في الحقيقة لا أريد أن يقرأ قصتي هذه أحدٌ من الكبار، فأنا أعرفهم جميعاً، إنهم غريبون جداً، فهم عبوسون لا يضحكون إلا عند الضرورة، ويكرهون أن يروا الأطفال يلعبون ويضحكون كما يحلو لهم.‏

وأنا حتى الآن، وقد صرتُ على حدود السنة التاسعة من عمري، لكني لا أفهم لماذا يمنعني الكبار من عمل ما أحبّه وهذا يزعجني جداً... جداً.‏

فمثلاً إذا امتدت يدي إلى أحد الرفوف لأعرف ما فوقه، وقبل أن تصله يدي أسمعهم يهتفون بي: يا ولد انزل، ماذا تفعل عندك؟‏

أعد الكرسي كما كان.....‏

فأسرع لأعيد الكرسي الثقيل بعد أن تعبت في سحبه. وليت هذا وحده يحدث، فأنا كلما جلست أمام التلفاز لأشاهد أفلام الرسوم المتحركة التي أحبّها، تبدأ الأصوات تصل إلي بسرعة الريح: حسام، حبيبي، ألا يكفيك ما شاهدت؟‏

أو: كفاك هذا اليوم يا حسام، هيا لتكمل دراستك....‏

وانهض متثاقلاً إلى كتبي، فأرى((توم)) يسخر مني ويهزأ وهو يمدّ لي لسانه الأحمر مثل قطعة من اللفت المخلل وكأنه يقول: حسام عد إلى التلفاز لترى كيف سأغلب((جيري)) الفأر الشقي، وأنتقم منه، وأهمّ أن أسرع ملبيّاً لكن صوت أمي يعيدني إلى انتباهي من جديد:‏

هل بدأت تدرس؟ فأقول: نعم يا أمي، بدأتُ منذ زمن، هل تريدين أن تَري بنفسك؟‏

- نعم بعد قليل، ريثما أتمّ تنظيف الصحون وترتيب المطبخ.‏

أنتم تعرفون كم أحبّ مشاهدة أفلام الرسوم المتحركة، فأنا أعتبر شخصياتها أصدقائي، وهم يعرفونني مثلما أعرفهم، لذلك فأنا أجلس أمام التلفاز، وأضع كتبي إلى جانبي وبالقرب منها دفاتري وأقلامي، فإذا كان أبي يقرأ صحيفة كالمعتاد بعد عودته من العمل، انظر إليه وأعجب كيف إنه يجلس بهدوء تام كل هذه الفترة، منشغلاً تماماً بهذه الصحيفة التي لا يملّ من قراءتها.. فأسأله:‏

بابا، متى تبدأ الرسوم المتحركة؟ فيجيبني دون أن ينظر إلي: اكتب واجباتك الآن. لكنني ألحّ: بابا، يعني نصف ساعة، صحيح؟‏

- نعم، اكتب يا بني‏

- افتحُ الكتاب، وأنظر إلى صفحاته، فأرى الكلمات المكتوبة مثلما ودّعتها بالأمس، لا تزال تبتسم... وأقرأ بصوت مسموع: الدرس قراءة... في السوق...‏

"ذهب محمد وأخته هيفاء إلى السوق. كان الوقت صباحاً، والشارع مزدحماً بالمارّة والدواب، ويرتفع صوتي أكثر، لكن أبي يقاطعني:‏

حسام... ألا ترى أنني أقرأ؟ أخفض صوتك يا بني...‏

- نعم أبي... ثم أعود لأسأل سريعاً: بابا، ما معنى كلمة دواب؟‏

- تعني كل الحيوانات التي تدبّ، أي تسير على أربع مثل الخيول والحمير...‏

- لكن أليست هذه هي المواشي؟‏

لا المواشي هي الأغنام والماعز، وما شابه.‏

- أف، ما أصعب اللغة العربية غريب‏

- لا يا حسام، يقول أبي وهو يبتسم، لغتنا من أوضح اللغات مع أنها غنية ورقيقة، غداً عندما تكبر أكثر ستعرف هذا جيداً، وأظنك ستحب كثيراً أن تقرأ القصائد والقصص المكتوبة باللغة العربية فتعرف براعتها وعذوبة معانيها.‏

- نعم شكراً لك يا أبي... وأعود لأقرأ:‏

"وقف محمد وهيفاء عند محلّ لبيع الخضار.." فأشم رائحة الجزر والبندورة والقرنبيط تفوح من بين صفحات الكتاب فأسأل أمي:‏

- ماما، هل لا يزال عندنا جزر؟ وقبل أن أسمع جوابها، يأتيني صوت أبي: حسام، عدنا نرفع صوتنا؟ اقرأ بهدوء.‏

