ذكرنا أن أركان منهج الاستدلال أربعة وهي: الدليل والمستدل والاستدلال والمستدل عليه، وهذا البحث الموجز محاولة لتقريب قواعد منهج الاستدلال لطلبة العلم والمتفقهين ليقفوا على أهمية هذا الباب في الاستدلال وبناء الأحكام، وللتوقي من المناهج المنحرفة وما ترتب على ذلك من شذوذ وأحكام غير سديدة.

ونستكمل فيما يلي ما بدأناه من حلقات وبيان أفعال الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
- القسم الثالث: الترك بيانا لمجمل:
مثل ترك الإحلال من العمرة وقال: "لا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله" امتثالا لقوله - تعالى -: (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله) فتبين بهذا حكم من ساق الهدي، ومنه ترك الصلاة على المنافقين امتثالاً لقوله - عز وجل -: (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا).
- القسم الرابع: الترك المجرد:
وهو الذي ليس من الأقسام السابقة، فما علمنا حكمه في حقه - صلى الله عليه وسلم - بقوله أو باستنباط فنحن نتأسى به مثل كونه - صلى الله عليه وسلم - لا يصافح النساء ولم يكن ينتقم لنفسه - صلى الله عليه وسلم -، وأما ما لم نعلم حكمه في حقه - صلى الله عليه وسلم -:
ـ فما ظهر منه أنه تركه تعبدا نحمله على الكراهة في حقه وحقنا، كتركه - صلى الله عليه وسلم - رد السلام على غير طهارة حتى تيمم.
ـ وما لم يظهر فيه ذلك نحمله على أنه من ترك المباح مثل تركه - صلى الله عليه وسلم - للانتعال أحيانا
- القسم الخامس: ما تركه لسبب:
كان - صلى الله عليه وسلم - كثيرا ما يترك بعض الأفعال لسبب قائم لولاه لفعل ذلك الأمر، ومقتضى هذا أن يكون حكمنا كحكمه - صلى الله عليه وسلم - حال وجود السبب فإذا زال السبب زال الحكم ورجع الأصل، فمن هذه الأسباب:
السبب الأول: ترك الفعل خشية أن يفرض على الأمة: كما قالت عائشة - رضي الله عنه -: إن كان - صلى الله عليه وسلم - ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يفرض به الناس فيفرض عليهم، ومنه أنه - صلى الله عليه وسلم - ترك قيام رمضان جماعة بعد أن قام بهم ليلتين أو ثلاثا ثم قال: "إنه لم يخف عليّ مكانكم ولكن خشيت أن تفرض عليكم"، فلما زالت هذه الخشية بوفاته - صلى الله عليه وسلم - جمع عمر - رضي الله عنه - الناس في المسجد.
السبب الثاني: ترك العمل خشية أن يظن بعضهم أنه واجب: ومنه أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يتوضأ لكل صلاة استحبابا وقد ترك ذلك يوم فتح مكة فصلى الصلوات كلها بوضوء واحد فلما سأله عمر قال: "عمدا فعلته يا عمر" قال الطحاوي: ويحتمل أنه كان يفعله استحبابا ثم خشي أن يظن وجوبه فتركه لبيان الجواز قال ابن حجر: وهذا أقرب.
ويسن الاقتداء به - صلى الله عليه وسلم - في هذا النوع من الترك إذا كان الشخص ممن يقتدى به من العلماء والكبراء إذا توهم بعض الحاضرين شيئا من ذلك.
السبب الثالث: ترك الفعل لأجل المشقة التي تلحق الأمة: كتركه - صلى الله عليه وسلم - الرمل في الأشواط الأربعة الأخيرة من الطواف كما قال ابن عباس: ولم يمنعه من الرمل الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم.
السبب الرابع: ترك العمل خشية وقوع مفسدة أعظم: كقوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة: لولا أن قومك حديث عهدهم بكفر لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين باب يدخل منه الناس وباب يخرجون.
السبب الخامس: الترك على سبيل العقوبة: كتركه الصلاة على المدين.
السبب السادس: الترك لمانع شرعي: كترك المبادرة لقضاء صلاة الفجر لما ناموا عنها، واقتادوا دوابهم حتى خرجوا من الوادي؛ لأن ذلك الموضع حضر فيه الشيطان. -أفعال الرسول - صلى الله عليه وسلم - د. محمد الأشقر 2/ 47-65 باختصار وتصرف-
- دلالة تركه - صلى الله عليه وسلم -:
قال الشافعي: ولكنا نتبع السنة فعلا أو تركا، ومعنى ذلك أن ما تركه الرسول - صلى الله عليه وسلم - سنة كما أن ما فعله سنة، فسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - كما تكون بالفعل تكون بالترك، وكما كلفنا الله - تعالى -باتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - في فعله الذي يتقرب به إذا لم يكن من باب الخصوصيات، كذلك أمرنا باتباعه - صلى الله عليه وسلم - في تركه، فيكون الترك سنة والفعل سنة، وكما لا نتقرب إلى الله - تعالى -بترك ما فعل لا نتقرب إليه بفعل ما ترك، فالفاعل لما ترك كالتارك لما فعل ولا فرق بينهما،
وشرط العمل بهذا الأصل هو أن يترك النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل شئ في زمانه مع وجود المقتضي للفعل وعدم المانع منه، ومثال ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك أخذ الزكاة من الخضروات والبقول مع وجود المقتضي لذلك وعدم المانع منه.

المراجع

موسوعة " المختار الأسلامي "

التصانيف

تصنيف :عقيدة