أ حسن عبد الحميد
صحفي و كاتب سوداني
مجال الدعوة إلى الله تعالى ـ بمعناه الواسع ـ مجال رحب فسيح يجد العاملون فيه راحة لا يجدها أصحاب الامتيازات المادية الأخرى التي يقيس بها أصحاب الدنيا عادة من يظنونهم سعداء مغبونون على نِعم ظاهرة كثيرة كالمال والنفوذ والشهرة.. وكل هذا لايغني عن صاحبه شيئا ولا يحقق سعادة حقيقية إذا تجرد أهله من الارتباط بالله تعالى والعيش في كنف الدعوة الإسلامية المباركة.
تذكرت هذه المعاني حينما اتصل بي أحد الشباب من العاملين في حقل الدعوة الإسلامية الأسبوع الماضي يطلب مني الاتصال بأحد المشايخ ليقدم لهم محاضرة في أسبوع يعتزمون تنظيمه بمناسبة قدوم شهر رمضان المبارك، فأجبته إلى مقصده ونفّذت ما طلبه مني، وتحمّست لمساعدته لأني أعلم أنهم مجموعة من الشباب التقوا على طريق الدعوة إلى الله تعالى في غير أنساب بينهم ولا أغراض مما تعارف عليه الناس من أمور الدنيا، كما أعلم أنهم يؤدون مثل هذه الأعمال على مستوى العام كله لا في موسم رمضان فحسب، لايطلبون من أحد مالاً ولا يقدمون لمن يستجيب لهم أجراً ـ إلا ابتغاء مرضاة الله تعالى ـ وهذا هو ديدنهم كل العام ولا نزكيهم على الله تعالى وهو حسيبهم سبحانه.
وحقل الدعوة إلى الله تعالى تعمل فيه عدة مدارس وتسعى في مضماره مختلف الأساليب، لكن ثلة الشباب الذين ذكرتهم آنفا ينتمون إلى مدرسة لا تكتفي بمجرد الوعظ والإرشاد العام فقط كالمدرسة التي شعارها (قل كلمتك وامض)، وإنما يسعون لمرحلة أخرى بعد مرحلة التعريف والإرشاد إلى مرحلة التكوين والإعداد، وهي مرحلة تنبني على المرحلة الأولى ولا تكتفِ بها، والفكرة وراء ذلك أن مجرد المعرفة والعلم لا تفيد صاحبها ما لم يتبعه عمل وسلوك، والتنظيم يُعتبر أحد سمات عالمنا المعاصر، فلا بد من تنظيم الصفوف وتوحيد الجهود وفق خطوات مرسومة ومراحل محسوبة، حيث تأتي المرحلة التالية وهي مرحلة الجهاد واستفراغ الوسع لمجابهة الباطل وفق الحدود الشرعية إحقاقا للحق وإبطالا للباطل، بلا حماس أهوج، أو تصرفات متهورة تضر أكثر مما تُصلح.
وعودة إلى موضوع العيش في كنف الدعوة الإسلامية بآفاقها الرحبة ومضاميرها الواسعة، نجد أن الداعية من هذا النوع لا تحده حدود الوطن أو القبيلة أو المنطقة، ولا تقيده قيود المال أو النفوذ أو الإمكانات إياَ كان قدرها، وهم أسعد الناس بسعيهم هذا وجهودهم تلك، وتلك هي الحياة الحقيقية، والفرق بين الحياتين: حياة الشقاء والضنك، وحياة السعادة والهدى، محسوم في القرآن الكريم وهذا المقياس منذ بدء الحياة البشرية على ظهر هذا الكوكب، كما في قوله تعالى في سورة طه: (قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولايشقى
- ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى* قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصير* قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تُنسى)
المراجع
شبكة المشكاة الاسلامية
التصانيف
تصنيف :عقيدة