ألم أقل لكم؟ إنهم الكبار دائماً لماذا لا يتركوننا نقرأ ونتكلم بصوت عال؟ فلا تسمعهم إلا وهم يوزّعون الأوامر:‏

اهدأْ يا ولد. دعْ لعبة أختك. كم صرفتَ من النقود؟ ثم ألم تنمْ بعد؟‏

هيا أطفئ النور، وإلا فإنك سوف تتأخر في النهوض باكراً صباح الغد... وأنتم تعرفون البقيّة.‏

كلّ هذا يظلُّ بسيطاً لو أنهم لا يتهموننا-نحن الصغار- بكثرة الكلام وزيادة المطاليب بالأمس قلت لأبي: بابا ماذا تعمل أنت؟‏

- هذه عاشر مرة تسألني هذا السؤال يا حسام، لا أظن أنك نسيت أنني معلّم.‏

- لا، فقط نسيتُ ماذا تعلّم‏

- كيف تنسى ذلك وأنت ولد ذكي وتلميذ مجدّ؟ إنني أعلّم اللغة الإنجليزية.‏

- للبنات أم للصبيان؟‏

- لكليهما...‏

- بابا، أنت محظوظ.‏

- لماذا يا ترى؟‏

- لأنه ليس لديك واجبات للكتابة ثم أن لديك وقتاً كافياً لمشاهدة الرسوم المتحركة.‏

- لا، أنت مخطئ.. فأنا لديّ دائماً كثير من الواجبات ألا تراني أحضّر الدروس التي ألقيها على الطلاب كلّ يوم؟ ثم أنت ترى كم من الدفاتر أجلب معي إلى البيت لأصحّح وظائف الطلاب، ولكن يا حسام أنت تعلم أنني لا أشاهد برامج التلفاز إلا في أوقات الفراغ والراحة....‏

- أبي هل تسمح لي بسؤال؟‏

- نعم، تفضّل‏

- هل صحيح أن والد صديقي عدنان رائد فضاء؟‏

- من قال لك ذلك؟‏

- عدنان هو الذي أخبرني أمس أن أباه خبر أشكالاً وأنواعاً مختلفة من المراكب الفضائية حتى أن إحداها تشبه شبهاً غريباً قطعة شوكولا محشوّة بالبندق، وعلى ظهرها خطوط بيضاء مثل الحليب...‏

ورأيت أبي يخبّئ وجهه خلف الجريدة ويضحك... فأعود لأسأله:‏

- بابا، لماذا تقرأ الصحيفة كل يوم؟‏

وأسمع صوت أمي يناديني من الغرفة الأخرى.‏

- حسام، دع أباك يرتحْ، وكفاك أسئلة، ألا ترى أن أباك متعب.‏

- متعب، ويقرأ؟ أمر غريب حقاً‏

أنا متعب لأنني أقرأ، المتعب، حسب ما أعرف، يجب أن يرتاح، فيصغي إلى الموسيقا، يشاهد التلفاز، يروي قصصاً عن عالم الفضاء المدهش، أو حتى يسمع آخر النكات ... وأنا أيضاً متعب يا أمي، هل يمكنني أن أرتاح قليلاً؟ لم تسمعني، كنت لا أزال أرى((توم وجيري)) يركضان على صفحة كتابي المفتوح، بينما اختفى محمد واختفت أخته هيفاء، ولم تعد أكوام الجزر والبطاطا موجودة.........‏

وأخيراً سمعت أمي تدعوني إليها: حسام تعال... فأسرعت إليها في المطبخ حيث كانت رغوة الصابون تغمر يديها حتى المرفقين، وقبل أن أعرف ماذا تريد مني سألتها:‏

- ماما، أتسمحين لي باللعب معك؟‏

- أية لعبة تقصد؟‏

- برغوة الصابون‏

- لكني لا ألعب، أنت ترى أنني أنظّف الصحون‏

- إذاً دعيني أساعدك‏

- إذا أردت أن تساعدني حقاً فاذهب وانظرْ هل لا تزال أختك نائمة.‏

- حاضر يا أمي.‏

وحين عبرتُ مسرعاً مثل الزوبعة اصطدمتُ بصحيفة أبي التي كان لا يزال ينشرها أمامه، فأصدرتْ صوتاً خشناً، وفتحتُ باب الغرفة التي كانت أختي تنام فيها بكل هدوء ولكن رغم ذلك اعتقد أنني سمعت فرقعة وصريراً مزعجاً حتى أن أختي فتحت عينيها فجأة مثل عيني فأر مذعور، وحين لمحتْني راحت تجهّز نفسها للبكاء وهي تضم فمها حتى صار قريب الشبه بالرقم(4) مقلوباً إلى الأسفل عدتُ لأخبر أمي، فاصطدمتُ، بصحيفة أبي مرة ثانية، وسمعته وأنا أمرق كالسهم ينتهرني: انتبه يا ولد‏

