|
تربَّعَ الثلجُ على قمّةً الجبل ، وألقى نظرةً إلى الأراضي الواطئة ، ثم ضحكَ مغروراً ، وقال:
- أنا فوق الجميع:
نادَتْهُ رَبْوةّ قريبة:
- أيُّها الثلجُ العظيم ، إنني ظامئة فأغثْني .
- لن أغادر القمة ، فابحثي عن غيري .
- في جوفي بذورّ صغيرة ، ستموتُ من العطش .
- فلْتمتْ
- إذا ماتَتْ سيموتُ الربيع.
- فلْيمتْ .
حزنتً الربوةُ كثيراً ، فقال لها النهرُ الطيّبُ:
- لا تحزني أيتها الربوة الصغيرة ، سأمنحك مياهي ، حتى آخرً قطرة.
فرحَتْ الربوةُ ، وبدأَتْ ترشفُ من النهر ، وتُرضعُ بذورها الصغيرة.
بعد أيام..
قلّتْ مياهُ النهر ، وكاد يجفُّ ويموتُ ، فذهبَ إلى الثلج ، وقال:
- أيها الثلجُ الجليل ، لقد شحّتْ مياهي ، فجئْتُ طالباً عَوْنك .
- ولمَ تطلبُ العَوْنَ منًّي؟،
- لأنّكَ قريبي
- كيف؟،
- أنتَ ماءّ ، وأنا ماء
- لا أشبهكَ ، ولا تشبهني ، فابتعدْ عنّي. انصرف النهرُ يائساً حزيناً..
سمعَتً الشمسُ حوارهما ، فغضبَتْ من غرور الثلج ، وزفرَتْ زفرةً حارة ، ثم سلّطَتْ أشعتها الحامية على الثلج ، فأخذ يذوبُ شيئاً فشيئاً ، ليرجعَ ماءً ، كما كان ، فقال مدهوشاً:
- يا للعجب.. إنني أتحوّلُ إلى ماء،
استمرّ الثلجُ يسيل ، قطرات تتبعها قطرات ، كأنها دموع غزيرة ، يذرفها الثلج ، وهو ينسحب من القمة ، وينزل رويداً رويداً.. وحينما وصل إلى الأراضي الواطئة ، ساحَ في كلّ اتجاه ، هائماً على وجهه ، لا يدري أين يستقرُّ ، فهرع إلى النهر الطيّبً ، واستنجدَ به ليؤويه ، فقال النهر:
- أهلاً بكَ يا عزيزي:
وسرعان ما احتضنه بين ضفّتيهً ، فاتّحدَ ماءُ النهر ، وماءُ الثلج..
وسار النهرُ دفّاقاً غزيراً.
يجودُ بمائهً ، وهو طروب.
فارتوتً الربوةُ ، وارتوى السهل.
ونَمَتً البذورُ ، واستطالَتْ سوقها
ثم ودَّعَتْ جوفَ الأرض ، وخرجَتْ إلى النور.
فوُلًدَ الربيع.. جنَّة ألوانْ وعطور.. |