أَنْ يُكَفِّرُوا بِمَا أَنَزَلَ اللَّه بَغْيًا . قَالَ : وَقَوْله : { لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسهمْ أَنْ سَخِطَ اللَّه عَلَيْهِمْ } 5 80 كَمِثْلِ ذَلِكَ . وَالْعَرَب تَجْعَل " مَا " وَحْدهَا فِي هَذَا الْبَاب بِمَنْزِلَةِ الِاسْم التَّامّ كَقَوْلِهِ : { فَنِعِمَّا هِيَ } 2 271 و " بِئْسَمَا أَنْتَ " . وَاسْتَشْهَدَ لِقَوْلِهِ ذَلِكَ بِرَجَزِ بَعْض الرُّجَّاز : لَا تَعْجِلَا فِي السَّيْر وَادْلُوَاهَا لَبِئْسَمَا بُطْء وَلَا نَرْعَاهَا قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالْعَرَب تَقُول : لَبِئْسَمَا تَزْوِيج وَلَا مَهْر , فَيَجْعَلُونَ " مَا " وَحْدهَا اسْمًا بِغَيْرِ صِلَة . وَقَائِل هَذِهِ الْمَقَالَة لَا يُجِيز أَنْ يَكُون الَّذِي يَلِي " بِئْسَ " مَعْرِفَة مُؤَقَّتَة وَخَبَره مَعْرِفَة مُوَقَّتَة . وَقَدْ زَعَمَ أَنَّ " بِئْسَمَا " بِمَنْزِلَةِ : بِئْسَ الشَّيْء اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ , فَقَدْ صَارَتْ " مَا " بِصِلَتِهَا اسْمًا مُوَقَّتًا ; لِأَنَّ " اشْتَرَوْا " فِعْل مَاضٍ مِنْ صِلَة " مَا " فِي قَوْل قَائِل هَذِهِ الْمَقَالَة , وَإِذَا وُصِلَتْ بِمَاضٍ مِنْ الْفِعْل كَانَتْ مَعْرِفَة مُوَقَّتَة مَعْلُومَة ; فَيَصِير تَأْوِيل الْكَلَام حِينَئِذٍ : " بِئْسَ شِرَاؤُهُمْ كُفْرهمْ " , وَذَلِكَ عِنْده غَيْر جَائِز , فَقَدْ تَبَيَّنَ فَسَاد هَذَا الْقَوْل . وَكَانَ آخَر مِنْهُمْ يَزْعُم أَنَّ " أَنْ " فِي مَوْضِع خَفْض إنَّ شِئْت , وَرَفْع إنْ شِئْت , فَأَمَّا الْخَفْض فَأَنْ تَرُدّهُ عَلَى الْهَاء الَّتِي فِي " بِهِ " عَلَى التَّكْرِير عَلَى كَلَامَيْنِ , كَأَنَّك قُلْت : اشْتَرَوْا أَنْفُسهمْ بِالْكُفْرِ . وَأَمَّا الرَّفْع فَأَنْ يَكُون مُكَرَّرًا عَلَى مَوْضِع " مَا " الَّتِي تَلِي " بِئْسَ " . قَالَ : وَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون رَفْعًا عَلَى قَوْلك : بِئْسَ الرَّجُل عَبْد اللَّه . وَقَالَ بَعْضهمْ : " بِئْسَمَا " شَيْء وَاحِد يُرَافِع مَا بَعْده كَمَا حُكِيَ عَنْ الْعَرَب : " بِئْسَمَا تَزْوِيج وَلَا مَهْر " فَرَافِع تَزْوِيج " بِئْسَمَا " , كَمَا يُقَال : " بِئْسَمَا زَيْد , وَبِئْسَمَا عَمْرو " , فَيَكُون " بِئْسَمَا " رَفْعًا بِمَا عَادَ عَلَيْهَا مِنْ الْهَاء , كَأَنَّك قُلْت : بِئْسَ شَيْء الشَّيْء اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ , وَتَكُون " أَنَّ " مُتَرْجَمَة عَنْ " بِئْسَمَا " . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ جَعَلَ " بِئْسَمَا " مَرْفُوعًا بِالرَّاجِعِ مِنْ الْهَاء فِي قَوْله : { اشْتَرَوْا بِهِ } كَمَا رَفَعُوا ذَلِكَ بِعَبْدِ اللَّه , إذْ قَالُوا : بِئْسَمَا عَبْد اللَّه , وَجَعَلَ " أَنْ يَكْفُرُوا " مُتَرْجَمَة عَنْ " بِئْسَمَا " , فَيَكُون مَعْنَى الْكَلَام حِينَئِذٍ : بِئْسَ الشَّيْء بَاعَ الْيَهُود بِهِ أَنْفُسهمْ كُفْرهمْ بِمَا أَنَزَلَ اللَّه بَغْيًا وَحَسَدًا أَنْ يُنَزِّل اللَّه مِنْ فَضْله . وَتَكُون " أَنَّ " الَّتِي فِي قَوْله : " أَنْ يُنَزِّل اللَّه " , فِي مَوْضِع نَصْب ; لِأَنَّهُ يَعْنِي بِهِ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنَزَلَ اللَّه مِنْ أَجْل أَنْ يُنَزِّل اللَّه مِنْ فَضْله عَلَى مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده وَمَوْضِعه أَنَّ جَرّ . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ الْكُوفِيِّينَ يَزْعُم أَنَّ " أَنَّ " فِي مَوْضِع خَفْض بِنِيَّةِ الْبَاء . وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا فِيهَا النَّصْب لِتَمَامِ الْخَبَر قَبْلهَا , وَلَا خَافِض مَعَهَا يَخْفِضهَا , وَالْحَرْف الْخَافِض لَا يَخْفِض مُضْمَرًا . وَأَمَّا قَوْله : { اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ بَاعُوا أَنْفُسهمْ . كَمَا : 1266 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ } يَقُول : بَاعُوا أَنْفُسهمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنَزَلَ اللَّه بَغْيًا . 1267 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد : { بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ } يَهُود شَرَوْا الْحَقّ بِالْبَاطِلِ وَكِتْمَان مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يُبَيِّنُوهُ . وَالْعَرَب تَقُول : شَرَيْته بِمَعْنَى بِعْته , وَاشْتَرَوْا فِي هَذَا الْمَوْضِع " افْتَعَلُوا " مِنْ شَرَيْت . وَكَلَام الْعَرَب فِيمَا بَلَغَنَا أَنْ يَقُولُوا : شَرَيْت بِمَعْنَى بِعْت , وَاشْتَرَيْت بِمَعْنَى ابْتَعْت . وَقِيلَ إنَّمَا سُمِّيَ الشَّارِي شَارِيًا لِأَنَّهُ بَاعَ نَفْسه وَدُنْيَاهُ بِآخِرَتِهِ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل يَزِيد بْن مُفْرِغ الْحِمْيَرِيّ : وَشَرَيْت بُرْدًا لَيْتَنِي مِنْ قَبْل بُرْد كُنْت هَامه وَمِنْهُ قَوْل الْمُسَيِّب بْن عَلَس : يُعْطَى بِهَا ثَمَنًا فَيَمْنَعهَا وَيَقُول صَاحِبهَا أَلَا تَشْرِي يَعْنِي بِهِ : بِعْت بُرْدًا . وَرُبَّمَا اُسْتُعْمِلَ " اشْتَرَيْت " بِمَعْنَى " بِعْت " , و " شَرَيْت " فِي مَعْنَى " ابْتَعْت " , وَالْكَلَام الْمُسْتَفِيض فِيهِمْ هُوَ مَا وَصَفْت .
 