كانت أمي قد فرغت من تنظيف الصحون، وراحت تجفف يديها، تناولتهما، وبدأت أقبّلهما قبلاتٍ سريعةً، وأشرت لها أن تقرّب وجهها مني ففعلتْ، فهمستُ في أذنها:‏

- ماما، لقد استيقظت أختي.‏

- آه ياله من خبر مفرح حقاً ماذا تريد مكافأة لك؟‏

- لا حاجة للمكافأة يا أمي.‏

فابتسمتْ وقالت: تعال معي.‏

وقادتني إلى غرفة النوم حيث بدأت أختي الصغيرة تزحف باتجاه الباب، وعندما سمعت صوت أمي راحت ترتل: أمّا، أمّا، كغّي.‏

فانحنت أمي وأجلستها في حجرها وقبّلتها وأنا لا أزال أتعلّق بثيابها ثم فاجأتُها بسؤالي‏

- ماما، لماذا عينا أختي مثل عيني الفأر؟‏

- اسكت الآن، واذهب لتجلب كتابك.‏

خطوتُ ببطء نحو غرفة الجلوس، وكأن أبي مستغرقاً في مشاهدة الأخبار على شاشة التلفاز، وقد طوى الصحيفة إلى جانبه، توقفتُ خلفه دون أن يشعر بوجودي ثم سألته:‏

- أبي، لماذا تشاهد الأخبار دائماً؟ إنها ليست ممتعة.‏

- آه يا بني كم مرة قلت لك لا تتحرك في الخفاء، لقد أزعجتني‏

- كنت أريد أن أمرّ من أمامك ولكنني خفتُ أن أسقط صحيفتك، ومثل عادته دائماً راح أبي يضحك وهو يغمغم: ولد شقي حقاً فطوّقتُ عنقه وأنا أضحك محتجّاً.‏

لماذا الأخبار وليس أفلام الكرتون؟ أنا لا أحبّ الأخبار. فهل تحب أنت ما تعرضه من حروب وقتل ودمار؟ أنا أكره الأخبار فيقول أبي:‏

- صحيح يا بني، ولكن لابد لنا أن نعرف ماذا يحدث في العالم الكبير حولنا، إنه واجب علينا، نحن الكبار، وإلا فإننا سنكون جاهلين‏

- الكبار؟ إن أمرهم غريب أما أنا فمن جهتي يكفيني أن أعرف أن محمداً وأخته هيفاء قد ذهبا إلى سوق الخضار، واشتريا كثيراً من الجزر والبطاطا والفول عدت بالكتاب فرأيت أمي قد انحنت فوق سرير أختي، وراحت تهدهدها وتغني بصوت عذب، طالما أحببته لما فيه من رقة وحنان وبخاصة هذه الأغنية:‏

(( عند الصبح....... العصفورةْ‏

هدّتْ عَ الشباكْ‏

لمّا الساعة المسحورة‏

غنّت تك تك تاك‏

هذي البنت الأمّورة‏

صحيتْ ع بكّير‏

قالت: ياللّه يا حلوه‏

لنرَفرفْ ونطيرْ....))

بقيتُ واقفاً ساكناً ريثما انتهت الأغنية، وأطبقت أختي جفنيها وهي تبتسم، فتناولتْ أمي يدي وقادتني قائلة: هل جلبتَ الكتاب؟ حسناً تعال لنرى كيف حفظت درس القراءة.‏

- نعم يا أمي، حفظته جيداً، ومعلمتي تقول دائماً إنني سأظلّ الأوّل بين تلاميذ صفّي، فأنا أقرأ جيداً، حتى أنني حفظت بعض الدروس غيباً، هل تريدين أن تتأكدي؟ ها أنا أغلق الكتاب، وتفضلي اسمعي:‏

(( في السوق، ذهب محمد وأخته هيفاء إلى السوق.. كان الوقت صباحاً....))

لكن يا أمي متى سنذهب نحن إلى السوق؟ ضحكت أمي وقالت:‏

قريباً إن شاء الله، وما دمتَ مجتهداً ومتفوقاً، فهيا بنا نقرأ شيئاً آخر غير الكتاب المدرسي، لقد جلبتُ مؤخراً بعض الكتب الثقافية، وأريد أن تساعدني في قراءة بعضها.‏

- أمي، ما معنى ثقافية؟‏

- إنها غير الكتب التي ندرسها في المدارس وهي تساعدنا في زيادة معارفنا وعلومنا، ثم إنها ترهف حواسنا وتجعلنا نحب الخير وننفر من الشر والقبح، هل تفهمني؟‏

- طبعاً يا أمي‏

- ويجب أن تعرف كذلك أن حياتنا هذه لا مكان فيها إلا للمتعلمين والأذكياء ومن غير القراءة لا يمكننا أن نحقق أهدافنا وطموحنا، أليس كذلك؟‏

