في مساء شباطي شاحب قد بدأ فيه البرد اللاسع بادخال الناس جبرا ًالى بيوتهم ذات النسيج القصبي المتقن ليبدأوا بأيقاد المدافئ يدوية الصـنع التي كانت معروفة بـين ظهرانيهم بـ(الجانون) حيث بقايا الخشب المتفحم تشع دفئا ًلطيفا ًمما يخلق جوا ًمشجعا ًلنوم ٍعميق،خرج فيه ذلك الرجل الذي طوى من سلسلة عمره المليئ بالمتاعب الخمسون سنة كان ذي قامة قصيرة وبسحنة سمراء داكنة مرتديا ًالثوب التقليدي الريفي الذي يعرف بـ(الدشداشة) وقد عقد طرفها السفلي بحزام ملابسه الداخلية كاشفا ًعن ساقيه ومحيطا ًرأسه بخرقة كأنها هالة حمراء تدعى (الجفية) بدى عليها القدم وتحول لونها الأحمرالمرصع بالبياض الى الـــوردي الباهت فأنها لازالت تطاوعه رغم مرور السنوات الأربع على شرائها،كان متجها ًصوب أجمات القصب الممتدة مع الأفق كسورالصين العظيم والتي تترائى أطرافها العليا كرؤوس الرماح في مقدمة الجيوش المصطفة للحرب،قطع مسافة ليست بالقليلة حتى وصل الى ستار ٍمتراص من القصب والبردي كان مسموحا ً له بالمرور لأنه قد علم خريطة ذلك الهـــور كما يعلم خريطة بيته المتواضع والمصنوع من ذلك القصـــب أيضا ًشمرعن ساعديه وبدأ بالـمرور من بين تلك الممرات الضيقة بقاربه النحيف الــــذي أعِدّ ليقِل فردا ًواحــدا ًوهو جالس تلك الجِلسة الخاصة لركوب ذلك النوع من القوارب وهو يتمايل به وكانه الريشة وسط العاصفة الهيجاء.
كــــــانت على يمينه ويساره تُعزف سمفونيات متناغمة مع بعضها أبتدعتها تلك المخلوقات بغرزة ٍفنية ٍخاصة وتهرب من أمام قاربه أحــــياء مختلفة متفاجئة بمـجيئ هذا الغريب في هذا الزمان ذي البــرد القارص، ترآئت له ظآلته التي ما أنفك عـن الأرتياد أليها لليوم الثالث على التوالي محاولا ًأكتساب ثقة الطــيور فهو ينثر حـــــبوب الحِنطة بسخاء يومــا بعد يوم،وصل لـ(الدوشة) التي هي مصـــيدة لصيد الطيور المهاجرة الى ريف الجنوب تتكون من شباك صيد للأسماك الصغيرة وقضبان خشبية وحبال لتكون منضومة صيد ٍداخل بركة ٍضـــحلة من الــماء،ويُمد الحبل الذي أتخذ من قاع البركة مخبأ ً له مسافة خمسون متر تقريبا ًوهو بمثابة آلة التحكم عن بُعد حيث أقام له كوخا ًصــــغيرا ًجدا ًكان عليه أن يمتد فيه بصورة أفقية كأنه يتحسس نبضات أمه ُالأرض وصل الى بيته الجديد وبدأ يلملم أضلاعـه ليفسح مجالا ً لقوري الشاي وموقد الفحم الصغيرلأنه أعتاد أن يقضي تلك الليالي مع رفيقه الدائم (الشاي) الذي أمتزج أدمانه عليه مــــع السيجارة خصوصا ًفي هذه الليالي الموحشة والمتشحة بسواد ذلك الليل الشتوي البهيم؛ يجب عليه أن يُشعر الطيور بالأمان التـام وحتى انفاسه يجب ان يتنبه لزفراتها وألآ فلن يحصل ألا على شباكه وعصيه والويل والثبور من زوجته وصغاره الثمانية وحينما أرخى الليل سدوله وأزدادت العتمة الممزوجة مع أصوات الكائنات الساكنة من حوله وكأنه أقحم نفسه في عالما ً أثيريا ًفهو لايرى حتى راحة يده سوى خيوطا ًرفيعة من النارالتي تدب في بواطن تلك القضبان المعدودة من الفحم التي توسدها أبريق الشــــــــاي الذي لا يقل ســـــــوادا ًعن ذلك اللــــيل الـــذي حجـــبت غــيومه هالة القـــــمر وشعشعة النجوم أشتد البـــرد وبدا الصقيع يحتل بيته وأطرافه.
دق ناقوس السيجارة مرة أخرى بعد أن أودع رأتيه أربــعا ً منها أخرجها بصمت مطبق ملقحا ًأياها من موقد الفحم الذي أستفحلت فيه تلك الخيوط النارية الرفيعة بعد نفخات ٍمتتالية تنفس ًمنها ما يشفي غليله مع رشفات من الشاي ،تمسك بالحبل جيدا ًمفرغا ًرجفات البرد التي تهزه كالسعفة بذلك الحبل الذي ما أنفك ممـسكا ًأياه بيديه آملا بصعود الطيور وسط بساطه المفروش وسط الهورالمترامي الأطراف، كانت الطيور حساسة جدا ًلأي حركة غريبة أو صوت غريب في ذلك المكان الذي فضلتة على كل بقع العالم لأجل الهدوء والسكينة المحيطة به،أنتصف الليل وهو صامت ٌساكنٌ، مرتجف، منتظر، بدأ صياح الطيور يقترب الى حبات القمح التي غطت تلك البقعة ،ســاعات الليل أخذت بالتناقــص وولادة الفجر الجديد بدات تتمخض وإذا قطع الشك باليقين عليه أن يسحب الحبل بقوة ٍ كبيرة لأن الصقيع قـــد بنى على ذلك الحبل بنيانه وعده من أفراد الهور،يجب أن تكون قوة الحدس فعالة عنده لكي يتأكد في هذا الضـــلام الدامس.
أن الطيور قد صعدت قلب مصيدته، بعد صبر ٍطويل وفراسة فطرية أتخذ قراره تفآجأ القصــــــب والبردي وكائنات الهور بوجوده الذي تحدى فيه الشتاء وصقيعه والليل وظلمته والخوف وأوهامه سحب الحبل سحبة قوية تناثرت بلورات الثلج عن جانبي الحبل كالزجاج المكسور تعالت صيحات الطيور وشهقت إلى السماء سحابة من تلك الطيور وهي فزعة من أرجاء مختلفة وقام حينها من سجنه الليلي مخرجا ً سكينا ً حادة كان قد غرسها بقربه، حمد الله وأثنى عليه، كان العدد جيدا ًكان قد ناهز الثلاثين بدأ بالذبح حتى وصـــــل للطيرين الأخيرين لم يذبحهما بل أخرج من جيبه خيطا ًوربطهما مع بعض منفذا ًبذلك وعدا ًأعطاه لأبنته الصغيرة،عاد الى بيته ووجهه الذي لم يرى النوم طوآل الليل مبتشراً وهـو يلوح بالطيرين الحيين لطفلته العزيزة طاويا ًًيوما ً آخر من عـــمره الذي ألِف الهور والزراعه والصيد لا غير.
المراجع
alnoor.se
التصانيف
قصص مجتمع قصة