{90} بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ
وَأَمَّا مَعْنَى قَوْله : { بَغْيًا } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : تَعَدِّيًا وَحَسَدًا . كَمَا : 1268 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيد بْن قَتَادَةَ : { بَغْيًا } قَالَ : أَيْ حَسَدًا , وَهُمْ الْيَهُود . 1269 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { بَغْيًا } قَالَ : بَغَوْا عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَسَدُوهُ , وَقَالُوا : إنَّمَا كَانَتْ الرُّسُل مِنْ بَنِي إسْرَائِيل , فَمَا بَال هَذَا مِنْ بَنِي إسْمَاعِيل ! فَحَسَدُوهُ أَنْ يُنَزِّل اللَّه مِنْ فَضْله عَلَى مِنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده . 1270 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا آدَم , قَالَ : ثنا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { بَغْيًا } يَعْنِي حَسَدًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْله عَلَى مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده , وَهُمْ الْيَهُود كَفَرُوا بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . * - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , مِثْله . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَمَعْنَى الْآيَة : بِئْسَ الشَّيْء بَاعُوا بِهِ أَنْفُسهمْ الْكُفْر بِاَلَّذِي أَنَزَلَ اللَّه فِي كِتَابه عَلَى مُوسَى مِنْ نُبُوَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَمْر بِتَصْدِيقِهِ وَاتِّبَاعه , مِنْ أَجْل أَنْ أَنَزَلَ اللَّه مِنْ فَضْله , وَفَضْله حِكْمَته وَآيَاته وَنُبُوَّته عَلَى مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده - يَعْنِي بِهِ عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَغْيًا وَحَسَدًا لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِنْ أَجْل أَنَّهُ كَانَ مِنْ وَلَد إسْمَاعِيل , وَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَنِي إسْرَائِيل . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ بَاعَتْ الْيَهُود أَنْفُسهَا بِالْكُفْرِ فَقِيلَ : { بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنَزَلَ اللَّه } ؟ وَهَلْ يُشْتَرَى بِالْكُفْرِ شَيْء ؟ قِيلَ : إنَّ مَعْنَى الشِّرَاء وَالْبَيْع عِنْد الْعَرَب : هُوَ إزَالَة مَالِك مُلْكه إلَى غَيْره بِعِوَضٍ يَعْتَاضهُ مِنْهُ , ثُمَّ تَسْتَعْمِل الْعَرَب ذَلِكَ فِي كُلّ مُعْتَاض مِنْ عَمَله عِوَضًا شَرًّا أَوْ خَيْرًا , فَتَقُول : نَعَمْ مَا بَاعَ بِهِ فُلَان نَفْسه , وَبِئْسَ مَا بَاعَ بِهِ فُلَان نَفْسه , بِمَعْنَى : نِعْمَ الْكَسْب أَكْسِبهَا وَبِئْسَ الْكَسْب أَكْسِبهَا إذَا أَوْرَثَهَا بِسَعْيِهِ عَلَيْهَا خَيْرًا أَوْ شَرًّا . فَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْله جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { بِئْسَ مَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ } لَمَّا أَوْبَقُوا أَنْفُسهمْ بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَهْلَكُوهَا , خَاطَبَهُمْ اللَّه وَالْعَرَب بِاَلَّذِي يَعْرِفُونَهُ فِي كَلَامهمْ فَقَالَ : { بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسهمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ : بِئْسَ مَا أَكَسَبُوا أَنْفُسهمْ بِسَعْيِهِمْ , وَبِئْسَ الْعِوَض اعْتَاضُوا مِنْ كُفْرهمْ بِاَللَّهِ فِي تَكْذِيبهمْ مُحَمَّدًا , إذْ كَانُوا قَدْ رَضَوْا عِوَضًا مِنْ ثَوَاب اللَّه وَمَا أَعَدَّ لَهُمْ - لَوْ كَانُوا آمَنُوا بِاَللَّهِ وَمَا أَنَزَلَ عَلَى أَنْبِيَائِهِ - بِالنَّارِ , وَمَا أَعَدَّ لَهُمْ بِكُفْرِهِمْ بِذَلِكَ . وَهَذِهِ الْآيَة وَمَا أَخْبَرَ اللَّه فِيهَا عَنْ حَسَد الْيَهُود مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْمه مِنْ الْعَرَب , مِنْ أَجْل أَنَّ اللَّه جَعَلَ النُّبُوَّة وَالْحِكْمَة فِيهِمْ دُون الْيَهُود مِنْ بَنِي إسْرَائِيل , حَتَّى دَعَاهُمْ ذَلِكَ إلَى الْكُفْر بِهِ مَعَ عِلْمهمْ بِصَدْقِهِ , وَأَنَّهُ نَبِيّ لِلَّهِ مَبْعُوث وَرَسُول مُرْسَل ; نَظِيرَة الْآيَة الْأُخْرَى فِي سُوَره النِّسَاء , وَذَلِكَ قَوْله , { أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَاب يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوت وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّه وَمَنْ يَلْعَن اللَّه فَلَنْ تَجِد لَهُ نَصِيرًا أَمْ لَهُمْ نَصِيب مِنْ الْمُلْك فَإِذًا لَا يَأْتُونَ النَّاس نَقِيرًا أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاس عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّه مِنْ فَضْله فَقَدْ آتَيْنَا آل إبْرَاهِيم الْكِتَاب وَالْحِكْمَة وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا } . 4 51 : 54
 