- نعم يا أمي، أنا هدفي في الحياة أن أكون رائد فضاء، لكن أمي، بماذا يتسلّى روّاد الفضاء في أوقات فراغهم؟ هل في المركبة الفضائية جهاز تلفاز؟‏

ويا لها من كلمات قالتها أمي، إن صداها لا يزال يرنّ في أذني، فقد كانت خارجة من القلب تماماً مثلما أغنياتها الرقيقة لأختي:‏

- يا بنيّ، لا يمكن لأحد أن يصير عالماً أو طبيباً أو رائد فضاء إلا بالتعلّم الجيد والمثابرة على قراءة الكتب الكثيرة، وليس بقضاء الوقت في مشاهد التلفاز.....‏

حتى هذا الجهاز العجيب الذي تحب، هل فكّرت يوماً من الذي اخترعه؟ إنه ليس شخصاً جاهلاً حتماً من ابتدع ذلك الجهاز المعقّد والعظيم‏

إنه العلم يا ولدي طريقنا الوحيد للاكتشاف واختراع كل ما هو جديد ومفيد ولا سبيل إلى العلم إلا بالقراءة، القراءة الدائمة التي سريعاً سنكتشف لذّتها الرائعة، وهذا لا يتحقق إلا بعد أن نتّخذ الكتاب صديقاً حميماً، ومن هنا فالواجب يقتضي أن نعامل معلمينا باحترام لأنهم يرشدوننا إلى طريق الحياة العظيمة، وأنت تعرف كم يحبّ الناسُ أباك ويحترمونه لأنه معلّم مخلص.‏

- وأنا أحبّه وأحترمه يا أمي رغم أنه لم يعطني مصروف العطلة‏

- حسام، العطلة لم تأتِ بعد، فلا تكن لجوجاً، ثم إن النقود موضوعة في درجك منذ يومين‏

- صحيح؟ عن إذنك يا أمي، سأسقطها في حصّالتي وأعود إليك سريعاً.‏

وأثناء مروري بالمكتب كان أبي ينثر أوراقه ويدوّن عليها بخطّه الأنيق كلمات يكتب بعضها من اليمين وبعضها الآخر من اليسار، فسعلتُ سعلة خفيفة ثم اقتربت منه وقبّلته قبلةً على خدّه الأيمن وقبلةً على خدّه الأيسر، فقبّلني وهو يقول: مصروفك في درج المكتب.‏

- نعم شكراً لك يا أبي، ولكن إذا أنا ادّخرت كلَّ مصروفي حتى نهاية العام فهل سيتجمّع لديّ مبلغٌ كبير من النقود؟‏

- مبلغ كبير؟ وما حاجتك إليه يا ترى؟‏

- قل لي يا أبي هل هذا ممكن؟‏

- ربما إذا لم تسرف في الإنفاق وشراء الحلوى.‏

- لن أشتري شيئاً من ذلك بعد اليوم وسأحتفظ بكل فلس‏

- ولكن لم تقل لي سبب هذا الحرص هل تفكر بمشروع ما؟‏

- نعم لقد عرفت اليوم أن هناك ما هو أثمن من كلّ شيء فقررت أن أشتري كثيراً من الكتب، ليكون عندي مكتبتي الخاصة فأنت تعرف يا أبي رائد الفضاء يجب أن يكون مثقفاً، ومن غير قراءة الكتب كيف يمكنه أن يحقق هدفه؟‏

كما أنني أعتقد أن التلفاز يؤذي العينين، وشاشته تبث أنواراً ضارة جداً، أليس كذلك يا أبي؟ لكنه لم يجبني لأنه راح يضحك بصوت مرتفع، بينما وقفت أمي إلى جانبه تشاركه الضحك، والدموع تتساقط من عينيها. لكن أتراني قلت شيئاً غير صحيح؟ ربما...‏

إن الكبار لا يقولون كل شيء بصراحة، بل يكتفون بإخفاء وجوههم والاستغراق في الضحك. وهكذا رحت أضحك مع أمي وأبي وأضمّهما وأنا أراهما في غاية الفرح والسعادة.‏

لقد كان مجرد الحديث عن الكتب والقراءة يجعل الفرحة ترفرف في بيتنا مثل طائر أبيض أليف يحطّ على أيدينا وأكتافنا ولا غرابة في ذلك أبداً، فلقد عرف أبي وأمي على السواء معنى العلم والثقافة وعاشا لذاتهما، فكان كل منهما ناجحاً في دراسته ثم عمله، حيث اصطفّت الشهادات فوق جدران بيتنا مؤطّرة بأُطرٍ ذهبية وفضّية لامعة، وممهورة بأختام تحمل أسماء وزارات وإدارات عُليا.‏

بينما ترى فوق أحد الرفوف صورة لأبي وهو يتسلّم إجازته الجامعية ويرتدي الزيّ في احتفال كبير، ورجل ذو نظارتين يصافحه ويبتسم.‏

