أرادت أن تعمل بعد أن عانت ما عانت بسبب انقطاعها عن الدراسة الثانوية فكانت تصبح وتمسي بين المشاكل العائلية وبين الملل والرتابة، عملت واجتهدت في عملها حيث كانت صبورة، تصب جام حزنها في العمل، لفتت نظري مسحة الحزن التي كانت تغطي وجهها الجميل .

حاولت أن أتقرب منها لأكتشف سر الكآبة التي كانت تعتريها وهي في هذا العمر (عمر الزهور)، سألتها ذات مرة:

- هل لك أخوات جميلات مثلك ؟

أجابتني:

- نعم لي أخت أكبر مني ومتزوجة ولي أخوان اثنان.

- هل دار أختك قريبة منكم ؟

- نـعــم.. !

- هل تزوركم دائمـا ؟

- لا أنها نـادرا ما تـأتينـا.

- لمــاذا ؟

- لأنها لا تطيق أن ترى زوجة أبي .

- هل أمك موجودة ؟

- لا ، أمي مطلقة من أبي ومتزوجة من شخص أخر ولها من الأولاد خمسة .

- هل تسأل عنكم وتأتيكم دائماً ؟

- كلا أن أمي تركتنا ونحن أطفال، كان لي من العمر ثلاث سنوات فقط حين تركتنا، وأنا أشعر الآن، وأنا في هذا العمر بأن أمي قد نسيتنا تماما واصبح اهتمامها بأولادها الآخرين فقط، وأحيانا حينما تضيق بنا الدنيا أنا وأخوتي نذهب أليها بأنفسنا علنا نجد عندها بعضا من الحنان، ألا أنها تستقبلنا ببـرود تام لا يتناسب وكونها أمنا فنعود أدراجنا ونحن نجر أذيال الخيبة.

شعرت بغصة حين تكلمت هكذا، وأحسست كم هي محتاجة لحضن أم، وكم هي محتاجة لكلمات دافئة ومشجعة لشق طريقها في الحياة، صمتّ قليلا، وقلت :

- لا بأس يا عزيزتي عسى أن يعوضك الله بأبيك وبزوج المستقبل.

أجابتني:

- لا أمل في أبي فأنه منقاد لزوجته ولا يقدر أن يعمل اي شيء .

- وكيف هي زوجة أبيك ؟

- أنها قاسية لا تطيق النظر إلينا والعيش معنا ، وحين ترى والدي يستجيب لنداء الأبوة ويلاطفني بكلمة أو كلمات حلوة أحيانا، تشتاط غضبا وتختلق مشكلة أن لم نقل مشاكل ويصبح يومنا هذا مر كالحنظل ، لذا قررت أن لا أكلم أبي أمامها أو اقترب منه .

- هل تعبّرون عن أمتعـاظكم منها أمامها ؟

- كلا لا نقدر على ذلك، أنها شديدة الغضب، حادة الطباع، لديها حب التملك بشكل غريب عجيب ، فهي تريد أن تستحوذ على كل شيء لها ولأبنها الوحيد، وتريدنا أن نعمل كخدم، حتى أنها تحث والدي على أن يظلم أخواي اللذان يعملان معه فيحرمهما من أجور العمل ومن ثم فهي لا تكتفي بذلك بل تحاول ان تحرمهما أحيانا من الطعام، وحين يفيض الكيل بأبي ويوجه لها بعض الأنتقادات تغضب وتترك البيت وتترك طفلها لدينا عن قصد وكأنها تعاقب الجميع فأقوم أنا عندئذ بالاهتمام به ورعايته.

- كيف هي علاقتكم بهذا الطفل ؟

- نحن نحبه وهو يحبنا لأن معظم الوقت أنا أعايشه وأخاف عليه وأحرص على تربيته رغم السموم الذي تغذيه له ضدنا .

- أنا آسفة يا عزيزتي على فتح جروحك ، لم أكن أعلم بأني سأسمع ما سمعت، أسأل الله أن يعينك على حمل هذه المتاعب وأن يفتح لك أبواب مستقبل زاهر بما تستحقين .


المراجع

gesah2.com

التصانيف

قصص   الآداب