{90} بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَنْ يُنَزِّل اللَّه مِنْ فَضْله عَلَى مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده } قَدْ ذَكَرْنَا تَأْوِيل ذَلِكَ وَبَيَّنَّا مَعْنَاهُ , وَلَكِنَّا نَذْكُر الرِّوَايَة بِتَصْحِيحِ مَا قُلْنَا فِيهِ . 1271 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : حَدَّثَنِي ابْن إسْحَاق , عَنْ عَاصِم بْن عُمَر بْن قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيّ , عَنْ أَشْيَاخ مِنْهُمْ قَوْله : { بَغْيًا أَنْ يُنَزِّل اللَّه مِنْ فَضْله عَلَى مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده } أَيْ أَنَّ اللَّه تَعَالَى جَعَلَهُ فِي غَيْرهمْ . 1272 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ , قَالَ : هُمْ الْيَهُود , وَلَمَّا بَعَثَ اللَّه نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَوْا أَنَّهُ بَعَثَ مِنْ غَيْرهمْ , كَفَرُوا بِهِ حَسَدًا لِلْعَرَبِ , وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ فِي التَّوْرَاة . 1273 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا آدَم , قَالَ : ثنا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , مِثْله . 1274 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , مِثْله . 1275 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : قَالُوا : إنَّمَا كَانَتْ الرُّسُل مِنْ بَنِي إسْرَائِيل , فَمَا بَال هَذَا مِنْ بَنِي إسْمَاعِيل . 1276 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ عَلِيّ الْأَزْدِيّ قَالَ : نَزَلَتْ فِي الْيَهُود .
 
{90} بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَب } . يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَب } فَرَجَعَتْ الْيَهُود مِنْ بَنِي إسْرَائِيل - بَعْد الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الِاسْتِنْصَار بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالِاسْتِفْتَاح بِهِ , وَبَعْد الَّذِي كَانُوا يُخْبِرُونَ بِهِ النَّاس مِنْ قَبْل مَبْعَثه أَنَّهُ نَبِيّ مَبْعُوث - مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابهمْ حِين بَعَثَهُ اللَّه نَبِيًّا مُرْسَلًا , فَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّه - اسْتَحَقُّوهُ مِنْهُ بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ حِين بَعَثَ , وَجُحُودهمْ نُبُوَّته , وَإِنْكَارهمْ إيَّاهُ أَنْ يَكُون هُوَ الَّذِي يَجِدُونَ صِفَته فِي كِتَابهمْ عِنَادًا مِنْهُمْ لَهُ وَبَغْيًا وَحَسَدًا لَهُ وَلِلْعَرَبِ - { عَلَى غَضَب } سَالِف كَانَ مِنْ اللَّه عَلَيْهِمْ قَبْل ذَلِكَ سَابِق غَضَبه الثَّانِي لِكُفْرِهِمْ الَّذِي كَانَ قَبْل ذَلِكَ بِعِيسَى ابْن مَرْيَم , أَوْ لِعِبَادَتِهِمْ الْعِجْل , أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ ذُنُوب كَانَتْ لَهُمْ سَلَفَتْ يَسْتَحِقُّونَ بِهَا الْغَضَب مِنْ اللَّه . كَمَا : 1277 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة بْن الْفَضْل , قَالَ : حَدَّثَنِي ابْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , فِيمَا أَرْوِي عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَوْ عِكْرِمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس : { فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَب } فَالْغَضَب عَلَى الْغَضَب غَضَبه عَلَيْهِمْ فِيمَا كَانُوا ضَيَّعُوا مِنْ التَّوْرَاة وَهِيَ مَعَهُمْ , وَغَضَب بِكُفْرِهِمْ بِهَذَا النَّبِيّ الَّذِي أَحْدَثَ اللَّه إلَيْهِمْ . 1278 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد وَعَبْد الرَّحْمَن , قَالَا : ثنا سُفْيَان عَنْ أَبِي بُكَيْرٍ , عَنْ عِكْرِمَة : { فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَب } قَالَ : كُفْر بِعِيسَى وَكُفْر بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن يَمَان , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبِي بُكَيْرٍ , عَنْ عِكْرِمَة : { فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَب } قَالَ : كُفْرهمْ بِعِيسَى وَمُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ أَبِي بُكَيْرٍ , عَنْ عِكْرِمَة مِثْله . 1279 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ : النَّاس يَوْم الْقِيَامَة عَلَى أَرْبَعَة مَنَازِل : رَجُل كَانَ مُؤْمِنًا بِعِيسَى وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِمَا فَلَهُ أَجْرَانِ . وَرَجُل كَانَ كَافِرًا بِعِيسَى فَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَهُ أَجْر . وَرَجُل كَانَ كَافِرًا بِعِيسَى فَكَفَرَ بِمُحَمَّدٍ , فَبَاءَ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَب . وَرَجُل كَانَ كَافِرًا بِعِيسَى مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَب , فَمَاتَ بِكُفْرِهِ قَبْل مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَاءَ بِغَضَبٍ . 1280 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : { فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَب } غَضِبَ اللَّه عَلَيْهِمْ بِكُفْرِهِمْ بِالْإِنْجِيلِ وَبِعِيسَى , وَغَضِبَ عَلَيْهِمْ بِكُفْرِهِمْ بِالْقُرْآنِ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 1281 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { فَبَاءُوا بِغَضَبٍ } الْيَهُود بِمَا كَانَ مِنْ تَبْدِيلهمْ التَّوْرَاة قَبْل خُرُوج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , { عَلَى غَضَب } جُحُودهمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُفْرهمْ بِمَا جَاءَ بِهِ . 1282 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا آدَم , قَالَ : ثنا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَب } يَقُول : غَضِبَ اللَّه عَلَيْهِمْ بِكُفْرِهِمْ بِالْإِنْجِيلِ وَعِيسَى , ثُمَّ غَضَبه عَلَيْهِمْ بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِالْقُرْآنِ . 1283 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَب } أَمَّا الْغَضَب الْأَوَّل : فَهُوَ حِين غَضَب اللَّه عَلَيْهِمْ فِي الْعِجْل , وَأَمَّا الْغَضَب الثَّانِي : فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ حِين كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 1284 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ وَعَطَاء وَعُبَيْد بْن عُمَيْر قَوْله : { فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَب } قَالَ : غَضَب اللَّه عَلَيْهِمْ فِيمَا كَانُوا فِيهِ مِنْ قِبَل خُرُوج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَبْدِيلهمْ وَكُفْرهمْ , ثُمَّ غَضِبَ عَلَيْهِمْ فِي مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ خَرَجَ فَكَفَرُوا بِهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْغَضَب مِنْ اللَّه عَلَى مَنْ غَضِبَ عَلَيْهِ مِنْ خَلْقه وَاخْتِلَاف الْمُخْتَلِفِينَ فِي صِفَته فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَته , وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .
 