وتفخر أمي بجائزة نالتها عندما صممت نموذجاً لمدرسة حديثة تحيط بها حديقة غنّاء.‏

ولا يزال نموذج مصغّر لهذا المشروع يعلو أحد الأدراج يشهد ببراعة أمي ومهارتها، فكانت حتى اليوم تهتّم به جداً فتمسح عنه الغبار بفرشاة كبيرة من ريش ناعم، وأراها تقف أحياناً لتتأمل هذه التحفة البديعة.‏

وأذكر الآن أنني حين طلبت من أمي أن تعيرني هذه الدمية، وكنت لا أزال بحجم الفرخ الصغير، قالت أمي بحزم: آسفة يا حبيبي، هذا ليس لعبة‏

وقتها حزنتُ قليلاً، ولم أعرف لماذا تقول أمي ذلك، بينما تلك الدار الصغيرة التي بَنتْها تشبه اللعبة حقاً. أما الآن فقد نسيت كل ذلك ولم أعد أحتاج إلاّ شيئاً واحداً.‏

نعم أن تصنع أمي مركبة الفضاء التي سأقودها أنا والذين سيرافقونني في رحلتي إلى الكواكب. وفي الحقيقة سألت أمي مرة:‏

هل ستصنعين مركبتي يا أمي؟‏

فقالت وهي تبتسم:‏

أنا يا بني مهندسة، أصمم المباني والجسور والإنشاءات أما مراكب الفضاء فإن مهندسين صناعيين وفنّيين يقومون بذلك، ولكن يا حسام لماذا اخترتَ مهنة رائد الفضاء؟‏

- لأن بذلته تعجبني‏

- فقط؟‏

- لا، ليس فقط، بل يعجبني كذلك الصعود إلى الفضاء والهبوط على كواكب غريبة من أجل اكتشافها، وتخليص الأرض من خطر الأعداء الذين يأتون لتخريبها.‏

- ومن قال لك إن الأعداء يأتون من خارج كوكب الأرض؟‏

فيجيب أبي وقد انتبه إلى حديثنا: رأى ذلك في أفلام الرسوم المتحركة ربما‏

- نعم يا أبي، طبعاً‏

- آه يا بني متى ستقول لي: قد قرأت ذلك في كتاب؟ متى سيحين ذلك اليوم؟‏

تقول أمي: إنه لا يزال صغيراً‏

- لا إنه كبير بما يكفي ليبدأ باتخاذ القرارت المهمة. وفي الحقيقة حينما سمعت هذه الكلمات، أحسست أن قامتي طالت عدة سنتمترات، وصارت أطول في اليوم التالي عندما دخلتْ المعلمة غرفة الصف، وأعلمتنا أن صباحنا سيكون ممتعاً كما نحب لأننا سنبدأ يومنا بالرسم.‏

وراحت تنثر بين أيدينا الألوان والورق المقوّى ثم رأينا بسمتها العذبة وهي تخاطبنا برقّة وحنان: أحبائي، هل تعرفون ماذا سترسمون؟‏

- ماذا يا معلمتي؟ - هتفنا بصوت واحد‏

- أريد أن يرسم كل واحد منكم لوحة تعبّر عن أمنيته في المستقبل، وماذا يحب أن يكون‏

- ولكن يا معلمتي، هذا صعب‏

- اهدؤوا.. لا يهمّ، جربّوا على الأقل، ومن يجد ذلك صعباً فليقل، أم أنكم لا تعرفون ماذا تريدون أن تكونوا عندما تكبرون؟‏

وقبل أن تنهي المعلمة كلامها، كان خطّان متوازيان قد احتلا لوحتي ثم جعلتُهما يلتقيان برأس حادّ مثل قلم الرصاص المبريّ جيداً، ورحتُ أقسّمه قطعاً متساوية ثم رسمت بجانبه عموداً يشبه السلم، ووصلت بينهما وأنا ألتقط أنفاسي واثقاً من أنني سأنجح.‏

ورحت أتأمل لوحات رفاقي المنتشرين حولي، كان أحمد لا يزال ينسى نفسه، فحينما يبدأ الكتابة أو الرسم يقرّب وجهه من الورقة حتى يكاد يلتصق بها، مما حجب لوحته فقلت له فجأة:‏

- أحمد، ارفع رأسك قليلاً من فضلك، إن هذا يضرّ بعينيك فانتبه، وشكرني، بل تقدم ليرى ماذا رسمت بينما بدا في لوحته جنديٌّ بعينين كبيرتين مدورتين تشبهان عيني عمي سلطان المحارب العتيق الذي حارب الفرنسيين بالعصا. أما الجندي الذي رسمه أحمد فقد علّق على كتفه بندقية حديثة وحوله تناثرت طائرات حربية ودبابات، وبعضها بدأ يطلق النار فعلاً من مدافعه، حيث انتثرت حزمة من خطوط سوداء متصلة بفوّهات المدافع مثل انفجار القذيفة، قلت:‏

