رنّّ جرسُ المدرسة، وانطلقَ التلاميذُ إلى الباحة، يركضون ويلعبون، يضحكون ويصرخون.. وظلّ أحمدُ في الصفِّ، يرتِّبُ كتبَهُ، وأصواتُ زملائه، تملأُ أذنيه..‏

وفجأة.‏

انقطعَتِ الحركةُ والأصوات‏

قال أحمد مدهوشاً:‏

-أمرٌ عجيب.. ماذا حدث؟‏

خرج مسرعاً، ليعرفَ السبب..‏

شاهد التلاميذَ مجتمعين، يمدُّون عيونهم إلى باب الإدارة..‏

انضمّ أحمدُ إليهم، ينظر حيثما ينظرون.‏

رأى رجلاً غريباً، يلبس رداءً أبيض .‏

-مَنْ هذا؟‏

-طبيبٌ من المدينة .‏

-ولمَ جاء إلى مدرستنا؟‏

-ليضربَ التلاميذَ بالإبر‏

-لماذا؟‏

-يقولون إنها لقاح ضدّ المرض .‏

-أيّ مرض؟‏

-لا نعرف اسمه.‏

صمَتَ أحمدُ، وأخذ يراقبُ الطبيبَ، فرآه يجهِّزُ الإبرة .‏

خاف أحمد من وخزها، وأضمر في نفسه أمراً.‏

صفّ المعلّمُ التلاميذَ. وجعلوا يتقدّمون إلى الطبيب، واحداً إثر آخر..‏

كان أحمد مختبئاً، يحبس أنفاسه، ويسترق السمعَ، فلا يصلُهُ إلا أصواتٌ خافتة، وكلماتٌ غامضة.‏

مكث صامتاً يترقّب..‏

وأفلتَ التلاميذُ، وتعالتِ الأصوات، و.. أخرجَ أحمدُ رأسَهُ، ونظر مستطلعاً.. لقد انصرف الطبيب، وانتهى كلُّ شيء.‏

نهض أحمد فرحاً، يقول في نفسه:‏

-لم يدرِ بي أحد‏

واختلط برفاقه، يستمع إلى حوارهم..‏

-كنتُ خائفاً من الإبرة‏

-ولمَ الخوف؟.. إنها مثلُ وخزةِ الشوكة‏

-هل تؤلمك الآن؟‏

-لم أتألّمْ غيرَ دقيقة .‏

-ظننْتُ أنه سيأخذ ثمن الإبرة .‏

-ليس معنا قرش واحد‏

-أخذناها مجاناً وانتهينا .‏

-وماذا ستفيدنا؟‏

-إنها تقي أجسامنا من المرض .‏

سمع أحمد هذا الكلام، فخجل من جبنه، وندم على هروبه، ولكنّ الندمَ لا يفيد، فبعد أيام، أصابه المرض، فانقطع عن المدرسة، ولبث في البيت..‏

قال والده، وهو يلمس جبينه:‏

-لم ينتفعْ باللقاح اللعين‏

وقالت والدته، وهي محزونة:‏

-يجب أنْ نأخذَهُ إلى الطبيب.‏

-لا أملكُ إلا عشرين ليرة .‏

-وأنا معي ثلاث عشرة ليرة .‏

وقالت أخته الصغيرة:‏

-وأنا معي خمس ليرات .‏

قال الأب:‏

-لا حولَ ولا قوّة إلا بالله.‏

وقال أحمد في سرّه:‏

-لقد تعلّمْتُ درساً لن أنساه..‏

الألم القليل قد يُنتجُ راحةً كبيرة .‏

والمعلِّمُ هذه المرّة هو: إبرة الطبيب‏


المراجع

موقع مملكة القصص الواقعية

التصانيف

قصص الأطفال