{90} بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلِلْكَافِرِينَ عَذَاب مُهِين } . يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلِلْكَافِرِينَ عَذَاب مُهِين } وَلِلْجَاحِدِينَ نُبُوَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النَّاس كُلّهمْ عَذَاب مِنْ اللَّه إمَّا فِي الْآخِرَة , وَإِمَّا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة { مُهِين } هُوَ الْمُذِلّ صَاحِبه الْمُخْزِي الملبسه هَوَانًا وَذِلَّة . فَإِنْ قَالَ قَائِل : أَيّ عَذَاب هُوَ غَيْر مُهِين صَاحِبه فَيَكُون لِلْكَافِرِينَ الْمُهِين مِنْهُ ؟ قِيلَ : إنَّ الْمُهِين هُوَ الَّذِي قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ الْمُورِث صَاحِبه ذِلَّة وَهَوَانًا الَّذِي يَخْلُد فِيهِ صَاحِبه لَا يَنْتَقِل مِنْ هَوَانه إلَى عِزّ وَكَرَامَة أَبَدًا , وَهُوَ الَّذِي خَصَّ اللَّه بِهِ أَهْل الْكُفْر بِهِ وَبِرُسُلِهِ ; وَأَمَّا الَّذِي هُوَ غَيْر مُهِين صَاحِبه : فَهُوَ مَا كَانَ تَمْحِيصًا لِصَاحِبِهِ , وَذَلِكَ هُوَ كَالسَّارِقِ مِنْ أَهْل الْإِسْلَام يَسْرِق مَا يَجِب عَلَيْهِ بِهِ الْقَطْع فَتُقْطَع يَده , وَالزَّانِي مِنْهُمْ يَزْنِي فَيُقَام عَلَيْهِ الْحَدّ , وَمَا أَشَبَه ذَلِكَ مِنْ الْعَذَاب , وَالنَّكَال الَّذِي جَعَلَهُ اللَّه كَفَّارَات لِلذُّنُوبِ الَّتِي عَذَّبَ بِهَا أَهْلهَا , وَكَأَهْلِ الْكَبَائِر مِنْ أَهْل الْإِسْلَام الَّذِينَ يُعَذَّبُونَ فِي الْآخِرَة بِمَقَادِير إجْرَامهمْ الَّتِي ارْتَكَبُوهَا لِيُمَحِّصُوا مِنْ ذُنُوبهمْ ثُمَّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّة . فَإِنَّ كُلّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ عَذَابًا فَغَيْر مُهِين مَنْ عُذِّبَ بِهِ , إذْ كَانَ تَعْذِيب اللَّه إيَّاهُ بِهِ لِيُمَحِّصهُ مِنْ آثَامه ثُمَّ يُورِدهُ مَعْدِن الْعِزّ وَالْكَرَامَة وَيُخَلِّدهُ فِي نَعِيم الْجِنَان .
 
{91} وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنَزَلَ اللَّه قَالُوا نُؤْمِن بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } وَإِذَا قِيلَ لِلْيَهُودِ مِنْ بَنِي إسْرَائِيل لِلَّذِينَ كَانُوا بَيْن ظَهْرَانَيْ مُهَاجِر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { آمِنُوا } أَيْ صَدِّقُوا , { بِمَا أَنَزَلَ اللَّه } يَعْنِي بِمَا أَنَزَلَ اللَّه مِنْ الْقُرْآن عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . { قَالُوا نُؤْمِن } أَيْ نُصَدِّق , { بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا } يَعْنِي بِالتَّوْرَاةِ الَّتِي أَنَزَلَهَا اللَّه عَلَى مُوسَى .
 
{91} وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ } . يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ } وَيَجْحَدُونَ بِمَا وَرَاءَهُ , يَعْنِي بِمَا وَرَاء التَّوْرَاة . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَتَأْوِيل " وَرَاءَهُ " فِي هَذَا الْمَوْضِع " سِوَى " كَمَا يُقَال لِلرَّجُلِ الْمُتَكَلِّم بِالْحَسَنِ : مَا وَرَاء هَذَا الْكَلَام شَيْء , يُرَاد بِهِ لَيْسَ عِنْد الْمُتَكَلِّم بِهِ شَيْء سِوَى ذَلِكَ الْكَلَام ; فَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْله : { وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ } أَيْ بِمَا سِوَى التَّوْرَاة وَبِمَا بَعْده مِنْ كُتُب اللَّه الَّتِي أَنَزَلَهَا إلَى رُسُله . كَمَا : 1285 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : { وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ } يَقُول : بِمَا بَعْده . 1286 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا آدَم , قَالَ : ثنا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ } أَيْ بِمَا بَعْده , يَعْنِي بِمَا بَعْد التَّوْرَاة . 1287 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ } يَقُول : بِمَا بَعْده .
 