أحمد، ما هذه اللوحة الحربية؟ أنت تحب القتال؟‏

- نعم، هذا ما أحلم به، سأصير ضابطاً كبيراً في جيش الوطن، أحمل السلاح وأدافع عن أهلي وأخوتي.‏

فاجأني كلامه حقاً، فبالأمس فقط كان أحمد يبدو رفيعاً مثل قلم الرصاص، بشعره الأسود المنسدل على جبينه، وثوبه المدرسي الواسع الذي يبدو وكأنه أُعدّ لولد أكبر منه بكثير رأيته الآن كبيراً حتى أن ثوبه قد ضاق عليه...‏

كانت المعلمة تراقبنا عن قرب، وتوزع ملاحظاتها وتعليماتها، وحين سمعت همسنا اقتربت منا أكثر، وهتفت حينما رأت لوحتي:‏

منصّة إطلاق الصواريخ؟ حسام، هذه لوحة جميلة، ثم جلست بجانبي وأخذت تسألني بينما صديقي أحمد يصغي إلينا:‏

- هل تعرف أين تقع المركبة الفضائية؟‏

- طبعاً يا معلمتي إنها في مقدمة الصاروخ.‏

- صحيح تماماً، وما فائدة الصاروخ إذاً.......؟‏

- إنه يحمل المركبة إلى مدارها في الفضاء الخارجي حيث تبدأ الدوران حول الأرض.‏

- آه، أنا الآن مطمئنة إلى أنك ستصبح رائد فضاء ناجحاً ولكن هل يمكنني أن أرافقك في رحلتك الأولى؟ إني أحب اكتشاف العوالم الجديدة.‏

- لا أعتقد يا معلمتي، فروّاد الفضاء يخضعون لتدريب قاس يبدأ في مراحل العمر الباكرة، ويمكنك أن تسألي أحمد على كل حال.‏

كان أحمد قد لوّن المساحات كلّها في لوحته حيث صبغ الطائرات المحترقة بلون أسود فبدتْ لوحته كاملة مما جعل المعلمة تربّتُ على كتفه وهي تقول:‏

وهذا فنان آخر يعرف كيف يرسم، وكيف يدافع عن الوطن. ورأيت أحمد كبيراً بما يكفي ليبدأ باتخاذ القرارات المهمة، لقد صدق أبي، فنحن لم نعد صغاراً.‏

نسيت أن أخبركم أنني أحب مدرستي جداً، وأحترم معلمتي الغالية، وبما أنكم لا تعرفونها فسأروي لكم قليلاً عنها:‏

إنها رقيقة وطيبة القلب أكثر مما تتصورون والأهم أن لها صوتاً عذباً يذكّرني دائماً بصوت أمي، ولهذا فكثيراً ما رجوناها أن تغنّي لنا من أناشيد الكتاب المدرسي حتى خارج حصص الموسيقا، كانت أحياناً تعتذر فتقول برقة إن صوتي متعب يا أحبائي فاعذروني، ولكننا نلحّ كالعادة دائماً: لا بأس، غنّي لنا أغنية واحدة.‏

- طيّب، ماذا تريدون؟‏

- طبعاً أغنية((وطن العصفور))‏

ويبدأ صوتها ينساب مثل جدول رقراق ينثر رذاذه على أوراق العشب، فتتلامعُ القطرات وتزهو الأوراق مثل سيوف خضراء صغيرة، وهي تشير بيديها مثل جناحي العصفور العائد إلى وطنه البعيد ليبني عشّه بين أكمام الزهر والخضرة، بينما كنا نصغي إليها ونرى في خيالنا رفّاً من العصافير الملونة كرهتِ الغربة والعيش بعيداً عن وطنها، فقررت أخيراً العودة مهما زادت الأخطار، ومهما قاست من البرد العذاب، لأنهم دائماً يقولون:‏

إنّ من لا وطن له ليس له حياة ولا كرامة فإذا انتهت معلمتنا من الغناء رحنا نصفّق لها تصفيقاً منغّماً ونشكرها شكراً جزيلاً.‏

رفعت يدي مستأذناً بالسؤال.‏

- تفضل يا حسام ما بك؟‏

- معلمتي، هل صغار العصافير زغاليل؟‏

- نعم، أحسنت، ابن العصفور زُغلول وابن الدجاجة فرخ وهو ما ندعوه بالكتكوت، وفي هذا المجال، من يعرف ما اسم صغير الخيل؟ فسكتنا لحظة، بينما دار في ذهني شريط طويل من الرسوم المتحركة، ثم بزغت الكلمة فجأة، لكن قبل أن أرفع يدي مستأذناً بالإجابة، كان طفل يجلس آخر الفصل يهتف بصوته الرفيع كصوت المزمار: إنه المهر‏

- نعم صحيح، لكن أرجو أن تستأذن قبل الإجابة يا نزار.‏

- آسف يا معلمتي، قال الولد، ثم سأل:‏

- هل تعرفون ماذا نسمّي صغار الغزلان والذئاب والحمير؟‏

فرفعت المعلمة يدها وهي تضحك لأنها فعلتْ مثلنا حينما نستأذن بالإجابة وقالت:‏

- هل أجيب؟ صحنا بصوت واحد: نعم، نعم،‏

- إن صغير الغزلان هو الرشا، ويسمى صغير الذئب الدغفل ولكن يا أولاد هل بينكم من لا يعرف الجحش؟‏

- لا، لا، كلنا نعرفه.‏

- وما دمتم تعرفون كل هذه المعلومات فهيا نكمل لعبتنا بتذكر أصوات هذه الحيوانات اللطيفة منها والمتوحشة، ونبدأ بالسؤال عن صوت العصفور، ارتفعت الأيدي....‏

- نعم‏

- زقزقة‏

- البلبل؟ نعم‏

- تغريد‏

- أحسنتم، الأسد؟ هيا أحمد‏

- يزأر زئيراً‏

- شكراً لك، الذئب؟‏

- يعوي عواءً.‏

- أجل، الحمار ينهق فصوته هو النهيق لكن ما صوت الكلب؟‏

- الكلب ينبح فصوته(عو، عو) هكذا قال أحد التلاميذ وهو يضحك. فقالت المعلمة نعم هذا هو النباح وشكراً لكم أيها الأحباء لأنكم تعرفون كل ذلك ولا ننس أن صوت أوراق الشجر حفيف، وصوت الأفاعي فحيح، ولكن في رأيكم ما أجمل حيوانات الغابة؟‏

- إنه النمر طبعاً.‏

- لا أقصد من الحيوانات الكاسرة، أو التي تأكل اللحوم، بل من الحيوانات العاشبة‏

- إنه الغزال، أليس كذلك؟‏

- صحيح هل تعرفون ماذا يسمى صوت الغزال؟ أعتقد أنكم لم تسمعوا به من قبل، إنه النزيب. فالظبي ينزب عندما يدعو رفاقه للرعي في المرج المعشب، وصوته لا يقل رقّة وجمالاً عن شكله. وخطر لي أن أسأل:‏

معلمتي، هل يمكن للظبي أن يتعلم الغناء؟ فضحكتْ وضحكنا بينما كان جرس المدرسة يقرع معلناً انتهاء وقت الدرس. إنه وقت الانصراف، وها نحن نشدّ حقائبنا إلى ظهورنا ونقف بانتظام لنحيّ معلمتنا ونخرج من القاعة واحداً واحداً كما عودتنا، فتعود أصواتنا تعلو ونحن نتحدث جميعاً في وقت واحد، فلا يعرف أحدنا ماذا يريد الآخر أن يقول، لكننا نعرف جميعاً أننا سعداء وأننا نحب معلمتنا ذات الخلق الطيب والصوت الرقيق، والتي تعرف كل أسماء أبناء الحيوانات وأصواتها بل كل شيء عنها فخطر لي أنها لابد قد قرأتْ عدداً من الكتب، وربما تكون لديها مكتبة تحتلّ رفوفَها كتبٌ كبيرة وصغيرة، فإذا جلست في المساء تبدأ هذه الكتب تنزل وتشاركها جلستها لتؤنسها فتبدأ البلابل تغرد وسط حفيف أوراق الأشجار وخرير جداول الماء العذب، فتنزب الغزلان وهي تتسابق إلى الشرب، عندها تهمس معلمتي في سرّها:‏

ما أعظم الخالق وما أرقى هذا الكون الذي خلقه منتظماً وحلواً، حلواً‏

حين وصلتُ بيتنا، أحسست شيئاً غير عادي، فخشيتُ قليلاً حينما لم أرَ أمي تسرع لتفتح لي الباب وتطبع على جبيني قبلة ناعمة، فأسرع لأقبّل يدها ثم أسرد على مسمعها آخر أخبار المدرسة، وأروي لها عن معلمتي التي يشبه غناؤها غناء العصفور في الغابة.‏

ولا رأيت أختي تدفع عربتها، وتلهث باتجاهي فأقبّلها وأداعب ذؤابة شعرها المتدلية على عنقها. لقد كان الباب مفتوحاً مواربة، بينما اختفت أمي وأختي الصغيرة فلم يسرع أحد منهما لاستقبالي.. فناديت: ماما، لقد عدت.‏

وتوقعتُ أن تخرج من المطبخ مسرعة تجفف يديها بمئزرها، لكن شيئاً من هذا لم يحدث، فقط ما لفت نظري بالون أحمر كبير راح يتدحرج أمامي في الممر، فاستغربت وجوده في مثل هذه الساعة‏