{91} وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَهُوَ الْحَقّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ } . يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَهُوَ الْحَقّ مُصَدِّقًا } أَيْ مَا وَرَاء الْكِتَاب الَّذِي أَنَزَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْكُتُب الَّتِي أَنَزَلَهَا اللَّه إلَى أَنْبِيَائِهِ الْحَقّ . وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْره الْقُرْآن الَّذِي أَنَزَلَهُ إلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . كَمَا : 1288 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنَزَلَ اللَّه قَالُوا نُؤْمِن بِمَا عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ } وَهُوَ الْقُرْآن . يَقُول اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَهُوَ الْحَقّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ } . وَإِنَّمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ } لِأَنَّ كُتُب اللَّه يُصَدِّق بَعْضهَا بَعْضًا ; فَفِي الْإِنْجِيل وَالْقُرْآن مِنْ الْأَمْر بِاتِّبَاعِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْإِيمَان بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ , مِثْل الَّذِي مِنْ ذَلِكَ فِي تَوْرَاة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام ; فَلِذَلِكَ قَالَ حَجّ ثَنَاؤُهُ لِلْيَهُودِ إذْ خَبَرهمْ عَمَّا وَرَاء كِتَابهمْ الَّذِي أَنَزَلَهُ عَلَى مُوسَى صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ مِنْ الْكُتُب الَّتِي أَنَزَلَهَا إلَى أَنْبِيَائِهِ : إنَّهُ الْحَقّ مُصَدِّقًا لِلْكِتَابِ الَّذِي مَعَهُمْ , يَعْنِي أَنَّهُ لَهُ مُوَافِق فِيمَا الْيَهُود بِهِ مُكَذِّبُونَ . قَالَ : وَذَلِكَ خَبَر مِنْ اللَّه أَنَّهُمْ مِنْ التَّكْذِيب بِالتَّوْرَاةِ عَلَى مِثْل الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنْ التَّكْذِيب بِالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَان , عِنَادًا لِلَّهِ وَخِلَافًا لِأَمْرِهِ وَبَغْيًا عَلَى رُسُله صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ .
 
{91} وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاء اللَّه } يَعْنِي جَلَّ ذِكْره بِقَوْلِهِ : { قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُوا أَنْبِيَاء اللَّه } : قُلْ يَا مُحَمَّد لِيَهُودِ بَنِي إسْرَائِيل الَّذِينَ إذَا قُلْت لَهُمْ : { آمِنُوا بِمَا أَنَزَلَ اللَّه قَالُوا نُؤْمِن بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا فَلِمَ تَقْتُلُونَ } إنْ كُنْتُمْ يَا مَعْشَر الْيَهُود مُؤْمِنِينَ بِمَا أَنَزَلَ اللَّه عَلَيْكُمْ { أَنْبِيَاء } وَقَدْ حَرَّمَ اللَّه فِي الْكِتَاب الَّذِي أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ قَتْلهمْ , بَلْ أَمَرَكُمْ فِيهِ بِاتِّبَاعِهِمْ وَطَاعَتهمْ وَتَصْدِيقهمْ . وَذَلِكَ مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ تَكْذِيب لَهُمْ فِي قَوْلهمْ : { نُؤْمِن بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا } وَتَعْيِير لَهُمْ . كَمَا : 1289 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره وَهُوَ يُعَيِّرهُمْ , يَعْنِي الْيَهُود : { فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاء اللَّه مِنْ قَبْل إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ قِيلَ لَهُمْ : { فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاء اللَّه مِنْ قَبْل } فَابْتَدَأَ الْخَبَر عَلَى لَفْظ الْمُسْتَقْبَل , ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ قَدْ مَضَى ؟ قِيلَ : إنَّ أَهْل الْعَرَبِيَّة مُخْتَلِفُونَ فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْض الْبَصْرِيِّينَ : مَعْنَى ذَلِكَ : فَلِمَ قَتَلْتُمْ أَنْبِيَاء اللَّه مِنْ قَبْل ؟ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِين } 2 102 أَيْ مَا تَلَتْ , وَكَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَلَقَدْ أَمُرّ عَلَى اللَّئِيم يَسُبّنِي فَمَضَيْت عَنْهُ وَقُلْت لَا يَعْنِينِي يُرِيد بِقَوْلِهِ : " وَلَقَدْ أَمُرّ " : وَلَقَدْ مَرَرْت . وَاسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ بِقَوْلِهِ : " فَمَضَيْت عَنْهُ " , وَلَمْ يَقُلْ : " فَأَمْضِي عَنْهُ " . وَزَعَمَ أَنَّ " فَعَلَ وَيَفْعَل " قَدْ تَشْتَرِك فِي مَعْنًى وَاحِد , وَاسْتُشْهِدَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِر : وَإِنِّي لَآتِيكُمْ تَشَكُّر مَا مَضَى مِنْ الْأَمْر وَاسْتِيجَاب مَا كَانَ فِي غَد يَعْنِي بِذَلِكَ : مَا يَكُون فِي غَد . وَبِقَوْلِ الْحُطَيْئَة : شَهْد الْحُطَيْئَة يَوْم يَلْقَى رَبّه أَنَّ الْوَلِيد أَحَقّ بِالْعُذْرِ يَعْنِي : يَشْهَد . وَكَمَا قَالَ الْآخَر : فَمَا أُضْحِي وَلَا أَمْسَيْت إلَّا أَرَانِي مِنْكُمْ فِي كَوَّفَان فَقَالَ : أُضْحِي , ثُمَّ قَالَ : وَلَا أَمْسَيْت . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ : إنَّمَا قِيلَ : { فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاء اللَّه مِنْ قَبْل } فَخَاطَبَهُمْ بِالْمُسْتَقْبَلِ مِنْ الْفِعْل وَمَعْنَاهُ الْمَاضِي , كَمَا يُعَنِّف الرَّجُل الرَّجُل عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُ مِنْ فِعْل , فَيَقُول لَهُ : وَيْحك لِمَ تُكَذِّب وَلِمَ تُبْغِض نَفْسك إلَى النَّاس ؟ كَمَا قَالَ الشَّاعِر : إذَا مَا انْتَسَبْنَا لَمْ تَلِدنِي لَئِيمَة وَلَمْ تَجِدِي مِنْ أَنْ تُقِرِّي بِهِ بُدًّا فَالْجَزَاء لِلْمُسْتَقْبِلِ , وَالْوِلَادَة كُلّهَا قَدْ مَضَتْ ; وَذَلِكَ أَنَّ الْمَعْنَى مَعْرُوف , فَجَازَ ذَلِكَ . قَالَ : وَمِثْله فِي الْكَلَام إذَا نَظَرْت فِي سِيرَة عُمَر لَمْ تَجِدهُ يُسِيء , الْمَعْنَى : لَمْ تَجِدهُ أَسَاءَ , فَلَمَّا كَانَ أَمْر عُمَر لَا يَشُكّ فِي مُضِيّه لَمْ يَقَع فِي الْوَهْم أَنَّهُ مُسْتَقْبَل , فَلِذَلِكَ صَلُحَتْ مِنْ قَبْل مَعَ قَوْله : { فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاء اللَّه مِنْ قَبْل } . قَالَ : وَلَيْسَ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِالْقَتْلِ هُمْ الْقَتَلَة , إنَّمَا قَتَلَ الْأَنْبِيَاءَ أَسْلَافُهُمْ الَّذِينَ مَضَوْا , فَتَوَلَّوْهُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ وَرَضُوا فَنَسَبَ الْقَتْل إلَيْهِمْ . وَالصَّوَاب فِيهِ مِنْ الْقَوْل عِنْدنَا أَنَّ اللَّه خَاطَبَ الَّذِينَ أَدْرَكُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَهُود بَنِي إسْرَائِيل , بِمَا خَاطَبَهُمْ فِي سُورَة الْبَقَرَة وَغَيْرهَا مِنْ سَائِر السُّوَر , بِمَا سَلَفَ مِنْ إحْسَانه إلَى أَسْلَافهمْ , وَبِمَا سَلَفَ مِنْ كُفْرَان أَسْلَافهمْ نِعَمه , وَارْتِكَابهمْ مَعَاصِيه , وَاجْتِرَائِهِمْ عَلَيْهِ وَعَلَى أَنْبِيَائِهِ , وَأَضَافَ ذَلِكَ إلَى الْمُخَاطَبِينَ بِهِ ; نَظِير قَوْل الْعَرَب بَعْضهَا لِبَعْضٍ : فَعَلْنَا بِكُمْ يَوْم كَذَا وَكَذَا , وَفَعَلْتُمْ بِنَا يَوْم كَذَا كَذَا وَكَذَا , عَلَى نَحْو مَا قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي غَيْر مَوْضِع مِنْ كِتَابنَا هَذَا ; يَعْنُونَ بِذَلِكَ أَنَّ أَسْلَافنَا فَعَلُوا ذَلِكَ بِأَسْلَافِكُمْ وَأَنَّ أَوَائِلنَا فَعَلُوا ذَلِكَ بِأَوَائِلِكُمْ . فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْله : { فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاء اللَّه مِنْ قَبْل } إذْ كَانَ قَدْ خَرَجَ عَلَى لَفْظ الْخَبَر عَنْ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ خَبَرًا مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْ فِعْل السَّالِفِينَ مِنْهُمْ عَلَى نَحْو الَّذِي بَيَّنَّا , جَازَ أَنْ يُقَال مِنْ قَبْل إذْ كَانَ مَعْنَاهُ : قُلْ فَلِمَ يَقْتُل أَسْلَافكُمْ أَنْبِيَاء اللَّه مِنْ قَبْل ؟ وَكَانَ مَعْلُومًا بِأَنَّ قَوْله : { فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاء اللَّه مِنْ قَبْل } إنَّمَا هُوَ خَبَر عَنْ فِعْل سَلَفهمْ . وَتَأْوِيل قَوْله : { مِنْ قَبْل } أَيْ مِنْ قَبْل الْيَوْم .
 
{91} وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
أَمَّا قَوْله : { إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِمَا أَنَزَلَ اللَّه عَلَيْكُمْ كَمَا زَعَمْتُمْ . وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ الْيَهُود الَّذِينَ أَدْرَكُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَسْلَافهمْ , إنْ كَانُوا وَكُنْتُمْ كَمَا تَزْعُمُونَ أَيّهَا الْيَهُود مُؤْمِنِينَ . وَإِنَّمَا عَيَّرَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَتْلِ أَوَائِلهمْ أَنْبِيَاءَهُ عِنْد قَوْلهمْ حِين قِيلَ لَهُمْ : { آمِنُوا بِمَا أَنَزَلَ اللَّه قَالُوا نُؤْمِن بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا } لِأَنَّهُمْ كَانُوا لِأَوَائِلِهِمْ الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَتْل أَنْبِيَاء اللَّه مَعَ قِيلهمْ : { نُؤْمِن بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا } مُتَوَلِّينَ , وَبِفِعْلِهِمْ رَاضِينَ , فَقَالَ لَهُمْ : إنْ كُنْتُمْ كَمَا تَزْعُمُونَ مُؤْمِنِينَ بِمَا أَنَزَلَ عَلَيْكُمْ , فَلِمَ تَتَوَلَّوْنَ قَتَلَة أَنْبِيَاء اللَّه ؟ أَيْ تَرْضُونَ أَفْعَالهمْ .
 
{92} وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ } أَيْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ الدَّالَّة عَلَى صِدْقه وَحَقِّيَّة نُبُوَّته ; كَالْعَصَا الَّتِي تَحَوَّلَتْ ثُعْبَانًا مُبِينًا , وَيَده الَّتِي أَخْرَجَهَا بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ , وَفَلَق الْبَحْر , وَمَصِير أَرْضه لَهُ طَرِيقًا يَبْسًا , وَالْجَرَاد وَالْقَمْل وَالضَّفَادِع , وَسَائِر الْآيَات الَّتِي بَيَّنَتْ صِدْقه وَحَقِّيَّة نُبُوَّته . وَإِنَّمَا سَمَّاهَا اللَّه بَيِّنَات لِتُبَيِّنهَا لِلنَّاظِرِينَ إلَيْهَا أَنَّهَا مُعْجِزَة لَا يَقْدِر عَلَى أَنْ يَأْتِي بِهَا بَشَر إلَّا بِتَسْخِيرٍ اللَّه ذَلِكَ لَهُ , وَإِنَّمَا هِيَ جَمْع بَيِّنَة مِثْل طَيِّبَة وَطَيِّبَات . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَمَعْنَى الْكَلَام : وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يَا مَعْشَر يَهُود بَنِي إسْرَائِيل مُوسَى بِالْآيَاتِ الْبَيِّنَات عَلَى أَمْره وَصِدْقه وَحَقِّيَّة نُبُوَّته .
 
{92} وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ
يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمْ : ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْل مِنْ بَعْد مُوسَى إلَهًا , فَالْهَاء الَّتِي فِي قَوْله : " مِنْ بَعْده " مِنْ ذِكْر مُوسَى . وَإِنَّمَا قَالَ : " مِنْ بَعْد مُوسَى " , لِأَنَّهُمْ اتَّخَذُوا الْعِجْل مِنْ بَعْد أَنْ فَارَقَهُمْ مُوسَى مَاضِيًا إلَى رَبّه لِمَوْعِدِهِ , عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا . وَقَدْ يَجُوز أَنْ تَكُون " الْهَاء " الَّتِي فِي " بَعْده " إلَى ذِكْر الْمَجِيء , فَيَكُون تَأْوِيل الْكَلَام حِينَئِذٍ : وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْل مِنْ بَعْد مَجِيء الْبَيِّنَات وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ , كَمَا تَقُول : جِئْتنِي فَكَرِهْته ; يَعْنِي كَرِهْت مَجِيئُك .
 