أعندنا ضيوف؟ أم أنها ابنة خالتي الشقية رباب نسيته هنا وراحت تبحث بين ألعابي عمّا يعجبها أكثر؟‏

وهممت بأن أمسك البالون الأحمر لكنه قفز متجهاً إلى داخل البيت حاولت مرة ثانية وثالثة ولكنه كل مرة كان يقفز قفزة سريعة كأنّ أحداً يشدّه إلى داخل البيت، لكن كيف؟ هل هو بالون سحري؟ فاشتقت إلى أكثر إلى أن أمسك به وأعرف سرّ هروبه منّي حتى أنني ركضت بسرعة فائقة نحوه ورغم ذلك لم أدركه بل قفز باتجاه غرفة الضيوف واختفى هناك. وحين خطوت وراءه كم كانت المفاجأة كبيرة حين رأيت أمي وأبي وكل أعمامي وأخوالي ينتظرونني حتى دخلت الغرفة فأخذوا يصفّقون بحرارة وهم يهتفون:‏

عيد ميلاد سعيد يا حسام......‏

مبارك ميلادك يا حسام الحبيب..‏

كل عام وأنت بخير أيها التلميذ المجتهد والحبيب..‏

عندها لمحت ابنة خالتي قد ربطتْ البالون الأحمر بخيط طويل شفاف أما الآن وقد نفّذتْ حيلتها، أخذت تضحك وتركل البالون الأحمر الكبير فيصدر صريراً حاداً ومزعجاً.‏

صافحتُ أهلي فرداً فرداً وشكرتهم من صميم قلبي على هذه الحفلة المفاجئة، حقاً إنه عيد ميلادي ولا أدري كيف غاب كلُّ ذلك عن بالي اليوم إذاً أخطو نحو العاشرة‏

أحسست أن قامتي طالت أكثر قليلاً، وإن ابنة خالتي رباب بدت أصغر مما كانت قبل اليوم، نظرت إليها كانت لا تزال تداعب البالون الأحمر وتملأ القاعة بالصخب.‏

شخص واحد كان غائباً، ويحزنني غيابه جداً، إنها جدتي الغالية رحلت بعد شهر فقط من عيد ميلادي السابق ورحلتْ معها أجمل الحكايات التي كانت تقصّها علي، حكايات مدهشة، للغيوم فيها دموع من لؤلؤ تملأ جيوب الفلاحين، ولأشجارها قلوب تنبض فتدفئ العصافير القادمة لتبني أعشاشها بين الأغصان.‏

آه لكم، أفتقد جدتي الحبيبة وقد اعتادت أن تهديني كلَّ عام حكاية جديدة ساحرة سمعت أبي يعيدني من تخيلاتي: تعال يا حسام لقد حان وقت تلقي الهدايا، فتقدمت لتتساقط بين يدي أكوام من العلب والرزم المغلّفة بأناقة، وبينما كنت أمزّق الأربطة وأفتح العلب قفزتْ منها قمصان ملونة وألعاب مختلفة الأشكال والأحجام، وراحت القبلات تنهمر فوق وجنتي والدعاء بالعمر الطويل والصحة والسعادة، وأنا أردّ: شكراً خالي، شكراً عمي، شكراً يا عمتي شكراً لكم جميعاً.‏

أبي وحده كان لا يزال يقف بعيداً، وبعد ما هنّأني الجميع، مشى نحوي ثم أمسك يدي، وقادني باتجاه غرفة المكتب.‏

كان الباب مفتوحاً، وما إن دخلنا حتى سرّحت نظري باحثاً عن ذلك الشيء الجديد الذي يريد أبي أن يجعلني أراه. وسريعاً استقرّ نظري على خزانة أنيقة لامعة، توشّح لونها البّني برسوم ونقوش ذهبية، اصطفّتْ خلف زجاجها النظيف أعداد من الكتب المختلفة، وتدلّت فوق أحد الأدراج لوحة كتب أبي عليها بخطّه الأنيق:‏

(( مكتبة حسام، مبارك عيد ميلادك ))

بدأتُ أقفز مثل جدي صغير وأصيح شكراً بابا، شكراً ماما، شكراً لكم جميعاً.‏

مضى ذلك اليوم الجميل، وأنا الآن أجلس قريباً من مكتبتي الحبيبة، أكتب لكم قصة، وأتمنى أَلاّ يقرأها أحد من الكبار، الكبار... أجل‏

إنهم يعرفون كيف يقدمون الهدايا ولكنهم كذلك يزعجون الصغار دائماً وهم يأمرون:‏

افعل هذا، ولا تفعل ذاك.‏


المراجع

موقع مملكة القصص الواقعية

التصانيف

قصص الأطفال