{92} وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ
وَأَمَّا قَوْله : { وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّكُمْ فَعَلْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ مِنْ عِبَادَة الْعِجْل , وَلَيْسَ ذَلِكَ لَكُمْ وَعَبَدْتُمْ غَيْر الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ ; لِأَنَّ الْعِبَادَة لَا تَنْبَغِي لِغَيْرِ اللَّه . وَهَذَا تَوْبِيخ مِنْ اللَّه لِلْيَهُودِ , وَتَعْيِير مِنْهُ لَهُمْ , وَإِخْبَار مِنْهُ لَهُمْ أَنَّهُمْ إذَا كَانُوا فَعَلُوا مَا فَعَلُوا مِنْ اتِّخَاذ الْعِجْل إلَهًا وَهُوَ لَا يَمْلِك لَهُمْ ضُرًّا وَلَا نَفْعًا , بَعْد الَّذِي عَلِمُوا أَنَّ رَبّهمْ هُوَ الرَّبّ الَّذِي يَفْعَل مِنْ الْأَعَاجِيب وَبَدَائِع الْأَفْعَال مَا أَجْرَاهُ عَلَى يَدَيْ مُوسَى صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ مِنْ الْأُمُور الَّتِي لَا يَقْدِر عَلَيْهَا أَحَد مِنْ خَلْق اللَّه , وَلَمْ يَقْدِر عَلَيْهَا فِرْعَوْن وَجُنْده مَعَ بَطْشه وَكَثْرَة أَتْبَاعه , وَقُرْب عَهْدهمْ بِمَا عَايَنُوا مِنْ عَجَائِب حُكْم اللَّه ; فَهُمْ إلَى تَكْذِيب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجُحُود مَا فِي كُتُبهمْ الَّتِي زَعَمُوا أَنَّهُمْ بِهَا مُؤْمِنُونَ مِنْ صِفَته وَنَعْته مَعَ بُعْد مَا بَيْنهمْ وَبَيْن عَهْد مُوسَى مِنْ الْمُدَّة أَسْرَع , وَإِلَى التَّكْذِيب بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ مُوسَى مِنْ ذَلِكَ أَقْرَب .
 
{93} وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقكُمْ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقكُمْ } . وَاذْكُرُوا إذْ أَخَذْنَا عُهُودكُمْ بِأَنْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ مِنْ التَّوْرَاة الَّتِي أَنَزَلْتهَا إلَيْكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا مِنْ أَمْرِي , وَتَنْتَهُوا عَمَّا نَهَيْتُكُمْ فِيهَا بِجِدٍّ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ وَنَشَاط , فَأُعْطِيتُمْ عَلَى الْعَمَل بِذَلِكَ مِيثَاقكُمْ , إذْ رَفَعْنَا فَوْقكُمْ الْجَبَل .
 
{93} وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
أَمَّا قَوْله : { وَاسْمَعُوا } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : وَاسْمَعُوا مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ , وَتَقْبَلُوهُ بِالطَّاعَةِ ; كَقَوْلِ الرَّجُل لِلرَّجُلِ يَأْمُرهُ بِالْأَمْرِ : سَمِعْت وَأَطَعْت , يَعْنِي بِذَلِكَ : سَمِعْت قَوْلك وَأَطَعْت أَمْرك . كَمَا قَالَ الرَّاجِز : السَّمْع وَالطَّاعَة وَالتَّسْلِيم خَيْر وَأَعْفَى لِبَنِي تَمِيم يَعْنِي بِقَوْلِهِ السَّمْع : قَبُول مَا يَسْمَع وَالطَّاعَة لِمَا يُؤْمَر . فَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْله : { وَاسْمَعُوا } اقْبَلُوا مَا سَمِعْتُمْ وَاعْمَلُوا بِهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَمَعْنَى الْآيَة : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقكُمْ أَنْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ , وَاعْمَلُوا بِمَا سَمِعْتُمْ , وَأَطِيعُوا اللَّه , وَرَفَعْنَا فَوْقكُمْ الطُّور مِنْ أَجْل ذَلِكَ .
 
{93} وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
وَأَمَّا قَوْله : { قَالُوا سَمِعْنَا } فَإِنَّ الْكَلَام خَرَجَ مَخْرَج الْخَبَر عَنْ الْغَائِب بَعْد أَنْ كَانَ الِابْتِدَاء بِالْخِطَابِ , فَإِنَّ ذَلِكَ كَمَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ ابْتِدَاء الْكَلَام إذَا كَانَ حِكَايَة فَالْعَرَب تُخَاطِب فِيهِ ثُمَّ تَعُود فِيهِ إلَى الْخَبَر عَنْ الْغَائِب وَتُخْبِر عَنْ الْغَائِب ثُمَّ تُخَاطِب كَمَا بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْل . فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَة ; لِأَنَّ قَوْله : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقكُمْ } بِمَعْنَى : قُلْنَا لَكُمْ فَأَجَبْتُمُونَا . وَأَمَّا قَوْله : { قَالُوا سَمِعْنَا } فَإِنَّهُ خَبَر مِنْ اللَّه عَنْ الْيَهُود الَّذِينَ أَخَذَ مِيثَاقهمْ أَنْ يَعْمَلُوا بِمَا فِي التَّوْرَاة وَأَنْ يُطِيعُوا اللَّه فِيمَا يَسْمَعُونَ مِنْهَا أَنَّهُمْ قَالُوا حِين قِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ : سَمِعْنَا قَوْلك وَعَصَيْنَا أَمْرك .
 
{93} وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبهمْ الْعِجْل بِكُفْرِهِمْ } . اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبهمْ حُبّ الْعِجْل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1290 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : ثنا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ : { وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبهمْ الْعِجْل } قَالَ : أُشْرِبُوا حُبّه حَتَّى خَلَصَ ذَلِكَ إلَى قُلُوبهمْ . 1291 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا آدَم , قَالَ : ثنا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبهمْ الْعِجْل } قَالَ : أُشْرِبُوا حُبّ الْعِجْل بِكُفْرِهِمْ . 1292 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبهمْ الْعِجْل } قَالَ : أُشْرِبُوا حُبّ الْعِجْل فِي قُلُوبهمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ سُقُوا الْمَاء الَّذِي ذُرِيَ فِيهِ سِحَالَة الْعِجْل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 1293 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : لَمَّا رَجَعَ مُوسَى إلَى قَوْمه أَخَذَ الْعِجْل الَّذِي وَجَدَهُمْ عَاكِفِينَ عَلَيْهِ فَذَبَحَهُ , ثُمَّ حَرَّقَهُ بِالْمِبْرَدِ , ثُمَّ ذَرَّاهُ فِي الْيَمّ , فَلَمْ يَبْقَ بَحْر يَوْمئِذٍ يَجْرِي إلَّا وَقَعَ فِيهِ شَيْء مِنْهُ . ثُمَّ قَالَ لَهُمْ مُوسَى : اشْرَبُوا مِنْهُ ! فَشَرِبُوا مِنْهُ , فَمَنْ كَانَ يُحِبّهُ خَرَجَ عَلَى شَارِبه الذَّهَب ; فَذَلِكَ حِين يَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبهمْ الْعِجْل بِكُفْرِهِمْ } . 1294 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : لَمَّا سُحِلَ فَأُلْقِيَ فِي الْيَمّ اسْتَقْبَلُوا جِرْيَة الْمَاء , فَشَرِبُوا حَتَّى مَلِئُوا بُطُونهمْ , فَأَوْرَثَ ذَلِكَ مِنْ فِعْله مِنْهُمْ جُبْنًا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْت بِقَوْلِ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبهمْ الْعِجْل } تَأْوِيل مَنْ قَالَ : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبهمْ حُبّ الْعِجْل ; لِأَنَّ الْمَاء لَا يُقَال مِنْهُ : أُشْرِب فُلَان فِي قَلْبه , وَإِنَّمَا يُقَال ذَلِكَ فِي حُبّ الشَّيْء , فَيُقَال مِنْهُ : أُشْرِبَ قَلْب فُلَان حُبّ كَذَا , بِمَعْنَى سُقِيَ ذَلِكَ حَتَّى غَلَبَ عَلَيْهِ وَخَالَطَ قَلْبه ; كَمَا قَالَ زُهَيْر : فَصَحَوْت عَنْهَا بَعْد حُبّ دَاخِل وَالْحُبّ يُشْرِبهُ فُؤَادك دَاء قَالَ : وَلَكِنَّهُ تَرَكَ ذِكْر الْحُبّ اكْتِفَاء بِفَهْمِ السَّامِع لِمَعْنَى الْكَلَام , إذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْعِجْل لَا يُشْرِب الْقَلْب , وَأَنَّ الَّذِي يُشْرِب الْقَلْب مِنْهُ حُبّه , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَة الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَة الْبَحْر } 7 163 { وَاسْأَلْ الْقَرْيَة الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِير الَّتِي أَقَبْلنَا فِيهَا } 12 82 وَكَمَا قَالَ الشَّاعِر : أَلَا إنَّنِي سُقِّيتُ أَسْوَد حَالِكًا أَلَا بَجَلِي مِنْ الشَّرَاب أَلَا بَجَل يَعْنِي بِذَلِكَ سُمًّا أَسْوَد , فَاكْتَفَى بِذِكْرِ أَسْوَد عَنْ ذِكْر السُّمّ لِمَعْرِفَةِ السَّامِع مَعْنَى مَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ : " سُقِّيتُ أَسْوَد " , وَيُرْوَى : أَلَا إنَّنِي سُقِّيتُ أَسْوَد سَالِخًا وَقَدْ تَقُول الْعَرَب : إذَا سَرَّك أَنْ تَنْظُر إلَى السَّخَاء فَانْظُرْ إلَى هَرَم أَوْ إلَى حَاتِم , فَتَجْتَزِئ بِذِكْرِ الِاسْم مِنْ ذِكْر فِعْله إذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِشَجَاعَةٍ أَوْ سَخَاء أَوْ مَا أَشَبَه ذَلِكَ مِنْ الصِّفَات . وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : يَقُولُونَ جَاهِدْ يَا جَمِيل بِغَزْوَةٍ وَإِنَّ جِهَادًا طَيِّء وَقِتَالهَا
 
{93} وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُركُمْ بِهِ إيمَانكُمْ } . يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِيَهُودِ بَنِي إسْرَائِيل : بِئْسَ الشَّيْء يَأْمُركُمْ بِهِ إيمَانكُمْ إنْ كَانَ يَأْمُركُمْ بِقَتْلِ أَنْبِيَاء اللَّه وَرُسُله , وَالتَّكْذِيب بِكُتُبِهِ , وَجُحُود مَا جَاءَ مِنْ عِنْده . وَمَعْنَى إيمَانهمْ تَصْدِيقهمْ الَّذِي زَعَمُوا أَنَّهُمْ بِهِ مُصَدِّقُونَ مِنْ كِتَاب اللَّه , إذْ قِيلَ لَهُمْ : آمِنُوا بِمَا أَنَزَلَ اللَّه , فَقَالُوا : نُؤْمِن بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا .
 
{93} وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
وَقَوْله : { إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } أَيْ إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ كَمَا زَعَمْتُمْ بِمَا أَنَزَلَ اللَّه عَلَيْكُمْ . وَإِنَّمَا كَذَّبَهُمْ اللَّه بِذَلِكَ لِأَنَّ التَّوْرَاة تَنْهَى عَنْ ذَلِكَ كُلّه وَتَأْمُر بِخِلَافِهِ , فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ تَصْدِيقهمْ بِالتَّوْرَاةِ إنْ كَانَ يَأْمُرهُمْ بِذَلِكَ فَبِئْسَ الْأَمْر تَأْمُر بِهِ . وَإِنَّمَا ذَلِكَ نَفْي مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْ التَّوْرَاة أَنْ تَكُون تَأْمُر بِشَيْءٍ مِمَّا يَكْرَههُ اللَّه مِنْ أَفْعَالهمْ , وَأَنْ يَكُون التَّصْدِيق بِهَا يَدُلّ عَلَى شَيْء مِنْ مُخَالَفَة أَمْر اللَّه , وَإِعْلَام مِنْهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ الَّذِي يَأْمُرهُمْ بِذَلِكَ أَهْوَاؤُهُمْ , وَاَلَّذِي يَحْمِلهُمْ عَلَيْهِ الْبَغْي وَالْعُدْوَان .

المراجع

موقع الإسلام, تفسير القرآن الكريم

التصانيف

تفسير القرآن الكريم